و أنّ أمم الأرض -وفقاً لمسار أمّتنا المفترض- استغاثت اليوم بنا، لنساعدها على تخطّي أزمات تعيشها، لم يكن ذلك مستحيلاً، ولا كبيراً علينا، ولا غريباً، لو أنّهم اليوم لجأوا إلينا لحماية حرّياتهم واستقلالهم وعزّتهم وكرامتهم لم يكن ذلك غريباً علينا ولا مستحيلاً، لو كنا كعبةً لهم في مختلف المساعدات يجدون في أرضنا العربية ملجأً آمناً ودعماً مؤازراً يوجبه علينا موقعنا في الأمم، ورسالتنا في العالم، ومسئولياتنا تجاههم، لم يكن ذلك غريباً ولا مستحيلاً، ولو أننا كعرب ومسلمين بادرنا بتحمّل مسئولياتنا العالمية على كل صعيد، وقدّمنا لهم جهدنا، قبل أن يطلب أحدٌ منا شيئاً، ومن دون مقابل، فقط لأنّ ذلك جزءٌ من ضريبة انتمائنا لأصالتنا، وديننا الذي يهدي للتي هي أقوم، لم يكن ذلك كبيراً علينا ولا مستحيلاً، أو لم يكن هذا هو الواجب الذي ألقاه القرآن على عاتقنا حين قال: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا).

في سياق هذا الافتراض غير المستحيل بل والواجب، لو وجدت اليوم مؤسّسات مدنية تعود إلينا، منتشرة انتشاراً واسعاً في تلك الأمم، تقدّم مختلف الخدمات والمساعدات على أنواعها، وبدافع إنساني فقط، فليس ذلك مستحيلاً ولا غريباً، ذلك أنّه حين يجب القتال فما دون القتال واجب بالأولوية..

وكيف يكون غريباً على أمّة تربّى بواكيرُها في عشّه المكّي وعشّه المدني على الإحسان للآخرين، ومعايشتهم معايشة كريمة، على أساس إنسانيتهم المشتركة، ففي الوقت الذي كان رسول الله (ص) يعاني من قومه، فإنه على الجانب الآخر كان يأمر أتباعه بمساعدة المحتاجين، وقد أسّس القرآن في ذلك تأسيساً عجيباً اعتبر فيه مَن لا يساعد الناس فاقداً لجوهر الدين، حيث يقول سبحانه (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) واليتيم هو اليتيم من دون أيّ قيد أو شرط من جنس أو دين، وواضحٌ هنا أهمية الدين والصلة بالله في دعم وتكريس التواصل الإنساني، القائم على أساس إنسانيتنا المشتركة، وأنّ الصلاة تصبح لغواً إذا لم تؤدّ دورها الإنساني، واعتبرها القرآن صلاة رياء ظاهريّة ساهية عن مضمونها الروحيّ، ما دامت لا تُفضي بمعونة (ماعون) المحتاجين، ولعمري لو اقتصرنا على هذه الآية لتمييز الدين الحقيقيّ من غيره لكفتنا، الذي يحثّ على التواصل والتراحم الإنساني، فيساعد المحتاجين، وينشر العدل ويُفشي السلام، ويُؤازر المظلوم أياً كان، حتى قال رسول الله (ص) متذكراً حلف الفضول (لو دعيت لمثله لأجبت) وهو حلف تعاقدت عليه قبائل من قريش، قبل الإسلام، للانتصار للمظلوم أيّا كان، واسترجاع حقّه، تمنّى (ص) لو يدعى لأيّ حلف هذا شاكلته لأنّه يُمثّل روح الدين، فالويل لمتديّنٍ قادرٍ لا يُعين أخاه الإنسان المحتاج، مهما اختلف دينه ومذهبه ولونه وطائفته.

لم يترك القرآن للمسلمين أن يتّخذوا قراراً بقطع هذا التواصل الإنسانيّ بحجّة أو بأخرى، حتى القتال وهو أكثر أسباب التقاطع بين الناس، لم يسمح القرآن ليتّخذه المسلمون حجّة لقطع تواصلهم الإنساني مع الآخرين، معمّمين نتيجة القتال، على مَن لم يقاتلهم، ولأنّ قضية التواصل الإنساني قضية مبدئيّة في الدين، نبّههم القرآن تنبيهاً مهمّاً بعد أن أمرهم بالاقتصار على مقاتلة المعتدين فقط ولا يتجاوزونهم إلى غيرهم، لأنه اعتداء بغير حق: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، ونبّههم إلى أهمية التواصل بينهم وبين الآخرين، حتى لو كانوا ينتمون لديانة وقوم من قاتلهم، فقال تعالى رجوعاً إلى الأصل الأصيل (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) والملفت هنا أنّ القرآن بلغ بالدعوة لمساعدة الآخرين إلى المستوى الذي سماها براً، والبرّ أعلى درجة هرمية تواصلية، وأيضاً أكّد ضرورة القسط معهم، لأنّ القسط قاعدة أبديّة لا تُنسَخ.

إنّ البرّ دلالة مفتوحة تسع جميع حاجات المحتاجين، والتي هي اليوم كثيرة ومتنوعة، لا تقتصر على مأكل ومأوى بحكم التقدّم الحضاري الذي بلغته البشرية، ولو أننا حرصنا حرص القرآن والرسول (ص) على التواصل الإنساني، وواصلنا هذا الدرب لأصبحنا اليوم كعبة كريمةً، يقصدها جميع المحتاجين مؤملين فينا الاستجابة لكل حاجة إنسانية يحتاجونها.

فأين نحن من هذه العلياء؟

وهل ثمّة أمل لعودتنا فنعود كما كنّا “خير أمّة” يوم تربّينا في عشّنا المكّي والمدنيّ، فنتلو قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) تلاوة عمليةً كواقع معاش؟!

بلى إنّ هذه المهمة ما تزال معقودةً بناصية هذه الأمة أكثر من غيرها، خاصة بعد فشل بعض الأمم المقتدرة.. في نواياها ودوافعها وبالتّالي شروط مساعداتها، إذ لا تقدّم مساعدة من أيّ نوع إلا بشروط، تخدم مصالحها، وإلاّ لم تحظ تلك المساعدة بتأييدهم.. على خلاف ما تلقيناه من تربية قرآنية التي ربّتنا على مقولة (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) إذ الأصل أنّ للمحتاج حقاً يجبّ أن يُؤدّى إليه دون شرطٍ ولا شكرَ على واجب.

إنّ مساعدة المحتاجين خاصة حينما نتكلم على المستوى العالمي يحتاج أمّةً متجرّدة من عوائق التمييز والتفريق بين محتاج ومحتاج، وقد علّمنا القرآن وربّانا على هذا التجرّد، وما علينا إلا العودة لقرآننا وجذورنا الأصيلة لنجد أنفسنا في موقعنا الطبيعي بين الأمم، موقع المحسن للآخرين، ومن دون تحديد، ومن دون شروط أو استغلال، ويوم يحدث ذلك فسيكون مؤشراً لا يحتمل الريب على أنَّ الأمّة اعتصمت بحبل ربها، وتآلفت على رشدها وأهدافها، وفق كتاب ربها الذي يهدي للتي أقوم.

إنّه يومٌ آتٍ لا محالة، فقط علينا أنْ نخرج من ضيق أفقنا إلى سعة دين ربّ العالمين الذي يقبل كل الأمم، ويدعو لاحترامهم ومعايشتهم بإحسان على أساس الأخوة الإنسانية الجامعة، وهم إخواننا في أرض الله الذي تفضل قائلاً (والأرض وضعها للأنام).

إنّ هذه الأمة موعودةٌ بالرجوع إلى طليعيّتها ومجدها وممارسة إنسانيتها الأمميّة، من منطلق ثقافتها القرآنية، ولعل هذه النهوض الذي يتململ اليوم في عالمنا العربي، وهو غريب ومفاجئ بكلّ التوقعات، ولكأنّه أمرٌ خارق للمألوف ويومٌ إلهيّ بامتياز، لعلّ هذا الحراك مؤشّر على بداية مخاض يسبق رجوعنا إلى أصولنا الأصيلة.