ترى كيف استطاع أناس مشتتون في أقطار الأرض أن يجتمعوا ويوحّدوا جهودهم، ويتلاقوا بآمالهم؛ لينجحوا في كسر طوق الفرقة والغربة، ويقيموا كياناً موحّداً ولو إلى حين سمّوه “إسرائيل” ؟ ثمّ كيف تمكّن هؤلاء المشرذمون أن يتحوّلوا بضمائرهم ومشاعرهم نحو ما يسمونه ” أرض الميعاد ” لتغدو هذه المقولة وأمثالها ثقافة عامّة مقدّسة تتفاعل بقوة وحماس داخلهم، وتنتقل في بُعدها الثقافي والحركي والعاطفي والسياسي من مستوى اللاوعي إلى مستوى الوعي ؟

لقد اختار جماعة من كهنة اليهود من أجل تحقيق أهدافهم منذ القدم مجموعة من الشعارات والرموز المُلفّقة والمزوّرة، وجعلوا لها مسمّى دينياً أسطوريّاً؛ لأنّهم يدركون جيداً الدور الفاعل والمؤثّر للأساطير، فعكفوا على وضع كتابهم الذي سمّوه “التوراة” ونسبوه إلى موسى(ع)، وما هو في الحقيقة إلا مجموعة مدوّنات مختارة بعناية امتزج فيها الحقّ بالباطل؛ لتحقيق أهدافهم، ثم عمدوا بعد ذلك إلى توظيف كتابهم هذا توظيفا تامّاً خلال سنوات عمل طوال؛ خدمة لآمالهم المزعومة، ولقد استطاعوا بهذا الأسلوب أن ينفذوا إلى وعي أتباعهم ويدفعوهم نحو الهجرة والقتال وبذل التضحيات.

إذن فما أُنشئ كيانهم إلا تحت عناوين مزورة انتزعوها من وحي أساطيرهم التوراتية فأطلقوها، وزمجروا بها، وروّجوا لهـا بكافة الوسائل وفي مختلـف المناسبات، فهلّلـوا بشعارات من مثل “أرض الميعاد” و “شعب الله المختار” و”هيكل سليمان” و “نجمة داود” و”ميراث الأنبياء” و”أرض الآباء” و”جبل الربّ” و”العرق السامي” وغيرها من أشكال التزوير والتحريف، التي أُخْرِجت على هيئة أساطير ذات تعابير رنّانة مؤثّرة فاعلة قادرة على الوصول إلى وجدان أصحابها، تبثُّ العاطفة وتهزُّ المشاعر وتزرع الإيمان بالمبدأ والتفاني من أجله وخاصّة عند العامّة، ولقد تمكّنوا بالفعل من أن يجدوا محلّ القبول ووجه الرضا لدى أتباعهم.

فإذا كان العدو قد اعتمد هذا السلاح ونجح فيه إلى حدٍّ بعيد، أفلا يكون من الأولى أن نقف نحن أمام خطواته الناجحة تلك بحيادية وبوعي، وعلى مبدأ تقدير العقل؛ لندرس حقيقة الأساطير ودورها في حياة الفرد والجماعة، ثمّ نتفحّص الأساطير والمدوّنات في تراثنا العربي القديم، ما هي وما مضامينها وما هو مصدرها ومن القائم عليها؟ فإن خلصنا إلى أنّها مصدر صادق ومعتمد من مصادر التاريخ أوليناها من الدراسة اللائقة ما تستحق، فلعلّ بها من الكنوز والأسرار ما يُعيننا على اختراق النظام المعرفي السائد اليوم والمغلَّف بسياجٍ حصين، ومن ثَمّ يفتح أمامنا المجال نحو تأسيس نظام معرفي سليم، يوصلنا إلى الحقيقة المغيّبة وسط هالات التعتيم وسحب الضباب، الذي وصل إلى حدّ تجمّد فيه الوعي وفُقدت الثقة بالذات وبالمقدرات، وإلى حدّ فشلت الأمّة في تبوء مكانتها التي تستحقّها، فكانت النتيجة وبكل أسف أن انحطّت من مقامها وعجزت عن النهوض بأدوارها التي هي قادرة عليها. وإذا قمنا بذلك نكون قد رددنا أسطورتهم المشوّهة تلك بذات السلاح الذي صالوا به علينا وجالوا، ولكن بهيئته السويّة النقية أعني بأسطورة الحقيقة والصواب؟

لذا سوف يتركز الحديث حول إمكانية عدّ الأساطير مصدراً معتمداً من مصادر التاريخ لِما تتضمّنه من معلومات وأفكار وموضوعات تستحقّ منّا الدرس والتمحيص.

الأساطير كوسيلة تعبيّر

ترجع الأسطورة إلى أزمنة سحيقة في التاريخ الإنساني قبل اكتشاف الكتابة بزمن طويل، والأسطورة في اللغة العربية هي أحد اشتقاقات الفعل “سطر”، بمعني: كتب، دوّن، سجّل، والأسطورة تعني: “الكلام المسطور المصفوف سطراً وراء سطر”، وقد ارتبطت الأساطير بالكتابة الموجودة على الألواح الحجرية المنتشرة في كلّ البلاد التي قامت فيها الحضارة القديمة ابتداء من الحضارة السومرية فالبابلية، مرورا بالحضارة المصرية، وكلمة أسطورة انتقلت إلى الغرب عبر البوابة اليونانية فصارت “استوريا” Historia باللغة اليونانية، ومنها إلى سائر اللغات اللاتينية، ففي الإنجليزية مثلا تُستخدَم كلمة History ، وتعني فيها جميعاً التاريخ.

وقد استعمل الأوائل الأساطير لنقل الأفكار والأحداث بأمانة شفويّة عبر الأجيال، فحينما وعى الإنسان أهمية أن يُسطّر ما فهمه وأدركه، من الحقائق والتجارب والعلوم والمبادئ والتعاليم وربَّما الطرائف وغيرها، حينها بدأ ينسج الأساطير ويرويها شفهياً ثم ُباشر بتدوينها بعد أن اهتدى إلى النقش والكتابة. وفي صياغته للأسطورة استخدم لغة بسيطة سهلة التداول وأسبغ عليها تعابير إيحائية لتكّون صورة معبّرة بصدق عن واقع ذاك الإنسان وفكره. ويمكن من خلال دراسة الأساطير اكتشاف المستوى المعرفي والعلمي والأخلاقي والثقافي، والتعرّف على أطوار التاريخ الإنساني، إذ أنّ الأسطورة كانت انعكاساً لمعارف الإنسان الأوَّل وعلومه وحكمته، وهي تعبير عن منطقه وأسلوبه في المعرفة، وسبيله لتفسير الأشياء وتعليل أسباب حدوثها. والأسطورة بشكل إجمالي صياغة فكرية متكاملة موضوعة في قالب ذي إيقاع موسيقي شعري يتضمن عقائد ومفاهيم وبطولات مثيرة تعبّر عن معارف الإنسان الأول وأخلاقه وعلومه وتأملاته ونظراته.

 الأساطير في القرآن الكريم

وفي القرآن الكريم وردت لفظ الأساطير في تسع آيات جاءت جميعها على لسان الرافضين لدعوة الرسول(ص)، نذكر منها الآية الكريمة: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (الأنفال:31)، فقد اتهموا الرسول(ص) بأنّ ما يأتيهم به لا يخرج عن كونه أساطير الأولين، وجنح بعضهم إلى الجزم بأنّ مقالات الرسول (ص) ما هي إلا أساطير تملى عليه فيعمد إلى اكتتابها(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)(الفرقان:5)، وفي ذلك عدة أمور تثير الملاحظة:

الأوَّل: أنّ هؤلاء كانوا يعلمون أنّ هناك تراثا مسطوراً وضعه الأوّلون يحمل معاني تقترب ممّا جاء به الرسول(ص) وهي مخالفة لما هم عليه، وهو ما يدلّ على أن هذا التراث قد احتفظ بمضامينه أو ببعضها إلى عهد الرسول(ص) عبر تناقله شفهيًا إذ لم تكن الكتابات قد تداولت بعد.

الثاني: أنّ معرفة المعاصرين للرسول (ص) بالأساطير كانت على درجات متفاوتة، فمنهم من كان يعلم ما بها من تفاصيل وربّما احترمها وآمن بها وهم الأحناف الذين بقوا على عبادة التوحيد اعتماداً على ما ورثوه من معارف حقّة عبر السنين الطوال، ومنهم من عرف فقط أنّ الأوّلين كانت لديهم أساطير، وأنّها ليست إلا شيئاً من إرث الماضي المتخلّف، وأنّهم يترفّعون عن الاستماع لها فضلا عن الإيمان بها، كأمثال الوليد بن المغيرة ذي المال والبنيين إذ ينقل عنه

القرآن الكريم قوله في سورة القلم: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)( القلم:15/16).

الثالث: أنّ الله سبحانه لم يردّ على اتهامهم بأن ما جاء به الرسول (ص) من أمر بالتوحيد والتحذير من يوم البعث والحساب بأنّه من أساطير الأولين؛ إنّما اكتفت الآية بنقل قولهم، ربَّما لأنّ الأساطير في الأصل مادة ثرية تحتوي على ما يدعّم ويؤيّد مقالة الرسول(ص)، وأنّ دعوته لهم بالعودة إلى روح التوحيد الخالص تتفق في جوانب منها مع بعض أساطير الأوليّن التي عبّروا فيها عن عقيدة التوحيد والإيمان بالعالم الآخر، وما رسالة محمّد(ص) إلا تذكرة وإعادة الإنسان إلى الصراط المستقيم الذي سار عليه الأوّلون منذ خُلِقَ آدم وكُلّف بحمل الأمانة (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)(المزمل:19).

الأساطير بين الشكل والمضمون

أُخرجت الأساطير في شكل قصصي، وصِيغت في قالب شعري اعتمد المحسنات الأدبية، والتشبيهات والاستعارات والخيال، فساعد كثيراً على سرعة حفظها وتناقلها بين العامّة وترتيلها في المناسبات والطقوس، كما أنّه زوّدها بشحنة من العاطفة والمشاعر الجيّاشة لتكون قريبة من أذهان وقلوب النَّاس وتكتسب القدرة على السيطرة على النفوس. فالأسطورة أداة تثقيف امتزجت فيها الفكرة بالعاطفة ما جعلها حيّة فاعلة في نفوس أتباعها.

ويجب عدم الخلط بينها وبين الخرافة؛ لأن الخرافة هي: حكاية بطولية مليئة بالخوارق والمبالغات، لا علاقة لها بالواقع ولا بأي حدث واقعي، وهي لا تحمل أي طابع للقداسة كما أنّ محتواها لا يتضمن موضوعات الحياة الكبرى وقضايا الإنسان المصيريّة كما هو الحال في الأسطورة.

تنوعت الأساطير في موضوعاتها بين الموضوع البسيط والموضوع المركب، وبين المعنى السطحي والعميق، فإلى جانب الموضوعات التعليمية والأراجيز الواعظة تحدثت الأساطير عن نشأة الكون وبداية الحياة وخلق الإنسان، وهي مواضيع على درجة كبيرة من الأهمية وقد تكررت في الحضارات العربية القديمة رغم تباينها زمانياً ومكانياً، ودون أن يؤثر اختلاف الأسماء والشخصيات والتعابير على وحدة المعاني والأفكار.

إنّ الوحدة الواضحة في مضامين النصوص عند السومريين والبابليّين والآشوريّين والفينيقيين وعرب وادي النيل تشير إلى أنّ النصوص تبثّ من مركز واحد، وأنّ مصدرها واحد. وأهم مواضيع الأساطير هي المواضيع التي تحدّثت عن الخلق وأصول الأشياء، وعن الخالق والكائنات السماوية وشخصيات الأنبياء، وقصة خلق آدم وجنته، والعالم السفلي والحساب، وأحاديث وترانيم التوحيد وطوفان نوح، إلى جانب المواضيع التي تروي قصص الملاحم والأبطال، هذه الموضوعات والتي هي مادة الأساطير ومضمونها، نلحظ ارتباطها الوثيق بحياة الإنسان الاعتقادية والاجتماعية مباشرة، أو ارتباطها بما يحيط به من نظام طبيعي وكوني، وهي في أغلبها تدور حول معلومات غيبية لها علاقة ببدايات الخلق ومرحلة تكوّن النظام الأرضي وبدء الخليقة ومنتهاها.

 الأساطير والمادة التاريخية

لقد حفظت الأساطير وقائع وأحداث المدن القديمة كمدينة أور وبابل وطيبا(1)، وذكرت تفاصيل كثيرة عن حضارات الإنسان الأوَّل كالحضارة السومريّة والبابليّة والمصريّة، وروت حكايات عن ملوك وعظماء أثبتت المكتشفات الأثريّة أنّهم صنعوا تاريخاً حافلاً في الزمن البعيد كجلجامش وسرجون وإيزيس وأوزوريس(2)، كما أنّها نقلت علوماً ومعارف مختلفة عن نشأة الكون وبداية الحياة وخلق الإنسان ومراحل التطوّر البشري، وعلى ذلك فإنّه يمكننا القول أنّ مادة الأساطير هو الحدث التاريخي، وهذا الحدث التاريخي ليس مصطنعاً أو متخيلاً، إنّما هو وقائع وأحداث حصلت إمّا من صنع الإنسان، أو من صنع الطبيعة أو من صنع السماء، وفي كلّ الحالات هو حدث ذو تأثير مهم في حياة الإنسان، يستحق التسطير والحفظ للأجيال القادمة، وإنّ مادة بعض الأساطير بما تحتويه من مضامين رفيعة وعلوم راقية لجديرة بالدراسة والفحص. فمثلاً لو تناولنا شيئاً من أسطورة التكوين البابليّة، لوجدناها تروي قصة الخلق وبداية الحياة على الأرض:

“حينما في البدء لم يطلق على السماء اسم،

واليابسة من تحت لم تدع باسمها،

لم يكن شيء سوى “أبسو” أبيهم،

و”ممّو” و”تيامت” التي ولدتهما،

وكانت مياههم تتمازج في هوة واحدة،

لم تبنَ الأكواخ ولا ظهرت المستنقعات بعد،

عندما لم يكن أي من الأرباب قد ولد ولا دعيت بأسمائها ولا قدرت مصائرها

عندئذ تكوّنت الأرباب في تلك المياه ..”(3) .

تتحدث أسطورة الخلق البابلية الشهيرة والمسماة بـ”إينوما إيليش” عن بداية الخلق حينما كان السكون يعمّ الكوكب الأرضي، حيث لم تكن السماء (وهي الغلاف) ولا الأرض-اليابسة قد تشكّلا بعد، ولا “الأرباب” وهي مبادئ الحياة من قوى الطبيعة، كالهواء والرياح والماء العذب قد برزت بعد، وكان الكوكب الأرضي مجرّد صهير مغطّى ببحر مائي مالح وهو ما سمي اليوم بالغمر البدئيّ(4).

فكرة ولادة الكون بالغمر المائي نجدها تتكرّر في الأساطير السومريّة بتعبير القوّة “نمو”، وفي الأساطير البابليّة الفكرة ذاتها ولكنَّهم يسمّون المياه الأولى “تعامة”، وفي الأساطير السوريّة نجد “يم” تعبيراً عن المياه الأولى (القوة الخالقة)، حينما انتصرت عليه بعل(5) وبعدها شرع في تنظيم العالم. وفي الأسطورة المصريّة نجدهم يعبّرون عن المياه الأولى بالقوة “رع” وهي التي أنجبت فيما بعد بقية القوة، وفي الأساطير الإغريقية نجد الإله “أوقيانوس” يأخذ دور المياه الأولى ومنه نشأ الكون، وفي التوراة أيضا نجد المياه الأولى والرب فوقها (وكانت الأرض خربة وخالية، وروح الربّ يرفّ فوق وجه الماء)(6) .ثم نجد ذات المعنى موجود في القرآن الكريم، قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ )(هود: 7). وعن قبل الخلق نجد في الأساطير حديثاً عن الإرادة الإلهية الأولى ببدء الحياة على هذا الكون، تُجْمِع هذه الأساطير على أنّ “الكلمة” الإلهية” هي البداية: تقول أساطير السومريين عن هذا الموضوع: (كانت الكلمة…)، ويقول قدماء المصريين (كانت الكلمة…)، ويقول المندائيون: (والله هو الخالق الأعظم الذي بكلمته وأمره خلقت المخلوقات)، وفي الإنجيل: ( في البدء كانت الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله وهكذا كان في البدء عند الله .. كلّ شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان… )، وفي القرآن الكريم: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس82)، وعن خلق الإنسان تبدأ الأسطورة السومريّة في بيان فكرة تكوين الإنسان من طين وفكرة تصوير الإنسان على صورة الأرباب وعلى منوالها تجري الأساطير التالية لها:

  • يقول السومريون:

إنّ الكائنات التي ارتأيت خلقها ستظهر للوجود..

لسوف نعلّق عليها صورة الآلهة

امزجي حفنة طين من فوق مياه الأعماق،.. وسيقوم الصناع الإلهيون المهرة بتكثيف الطين وعجنه.

  • ويقول البابليون:

بمعونة “أنكي”(7) سوف يخلق الإنسان

الذي سوف يخشى الآلهة ويعبدها

فليعطني أنكي طينا أعجنه.. ستقوم ننتو بعجن الطين

إله وإنسان معا سيتحدان في الطين

  • وفي التوراة: (وجبل الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة الحياة، فصار آدم نفسا حيّة..)

  • وفي القرآن الكريم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )(البقرة:30)، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر:29)

ما نريد أن نخلص إليه ما يأتي:

أولاً: إنّ أثراً من الغيب يقف وراء علّم الأوائل لتلك الحقائق، و إلا فكيف اهتدت تلك الأقوام جميعهاً إلى هذا الأمر واتفقت على أطروحة موحّدة، وأنّى لهم أن يتناولوا قضايا رئيسة كخلق الكون والإنسان كحقائق مؤكدة في مدوّناتهم ونقوشهم؟ أكانوا شهوداً حينما تمّ الخلق؟ تقول الآية الشريفة: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ)(الكهف:51). فتطابق الأساطير مع الكثير من الحقائق التي طرحها وأكّدها القرآن الكريم كمسألة خلق السماوات والأرض في ستة أيام وخلق الإنسان الأوَّل واجتباء آدم ودخوله الجنَّة ثمَّ خروجه منها، وغيرها من الحقائق يدل على صحّة مضامينها، وإنها كما القرآن الكريم وحي الله إلى عباده عبر أنبيائه، وأنّ القوم كانوا موحّدين عالمين بنظام الكون مذعنين له (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)(النساء 163/164).

والأساطير في الأساس مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمعتقدات الدينيّة يقول الأستاذ فراس السواح في كتابه الأسطورة والمعنى: (تنشأ الأسطورة عن المعتقد الديني وتكون بمثابة امتداد طبيعي له، فهي تعمل على توضيحه وإغنائه وتثبّته في صيغ تساعد على حفظه وعلى تداوله بين الأجيال، كما أنّها تزوّده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات الإنسانية)(8). وبالنظر إلى القضايا التي طرحتها الأساطير لا نتردّد في القول بأنّها معارف عظيمة وعلوم عليا بحاجة إلى تعليم، وأنّ الأوليّن صاغوا الأساطير بسبق معرفة وعلى أساس معلومات غيبية حصّلوها من مصدرها الأصلي، بمعنى أنّ هؤلاء لا يمكن أن يقدّموا مثل هذه الحقائق العلمية الباهرة إلا إذا كانت لديهم آثار من علم من بديع السماوات والأرض خالق هذا الكون، فحين علموا الحقائق عن طريق الوحي الإلهي أي بواسطة أنبياء تلك الأزمنة صاغوها بعد ذلك كما يحلو لهم مترنمين ومتغنين بها وهم على تمام الثقة بما يقولون لذلك نجدهم يقيمون الطقوس والأعياد والاحتفالات لإحيائها وتأكيدها ويكرّرونها بألفاظ وأنماط مختلفة تنبعث منها روح الثقة واليقين، وإلا أنّى لهم معرفتها ونحن نعلم أنّ الإنسان وُلِد جاهلاً (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)(النحل: 78)، وأنّه تعالى قد تكفّل بتعليمه (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(العلق:5). إذن فمصدر هذه العلوم إمّا الملائكة أو الأنبياء والمرسلين ممن لهم صلة بخالق الأكوان.

ثانياً: إنّ هناك طابعاً مشتركاًً لهذا التراث يتجلّى بوضوح في الوحدة الواضحة لمضامين الأساطير خاصة في حديثها عن القضايا الكبرى كخلق الكون والإنسان، لاحظنا في الأمثلة السابقة التي تحدّثت عن بداية الخلق وعن خلق الكون والإنسان كيف أنّها احتوت على فكرة واحدة وهو ما يشير إلى وحدة اجتماعيّة وثقافيّة وعلميّة لتلك الشعوب، وقد اتّجه كثير من الباحثين إلى محاولة الإمساك بالحبل الرابط الذي يجمع كلّ تلك المعلومات في حلقة متكاملة. إلى جانب ذلك تمتلك الأساطير شخصيات رئيسة مشتركة في جميع المدوّنات العربيّة القديمة بدءًا من السومريّة فالبابليّة والأكديّة فالمندائيّة فالأوغريتيّة فحضارة وادي النيل من أرض مصر ولكن بمسميات مختلفة فأنانا السومريّة هي عشتار البابليّة وهي ذاتها أناة الأوغريتيّة وهي أفروديت الاغريقية، هذا الاشتراك إنّما يشير إلى وحدة هذا التراث وأنّه ليس ضرب من الخرافة كما يُظنّ، بل إنّه ينطوي على حقائق أصيلة قائمة على أسس علميّة مؤكّدة أخذت من مصادرها الأصلية.

 ثالثاً: إنّ لكلّ أسطورة قيمة ودلالة وجوهر بحاجة إلى الكثير من التدقيق والتمحيص والتعمّق لإدراكه وفهمه، كما أنّها تحتوي على تعبيرات تكمن فيها أسرار ومعاني بحاجة إلى الدرس، ولا يمكن الوصول إلى هذا اللبّ ما لم تكن منطلقاتنا التي نبتدئ بها صحيحة، إذ يتوجب علينا فكّ رموز مجامع الآلهة، والتعرّف على قوى الكون والطبيعة التي تؤكّد عليها الأساطير، وما هي الأدوار التي يعتقد الأوّلون أنّها تقع تحت مسئولية تلك القوى، ثم ما هي معاني الأسماء وهل يمكن أن تكون تلك الأسماء رموزا تحدّد الشخصية والدور التي تقوم به في خضم الأحداث، وما علاقة الأساطير باللغة التي يتحدّث بها أصحاب الأساطير وما الأساس الذي على ضوئه كُتِبَت ودُوّنت؟ نحن نعتقد أنّ فهم اللغة العربيّة بكل لهجاتها القديمة والخاصة السريانية والفينيقية على اعتبار أنّها اللغة التي كتبت بها الأساطير السومريّة والبابليّة والأوغاريتيّة والمصريّة هو أمر في غاية الأهميّة؛ لتحقيق فهم موضوعي للأساطير، بالإضافة إلى ضرورة معرفة حدود استخدام اللغة عند الأولين ووسائلهم في توظيف هذه اللغة للتعبير عن المفاهيم العلميّة والعرفانيّة حسب مستوى تطوّرهم الذهني، و من لم يهتدِ إلى ذلك لا يمكن له أن يهتدي إلى المفاتيح التي ينفذ بها إلى لبّ الأساطير ليستطيع أن يفكّ ألغازها ويفهم رموزها.

الرسوم والتصاوير والتمثيل والغناء

لم تكن الأساطير الأسلوب الوحيد الذي عبّر من خلاله الإنسان الأوَّل عن أفكاره، فإلى جانب الأساطير، نجد الكثير من الرسوم والتصاوير التي وجدت منقوشة على جدران المعابد، فالقوم كانوا يؤكدون على الفكرة بأشكال مختلفة تماماً كما يفعل إنسان اليوم، فالفكرة تترجم إلى رسم أو مسرحيّة أو قصة أو أداء كمبيوتري حسبما نمتلك من إمكانيات ووسائل، كذلك كان الناس الأوائل، ولشدة يقينهم بتلك الأفكار أنشأوا الأساطير، وإلى جانبها نقشوا الرسوم والتصاوير التي عبّرت عن ذات الأفكار ولكن بصورة تمثيليّة تصويريّة، بل إنّهم وللتأكيد على قدسية هذه الأفكار أولاً، ولحفظها من أن تنالها يد التحريف ثانياً، فقد نقشوها برعاية الملك والكهنة فوق جدران المعابد أو كتبوها على ألواح ورُقُم تذهل العقل لدقتها وبراعتها، أو وضعوها داخل جرار ثمينة وحفظوها في المعابد، وفي مكتبات القصور الملكيّة.

يقول الأستاذ فراس سواح في كتابه مغامرة العقل الأولى: “وإلى جانب الشعر والأدب، خلقت الأسطورة فنوناً أخرى كالمسرح، الذي ابتدأ عهده بتمثيل الأساطير الرئيسة في الأعياد الدينية. كما دفعت فنوناً أخرى كالغناء والموسيقى وغيرهما”، “كانت الأساطير تنشد وتمثّل في المناسبات والاحتفالات الدينيّة العامّة، من مثل أعياد رأس السنة في بابل، حيث كانت تتلى وتمثّل أسطورة التكوين البابلية، وفي أعياد الربيع حيث كانت تتلى وتمثّل عذابات الربّ تموزي”(9)، وكلّ ذلك التوافق يشير إلى ثقة القوم ويقينهم بما يقولون.

كما يؤكد المؤرخون على أنّ الأساطير لم تكن اجتهادات أو أعمال فردية، بل إنّها كانت أعمالاً مقصودة ضمن منظومة عامة خُطّطَ لها بعناية، وهي فرع من نظام الدولة المركزيّة الذي عرف في سومر وبابل ووادي النيل وأوغاريت والفينيقيّين الذين حملوه للإغريق، كلّ ذلك عكس التطور الكبير للإنسان الأوّل، حيث توسعت المدن حول المعابد وظهر التنظيم والسلطة الإدارية، التي تمكّنت من حفر أقنية الريّ، وزيادة الإنتاج الزراعي، وظهرت الصناعات ودولاب الخزف والختم الأسطواني واختراع الكتابة قبل الألف الثالث قبل الميلاد، ويمكننا القول أن تدوين الأساطير جاء انسجاماً مع نظام المجتمعات القديمة، الذي استخدم الكتابة ووظّفها لتوثيق تاريخه وعلومه وأفكاره، بل لم تكن الأساطير وحدها هي التي تدوّن، فلقد كان النظام يدوّن سجلات المعاملات التجارية، وأسماء المواليد، وعقود الزواج وغيرها. وإنّ وجودها في المعابد ومكتبات الملوك يعطيها اعتباراً إضافياً فهي تُكتب برعاية الملك نفسه والكهنة دون أن يُعرف لها مؤلف معين لإثبات أنّها ليست خيالاً فردياً، بل هي نتاج لتوجهات الجماعة وعقائدهم وآمالهم الأمر الذي أعطى للأساطير قيمة كبرى سواء لدى المعاصرين لها أو للأجيال القريبة والبعيدة.

ختامــاً

يقول صموئيل كريمر الباحث المتخصّص في الآثار والكتابات السومرية: (سيكتشف علماء عصرنا أنّنا مقصّرون عن فهم المقولات، مقولات أولئك الأقدمين، إنّهم كانت لديهم قناعة كاملة بأنّهم يعرفون كيف يعمل هذا الكون، وكيف يمشي، وكيف هي مسيرة الحياة)(10). فهل لنا أن نقف أمام هذا التراث العظيم لمحاولة فهم وعي أولئك البشر الذين سبقونا بآلاف السنين؛ لنحاول إعادة اكتشاف وتفسير أساطيرهم، على افتراض أنّ نصوص الأسطورة التي بين أيدينا لم تُعطَ حقّها بعد في الترجمة والدراسة، إذ أنّ كلّ منْ حاول تفسير الأسطورة إنّما تقيّد بما في يده من ترجمة الباحثين الغربيين للمدوّنات القديمة، تلك الترجمة التي لم تراعِ اللهجة التي كُتِبَت بها المدوّنات بما فيها من قلب وتبديل بين حروفها. وإنّنا إذ ندعو إلى إعادة اكتشاف الفكر الذي كان عليه العرب الأوائل والأسرار التي حملوها والعلوم التي أسّسوها، والتي غاب الكثير منها عنا اليوم، لندعو كذلك إلى السعي نحو ربط القرآن بالمدوّنات القديمة على اعتبار أنّها الفصل الأوَّل من فصول التعليم الإلهي وهي تلتقي مع القرآن في غرضها العامّ وهي الدعوة إلى الله الواحد الأحد، وإنّ غرضنا من وراء ذلك هو كشف الحقيقة ولئلا نبقى ـ رغم مدنيتنا وعلومنا ـ نعاني من الجهل والنّضوب الرّوحيّ في جوانب سبقنا فيها الأوّلون وتقدّموا فيها علينا؛ ولكي نردّ المعروف إلى أهله بالإقرار بأنّ ما عرفناه اليوم بعد جهد جهيد قد فهمه أولئك قبلنا وأيقنوا به وأرادوا أن ينقلوه بأمانة لمن يلحقهم، وأنّ المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها وجودنا اليوم إنّما ترجع في أصولها إليهم، ولنسلّم بعدها بأنّ الفكر الإنساني ليس إلا فكراً تراكميّاً متواصلاً، وأنّنا في عصرنا البعيد هذا ما نحن إلا حلقة من عقد يمثّل سلسلة الحلقات البشرية، وأنّه لا يمكن لنا في أي حال من الأحوال الانفصام عن تلك السلسلة .