البثّ المباشر وتعارض الصوت والصورة

البث المباشر وتعارض الصوت والصورة

قيل أنّ بين الحقّ والباطل أربع أصابع؛ الحقّ أن تقول: رأيت، والباطل: سمعت!

يُحدّثني أحد شباب الجامعة:
كان لي زميلة، تجاذبتُ الحديث معها في شأنٍ دراسيّ، “فرأيتُها” تقول: (أنا فاتنة، مغرية، زكيّة الرائحة، معجبة بشكلي وبكلّي، أحلى من غيري، وأخفّ وأظرف، ناعمة كالزبدة، وحلوة كالعسل).
سألتُه: أتسخر منّي؟ وهل طالبةٌ تقول هذا؟ أجابني: نعم، ولقد عرفتُ فتيات و”رأيتهن” يقلن أكثر وأفحش حين يقف الشابّ معهنّ، يقلن ما أستحيي إسماعك إيّاه، ولا يُكتَب لأنّه يخدش الحياء!
سألتُه: أنت سمعتَها بأذنيك؟! قال: بل هو كما أخبرتُك: “رأيتُها” ولم “أسمعها”، قالته ببثّ موجيّ بصَريّ-شمّي، بذبذبات “دون-سمعيّة”، قالته بتمايلات جسدها، وبحركات خفّة يديها المائعتيْن وهي تكلّمني، بغمزات عينيها المكحولتيْن، بتصنّعها فغْر ثغرِها، وبترطيبٍ مبالَغٍ لشفتيها، بتضييق عينيها وشعشعتِهما، بارتعاشات رموشها، وترسيم ابتسامة قسريّة تُوحي بالخفّة والرقاقة…
وبالتواءاتها الكثيرة كأنّها أفعى الحاوي المتراقصة.. كانت تُكلّمني “بصوتها” بموضوع أكاديميّ جادّ، لكنّني لم “أستمع” منه شيئا، لأنّها لم تقصد منه شيئاً، بل كان “الصوت” وسيلة إيصال “الصورة”، الاستماعُ باطلٌ، والرؤيةُ حقّ، ولقد أُحرجتُ قليلاً لأنّها مع استتارها كانت مكشوفة، كانت تبثّ رسائل قويّة لمن حولها بأنّها أنثى تنضح بالأنوثة، تعزف بأوتار دون-صوتية صخباً أنثويّاً متعالياً يصمّ الآذان عن سماع حتى أذان الصلاة، كما أصمّتْ تلك المليحة بخمارها الأسود ناسكَ المسجد عن الإصغاء لكلمات صلاته، كانت تبثّ بأنّها رخيصة، ومبتذلة، ومحور حديثها الحقيقي -لو خفّضنا صوتها- كان استعراضَ مفاتنها المصطنعة، بحركات هي الأخرى منتحلة من مسلسلات أمريكية/مكسيكية/تركيّة، تُعلّم الشابّة كيف تكون “شابّة” (من الفعل “شبّ”) أي حارّة، متّقدة، مضطرمة، ملتهبة.

يقول: كلّمتُ صديقتها بعدها بسويعات، فكانت وقورةً جدّاً، حاولتُ أن أُصغي لما يُمكن أن يقوله “شبابُها” و”أنوثتُها” فما سمعتُ شيئا، مع أنّ هذه لم تكن أقلّ جمالاً، بل الغريب أنّ هذه لم تكن محجّبة كتلك! لم تُسمعني غير حديثها عن المحاضرة، بلا موجات مشاغبة أخرى، بلا “مَسِجات” مضمّنة، بلا رسائل مفخّخة، بلا إيماءات وإيحاءات، كانت واقفةً باحترام تنظر لي كأخ حقيقيّ لا كذكَرٍ وفحلٍ، قالت ما تنوي قوله فعلاً، نبّهتْ “عقلي العُلوي” على الاستماع والإصغاء الجادّ لها، احترمتُها لأنّها الإنسان الحقيقي، غير المغلَّف ولا المقلِّد المصطنَع.

المُدهش أنّ البثّ السفلي لا يعرف استثناءات، فيأتي من محجّبات وغيرهنّ، بل وأحياناً من مخطوبات أيضاً بل ومتزوّجات! هناك الكثير من الصنف الأوّل في مجتمعنا، والكثير أيضاً من الصنف الآخر المحترَم.

وكما “الرادار” مهمّتُه الـ”بحث” ووسيلته الـ”بثّ”، يبثّ أمواجَه فحيثما اصطدمتْ بجسمٍ “يعكسها” استلمها فأصاب مراده، فهذا حال كثيراتٍ من أصحاب البثّ المباشر، هنّ مجرّد مُحرّكات “بحث”، لغة الجسد منهنّ تصمّ عن ناظرهنّ لغة عقلِه، كمغنّيات “الواوا” (هيفاء وأمثالها) هنّ لاستمتاع النظر وليس لاستماع المعنى، لكنّ المشكلة أنّ هناك طالبات “الواوا”، وسكرتيرات، وبائعات، وموظّفات استقبال…. تعلّمن “البثّ” أيضاً وجعلنَ همّهنّ “البحث”!

الملائكة وصنائعُهم، كما وحيُ القرآن، بثّها دائماً للعقل العُلوي حيث الروحنة والمنطق، (لأولي الألباب)، (لذي حِجْر)، (لأُولى النُّهى)، (لقومٍ يعقلون)، والشياطين وممثّلوهم دائماً يبثّون للمخّ السفلي، حيث الرغائب والمخاوف.

لدينا مُخّان؛ مخّ سفلي، ومخّ عُلوي، السفلي شغلُه الغرائز وأمواج المشاعر، والعُلوي المنطق والفنّ، الأوّل أسبق وجوداً فينا لأنّه تكوّن مع وجودنا البشري، وهو الذي يأخذ زمام المبادرة بقياد زمامنا كلّما دهمتنا نزوة أو موقف رعب، فنتصرّف لاإرادياً انجذاباً أو فراراً، والثاني أُعطيناه مع طورنا الإنساني/الآدميّ، لكنّ المخجل أنّ أكثرنا لا يتصرّف إلاّ وكأنّ ذخيرتُه “السُفليّ” فحسب، بل يُسخِّر “العُلوي” بطاقاتِه وذكائه لأغراض “السُفلي”، فلبس نظارة موحية بالذكاء والفراسة للمدرّس، وإسدال خصلات وتلميعها خارج العمامة للشيخ، والتمنطق بالكلمات العسيرة والمصطلحات الضخمة للمثقّف، وغيرها كثير، هي مغلّفات برسائل هرمونيّة لتغذية متعة المخّ القديم، كما رأينا بنموذج الآنسة الجامعيّة.

إنّ من مهامّ المخّ الأوّل/السفلي/القديم/البدائي (primeval brain) -للذكور مثلاً- بثّ واستلام رسائل الإناث، عبر منافذ الجسد (Ports)؛ فالأنف لشمّ روائحهنّ، والبصر لاستقبال زاهي ألوانهنّ، ومفاتنهنّ، وتصوير لغة أجسادهنّ، والأذن لتحليل نغماتهنّ الرقيقة والخاضعة والمائعة والمقهقهة، وأيضاً عبر أخطر حاسّة وهي اللمس، أمّا المخّ الأعلى فمهمّته بثّ واستلام رسائل العقلاء (الإنسانات)، الأوّل يقرأ الرسائل والنغمات ولا يهمّه اللغة ومضامينها لأنّه سبق اللغة والفكر وجوداً، مادّتُه الطبيعة وحسب، من روائح وحركات واهتزازات وفيرمونات ورقصات ونغمات، يرصدها ويبني عليها مواسم انجذابه ونفوره، وبلغة مدنيّتنا الحديثة؛ يرصد اللباس الضيّق والكاشف والمُبهرج غير المحتشم، وألوان الميك-أب، وأشكال التحرّشات المغلّفة والمبطّنة، فيفكّ تشفيرها، ليحدّد شيئا واحداً فقط؛ ترمومتر الفحولة والإباضة والرغبة.

هذه الرسائل (الجنسية) كانت مكشوفة ومشروعة أيّامَ كائن الغاب، أمّا اليوم ومع المخّ الجديد الموهوب لنتسامى به، ونلجم انفلات غرائزنا، فتتغلّف بمحاضرة أكاديميّة (وقد تكون دينية، بل عن التقوى أيضا وعن الحياء!)، وبتدارس في “الكافيهات”، وبحوار شبابي، وبعزاء ولائيّ استعراضي، وبنقاشٍ علمي، أو بمزاح “بريء جدّاً” بين الشابّ والشابّة (وكلاهما من الفعل “شبّ” كما أسلفنا)!

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.