إحياء القيم من أجل السلم الاجتماعي .. التقوى مثالاً

pic3

ملخص ورقة عمل مقدّمة من قبل “قسم الدراسات والبحوث في جمعية التجديد الثقافية – البحرين” حازت على المرتبة الثانية في المؤتمر السنوي القومي السابع عشر “العربي التاسع” لمركز تطوير التعليم الجامعي بجامعة عين شمس، حول موضوع  “التقارب العربي في برامج التعليم الجامعي وقبل الجامعي”، بالتعاون مع إدارة التربية والتعليم والبحث العلمي بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية” برعاية معالي السيد/عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، ومعالي الأستاذ الدكتور/هاني هلال وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي بجمهورية مصر العربية، بمقرّ جامعة الدول العربية في 10-11 نوفمبر 2010م و قدمتها الباحثة رابحة الزيرة.

التمهيد

ثمّة خطرٌ داهم يحدق بالأمة إذا اختارت الاستمرار في السير (عكس) الاتّجاه العام الذي تخطو أمم العالم نحوه بخطى سريعة، حيث تتّجه كبرى الدول نحو بناء تحالفات ضخمة – اقتصادية أو سياسية أو منافعية – لحماية نفسها ولضمان بقائها قويّة في عالم لا يقيم وزناً للضعفاء، ولا لمسلوبيّ الإرادة، وفاقدي القيمة والأثر، وتسعى أخرى لتكوين تكتّلات عالمية تؤسس لمجتمع ينعم أبناؤه بـ(التعايش السلمي) رغم انتمائهم إلى العديد من القوميات والأعراق المختلفة التي تتراوح في خلفياتها الثقافية وتتباين في عقائدها، بينما ينشغل أبناء الوطن العربي بالتناحر القطريّ والطائفي والمذهبي والأيدلوجي والسياسي والحزبي والمناطقي، وينحدر خلافهم إلى أدنى المستويات حيث يصل إلى تبادل التهم بين من يشتركون في أمّهات الثوابت كوحدة المصير والدين واللغة والتاريخ والجغرافيا بسبب خسارة أو فوز في رهانات رياضة أو سياسية.

تطرح هذه الورقة مجموعة من التساؤلات وهي؛ ما هي (قيمة) القيم في مجتمعاتنا العربية؟ وهل من أفق منظور يخرجنا من هذا الواقع المأزوم؟ وما هي القيم التي نحن بحاجة إلى حيازتها وتفعيلها كمعيار للمفاضلة والتميّز؟ وكيف ندسّ ونمنهج هذه القيم في مدخلات تعليم المدارس والجامعات؟  ثم ماذا خسرنا عندما تخلّينا عن قيمنا ومبادئنا؟  لنخلص إلى دور ومسئولية الجامعات وقطاع التعليم والثقافة في تعزيز السلم الاجتماعي في الوطن العربي.

أوّلاً- ما قيمة القيم في مجتمعاتنا؟

نتساءل؛ لماذا أصبحت قيمنا العليا من قبيل التسامح، والإنصاف، وحبّ الخير للآخرين، والنجدة، والكرامة، والسيادة على النفس، ونصرة المظلوم، وعلو الهمة، والعدل، والمساواة، وغيرها ممّا ينبغي أن نتمسّك بها كمن يقبض على إيمانه في الزمن الرديء (كالقابض على الجمر)، لماذا أصبحت تلك القيم في مجتمعاتنا العربية واهية، هشّة – كقشر البيضة – بحيث يتحتّم علينا التعامل معها بحذر شديد، مع أنها خيارنا لنكون رقماً صعباً في معادلة السلام العالمي.

والأهم من ذلك لابدّ لنا أن نتساءل: لماذا أصبحت تلك القيم السامية وعلى رأسها السلم الاجتماعي من أرخص الأشياء، بحيث تكون هي أوّل شيء يُضحَّى به، فأصبحنا بعد أن تخلّينا عن قيمنا الإنسانية وحقوقنا المشروعة كمن باع أغلى ما يملك بثمن بخس وقطع عن نفسه (ماء حياته)، ثم جلس على قارعة الطريق يتسوّل الماء من المارّة!

هو ذا حالنا الآن، رغم أننا نستطيع أن نكون صنّاع السلام في العالم بما نملك من تعاليم وقواعد وقيم إنسانية سامية! وما نشاهده كل يوم من صراع وتقاتل على قضايا هامشية، ومن فورة غضب ونزعة انتقامية متصاعدة الوتيرة بين أبناء الأمة الواحدة هو شهادة انهيار منظومة القيم الإنسانية على أرض النبوات واحدة تلو الأخرى، وبموت كل قيمة من هذه القيم إيذان بزهق أرواح مئات بل الآلاف من الأبرياء.

ثانياً- ما هي آفاق الخروج من هذا الواقع المأزوم؟

يؤثر عن مالك بن أنس أنه قال: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها”[1]، وقد صلح أول هذه الأمة التمسّك بفضائلها العربية القديمة من شهامة وشجاعة ومروءة وكرم ونصرة للمظلوم وغيرها، ثم الممازجة بينها وبين قيم الإسلام ومبادئه كالتقوى والعدل والمساواة والتكافل الاجتماعي والبرّ والإحسان وحرية الاعتقاد وغيرها .. ولن يصلح آخرها إلاّ بالعودة إلى القيم العربية والإسلامية الأصيلة، وإحيائها – بعد تجديد فهمنا لها – وإنزالها على أرض واقعنا العربي، ووضع برامج تدريبية وعملية لتطبيقها في المدارس والجامعات، لنعيد لأمّتنا وحدتها، وليسترجع الإسلام رونقه ودوره الفاعل في إشاعة السلم والمحبة بين أبناء الأمّة أولاً وفي العالم الإنساني برمّته ثانياً، فنثبت عمليّاً بأننا – كمجتمعات عربية تدين بالإسلام وتؤمن بأخلاقه وقيمه – قد رضينا بالإسلام ديناً كما ارتضاه لنا ربّ العزة حين قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)(المائدة:3).

لا نتحدّث هنا عن إسلام العبادات والأحكام، ولا عن الإيمان الملائكي بعيد المنال، بل نعني إسلام المبادئ والقيم الذي يرعى مصالح الجميع، ويدعو إلى العدل والمساواة بين الناس – كلّ الناس- بغضّ النظر عن مذاهبهم وانتماءاتهم وعرقهم ولونهم ولغتهم .. الإسلام القائم على قيم وقواعد إنسانية عامّة لا تبلى مهما تقدّم بها الزمان، كالقاعدة المنبثقة من قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(الحجرات:13)، ورديفها كلمة رسول الله (ص): “لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى“[2]، وغيرها مثل “إنما الدين المعاملة“[3]، و”هل الدين إلاّ الحبَ“[4]، مما يصلح دواء داء هذه الأمة لو نُظر إليه من زوايا مختلفة عمّا تعارف عليه، وأُخرج من بعده الفردي إلى فضاء البعد الاجتماعي والإنساني الأشمل، ليُشكّل من مجموع هذه القيم قواعد ومفاهيم تسهم في دعم التقارب العربي.

ثالثاً- التقوى معيار للمفاضلة

بالتوسّع والتعمّق في فهم حديث رسول الله (ص): “لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى” يمكننا طرح مفهوم (التقوى) كمعيار للمفاضلة بين الفرقاء والمتنافسين بعيداً عن تمايزات العرق واللون والمذهب والطائفة.

ولقد ارتبط مفهوم (التقوى) بالخوف من الله أو الخوف من معصية الله لاتّقاء عذابه، إلا أنّ هذا المفهوم له انعكاس واقعي عمليّ اجتماعيّ هو غرضه الأصل وهو مراد مفاعيله، (فالتقوى) بمعناها الواقعي ومرادها العملي تعني “أن أقي الآخر شرّ نفسي”، وعندما يمارس المرء هذا المفهوم فإنه يفعل ذلك على صعيدين:

الأول، أن (يقي) الآخرين شرّ نفسه، سواء كان هذا الآخر مخالفاً له أو مختلفاً معه في مذهب أو دين أو اتّجاه اجتماعي أو خيار سياسي، أو منتصراً عليه في برلمان أو مباراة، أو ندّاً له في فريق أو غير ذلك – لا فرق –  أي أنه (يقي) المنتصر عليه أذاه فلا يناله منه سوء، كانتقام أو تشفٍّ منه إن هو غلبه أو تفوّق عليه في أي منحى من مناحي الحياة التي تتكافأ فيها الفرص ليقدّم كلّ طرف أفضل ما لديه، فيتماسك أمام جميع حالات الاستفزاز الخارجي التي تدعوه للتعبير العنيف عمّا أصابه من إحباط وخيبة أمل نتيجة الفشل أو الهزيمة أمام منافسه.

والثاني، يعني أن (يتّقى) هو شرّ نفسه حال عدم انتصاره، فلا يكتفي بعدم الإساءة للآخر، وإنما يتعالى على مشاعر الكراهية والغضب، ويسمو إلى مستوى (شكر) نعمة انكشاف ضعفه له بسبب الفشل أو عدم الفوز، ليسعى نحو إكمال هذا النقص، فتتولّد نتيجة لذلك مشاعر إيجابية تقي صاحبها ردود الفعل المسيئة للذات والآخر.

ومفهوم (الشكر) هذا يقودنا إلى تأصيل قيمة عليا أخرى وهي أن يتعلّم المرء أن يكون (شاكراً) في كل الأحوال؛ يشكر في حال الخسارة والربح، العطاء والمنع، فمن يبطر حين النجاح والفوز، ولا يشكر نعمة القدرة على اللعب بكفاءة تامّة أمام رقيبه فهو خاسر، وإن كان يُعدّ عند الناس (فائزاً)، أما من يشكر حال الفوز والهزيمة فهو المنتصر أبداً، فلا يبطر – إذا فاز – بل يعيش حالة التواضع وهو في أعلى درجات نشوة الفوز، كما يشكر – في حال الخسارة – ليقوّي مواضع ضعفه، ويتذكّر في كل الأحوال – سواء كان غالباً أو مغلوباً – لزوم عدم التراخي أو الركون إلى اللحظة الراهنة، حلوة كانت أو مرّة، فالمرء بين الشكر والصبر مصون، وخارجهما هو مجرّد شيطان منفلت قابل لاقتداح أيّ لون من الشرور بحقّ نفسه والآخر.

بناء على ما تقدّم، فإن (التقوى) بهذا المعنى أحد أهم المفاهيم والقيم الإنسانية التي يمكن أن تساهم في توجيه المشاعر المتأجّجة في الاتّجاه الصحيح لتُجنّب المتنافسين والمختلفين والأنداد والأضداد أن يكونوا ضحايا نزغ الشياطين المحلّيين أو العالميّين أو شرور الأنفس.

كما أن تطبيق مفهوم (التقوى) بهذا المعنى نجد له مصداقاً في جميع مجالات الحياة، الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتربوية، والأكاديمية. فسياسياً مثلاً، إن وجدت حالة من الغليان والفوضى في بلد ما، فإن إغفال (التقوى) من قبل الجهات الرسمية واكتفت بقمع المعارضة فلا يُعتبر ذلك انتصاراً لها وإن بدا ظاهر الحال كذلك، لأنه – على الحقيقة – فشلٌ في احتواء المشكلة، وفي إدارة الصراع وإحقاق الحقوق بين شركاء الوطن.

وكذا تربوياً، فالأب الذي يعجز عن تربية أبنائه على القيم والمبادئ التي يؤمن بها، فلو نصحهم ولم يستجيبوا له ثم انحرفوا وضلّوا الطريق فليس من العقل أن يعتبر ضلالهم انتصاراً لذاته وتشفيّاً منهم وعقوبة لمخالفته، وليس من المعقول أن يفرح بانحرافهم – نكاية بهم – لأنهم لم يطيعوه!! ولكن لو تحلّى بشيء من خلق (التقوى) بمعناه الآنف لكان ذلك سبباً لاكتشاف فشله في تربية أبنائه واعترافه بذلك وبالتالي إعادة النظر في أساليبه التربوية وتدارك ما يمكن تداركه منها.

واجتماعياً كذلك، لو أردنا أن نجدّد فهمنا لمقولة: “اعرف لغة عدوّك تأمن شرّه” من منظور مفهوم (التقوى) فسيكون الاهتمام بتعليم النشء اللغات الأجنبية المختلفة من منطلق التعرّف على عادات أهلها وثقافتهم وتقاليدهم ليتزوّدوا بما يمكن أن (يقيهم) ما يؤدّي للاحتكاك بمن يختلفون عنهم في اللغة والثقافة، و(يتّقي) أن يصل شرّه إليهم باستفزازهم في مقدّساتهم.

رابعاً- منهجة القيم في المدارس والجامعات

أما على المستوى الأكاديمي فلابدّ أن تدرج المؤسسات التعليمية والجامعات مفهوم (التقوى) في المنهج الدراسي، ونقترح تصوّراً مبدئياً يضع الخطوط العريضة لتطبيق هذه الفكرة على مستوى أوسع:

أولاً؛ لابد من إخراج هذا المبدأ من إطاره الشخصي والطوعي لتُعرّف (التقوى) على أنّها (حدود) قانونية وأخلاقية تحكم العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان في كل المجالات؛ بين المواطن والوطن، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الطالب والمعلّم، وبين المعلّم وزميله، وبين الطالب وقرينه، وبين اللاعب ومنافسه، بين حزب وحزب، بين فئة وفئة، بين فئات شعب عربيّ وآخر شقيقه، ليمكن بعد ذلك حلّ الخلاف بين المتنازعين بتقييم ما يبدر منهم من تصرّفات في النزاعات والمنافسات بناء على مدى قربها أو بعدها من الحدود الموضوعة لتعريف (التقوى) كمعيار لقياس أفضلية طرف على آخر.

ثانياً؛ ينبغي الاهتمام بالبعد التطبيقي والعملي لمبدأ (التقوى) بتعميمه على شتّى الممارسات الأكاديمية ابتداء من الأمانة في تحصيل العلم وسبل نيل الشهادة والرتب، وانتهاء بنقيضها كالغش – في أبسط صوره أو أعقدها –  بعد أن يتوافق القائمون على قوانين الحرم الجامعي، وقواعد التعليم المدرسي أن يجعلوا من (التقوى) قيمة معيارية يقيّم بها أداء الأفراد، وتهيئة الأجواء لتطبيقها وممارستها، وإلاّ فليس إلاّ قبول الوجه الآخر من الرضا، وهو الرضا بالفساد، ليصدق علينا أننا ممن لم يرضَ بالإسلام دينا كما ارتضاه لنا الله سبحانه وتعالى، ولا بالتقوى معياراً كما توحي به الآية القرآنية الكريمة “إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات 13)، وكما عبّر عنه حديث رسول الله (ص).

ثم يُترك المجال مفتوحاً لأخصائيي المناهج وللأكاديميين الجامعيين والمعلّمين لوضع برامج ومناهج تستوعب جُلّ هذه القيم الإسلامية والإنسانية لتبثها في الطلبة وأجيال المستقبل في سنّ البلوغ حين يبدأ الطالب بالتفكير في المستقبل البعيد والتخطيط له، فيحدّد رؤيته للحياة لا على أساس مادي بحت ناظراً لمصلحته الآنية والذاتية فحسب، بل بناءً على القيم التي أُودعت بذورها في قلبه أثناء طفولته الأولى، وتشرّب بها في صباه، وتمّ صقل شخصيته بممارستها في الجامعة وما قبلها، فلا يدخل مجال العمل إلاّ وقد تسلّح بقيم الفضيلة والصلاح.

خامساً- رسالة (القيم) من أجل السلم الإنساني

مما تقدّم نخلص إلى أنّه قد يختلف الناس في الدين والعرق واللون واللغة والبلد ولكنهم يشتركون في القيم الإنسانية العامة، وهي تمثّل حلقة الوصل بينهم، وتلك (القيم) هي المفاهيم المحورية التي ينبغي تطعيم المناهج المدرسية بها لتفعيلها في سلوك الطلبة اليومي فتسهم في ترميم العلاقات المفكّكة، وبناء علاقات قائمة على قيم نبيلة بعد أن نجدّد فهمنا لها بحيث تتناسب مع حاجات أمّتنا الملحّة وتواكب متطلّبات العصر، ولكلٍّ حقّه أن يكون، مسيحياً أو مسلماً، عربياً أو أعجمياً، لاعبا رياضيا أو لاعباً على الساحة السياسية، ولكن من غير المسموح أن يكون “لا إنسانياً” في تعامله مع الآخرين، تلك هي رسالة القيم التي نريد أن ننشرها بين أبناء الأمة ونمرّرها على المجتمع الإنساني الأكبر، ورغم أن بعض هذه القيم قد سبقنا إليها الآخرون ولكن لازال تراثنا يزخر بالمئات من القيم المنسيّة وتنتظر من يزيل الغبار عنها ويعرّف الناس بها بعد مأسستها ووضعها في إطارها المعياري الملزِم.

نضرب مثالاً لتقريب الفكرة وتوضيحها؛ كان المصلحون السابقون إذا ما مرّوا بأرض قفر فأكلوا تمراً دفنوا نواته في الأرض وسقوه بشيء من الماء ليهيّئوا للنواة البيئة الصالحة للنموّ والإثمار، فلعل يأتي بعدهم من يكمل ما بدؤوه، أو لعلّ السماء تتكفّل بذلك فتهطل الأمطار وتثمر النخيل فيستفيد من تمرها – في يوم ما – عابر سبيل آخر. هكذا كان يتصرف عابرو السبيل من العرب والمسلمين قبل أكثر من ألف سنة حيث كانوا يعيشون روح المسئولية تجاه المجتمع وتجاه البيئة والطبيعة فأينما حلّوا تركوا وراءهم أثراً طيّباً.

وغيره الكثير من الممارسات التي كانت تؤدّى من قبل عامّة الناس بتلقائية ودون الحاجة إلى تعليم مدرسي أو وحي من تعاليم دينية، ما يدلّ على أن تلك القيم الإنسانية المتّسقة مع الفطرة السليمة التي نجد تطبيقاتها في الجمعيات الحقوقية اليوم، ويدعو إليها أصدقاء البيئة وغيرهم، كانت راسخة في ضمائر الأولين وكانوا يستجيبون لها لثقتهم التامّة بفاعليتها، ولصدقهم في تطبيقها بعد إيمانهم بضرورتها، وبوحي من شعورهم بالمسئولية تجاه تلك المبادئ والقيم.

الاستشهاد بالأمثلة آنفة الذكر ليست دعوة لتقليد ما كان يفعله عابرو السبيل من القدماء بحرفيّته، وليس منّا عابر سبيل في صحراء قاحلة اليوم، ولا هو مطلوب أن نحمل نواة تمرنا ونلقي بها من الطائرة أو الباص – مثلاً – لتُزرع في أرض قفر! إنما ندعو لإحياء القيم العربية والإسلامية القديمة التي تعيد للناس إنسانيتهم وتعيدهم لفطرتهم السليمة، والتي هي من صميم القيم الإنسانية العامة، تلك القيم التي تتماشى مع روح الزمن، والتي ندعو لتفعيلها باختيار الطرق المناسبة لها مع الإبقاء على روحها، وإلا فستتّسع الهوّة بيننا وبين جانب العالم المتقدّم الإيجابي – في قيمه ومبادئه –رغم التشابه الكبير بين ما نؤمن به من قيم وما يمارسونه منها.

سادساً- ماذا نخسر عندما نتخلّى عن قيمنا؟

يكفي أن نعقد مقارنة سريعة بيننا وبين الغرب (في إيجابيّته) لنشهد اتساع الفجوة بيننا مع كل يوم جديد يمرّ علينا؛ كم من مصطلح ثقافي وعقائدي وتكنولوجي وأيديولوجي جديد يُستحدث لديهم كل يوم ويعولم لينشر إنجازاتهم وثقافتهم الخاصة ويعمّمها، وفي المقابل كم من قيمة أصيلة من قيمنا ذات الطابع الإنساني العالمي نفقدها كل يوم بسبب تنكّرنا لها، ولعدم تجديد فهمنا لها ولتطبيقاتها في حياتنا العملية لنجعلها مواكبة لاحتياجات العصر ومفهومة بلغة الناس الذين هم بأمسّ الحاجة إليها.

ورغم أننا نؤمن بمقولة “ليس منّا من لم يحاسب نفسه كلّ يوم“، ولكن لا نفطن بأن المحاسبة المطلوبة منّا اليوم ليست المحاسبة الفردية على تقصير هنا أو تفريط هناك فقط، وإنما المحاسبة الجماعية وعلى المستوى الأعلى، فتحاسَب الأمة، وعلماؤها، وعقلاؤها، وقادتها على ما فعلوا فيما يصلح أمورها أو يضرّها، عملا أيضا بالقول الآخر “كلّكم مسئول عمّا استُرعي .. أو عن رعيّته”.

سابقاً، كانت الدول تعدّ للمشاركة في الأولمبياد طوال العام لكي تعرض أنفَس ما لديها من قوة ومهارة وكفاءة وإتقان، ولاعب الأولمبياد كان يستعرض أفضل ما لديه من خُلق وقدرة وكفاءة لكي يتوّج أمّته بأجمل صورة لعلمه بأنّ جمال أخلاقه زين لبلاده وقبحها شين على سمعة وطنه، بينما الآن لدى الناس الاستعداد للانهيار والانحراف إلى المنطقة المظلمة أمام أول احتكاك ولأتفه الأسباب، ليتحوّل الرهان الودّي – الرياضي – الذي يقرّب بين الأمم والشعوب المتباينة في عقائدها وأعراقها وثقافتها، يتحوّل لدى أبناء الأمّة الواحدة إلى رهان عدائي!

هذا بالنسبة للمباريات الرياضية، والصورة تتكرّر في (مباريات) السياسة والتجارة والاقتصاد، وتتجلّى في الانتخابات بمجالاتها المختلفة: النقابية، البرلمانية والرئاسية، ما دامت التقوى مفقودة، فتُنسف الأخلاق وتداس القيم لأجل الفوز بمقعد هنا أو موقع هناك، فكم من مرشّح نيابي قدّم نفسه لخدمة الوطن إلاّ أنه نال نصيبه من تشويه السمعة، والنبش في ماضيه، وهتك حرماته، ونشر خصوصياته، إلى جانب الافتراء عليه، فهل هذه الطريقة في التعامل مع المرشّحين تشجّع أي مصلح ليقدم على ترشيح نفسه؟

نحن نملك، ونعلم أننا نملك كنوز العالم المادية والمعنوية، ولكننا نجلس على قارعة الطرق نتسوّل العلوم والمعرفة والأخلاق والغذاء والماء والطاقة والسلاح والتكنولوجيا وغيرها، فالشهادات العالية والمعترف بها دولياً لا تُعطى إلا من خارج البلاد العربية أو بتصديق من الجامعات الغربية، الصناعات الحديثة، الأدوية، أدوات الجراحة، الأسلحة، وسائل الترفيه، وحتّى بذور الزراعة نستوردها من الخارج بعد أن يتم تعقيمها بحيث لا يمكن أن تثمر أكثر من مرّة واحدة! هذه بعض نتائج انشغالنا بأنفسنا وبخلافاتنا وبالتوافه من القضايا.

سابعاً- ليس بدين جديد وإنّما …

ليس هذا بدين جديد، وإنّما هذه مفاهيم من صميم القيم الإسلامية والعربية الأصيلة، ودعوتنا هنا العودةُ لما لدينا من القيم التي تساهم في إعادة اللحمة بين أبناء الوطن العربي وإعادة السلم المجتمعي وإحياء ما اندثر تحت ركام مصطلحات العداء والصراع والتكفير، وإن لم نستطع أن نجمع لنا ذخيرة تكفينا لما هو قادم من سنوات فلنتّخذ لنا زاداً للقادم من الأيام والأشهر قبل أن تتداولنا أيام أحلك وأظلم مما نحن فيه، لأنّ ما هو آتٍ أسوأ مما مضى – لا محالة – فليس في الأفق ما ينبئ بتخفيف حدّة التوتّر المتزايدة في العالم عموماً وفي منطقتنا العربية على وجه الخصوص.

وعلى المدى البعيد فإنّ حمل المسئولية الدولية على قدم المساواة مع غيرنا من الدول والتكتّلات العالمية والإقليمية، والارتفاع إلى مستوى التحديات العالمية، والمشاركة في وضع وإقرار القرارات التي تهم مستقبل البشرية، لن يكون ما دمنا (كشعوب وعقول) لا نمثل شيئاً بالنسبة للعالم لا من الناحية الإستراتيجية ولا التقنية ولا العلمية ولا الأخلاقية ولا الروحية، بل يُنظر إلينا على أننا عالة على الأسرة الإنسانية ما دمنا لسنا قادرين على حلّ مشاكلنا الداخلية فضلاً عن أننا نصدّر المشاكل للعالم الخارجي.

ولكن، بقدر ما نلتزم نحن بمبادئنا الأخلاقية والقيمية لإعادة السلم الاجتماعي لأوطاننا، ونبذل من جهد لاحترامها وتطبيقها ستستعيد الأمة ثقتها بنفسها وبقيمها وبقيمتها الحقيقية، وستزداد فرصها لكسب ثقة الآخرين بما تؤمن به من قيم ومبادئ لتتحوّل إلى شريك من شركاء الأسرة الدولية وتكون على مستوى هذه الشراكة.

ثامناً- دور الجامعات وقطاع التعليم والثقافة ومسئوليتها

وأخيراً، فإن الجامعات العربية ومراكز البحوث والدراسات في الوطن العربي مدعوّة لمراجعة ودراسة الأسباب التي أدّت إلى تقهقر الأمة إلى الوراء والابتعاد عن ثوابتها المحتومة من وحدة لغة ودين وتاريخ وجغرافيا ومصير مشترك، كما يقع على قطاع التعليم والثقافة مسئولية صياغة مفاهيم جديدة – مستلّة من تراثنا الغني بالقيم والمبادئ الإنسانية – وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتوعية الناس، وبثّ الثقافة والمعرفة التي تعيد لإنساننا العربي سلمه المجتمعي، وللأمة تماسكها، ومن ثمّ يساهم في بثّ السلام في المجتمع الإنساني العالمي.

فمتى يعود هذا الوطن محبوباً، غنياً، جميلاً، وسعيداً كما كان في يوم ما مصدر سعادة الآخر وعلى رأسهم الغرب كما عبّر عن ذلك “بيير روسي” أحد الأساتذة المختصّين في التاريخ اليوناني وحضارتهم ممن أنصف العرب ودورهم في الحضارة الغربية حيث يقول: “لقد حان الوقت لكي ندرك إنه إذا كان غربنا محبوباً، غنياً، جميلاً، ومنظّماً فإنّما يعود فضل ذلك كلّه إلى تلكم الإمبراطوريات العربية الكبرى التي خلقت وأوجدت مثل هذه السعادة ….. وإن أثينا وروما ليستا سوى انعكاس للحضارة العربية الكبرى التي بسطت منذ فجر الزمان معرفتها وآدابها وسلوكها على مجموع الأراضي التي تمتد من الهندوس إلى التاج ومن النيل الأزرق إلى بحر البلطيق ….. إن جميع الحضارات الإنسانية بنات الحضارة العربية قبل الإسلام وبعده[5].


 

[1]- الشنقيطي، أضواء البيان، ج8، ص155.

[2]- أحمد بن حنبل، المسند، ج5، ص411.

[3]- الجبرتي، عجائب الآثار، ج3، ص103.

[4]- الكليني، الكافي، ج8، ص80؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج2، ص291.

[5] – بيير روسي، مدينة إيزيس التاريخ الحقيقي للعرب

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.