pic4

لتحميل الكتاب

تساؤلات الجيل الجديد في التراث العربي القديم

شدَّ على يد ابنه بقوة خوفاً من أن يفقده بين زحمة الحجاج.. واصل اختراق طريقه بعجل يشوبه الحذر بين جموع المُحْرِمين بيوم عرفه قاصداً حدود الوادي.. لاح المسجد بين مخيمات الحجاج وأبنية الخدمات المترامية, وبين زوايا مئات الحافلات الباركة .. وقف يلتقط أنفاسه على مقربه من المسجد والتفت إلى ابنه وقال بصوت مرهق يعلوه الاستبشار وأشار بيده: “هذا هو مسجد نمرة يا بني” .. تبّسم أسامة .. رفع أطراف إحرامه ليمسح عرق جبينه من سرعة الخطى وحرارة الجو, وأخذ يعاين البناء المقّدس ويستشعر هيبة البقعة التي يقبع عليها هذا الأثر الشريف, و أخذ في سكينه يرسل بصره المتقطع بمرور قطعان العربات وزرافات الحجاج والمارة ليحتضن بعينيه بصمة من بصمات خليل الله إبراهيم .. التقط الأب صفحة من جريده ملقاة على قارعة الطريق ووضعها على طرف الرصيف ودعا ابنه أسامة للجلوس معه برهة ليستجمع بذلك قواه.

التفت الأب إلى ولده المنشغل بالنظر إلى المسجد وقال له بصوت مرتفع ليغلب به هدير محركات المركبات وتلبية الحجاج وجلبة المارة: “هنا يا بني روي أن رسول الله (ص) نزل يوم عرفه, وصلى الظهر والعصر جمعاً, وخطب في جموع المسلمين. أبونا إبراهيم على نبينا وعليه واله الصلاة و السلام نزل هنا أيضا” ….. قطع أسامة تفحصه في المسجد والتفت إلى والده وقال مستفسراً: عفواً أبي العزيز! .. ماذا تقصد بأن أبانا إبراهيم كان هنا؟ لقد مررت كثيراً على هذه المقولة في معرض قراءتي ولكنَّها كانت دائما مشوشة ومتناقضة! .. هل تقصد أن أبانا إبراهيم سكن في هذه البقعة تحديدًا وهذا هو السبب الذي جعل الرسول الأعظم (ص) يميزها عن غيرها بوادي عرفه؟! …. أجاب الأب بثقة وهو ينظر إلى المسجد: كلا يا بني! ..لم يقم أبونا إبراهيم هنا .. فهو يسكن الشام حيث زوجته سارة وابنها نبي الله إسحاق .. لقد أسكن إبراهيم عليه السلام أمنا هاجر وولدها نبي الله إسماعيل بوادٍ غير ذي زرع كما تعلم, وهو بطن مكة حيث تركهما هناك بأمر الله تعالى ثم رحل إلى دياره بفلسطين .. فلم يكن أبونا إبراهيم ولا أبناؤه إسحاق و إسماعيل ولا حتى أمنا هاجر عليهم جميعا السلام عرباً بل كانوا عبرانيين وأمنا هاجر كانت قبطية .. وهم جميعاً يقطنون الشام.

أطرق أسامة برأسه قليلا ثم أردف قائلا: هذه جزئية من التشويش والضبابية التي أعنيها يا أبتي!! …. نظر الأب إلى ولده بقلق وقال: حاشا لله يا ولدي!؟ .. لا يوجد تشويش ولا ضبابية في ديننا يا بني!! .. فما وجه التشويش في الموضوع يا حجي؟! .. وأضاف مازحاً: أرجو أن لا تكون دراستك بالخارج أفسدت عليك دينك! …. أجاب الابن بتردد: أعوذ بالله أن يفسد علّي شيء ديني.. ولكنَّ كلامك هذا يعني ضمنياً أنَّنا ونبينا محمداً (ص) عبرانيون وأقباط وليس عرباً, أليس كذلك يا أبتي؟!.. كلا..كلا يا بني! تدارك الأب: نحن عرب ولكن أبونا الأكبر عبري وأمنا الكبرى قبطية!! …. أردف أسامة قائلا: عفواً يا أبتي! هذا ما لا افهمه ولا أدري كيف يراد لنا أن نستوعبه! .. هل يوجد اليوم عبرانيين ؟ …. أجاب الأب بدون تردد: نعم! .. اليهود, وهم يتحدثون العبرية إلى اليوم …. فأردف أسامة قائلا: إذن اليهود هم أبناء إبراهيم عليه السلام كما يدّعون ولديهم دليل نعترف نحن به ونثّقف أجيالنا بصحته.. فكيف لنا أن ندّعي أننا أبناء إبراهيم عليه السلام وهو عبراني ونحن عرب!؟ .. كيف يكون الجدّ والجدة من عرقين مختلفين ونسلهم من عرق ثالث لا علاقة لهما بأعراق جدَّيهم؟ .. كيف يكون ذلك يا أبتي!! فكّر الأب قليلا ثم أجاب: لعل منشأ هذا هو أن لسان إبراهيم كان سريانيًا أو عبرانيًا لا أتذكر تحديدًا ولكن من المؤكد أنَّه ليس عربيًا, بينما لسان محمد (ص) كما هو معروف عربي فصيح.. هذا ما أثبته إباؤنا من السلف والتابعين…. نظر أسامة إلى أبيه وقال بحذر: أبتي العزيز! .. ليس كلّ من تحدث بلسان ما يعني بالضرورة أنَّه ينحدر من عرق يحدده اللسان الذي ينطقه .. فعلى سبيل المثل لا الحصر, المصلح والمجدد جمال الدين الأفغاني كان ينطق بلسان الفارسية والبشتو إلى جانب عدة لغات ولكنَّه مِمَّنْ يعرفون بالسادة, أي أنَّه ينحدر من نسل رسول الله العربي القرشي وإن كان لسانه فارسيًا. فهو بالمحصلة عربي العرق, أفغاني الجنسية, فارسي اللسان. ومن أمثاله مئات الآلاف منتشرون بالهند وتايلند والصين و تركيا وغيرها من البلدان. فلا يعني ابدًا انتقال عشيرة أو جد ما من موقع جغرافي إلى آخر أن عرقهم سينتقل تلقائيا إلى عرق أخر؟ …. فأردف الأب مستغربًا: إذا كنت على دراية بأن اللسان ليس بالضرورة دليل على العرق أو النسل فأين التشويش في الموضوع؟!

أجاب أسامة: التشويش يا أبتي ليس في الحقيقة ذاتها, بل في كيفية كتابة وعرض هذه الحقيقة على الناس ومن ثم كيف تستقر في إدراكهم. ودليل ذلك أنك لم تصحح فهمي بعلاقة اللسان بالعرق قبل أن تجيبني, بل بررت فهمي الخاطئ ولم تصححه .. وما هذا إلا نتيجة لتشبع سوادنا الأعظم بثقافة مغايرة للحقيقة.. فتبعات صياغة المقولة الشائعة والمتداولة بيننا وهي أن “إبراهيم ليس عربيًا” تفّعل في اللاوعي العربي المفهوم الغالب وهو “من ليس عربي يعني بالضرورة أنَّه نسل أو عرق أعجمي أو بمعنى آخر أجنبي”, ومن جهة أخرى نحن نجزم أن خليل الله إبراهيم جدنا, فعليه يستقر في لا وعينا مفهوم أن “جدنا أجنبي”.. هذا التناقض غير المنطوق وغير المكتوب يترك الفرد العربي في حيرة وتشويش. كما أنه يخدم طرح اليهود حيث إعلانهم للملأ يبدو أكثر انسجاماً ووضوحاً بقولهم “نحن كما جدنا عبرانيون باعتراف كلّ الخلق بما فيهم العرب الذين يدّعون النسب له”. هذا من أنواع تحريف الكلم عن مواضعه كما تعلم يا أبتي! وهو يمارس بمكر حتى يومنا هذا بهدف مغايرة الحقيقة عن مضمونها.. وفي كثير من الأحيان حتى نحن ننجر وراء هذا النوع من التحريف من دون وعي منا.. فعلى سبيل المثال يمكن تهوين في وعينا ما هو في الحقيقة عظيم كتداولنا عبارة “قوات التحالف” بدل من “قوات الاحتلال”, ويمكن ضمناً قلب المنجل في وجه المظلوم بقولنا “المطلب الفلسطيني” بدلاً من “الحق الفلسطيني”, و يمكن حشد تعاطف مع المعتدي كقولنا “المهاجرون اليهود” بدل “المحتلون اليهود” ويمكن إلغاء هوية كاملة بلطف وهدوء بقولنا “الشرق الأوسط” بدل “الوطن العربي”..إلخ. هذه الصياغات للحقائق يراد بها التحريف المتعمد لإخفاء ما يراد إخفاؤه منها أو تلبيس حقيقة ما ليس فيها، فتصل مشوشة و موجهة لوعي المتلقي حسب هندسة المُصيغ للمقولة وهي ذات مفعول كارثي بعيد الأمد يمتد عبر أجيال إذا ترك من غير علاج.

استدرك الأب قائلا: ما هو ثابت عندنا يابني أن أبانا إبراهيم كان يتحدث العبرية وليس العربية.. فلا يمكن تجاهل هذه الحقيقة؟!… أجاب أسامة قائلا: هل تعلم يا أبتي أن علماء الألسن وصلوا إلى حقيقة مفادها أن العربية والسريانية وما يسمى بالعبرية وباقة أخرى من ما كان يسمى يوما “لغات” ما هي واقعا إلا لهجات من أصل لغة واحده كانت مهيمنة في شبه الجزيرة العربية قرونا عديدة قبل عصر أبينا إبراهيم. ومن هذه اللغة الواحدة الأصلية تطورت لهجات مختلفة بشكل طبيعي بسبب تباعد المسافات بين القوم والآخرين نتيجة للهجرات والأسفار القبلية ومن ثم الاستقرار في بقاع مختلفة ومتباعدة من الجزيرة العربية مما أدى لتوّلد لهجات مختلفة بشكل طبيعي. وتباين التعابير الطبيعي من لهجة لأخرى أدى ببعض المغرضين وآخرين اشتباهًا لإطلاق مفردة “لغة” على كل لهجة مما عقّد الأمور وألبس الحقائق.. فهذا ما التفت إليه المختصون مؤخرًا ومنهم الباحث أحمد داود والذي أكد بقوله: أنَّ شباب اليوم سوف يدهش حينما ينظر في معجم سرياني عربي سيفاجأ حينها بأنه أمام لغة واحدة بفصحاها وعاميتها معاً، وأكثر من هذا، أنَّه سوف يجد أنَّ جميع كلماتنا العامية إنما هي كلمات عربية سريانية حقيقية عمرها لا يقل عن خمسة آلاف عام. وكذلك أبو الفرج المعروف بابن العبري الذي أوضح أن السريانية نفسها تفرعت إلى فروع كثيرة بسبب انتشارها في بلاد شتّى، فصار بين اللهجة و الأخرى بون شاسع لا يستطيع معه أبناء اللهجة الواحدة أن يفهموا المتكلمين ببقية اللهجات إلاّ بواسطة الترجمان وكأنهم يسمعون لغة غريبة عنهم.

ولكي أقرب لك الصورة أكثر يا أبتي.. دعني أضرب لك مثالاً واحدًا وهي عبارة “كيف حالك” مثلا, فبلهجة أهل البحرين اليوم تنطق “إشلونك أو ويش أحوالك” وبلهجة المصريين “إزيك” وبلهجة الشاميين “كيفك أو شو عامل” وبلهجة المغاربة “كيداير” فهل يعني هذا التباين في التعبير اللفظي لمضمون واحد على أن أصحابها ينتمون “للغات” مختلفة؟ .. والأعظم من ذلك هل تقبل برأي من يبني على هذه النظرية ما هو أنكى وأضل وينسب كل متحدث إلى عرق يختلف عن الأخر لأنه عبر عن جملة بتعابير مختلفة عن الآخر؟ ….. أجاب الأب من دون تردد: طبعا لا! .. فهذا القول سخيف وغير مقبول, فمن ذكرت من الجنسيات هم في الغالب عرب رغم اختلاف لهجاتهم…. فأردف الابن بالقول: لماذا إذن لا نقبل اليوم ما فرضناه على عصور جدنا إبراهيم على نبينا وعليه وآله الصلاة والسلام, فجعلناه ضمناً ينتمي لعرق يختلف عن عرقنا لا لشيء إلا لأنَّه كان يتحدث بلهجة غير لهجتنا؟ …. أجاب الأب باستنكار: هذا ما كان ليفوت علماءنا الأوائل.. لابدَّ أن الأمر أكبر من هذا.. لعل السريانية أو الآرامية أو العبرية ليست لهجات بل هي فعلا لغات؟ …. نظر أسامة إلى أبيه وقال: هل سمعت أحدًا قط يتكلم السريانية أو ما يسمى بالآرامية أو ما يسمى بالعبرية؟ …. فكّر الأب قليلا وقال: العبرية نعم, عبر البرامج الفضائية الخاصة بأخبار اليهود, وهي والحق يقال قريبة جدًا من اللغة العربية.. أمّا السريانية أو الآرامية فلم أسمعهما قط!.. فلعل أبونا إبراهيم كان يتحدث السريانية أو الآرامية…. قال أسامة مازحًا: لك ما ترى يا أبتي العزيز.. فحتى أبجدية السريانية أو ما تسمى بالآرامية غريبة جدًا على العربية وهي صدق أو لا تصدق “أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت” هل سمعت بهذه الأحرف الغريبة؟ وبهذا الترتيب الغريب من قبل يا أبي العزيز؟! ….. نظر الأب لابنه مندهشًا وقال: من أين لك هذا !؟ .. فلا يّدرس ذلك حسب علمي في المدارس عندنا في الخليج ولا أحسب أنَّك تعلمته في دراساتك الجامعية بالخارج ولا يوجد في مكتبة منزلنا كتاب بهذا الخبر!؟

تبسم أسامة والتفت إلى ناحية المسجد وقال: اليوم يا أبتي لن يكون هناك كتابًا حكرًا على أحد أو جهة معينه.. فمعظم كتب الدنيا ومصادر العلم والمعرفة باتت متوفرة ومتاحة إما مجاناً أو بأرخص الأثمان و بكل الألسن, تجدها في دور المعارف المنتشرة عالمياً والتي تمكنك من الحصول على أي مادة معرفية بيسر.. هذا ناهيك عن المكتبات العالمية الإلكترونية على الإنترنت والمكتبات المبرمجة على الأقراص المدمجة والمصنفة للبحث الدقيق واليسير ببضعة نقرات بالأصابع على مفتاح الحاسوب.. فكل ما يلزمنا هو فقط أن نقرأ, وحينها سيتكشف لنا ما كان خفياً ومحرفاً عن مواضعه لدهور دون علمنا.. ومن أعظم ما خفي يا أبتي أن أبانا إبراهيم لم يرَ العراق قط وليس كما يقال لنا أنَّه ولد هناك.. كما أنَّه لم يقطن الشام قط.. وأنبياء الله يوسف وموسى عليهم السلام لم يروا بلاد وادي النيل قط .. وداود وسليمان عليهم السلام لا علاقة لهما بفلسطين.. وجغرافية الأنبياء بشكل عام هي ليست كما نقلت لنا بالمرة …. من أين لك بهذا الكلام الغريب يا ولدي!؟ أردف الأب مستغرباً : ولماذا يقال الآن؟! …. ألتفت أسامة إلى المسجد وقال: هذا الكلام أبتي العزيز هو نتيجة أبحاث الكثيرين من الباحثين الأحرار الذين يرومون الحقيقة المجردة لا ما يُتداول بين الناس من أقاويل وقصص محرفة.. أما لماذا يقال الآن فهو لأن علوم الآثار واللهجات القديمة تطورت بدرجة مكنتنا من فهم لغة الأرض.. فبدأت الأرض تتكلم وتفضي بخلاف ما أدعي عليها طوال العهود المنصرمة.. فمن ذا الذي سوف يخرس الأرض عن الكلام بعد أن أذن الله لها بالشهادة! …. دعنا من هذا المنطق الغريب يا ولدي.. فيجب أن نصلى ركعتين تحية المسجد قبل العودة للمخيم.. فالمحسوم عندنا أن أبانا إبراهيم عليه السلام كان من سكان الشام وحتى قبره وقبور أبنائه إسحاق و يعقوب وسارة ويوسف عليهم جميعاً السلام هناك في الخليل ….

لم يشأ أسامة أن ينهي الحوار فتساؤلاته التراثية كثيرة ومتضاربة, لذا سارع بالقول: لماذا يجب أن نعتقد أن جدنا إبراهيم كان يسكن الشام يا أبتي؟! بينما ينص القرآن الكريم أنَّه هو الذي بنى الكعبة والتي تبعد ما يقارب 15 كيلومترات من هنا مع ابنه نبي الله إسماعيل عليه السلام.. وهو الذي دعا الناس جميعا لحج البيت العتيق بعد أن وضع قواعده بيده.. وهو الذي علَّم القبائل فضل البيت ومناسك الحج.. وهو الذي أسس المذبح بمنى حيث همَّ بذبح إسماعيل وهذا المذبح هو المذبح الوحيد القائم في العالم إلى اليوم.. وهو صاحب الأحداث التي خلّفت العقبات الكبرى والوسطى والصغرى المشهورة بمنى إلى اليوم.. وهو الذي نزل بوادي عرفة وهذا المسجد أحد أثاره كما أكدت أنت.. وهنا أيضا حسب مطالعاتي مسجد يقال له مسجد إبراهيم وهو منسوب لأثره .. هذا ناهيك عن مسجد الخيف والذي أوجس في موقعه خيفة أثناء لقائه مع الملائكة المرسلين.. كلّ هذه المواقع الجغرافية وما يتعلق بها من أحداث أكد قدسيتها الرسول الأعظم عليه واله الصلاة والسلام وهي مازالت قائمة في تراثنا ووعينا ولو بشكل ضبابي..وأضاف أسامة بانفعال : ولا يوجد بحق الله شيء واحد يذكره القرآن أو أشار إليه الرسول الأكرم يعتد به يتعلق بخليل الله إبراهيم وأرض الشام!.. مع ذلك نحن نصر وبكل ضبابية واعوجاج في المنطق واستهانة بالعقل أنَّ إنساناً يمتهن رعي الأغنام قد تعدى عمره التسعين, كان يقطع ما يتجاوز 1250 كيلومتر ذهاباً و1250 كيلومتر إياباً بين فلسطين ومكة, وكررها ما يقارب من 6 مرات.. مرة ليترك هاجر وابنها في مكة, ومرة في حادثة ذبح إسماعيل, ومرة في بناء الكعبة, ومرة في قضية تغيير عتبة بيت إسماعيل, ومرة لتثبيت العتبة، ومرة في دعوته للحج وتعليمه الناس مناسك الحج, هذا ناهيك عن سفره كما يقال لنا بقطيع من الغنم من العراق إلى فلسطين ثم إلى مصر ثم العودة إلى فلسطين, أي ما يقارب 3000 كيلومتر إضافية. فلو جمعت هذه الأرقم لوجدت أنه قطع في ما نعرف من هذه الرحلات الغريبة أكثر من 18000 كيلومتر إما سيراً على الأقدام أو على ظهر حمار حيث تلك كانت أفضل وسائل موصلات رعاة الأغنام مع العلم أن قطر الكرة الأرضية الاستوائي يساوي 12756 كيلومتر.. فانظر في هذه الأرقم الغريبة والعجيبة يا أبتي وتدبر الأمر! .. ألا ترى يا أبي أن هذه الأرقام الخيالية قد تُقبل لمن أفنى عمره في العمل على قوافل الخطوط التجارية الدولية على ظهور الإبل بقصد الإرباح وليس لراعي غنم يناهز عمره التسعين هو وعائلته وغنماته.. وهو في ذات الوقت مكّلف بتعليم الناس وهدايتهم, خصوصا بعد بنائه لبيت الله، وهو أعظم حدث للبشرية قاطبة إلى اليوم وثقافة جديدة بحاجه للمتابعة والدعوة والتعليم وهو لا يكاد بهذا الحال يستقر في جوار بيت الله حتى يرتحل إلى الشام حيث لا شيء و لا شيء مطلقا يستحق أن يذكر هناك لا من قريب ولا من بعيد في ذلك الوقت!؟ .. وختم أسامة كلامه مازحاً : تُرى هل كان يهدي الناس لبيت الله ومناسك الحج وعلوم التوحيد وهو بالشام عن طريق الرموت كونترول يا أبتي!؟

تضايق الأب من هذا التعليق ونظر إلى ابنه مستنكراً وقال : لا يجوز أن نتجادل فنحن في حج.. فلا جدال ولا فسوق في الحج… فتدارك أسامة وقال : أعوذ بالله أن نتجادل وخصوصا في الحج يا أبي العزيز! .. ولكنني أريد أن أفهم ما هو عصيّ على الفهم, وأفضي إليك ما في قلبي من تساؤلات وضبابية تكتنف مفاهيمنا التراثية بقصد العلم والتعلم لا الجدال… فأردف الأب قائلا: إنَّك يا ولدي تثير ما هو أشبه بالفتنة وتلا قوله تعالى “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ” فلدينا ثوابت تراثية محسومة منذ قرون تريد أن تعيد النظر فيها الآن؟.. وكأن لم ينظر فيها علماؤنا ومؤرخونا الأولين والأخريين !!.. فما الضير في أن يكون سكن الشام؟ ويذهب ويرجع إلى مكة بتكرار وعلى حمار وهو طاعن في السن!؟ وإن طال السفر وشقّ فالله يعطيه القوة.. وما الضير أن يكون قد ذهب إلى مصر! ودليل ذلك أن أمنا هاجر من مصر وقد يكون اشتراها من هناك..

تردد أسامة في الردّ ولكنَّه استجمع نفسه وقال: هل تعتقد يا أبتي أن أمنا هاجر كانت مِمّا نعرفها اليوم بجمهورية مصر العربية؟… “طبعا” أجاب الأب بثقة … فأردف أسامة قائلا: ولكنك ذكرت سابقا أنَّها قبطية؟!.. أجاب الأب بحذر: أجل.. ردّ أسامة قائلا: هذا يعني أن الشعب المصري اليوم هم الأقباط؟… أجاب الأب بثقة: كلا.. كلا!.. هم عرب والمسيح منهم فقط هم الأقباط… قال أسامة: إذن “القبطية” هي الديانة المسيحية وليس اسم لشعب… أجاب الأب: ذلك ما هو معروف عندنا.. والدليل على ذلك أن أمّ المؤمنين ماريا الملقبة بالقبطية كانت مسيحية وأهداها مقوقس مصر إلى النبي محمد (ص).. فأردف أسامة: إذن لماذا يؤكد ويصر مؤرخونا أن أمنا هاجر كانت قبطية؟! .. هل كانت هاجر مسيحية أيضا ؟! …. تنّبه الأب لهذه الإشكالية فاستدرك قائلاً : لعلي أخطأت؟ .. لابدَّ إذن أن المقصود بالأقباط هو شعب وليس دين مصر.. فلقد رُوي أنَّها من بلاد مصر على كلّ حال.. فأردف أسامة قائلا: هلا حددت موقفك يا أبتي ؟.. هل هاجر من شعب المصريين آم من شعب الأقباط؟

ردّ الأب بحذر:هي قبطية من مصر هكذا قيل لنا.. المعذرة أبي العزيز, قال أسامة: ما نعرفه أيضا أنَّ الشعوب تسمى باسم أرضها, فاليمني ينتمي لأرض اليمن والليبي ينتمي لأرض ليبيا والرومي ينتمي لأرض الروم والمصري ينتمي لأرض مصر وعليه القبطي يجب أن ينتمي لأرض القبط أليس كذلك؟ .. التفت الأب وقال باستغراب: هل تعني أنَّ هناك أرض تسمى القبط يسكنها شعب الأقباط؟!!.. أجاب أسامة: نعم !.. ذلك ما أعنيه حسب قواعد العقل السوي والمنطق ومن غير ليّ الأذرع.. وبلاد القبط هذه هي التي جاءت منها ماريا المسيحية… قال الأب: ولكنَّهم جاؤوا من مصر كما أخبرتك؛ لذا القبطي هو المصري وأرض القبط هي أرض مصر.. ما المشكلة في ذلك يا ولدي؟! .. أجاب أسامة مستنكراً: المشكلة يا أبتي أن رسول الله (ص) لا يتفق مع مفهومنا الشائع هذا .. فهو فداه نفسي لا يعترف رسمياً بأن “مصر” التي وردت في القرآن هي جمهورية مصر العربية كما هو شائع بيننا الآن! بل ميّز في زمانه بين مصر التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وبلاد القبط والتي ندعوها اليوم بجمهورية مصر العربية.. ففي حين يذكر القران الكريم اسم لأرض تدعى “مصر” يذكر رسول الله (ص) في نفس الزمن اسم لأرض تدعى “قبط”. ففي رسالته للمقوقس دعاه بعظيم الأقباط وليس عظيم المصريين, كما دعا في رسائل أخرى كسرى بعظيم فارس وهرقل بعظيم الروم.. فلا يمكن أن يدعو القرآن الكريم أرض باسم ويدعوها الرسول باسم أخر إلا إذا كانت الأرض التي يعنيها القرآن تختلف عن تلك التي يعنيها الرسول. ألا توافقني الرأي يا أبي؟

كلا.. كلا يا بني لا أوفقك!! .. لابدَّ أنَّ هناك لبس ما في فهمك! .. فالعالم كلّه متفق على فهم واحد في الماضي والحاضر فما هذه المفاهيم الجديدة التي تأتينا بها الآن؟! .. فجمهورية مصر العربية هي أرض الفراعنة, والقرآن الكريم ذكر الفراعنة في معرض أحداث يوسف وموسى عليهم السلام فلابدَّ أن مصر المذكورة في كتاب الله هي عينها جمهورية مصر بسبب وجود الفراعنة في المعرضين .. ولا يوجد أيَّ بلاد أخرى في الكون كان فيها فراعنة غير جمهورية مصر…. أطرق أسامة برأسه قليلا ثم أردف قائلا بحذر: قد تفاجئك هذه الحقيقة والتي سوف يلتفت إليها العالم بأسره آجلاً أم عاجلاً, وهي أنَّه رغم تداول هذا الخطأ الشائع في العالم بأسره إلا أن ترجمة متون النصوص الهيروغليفية والمكتوبة في شتى المعابد وغرف الدفن بالأهرامات وغيرها من آثار وبرديات وحفريات كانت وعلى الدوام تُظهر أنَّه لا يوجد إطلاقا مسمى “فرعون” في لغة شعب وملوك بلاد وادي النيل. دونك كل الكتب والمواقع على الانترنت المهتمة بترجمة المتون الهيروغليفية بدقة من غير إضافات المترجم عن قصد أو غفلة ككتاب ترجمة “متون الأهرام المصرية القديمة” لمؤلفه حسن صابر. فلن تجد في ل 466 صفحة من ترجمة المؤلف للمتون القديمة لفظة “فرعون” مطلقا؟! .. لعلّ حتى مؤلف هذا الكتاب القيم لم ينتبه لخطورة أنَّه لا توجد في كل المتون الملكية التي ترجمها بنفسه لفظة “فرعون” لكونه منشغلاً بالترجمة لا بتبعات نتائج الترجمات.. وذلك كان ديدن كل من عمل في هذا الحقل من علماء غربيين وشرقيين مما أخر التفات العالم لهذه الحقيقة الصادمة.. لا يوجد يا أبتي “فرعون” بوادي النيل.. ما كان يوجد هو ملك الأرضين، ملك الوجهين، ملك الوادي، ملك النيل، مقبرة الملوك، وادي الملوك.. هذه هي المسميات الرسمية لملوك وأثار بلاد وادي النيل.. بلاد القبط.. أو ما تدعى اليوم بجمهورية مصر العربية والتي كان يعرفها العالم الشرقي و الغربي القديم والحديث ب”إيقبت” أي Egypt وليس مصر كما نسميها نحن العرب اليوم ..

فهذا يبقي السؤال الخطير قائما وهو أين إذن تقع مصر التي ذكرها القران الكريم جغرافيًا والتي كان بها فرعون موسى وعزيز وملك يوسف؟

نظر الأب بقلق إلى ابنه وكأن لسان حاله (..وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ), وقال لولده وهو يتفطر عليه: ماذا تريد أن تقول يا ولد وبصراحة؟ …. أطرق أسامة برأسه وقال بأسى وحرقة: هناك مؤشرات صارخة تدل على أن تراثنا بحاجه لمراجعة وتصفيه جادة من عوالق تحريف وتزوير غاية في الخطورة يا أبتي.. عوالق أخالها دست فيه في العهود المنصرمة شكلت ثقافتنا اليوم وعلى قواعدها تشكلت ثقافة العالم بأسره .. عوالق دست عن عمد وتخطيط شيطاني وتمَّ تمريرها من جيل إلى جيل بسبب غفلة من آبائنا الأولين وتجاهل غير محسوب العواقب, فاخترق مجرمون تراثنا ومقدساتنا وأقاموا فيهما أقاويل صنمية جعلونا عليها عاكفين وكهنة متعبدين.. إنَّ الذين حرفوا الكلم عن مواقعه وحملونا والعالم بأسره على الاعتقاد أن ملوك وادي النيل هم فراعنة موسى ويوسف, وأن بلاد القبط هي مصر التوراة, هم الذين هندسوا مؤامرة تقطيع أوصال ذكر نبي الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وحتى عيسى عليهم جميعاً السلام عن أم القرى وما يتاخمها من أقاليم مجاورة, ونقلوا تزويراً وتحريفاً أثارهم جغرافياً إلى الشام ليبني بذكرهم وهيبتهم مشروع أرض من صرح خاوي وليتبرجوا بهم على رقاب أبنائهم .. وهم الذين جعلوا الخليل إبراهيم غريباً عن أبنائه .. وجعلوا الابن عربي و الأب غير عربي وأقنعونا أن هذا أمر طبيعي بنظريات واهية وهو لعمري نجاح منقطع النظير يحسب لهم.

كاد الأب أن يتجمد من هذا المنطق وقال بلسان حال” رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ”, وقال أخاف عليك يا ولدي من جرأتك وفتنتك هذه فكيف تدعي أن آباءنا خلفوا لنا تراثاً مخترقاً وكأنهم لا يعون ما ينقلون؟!.. ردّ الابن بثقة وقال: إن الواعين من آبائنا عبر الأزمان المنصرمة قد تنبهوا لاختراقات اليهود لتراثنا وحاولوا جاهدين ومجاهدين تصفية ما نفخ اليهود فيه.. وما مصطلح “الإسرائيليات” الذي استعمله آباؤنا وما تمّ تصنيفه وجمعه تحت هذا المسمى من روايات وأحاديث وحكايات إلا محاوله جادة من بعض آبائنا الأولين لتصفية تراثنا من عوالق الجهل والتحريف التي تنبهوا لخطورتها وأثرها الهدام على أجيالهم اللاحقة.. ولكن يبدو أنه مازال هناك الكثير والكثير مما ينبغي عمله وخصوصاً رفع ظلام المفاهيم الخاطئة والثقافات البالية والتي تأصلت فينا حتى النخاع نتيجة لما خلفته هذه الاختراقات المتوالية عبر الأزمان. وهو عمل يطول العمل فيه سنوات عديدة.. ولكن ما أتمنى معرفته يا أبتي هو كيف استطاع اليهود أن يخترقوا كتبنا و سرقة تراثنا واستبدال الحقيقة بوهم؟ .. كيف أمكنهم ذلك؟؟ .. كيف..؟!

قطع الأب تساؤلات ابنه وقال على عجل: من الآن إلى أن تعرف الجواب سوف أذهب لتجديد الوضوء قبل الدخول للمسجد لصلاة ركعتين التحية فلقد تأخر الوقت.. فنهض الأب قاصدًا أحد الأحواض القريبة.. أما أسامة فمكث يتفكر في ما دار بينه وبين والده من حوار وتساؤلات, وفي الأثناء سقط نظره على صفحة الجريدة التي كان والده جالساً عليها وشده خبر فيها. وبينما هو يقرأ الخبر مرات عديدة قطع تركيزه العميق صوت والده وهو يقول مازحاً: هل وجدت الجواب؟!….. نعم!, أجاب أسامة بوجل: لقد وجدته!.. لقد عرفت كيف كانوا يخنقون الحقيقة أمام أعيننا تمهيداً لاستبدالها بالوهم, فما بعد النور إلا الظلام. عرفت كيف كانوا يخطفون تراثنا ثم يكتبون لنا الظلام بنفّس توراتية ضبابية ويقولون لنا “هذا من عند الله” ليشتروا به ثمناً بخساً. عرفت كيف فرقوا بيننا وبين أجدادنا وكيف حالوا بيننا وبين مخزون تراكمات علومنا السماوية النقية التي جاء بها أجددنا من أنبياء ومرسلين منذ أقدم العصور. عرفت كيف كانوا يخترقون تراثنا ويدفنون فيه بذور الظلام لتكبر وتترعرع في أجيالنا أحراشها دون وعي منا لتجرحنا بأشواكها وتجّرعنا سمومها وتشغلنا عن ما يحيكون ويغتصبون!.. فأردف الأب: وأين وجدت هذا الجواب الخطير يا حجي؟… نظر أسامة إلى والده وقال: لقد كنا جالسين عليه طوال الوقت, وناول أباه قصاصة الجريدة وانطلق إلى المسجد مخترقاً جموع الحجاج وكأن لسان حاله (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) انطلق وهو ينادي: إني ذاهب إلى بيت جدي إبراهيم للصلاة فالعمل أمامي شاق وطويل! …. استغرب الأب من تصرف ولده ثم التفت إلى الجريدة فوجد هذا الخبر:

حرق مكتبة بجنوب العراق تضم آلاف الكتب

عمد مجهولون إلى حرق مكتبة في مدينة الناصرية بجنوب العراق تحتوي على نحو أربعة آلاف كتاب قيم. وأوضح مدير الآثار في المنطقة عبد الأمير الحمداني أنَّ مجهولين أضرموا النار في مكتبة المتحف مما أدى إلى احتراقها بشكل تام. وأضاف المسئول العراقي أن المكتبة كانت تضم 3900 كتاب قيم منها كتب مصنفة ككتب أثرية”. ويذكر أن مؤسسات ثقافية عراقية أخرى تعرضت لعمليات نهب وتخريب وحرق منذ غزو العراق في مارس/أيار من العام الماضي. وكان المتحف الوطني في بغداد ـ الذي يحوي قطعا أثرية تعود لأكثر من خمسة آلاف عام من الحضارات الكبرى لبلاد ما بين النهرين خير شاهد على تلك العمليات إذ سرقت منه نحو 14 ألف قطعة أثرية.

وإضافة إلى المتحف الوطني اتسعت عمليات النهب والتدمير والحرق لتشمل مراكز أخرى للحضارة والثقافة في العراق، كالمكتبة الوطنية، ومركز صدام للفنون، ودار الكتب والوثائق الوطنية، ومكتبة وزارة الأوقاف في بغداد، ومكتبة جامعة الموصل التي خسرت آلاف الوثائق التاريخية وآلاف الكتب التي تشكل عماد التعليم في الجامعة.

ولا تزال عمليات الحرق والنهب والتدمير التي استهدفت هيئات ومؤسسات الفكر والثقافة والتاريخ في العراق لغزاً غامضاً تتقاذفه شتى التفسيرات الأيدلوجية والسيكولوجية.

 المصدر:الجزيرة + الفرنسية الثلاثاء 29/3/1425هـ الموافق 18/5/2004م.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.