pic5

“الراقص مع الذئاب” هو اللقب الذي أطلقه الهنود الحمر على الجندي الذي كان يحرس التخوم في الفيلم الأمريكي الذي يحمل الاسم نفسه. وهذه التسمية تعكس أسلوباً تربويّا عندهم، حيث يعتمد على الحث لإنجاز عمل مميز يكتسب به صاحبه درجة من الشرف الإجتماعي .

فالأسماء عندهم لا ثبات لها، فكلما أنجز الفرد إنجازاً يستحق الإشادة تُبدل القبيلة اسمه ليحمل انجازه، وهكذا دون ثبات حتى آخر حياته. فهناك ” أول من يرمي ” وهناك ” النسر الطائر ” مما يبرز مجموعة القيم المعظّمة عندهم .

هذا المنهج يجعل الإنسان مطالباً بشكل دائم ليقدم إنجازاً جديداً إذا ما أراد أن يتسنم منزلة عالية في القبيلة. وهذ اللقب أشد التصاقا وخصوصية من الرتب العلمية والعسكرية من مثل: الدكتور والجنرال فهو مفصل عليه خصوصاً لا يشاركه فيه غيره، وهو مرتكز على نفسه باستقلال لايعتمد على اسم عَلَمٍ ثابت، إذ يزول عندهم اسم العلم ليصبح اللقب هو الإسم وبلا إضافات، إنه لايرتكز حتى على اسم العائلة أو مجد الأب .

وفي ثقافتنا العربيّة القديمة تجد نوعاً من ذلك ولكن مزاوجا بين صفة الإنجاز وثبوت اسم العلم، والذي كثيراً ما يغيب عن لغة المخاطبة، فأنت تسمع مثلا بالشاعر المعروف ” تأبط شرّا ” واسمه الحقيقي ثابت بن جابر، شاع عنه هذا اللقب حيث كان من الصعاليك المتمردين على النظام القبلي، المشهورين بالبأس والحيلة والسرعة فكأنه لا يرى إلا والشر تحت إبطيه .

وشاع كذلك لقب “آكل المرار” واسمه عمرو بن حجر، والمرار نبت شديد المرارة، ولا أعرف سبب التسمية ولكنه يدل على شدة البأس وهو جد امروء القيس الشاعر. و”ملاعب الأسنة ” عامر بن مالك أحد أجداد العباس بن علي لأمه أم البنين، و”حامي الظعينة ” ربيعة بن المكدّم الذي تعرّضت ظعينته لقطّاع الطرق وكان فيها أمه وأخته وزوجته، وكان منفرداً إلا من عبيده ، فقاتل القوم منفرداً حتي قتل منهم فهابوه؛ وكان معروفاً بالشجاعة، فلما تحاشوه ووجد نفسه مصابا بجرح مخوف، أمر الظعينة أن تسير منفردة نحو الحي؛ ولم يكن مبعداً كثيراً، ووقف هو في قبال القوم متفاديا إبداء ضعفه بالإتكاء على رمحه من فوق فرسه، فلما بلغت الظعينة سلامتها أطلقت عليه العرب “حامي الظعينة ” وهو الذي أشار إليه السّيد جعفر الحلي في قوله:

حامي الظعينة أين منه ربيعة            أم أين من علياً أبيــه مكدّم

وفي لغة العرب وذوقهم الكثير من الكناية عن الشيء بما اشتهر به وتكرر معه ولازمه، وهو من جميل اختيارهم ، فيكنون عن اللص بـ ” ابن الليل “، وعن غصن الريحان بـ “ابن المسرّة”، والصبح “ابن ذكاء” وهي الشمس، والعالم ” ابن بُجدتها ” بضم الباء وهي حقيقة الشيء، والفرس الفارة ” ابن النعامة”، والليالي “بنات المنى”، والهموم ” بنات الصدر “، والدواهي “بنات بئس “، والذئب ” أبو جعدة ” ، والثعلب ” أبو الحصين ” ، والراية ” أم الحرب “، واللواء ” أم الرمح ” ، والخبز ” أم جابر ” ، والرحى ” أم عطية “، والخمرة ” أم ليلى ” وهى النشوة.

ولقد استخدم القرآن الكريم هذه الطريقة دون الإشارة إليها بالطريقة المعهودة عند العرب في الكناية بأم وأب وبنت وأخت ، مما لم يلفت اليها الأنظار، فنحن نظن أن آدم هو اسم علم لأبينا آدم عليه السلام ولكن آدم هو اسم جنس للبشر الذين اصطفى الله أبينا من بينهم لتلقي النفخة القدسيّة، ومعنى آدم المتكيّف أو بالأحرى المتلائم من الفعل آدم بفتح الدال والميم، ومنه نستعمل كلمة إدام “اودام” بالعامية وهو الذي يلائم اللقمة للبلع ويجعلها مستساغة، فآدم يعني المتلائم مع الحياة والأشياء المتكيف معها والمكيف لها.

وكذلك حوّاء فهي اسم جنس للمرأة وبيان لسرّها في الخلق، وهي من الحوي والإحتواء، فهي التي احتوت البشرية ولولاها ماتجمعت اسرة ولا تكون مجتمع، إن المرأة هي مفتاح تكون المجتمعات البشرية والإنسانية، ليس بالولادة كما يظن البعض، ولكن بما بعد الولادة من حياطة للإنسان الصغير، ومودة للإنسان الكبير.

أما قابيل وهابيل فلو كان الأمر على مقياسي لجعلت القاتل هابيل والمقتول قابيل، فالهابل المحتال الآخذ والقابل الموافق الضامن، فإن صح ذلك فأيهما أحق بأيهما؟ اللهم إلاّ أن يكون لهما معنى يوافق أفعالهما في اللفظتين لا أعرفه.

ويأجوج ومأجوج سميا كذلك لطبيعتهما السلوكية فأحدهما يؤجج الآخر على فعل الشّر. وفرعون هو المتكبر العالي ذي الشرور المتفرعة كتفرع الأغصان، والهامان لفظ فارسي بمعنى باب الملك الممهد له وهو رجل الدين، وأما قارون فهو المنشغل بجمع وقرن المال للمال وهم اصحاب رؤوس الأموال، وبهؤلاء تكتمل عدّة الحكم: السلطان والكاهن –العالم المثقف المشير– ثم أصحاب الأموال . فهذه ليست أسماء شخصية إنها أسماء لوظائف تتحكم في الحياة وتفعل فيها. فرعون وهامان وقارون مسمّيات طبقية وليست شخصية أفرادها الحقيقيون نماذج تحمل أسماء شخصية أخرى.

والسامري هو صاحب حديث الليل، الذي أحدث انقلابا وفتنة بعد غياب موسى، فهذا هو اسم فعله، وصفة عمله التي تشير إلى أنه دبّر أمره بليل، ولم تكن صناعة العجل إلا خاتمة الفصل.

والإسلام جعل مثل ذلك من وسائل تربيته محبباً للطفل من حين ولادته ثلاثة أشياء تتعلق بشخصيته أولها: حسن اختيار اسمه فيسمى بالحسن منها، وثانيها أن يلقب بلقب يحمل معنى حسناً وثالثها أن يكنى بكنية حسنة أيضاً لعل هذه الاشياء تشجعه على اقتفاء آثار الأعمال الطيبة فيسمى مثلا بـ: محمد أو علي أوحسن أو عبدالله أو غيرها من الاسماء التي إما تشير إلى شخصيات متميزة بالشرف أو إلى صفات طيبة كراشد وعقيل وجميل.

ويكنى بكنية مثل أبو علي أو ما شابه أملاً في اصطباغه برجولة الرجال أو وقار النساء. ثم يلقب بلقب مثل الجواد، الباقر، الصادق، من الأخلاق الحسنة والفضائل. ولهذا فأنت ترى اسماء الأولين هكذا مثلاً: أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق. ولم تكن شخصية المولود تذوب في اسم العائلة أو المهنة أو المنطقة والقبليلة كما نفعل اليوم. ومن الطريف أن الاسم والكنية لا يتغيران ولا يتكاثران، بعكس الألقاب فهي عند العرب تتكاثر بتكاثر المآثر والإنجازات.

والسؤال: هل هناك طريقة للاستفادة من طريقة الهنود الحمر، أو طريقة العرب، أو سنة الإسلام في تفعيل التربية والحث على الإنجاز؟

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.