الغاية من التشريع الديني والقانون الوضعي

     يمكن أن نختصر الموجود حالياً من القوانين والتشريعات في المجتمع البشري بأكمله إلى نمطين من التشريع، أحدهما تشريع ديني؛ باعتبار أن الدين هو جذره ومرجعه، والآخر التشريع الوضعي وهو مجموعة القوانين التي وضعها مختصون بالقانون، وتتميز القوانين الوضعية بأنها اجتهاد إنساني لتنظيم واقع بشري معاش.

     ولا شك أن الغاية المرجوة من القوانين الوضعية والتشريعات الدينية هي أن تكون ميزاناً لحقوق الناس، يحافظ على مقاديرها، ويمنع من انتهاكها، ويفك نزاعاتها، وسواء أدت القوانين الوضعية والتشريعات الفقهية مهمتهما كما ينبغي أو لم تفلح في ذلك، فإن الحاجة إليها ماسة، حيث لا يستغني مجتمع بشري عن وجود قانون يرجع إليه الناس إلهياً كان القانون أو بشرياً.

ولا جدال في أنّ تشريعنا الإسلامي ــ بنحوٍ عام ــ يحظى بالشرعية التي جعلتنا نعتمد عليه، كقانون للحياة، أو كمصدرٍ نستنبط منه القوانين التي تحتاجها حياتنا، لكنّ علماء المسلمين ومفكريهم اختلفوا في الموقف من القوانين الوضعية، هل هي شرعية أم ليست كذلك؟ هل يصدق عليها أو بعضها أنها قوانين صالحة وتمضيها الشريعة الإسلامية أم لا؟ والسؤال بشكلٍ أوضح هو: هل هناك مجال لأن نتعامل بشكلٍ طبيعي مع الصالح من القوانين الوضعية ونلتزم بها ونطبقها؟ أم يجب أن تكون الشريعة الإسلامية حصراً هي المصدر الوحيد للقوانين؟

لقد أجاب على هذا السؤال الكثير من المفكرين والعلماء، لكن الإجابات تعدّدت، وبالتالي لم تعبّر عن موقف واحد، علماً بأنّ بعض الأجوبة تقع على طرفي نقيض.

 

نماذج من هذه المواقف:

1 ــ  سُئِل الشيخ حسن مأمون أحد علماء الأزهر في السبعينيات عن بعض القضاة المتخلفين عن حضور الجلسات التي يُقضَى فيها بموجب القانون المدني، فأجاب رحمه الله: “ليس للقاضي الذي نصّبه السلطان للحكم بين الناس طبقاً للشريعة الإسلامية الامتناع عن تطبيق القوانين الوضعية، بحجة أنّه لا يحكم إلا بالشريعة الإسلامية، ولا يعترف بالقوانين الوضعية”[1].

2 ــ أكّد د. علي جمعة مفتي الديار المصرية، أنّه لا تعارض بين القانون الوضعي في مصر والشريعة الإسلامية[2].

3 ــ وتعليقاً على قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) سنطيعكم في بعض الأمر، كالذين يتّبعون القوانين الوضعية، مطيعين بذلك، الذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنّهم ممّن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم، وأدبارهم[3].

4 ـ  وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث والافتاء، عن الاشتغال في وظائف المحاماة، فأجابت: إذا كان من يريد دراسة القوانين الوضعية لديه قوة فكرية وعلمية يميز بها الحق من الباطل، وكان لديه حصانة إسلامية يأمن معها من الانحراف عن الحق ومن الافتتان بالباطل، وقصد بتلك الدراسة المقارنة بين أحكام الإسلام وأحكام القوانين الوضعية، وبيان ميزة أحكام الإسلام عليها، وبيان شمولها لكل ما يحتاجه الناس في صلاح دينهم ودنياهم، وكفايتها في ذلك؛ إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، والرد على من استهوته القوانين الوضعية، فزعم صلاحيتها وشمولها وكفايتها، – إن كان كذلك، فدراسته، إياها جائزة، وإلا فلا يجوز له دراستها[4]

 

فهذه أربعة مواقف متعلقة بالقوانين الوضعية، وهي نماذج عشوائية للبقية الباقية، وهي كثيرة، ومهما بلغت كثرتها إلا أنها لا تكاد تخرج عن مجمل هذه المواقف. 

 

سبب هذا الافتراق والتناقض:

     تتّسم بعض المواضيع والقضايا بالمرونة، فتسمح بتعدّد الآراء والاجتهادات، لكن الأصول والقواعد والقضايا الإستراتيجية لا يناسبها إلا القطع واليقين ووحدة الجواب، ولا مجال فيها للاجتهاد وتعدّد الآراء، لأنّ طبيعة القواعد والأمور الإستراتيجية لا بدّ أن تكون محدّدة ومعلومة، وإلا لم تصبح قواعد، ولم تقم قائمة لعلم من العلوم، فالعلوم تعتمد على قواعد وأصول واستراتيجيات، ولا بد أن تكون محدّدة ومتيقنة ومتفق بشأنها. فالموقف من القوانين الوضعية من أي قبيل؟ هل هو من قبيل القضايا الاستراتيجية ومن طبيعة القواعد، أو من المواضيع التي يمكن أن تتعدد فيها الاجتهادات؟

لا شكّ أنّ الموقف من القوانين الوضعية هو من قبيل المواقف الموحّدة الواضحة وضوح القواعد في العلوم، ذلك لأنّ القوانين الوضعية تمثّل شريعة أخرى تعتمد عليها معظم دول وشعوب العالم، لذلك فإنّ جوابنا على سؤال: ما هو موقف الدين من القوانين الوضعية؟ يجب أن يكون قاطعاً موحداً، وأن يتسم بالوضوح، كوضوح أي قاعدة في أي علم من العلوم، فما الذي جعل موقفنا مواقف؟ ولماذا تواجهت أجوبتنا إلى درجة التناحر، بينما يجب أن تكون واضحة وموحّدة؟

يبدو لي أنّ السبب في هذا الخلاف هو وجود ضبابية حول الغاية الصحيحة من التشريع الديني، فما دامت الغاية من التشريع غامضة أو مفهومة بشكل مقلوب، أو متصوّرة بصورة لا تمت إلى حقيقتها بصلة، فكل ما يترتب على ذلك لا يمكن أن يعبّر عن الغاية الحقيقية للتشريع الديني، ولو كانت غاية التشريع واضحةً للجميع لم تسمح بمثل هذا التفاوت حول شرعية القوانين الوضعية، فوضوح غاية التشريع هو حجر الزاوية في الموضوع.

 

وظيفة التشريع:

     إنّ الغاية من التشريع الديني هي ذات الغاية من التشريع الوضعي، ولو أنّنا تناولنا الدين بطريقةٍ طبيعيةٍ كما نتناول شؤوننا الدنيوية، لكان ذلك أيسر لنا وأقرب لفهم الدين، والتعاطي معه بشكل طبيعي، ولطالما أكدنا باستمرار أنّ ديننا دين الفطرة، فهو دين يتعامل مع واقع الحياة، ويستجيب لحاجياتنا الطبيعية، ولا يكلّفنا إلا وفق قابلياتنا، لأنّه يتعامل مع الواقع، فالدين يسلك بنا الطريق المناسب لطبيعتنا، ويعرّفنا على ما لا يناسبنا ويدعونا لاجتنابه، فالفهم الصحيح للدين وتشريعاته المجتمعية بالخصوص يبدأ من فهم طبيعتنا وواقعنا وحاجياتنا، وإذا أردنا فهم الدين -متجاوزين واقعنا وطبيعتنا- فلن نفهمه فهماً طبيعياً، وسنتعامل معه كما لو كنا نتعامل مع مجموعة ألغاز، أو كما نتعامل مع ظواهر لا تُعرف أسبابها، وحينئذٍ سيكون تعاطينا للدين لا يقوم على أساسٍ منطقي، بل على أساس التخبّط والتخمين والتخرّص، الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه لخلافات لا تلتقي أطرافها على شيء.

      واختلاف الموقف حول شرعيّة القوانين الوضعية نابع من سوء فهمنا لغاية التشريع، فغاية التشريع الديني هو ذات الغاية من تشريع القانون الوضعي، والتشريعان يبغيان وضع حدٍّ لجور الإنسان على الإنسان، والفوضى والطغيان، ويقومان بتنظيم شئون الحياة وفق قواعد العدل، فليس التشريع في نفسه عبادة، ولا هو مجرد امتحان، ولم تشرّع الأحكام لذاتها، ولا لتكون فوق الحياة، وليس هو مقدساً لأنّه تشريع ديني، وإنّما تكمن قداسته في بسط العدل بين الناس.

ثمرة الفرق بين النظرتين:

     إذن هناك نظرتان للتشريع الديني: نظرة طبيعية، وأخرى غير منطقية، النظرة الطبيعية هي التي ترى أنّ وظيفة التشريع تتمثّل في إقامة العدل، ويكفينا في ذلك دلالة آية حاكمة حدّدت الغاية الدنيوية المجتمعية من بعثة الأنبياء عليهم السلام، حيث يقول سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(25:الحديد).

إذن هذه هي غاية التشريع، وهو مقدّس مادام في إتجاه العدل، وبمجرّد إنحرافه عن جادّة العدل يسقط عنه الإعتبار، وقد قال الرسول (ص): (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، وانحراف أي تشريع عن العدل هو ابتعاد عن وظيفته الطبيعية.

      أما النظرة الغير منطقية للتشريع الديني، والتي تمثّلت في أكثر من صورة، اشتركت كلها بالاكتفاء بمظاهر التشريع وإهمال جوهره، أو عدم الاعتناء به اعتناءً يوازي قيمته، فقد تكون لدينا مظاهر تشريعية ويكتفي بها البعض ولا يبذل أدنى جهدٍ للمطالبة بتطبيق مضمونها العادل، وليس أدل على هذا من الواقع الذي يعيشه معظم المسلمين اليوم، فإنّ أكثر ما يهتم به معظم المسلمين اليوم هي مظاهر الإسلام، ولا يأبهون كثيراً لحالات الظلم البشعة التي تملأ الدنيا من حولهم.   

      فالنظرتان متباعدتان تباعداً كبيراً، وقد انعكس هذا التباعد في موقفين متباعدين من القوانين الوضعية، ولا يتوقف هذا التباعد عند هذا الحد، إنما الأهم هو ما ترتب على ذلك من مواقف عملية ونظرية على مستوى الإقتراب من العدل والابتعاد عنه في الكثير من الأمور تبعاً لهذه الخلفية، فالنظرة الخاطئة للتشريع الديني قد تدعونا للتمسك ببعض التشريعات والفتاوى والحرص عليها باعتبارها تشريعاً دينياً، لكنها قد تكون على صعيد الممارسة خارجة عن جادة العدل، ومُسْتَغَلَة استغلالاً ظالما، وما أكثر ما وُظِّف الدين وتشريعاته في غير غايتهما، هذا أولا.

 ثانيا: النظرة الخاطئة للتشريع، جرَّت الأمة للإستهانة بقوانين وضعية، مع أنها في صالح الحياة والعدل، وتنظّم حياة الناس، وتحافظ على المصالح العامة، وتقيم العدل.

 وثالثا: فإن النظرة الخاطئة للتشريع، تجعل العلاقة بالتشريع الديني علاقة شكل أكثر منها مضموناً، والأهم من ذلك كله هو التنازل عن إقامة العدل في أمتنا والعالم الإنساني كله، فنشر العدل عالمياً وظيفة مهمة من وظائف هذه الأمة، انطلاقاً من الآية السابقة (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(25:الحديد)، ويفترض أن تكون هذه الآية مدخلاً لبرنامج عمل لجميع من آمن بالأنبياء(ع) اتجاه الأمم الأخرى، وأيضاً من منطلق قوله تعالى:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(110:آل عمران)، وهل هناك منكر أشد من الظلم؟ وهل هناك معروف يؤمر به أفضل من العدل؟ خاصة حينما يتعلق الأمر بالناس، يعني عامة البشرية، فدعوة الناس للمعروف تبعاً لهذه الآية ليس دعوتهم إلى عبادةٍ من عبادات الإسلام، إنما دعوتهم لكل ما يصلح أمورهم، ويأتي العدل في أول هذه القائمة، قال تعالى حكاية عن الرسول (ص): (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)(15:الشورى) وهذه الآية منطلق آخر يُكرس مهمة نشر العدل ومواجهة الظلم، فنشر العدل من الوظائف البديهية للإنسان، بحسب ثقافة الدين وأصوله.

 

متطلبات نشر العدل

     إذا كان العدل حاجة بديهية للحياة الإنسانية، فإنه هو كذلك في قائمة الواجبات الدينية على الإنسان، وإذا كانت المساهمة في إقامة العدل في حياة الناس مطلوبة من الإنسان، فإنها مطلوبة من الإنسان المنتمي للدين من باب أولى.

     وإذا كانت الغاية المجتمعية لبعث الأنبياء (ع) هي إقامة العدل في حياة الناس، فإن أُولى خطواتنا في هذا الإتجاه تتمثل في تغيير وجهة النظر الخاطئة للقوانين الوضعية واستبدالها بنظرةٍ تؤسّس قاعدة من شأنها الاستفادة من كل قانون يعزز إقامة العدل، ومن كل ما يساهم في احترام حقوق الإنسان.

ويتمثّل ذلك عملياً بالتوجّه إلى ما هو موجود فعلاً من قوانين في صالح الإنسان والعدل، والتأكيد على شرعيتها من وجهة نظرٍ إسلامية “كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان” لما ينطوي عليه من تدارك لحقوق الإنسان المهدورة، حتى لو كان لدى البعض شيءٌ من التحفّظ على بعض فقراته.

     كلّ هذا سيكون مُهِمًّا بسبب تغيير وعينا ونظرتنا للتشريع الديني، وفهم الغاية منه فهماً سليماً وأنها نَشْرُ العدل في الحياة، فسيسهل علينا من دون تلكؤ تأييد كلّ قانون في العالم، أيًّا كان مصدره، إذا كان يكرّس عدلاً ويحمي حقاً.

 

مستندات هذا الدعوة:

     لابد لنا من الخروج من قبضة هذا الجمود الذي قلب الموازين في نظرنا، فصرفنا تأييدنا عن الكثير من القوانين التي تضمّنت الكثير من الحقوق الإنسانية، وكان عذرنا في ذلك أنّ هذه القوانين ليست ممّا أنزله الله تعالى، وكثيراً ما يستدل بالآيات التي تشتمل على قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ)(44:المائدة) على رفض التعاطي مع القوانين الوضعية، فهل تُسْعِف هذه الآيات هذا التوجه؟ من دون أن نمضي مع تفاصيل هذه الآيات لنعرف منها مباشرة الجوابَ على هذا السؤال، فإننا سنكتفي بطرح نقاطٍ رئيسية تلتقي بالموضوع ذاته، وبإمكان هذه النقاط التأكيد بيقينٍ على صحة الرأي الآخر المنفتح على كل ما يكرّس العدل في الحياة، وبالرغم من استخدام آية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ) كثيراً في سلب الشرعية عن القوانين الوضعية، إلا أننا سنتبين وفي  ضوء ما سنعرضه من نقاط  خطأ الاعتماد على هذه الآيات في هذا المعنى، وهم عادة ما يستدلون بهذه الآيات على الرفض المطلق لكل قانون ليس مصدره الشريعة الإسلامية، علماً بأن الالتزام بهذه الآيات وفق هذا المعنى يُلزم المسلمين برفض معظم ما في أيديهم من تشريع، لأنّ أكثر ما لدينا من تشريعٍ ــ وإن اعتمد على خلفية الشريعة ــ إلا أنّه ليس “مما أنزله الله تعالى” بالمعنى الذي يقصدون، وسنتبين أيضاً أنّ الالتزام بهذه المقولة على إطلاقها، يؤدّي إلى إسقاط بعض يقينياتنا، وهذا لا يمكن الالتزام به, فما هي هذه النقاط؟ 

 

1ــ قوله صلى الله عليه وآله في شأن حلف الفضول، لو دعيت لمثله لأجبت، وهو تحالف تمّ بين قبائل من قريش، حيث تعاهدوا على نصرة المظلوم، سواءً كان من مكة أم من غيرها، وفي الإسلام تمنّى رسول الله (ص) لو يجد حلفاً فيه مصلحة ومنفعة للناس على غرار حلف الفضول ليوافق عليه، إنْ انطلقنا من دلالته اللفظية أو دلالة روحه وجوهره، وجدناه يمثل قاعدة واسعة تتسع للكثير من العهود والاتفاقيات والقوانين، المساهمة في إرساء قواعد العدل، ورعاية مصالح العباد، ومن منطلق القاعدة المتولدة من “لو دعيت لمثله لأجبت” يمكن المسلمين أن يجسّدوا ما تمنّاه الرسول (ص) ويبرموا الكثير الكثير من قبيل حلف الفضول، وعملياً هناك العديد من الاتفاقيات بين دول إسلامية وأطراف غير إسلامية لا يصدق على شيء منها أنه منزل من عند الله تعالى على معنى الرافضين.

 

2 ــ قوله (ص) (من سنَّ في  الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده)، إذن هناك مجال في الإسلام، بل دعوة لأن يجتهد الإنسان في أن يسن سنناً حسنةً، وهكذا هي الدعوة مفتوحة، المهم أن تكون السنة حسنة، ولو التزمنا بحرفية ما يفهمونه من آية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ) لوجب أن ننكر كلّ سنّة حتى لو كانت حسنة، لأنّها ليست “مما أنزله الله تعالى” بالمعنى الحرفي الذي يتكلمون عنه، وبالطبع ستكون مسجّلة عند الله تعالى باسم صاحبها، ومعنى “فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده” أنّ تلك الحسنة مسجّلة عند الله تعالى باسم من سنّها، وهذا أدلّ شيءٍ على أنّ الله تعالى لم ينزلها بمعناهم الذي قصدوه.

 

3 ــ ما أبقاه الإسلام من الأمور الصالحة من عهد الجاهلية، ذلك أن الإسلام لم يكن ليعتمد على مقولة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم) بالمعنى الخاطئ، لذلك لم يلغ الإسلام كلّ شيءٍ، وإنّما ألغى الأمور الفاسدة، من العادات والتقاليد والأعراف، وكيف يلغي الإسلام ما هو صالح وحسن وجميل ونافع؟ وهل جاء إلا من أجل ذلك؟! وكم من الجميل والحَسَن والعدل مما اقترحه الناس فأمضاها الإسلام؟

 

4 ــ ومن ذلك أيضاً “العرف” وهو كما عرفوه “ما اعتاده الناس، وساروا عليه”، كتعارفهم على تأجيل بعض المهر، أو ما اتفقوا على تسميته “العربون” وكثيراً ما يجعل الفقهاء العرف مرجعاً في تحديد الكثير من التفاصيل والأمور الجزئية، ومجمل ما يشترطه الفقهاء في صحة الرجوع إلى العرف ألا يخالف حكماً شرعياً. 

 

5 ــ  قوله تعالى في شأن النبي يوسف(ع) وأخيه بنيامين (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ)(76:يوسف) وكانت خطة النبي يوسف(ع) أن يُبْقي أخاه بنيامين عنده، لكنّ قانون الملك لا يسعفه في ذلك، ولو كان قانون الملك أنسب لخطته التي وضعها لاستبقاء أخيه لم يتردد في تنفيذها، وهنا تكمن ملاحظة مهمة نلاحظها من زاوية وجود قانونين لقضيةٍ واحدة، فعقوبة السارق عند آل يعقوب استرقاقه، وعند الملك عقوبة أخرى لم تفصح عنها الآية الكريمة، فأصبح القانونان خيارين أمام النبي يوسف، وهو (ع) واحد ممن اختارهم الله تعالى لمراقبة شرعه، ولم نجد في الآية وأجوائها ما يوحي أنّ النبي يوسف (ع) لا يستحل العمل بقانون الملك، بل العكس هو الصحيح، حيث تقول: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)، وذلك يعني لو كان في قانون الملك أن يسترق أخاه لأخذه، وذلك يعني أن قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ) يحتاج إلى فهم آخر، فهم يعتبر “ما أنزل الله تعالى” دائرةً تتسع لكلّ ما يسهم في نشر العدل والأمان في الأرض.                                                                                                                                                                                                                                                           

6 ــ نظام الحكم بين المتنازعين، وهذا النظام غير نظام القضاء، ويتميز بمرونة لا وجود لها في نظام القضاء، لأنّه ملزم بقانون الشهود وآلياته الأخرى، وإلى نظام الحكم بين المتنازعين الإشارة بقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا)(35:النساء)، وهذا النظام مفتوح أمام الحكمين، لأن يحكما بما يريانه مناسباً، لإصلاح ذات بين الزوجين، وإذا اتفقا على حكمٍ معين فإنّه بالضرورة هو حكمهما، وليس ممّا أنزله الله تعالى وفقاً لميزان رافعي راية (ومن لم يحكم).

 

استخلاص وتوظيف:

     لا يمكن رفض كلّ قانون وضعي، ولابد أن نقبل من القوانين الوضعية ما يقبله ميزان العدل والعلم، والمصالح الإنسانية، وبهذا الميزان نفسه سنرفض منها ما يَرْفُض، أما الرفض المطلق لكلّ ما شرعه الإنسان، سواءٌ بحجة أنّه مما لم ينزله الله تعالى أو بغيرها من الحجج، فقد رأينا  أنّ هذا الرفض مخالف لتطبيقات التشريع الديني فيما استعرضنا بعضه في النقاط السابقة، ويجب أن يكون هذا الجمود من الماضي الذي لا عودة له، وبدلاً من ذلك يجب على المسلمين أخذ زمام المبادرة، للقيام بحملة تشريعية عالمية، تستفيد فيها من القوانين الصالحة الموجودة عند الأمم، أو في المؤسسات الدولية، فترمّم ما يحتاج إلى ترميم، وتكمّل ما يحتاج إلى تكميل، وتبتدع ما ليس موجوداً، إذا كانت الحاجة ماسّةً إليه، وسيتضح لنا عاجلاً أو آجلاً أنّ كل قانون صالح هو مما أنزله الله تعالى، ذلك أنّ الذي أنزله الله تعالى والذي أمر به هو العدل، فكلّ قانون يبسط العدل داخل في هذه الدائرة، والجانب الآخر الذي سيتضح لنا أنّ هذه التشريعات الوضعية المنطقية الواضحة النفع والصلاح، ذات جذور دينية، لكن الجهل الذي طغى على حملة الدين، وتهيبهم من تحمل مسئولياتهم العالمية، وانكفاؤهم إلى عالمهم الداخلي، بعد تردي مستوى الحريات في عالمهم، كلّ ذلك تسبّب في ضياع هذه الجواهر التشريعية، فأدركها من أدركها من علماء الأمم الأخرى وحكماؤهم، فصاغوها في صورة قوانين وضعية، فهي من البضاعة التي رُدّت إلينا، فهل نظلم أنفسنا، ونجهل قدرنا مرةً أخرى، ونردّها على أعقابها بهذه الحجج الواهية؟!

لقد آن الأوان لتنتفض هذه الأمة، وتزيح عن تفكيرها غشاوة هذا الجمود، وتتحمل مسئولياتها، وتجسّد الأمر بالمعروف وفق معطيات هذا الزمان، وتُخرج للناس تشريعاً إنسانياً عالمياً، (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) والله يهدينا إلى سواء السبيل.

[1] – فتاوى الأزهر ج 7 ص185

[2] – http://al7ewar.net/forum/showthread.php?t=3762

[3] – تفسير أضواء البيان ج7 ص443.

[4] – فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء  ج3 ص28