الوسطية كمفهوم قرآني

د. وجيهة البحارنة
رئيس قسم العلاقات العامة في جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية

منتدى الفكر العربي
27 – 1 مارس 2005
مملكة البحرين

أولاً – الوسطيّة .. كاختراع عصريّ:

دأب المفكرون (أكاديمياً) أن يضعوا تعريفاً للوسطية قبل الولوج في الموضوع لتأسيس بنيانهم عليه ثُمّ سكْب مرادهم من نتائج هذا التأسيس، وفي الحقيقة هم وضعوا تعريفهم “هُم” لهذه المفردة لا أنّهم وضعوا تعريفها “هي”.

كما لا يُغني أن يستهلّوا بحثهم بتتبّع “الوسطية” في اللّغة، ولا في الاصطلاح أو الاستعمال كديباجةِ انطلاق، إذْ لا يُوجد في الحقيقة طوال التاريخ العربيّ والإسلاميّ تَصالحٌ على شيء يُدعى “وسطيّة”، بل وُجِد جلبابٌ يُدعى “وسطيّة” استُلّ حديثاً من القرآن الكريم لقضاء الحاجة، ثمّ صار يتّسع للأفكار والتنظيرات جرّاء اعتصار الأذهان بالواقع السياسي الرّاهن وتفاعلها المُؤلِم مع أزمات الأمّة في واقعها الحضاري والاعتقادي والسلوكي. كأنّهم أرادوا إيجاد الحلول بها، وهم معذورون ولهم الحقّ، سواءً الحلول المراضية للغرب لدى فئة، أو المصادمة معه لدى أخرى، فالمراضيةُ أخذت “الوسطية” بمعنى الملائمة والموافقة والمتكيّفة والمتقبّلة (أي المعتدلة بالمعنى السياسي)، والمصادِمة فهمت “الوسطيّة” بمعنى اللامنحرفة التي لا تحيد عن الصراط والمحافظة والثابتة على الطريقة المثلى، ولا شرقيّة ولا غربيّة!
إذن، صار اللفظ فضفاضاً للمفاهيم، تُركَّب عليه ما دام يتيماً بلا مفهوم خاصٍّ به، وحُوِّلت عليه الرؤى والتصوّرات والمواقف، وفي واقع الحال فإنّ المواقف لم تعدْ بحاجةٍ له “كمصطلح” لأنّها إنّما تعبّر عن نفسها فيه، لا أنّها تُعبِّر عنه فيها. بل الحقيقة أكثر؛ أنّنا صرنا وكأنّا أمام لفظٍ مخترَعٍ لم نعرفْ له دلالة، والكلّ اقترح له مدلولاً يُناسب مرامه وخَطّه. هو تماماً كمركَّب “الفرقة الناجية” التي كلّ فريق منها يُبوِّق بها “إنّما هي فينا نحن” والباقي في النّار.

فمهما كان مفهوم “الوسطيّة” أشرّقنا فيه أو غرّبنا، فالمواقف هي المواقف، لأنّها منطلقةٌ من بناء ثقافي وتسليمات اعتقاديّة كامنة في النّخاع، هي غير هذا المتنازع فيه، ولن تُجدي عمليّة حسم هذا المفهوم (الوسطيّة) لصالح أيّ فريق في حلحلة المواقف عمّا ثبتت ووتدت عليه إلاّ بمعالجة جذريّة لجملة المصادر والبناءات التي شكّلت تلك الاعتقادات وصاغت تلك الأفكار وشبّثت تلك المواقف ولوّنت هذه الخطوط والولاءات. وهذا أمرٌ عسيرٌ، بعسْرِ ولادة أمّة حيّةٍ من أمّةٍ ميّتة أو تكاد!
فهل “الوسطيّة” المقترحة (المُخترعة) تستنكر الإرهاب؟ هل تشجبُ “فتاوى الكُرْه والقتل”؟ هل تضجّ لـ “ذبح الأبرياء وترويع الآمنين”؟ هل ترفض “صراع الحضارات”؟ هل تمقُتُ “إيذاء المخالِف وعدم قبول الآخر”؟ هل تُحارب “مصادرة الحرّيات وإبداء الرأي”؟ هل تمجّ “تأجيج الصراع بين الأديان ونبذ التعايش”؟ هل تُعارض “الوصايات الاعتقاديّة والتنميط الفكريّ”، هل تستقبح “بُغض الفنون ومحاربة الإبداع” ..؟

الحقيقة أنّ الدّين الربّانيّ الصحيح هو مَن يفعل ذلك، بل يأبى كلّ مظاهر هذا التوحّش السائد وأكثر، ولا بأس أنْ نُوصِّف هذه الحالة السويّة التي ينبغي أن تسودَ الفردَ المؤمن والطليعة الرساليّة وكلّ الأمّة الإسلاميّة في الواقع السلوكيّ والحضاريّ بالـ “وسطيّة”، فاللغةُ تحتمل هذا التوصيف الجميل، لكنْ لا علاقة لكلّ ذلك بالوسطيّة القرآنيّة، ولو قد سمّينا الأشياء بأسمائها لما أشكل علينا من الدّين شيء، ولكنّا حين خلطنا اختلط علينا كلّ شيء، فصار “الدينُ” عنفاً وتشنّجاًً لدى فريق مُحتكِر، و”السلامُ” استسلاماً لدى آخر مُترهِّل، ولا حاجة لنا لحشرِ شيءٍ دعوْناه “وسطيّة” لنقول أنّه دون العنف وفوق الاستسلام، فالقرآنُ الحكيم الذي حدّد معالِمَ الإسلام، جاء على خطّ تكامل الرسالات وتراكمها، وفيه تبيان كلّ شيء سلَفاً، ووضع (أو الأصحّ أعاد وضْع) حدود التعامل الإنسانيّ، وقواعد الاتّصال البشري، وأرسى القيم، والتشريعات في إطارها العام المناسبة للفطرة لتأخذ بها الأممُ في أوج سماحتها وقناعتها، لا فرضاً وتغليظاً، بل اقتناعاً عقلياً رحباً حرّاً بمناسبة تلك التعاليم والأطر مع فطرة أفرادها وصلاح انتظام اجتماعها.

جاء بتعاليم تحفظ إنسانيّة الإنسان ليصون سلْمَه وسلامَه مع ربّه ومع الكون ومع الطبيعة ومع بعضه البعض، ولنظرته المتوازنة الساميّة أصرّ على صوْن هذه الإنسانية فشرّع حياطتها والدفاع عنها، لا الهجوم بها والهبوط إلى مخازي التوحّش.

ثانياً – “وسطيّة” جائزة، ودينٌ يلزمه التطهير:

بعضُ السادةِ قد استقرأ سمات الإسلام الحنيفيّ، فوجد العدل والتسامح والقوّة والعزّة والحثّ على مكارم الأخلاق التي يتوسّط كلّ خُلُقٍ منها بين طرفيْن مذمومين من إفراط وتفريط، بل وأنّه يدعو إلى التوسّط في الأمور جميعاً (وخيْرُ الأمورِ أوسطُها)، والتوازن النفسي والعاطفي والعقليّ والجسماني، والاعتدال المعيشي والاقتصاديّ، وإلى بيْنٍ بينَ بيْنيْن مِن كلّ حدّيِّ تطرّف وغلوّ، كما عبّر سبحانه (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)(الفرقان:67)، و(وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)(الإسراء:110)، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)(القصص:77)، (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)(الإسراء:29)، وغيرها، وأنّه منهاجٌ مستقيمٌ وجادّةُ وسَطٍ يستوعب المادّة والرّوح، والفرديّة والجماعيّة، لا يرتضي الرهبنة والغلوّ ولا التحلّل وترك العصمة والحياء، فأدْرجَ هذا البعضُ سماتَ هذا المنهاج الحياتيّ المتوازن موادًّا لقائمةِ “الوسطيّة” أو شروطاً لها، وفي الحقيقة هي “وسطيّة” فعلاً وتوازنٌ واعتدال، لكنّها “وسطيّة” مِن توصيفنا، كما سلَف، وليس لها ارتباط بوسطيّة القرآن ضمن سياقه. فلا بأس أيضاً مِن استعمالها ما دمنا نُقرّ أنّها مِن اختراعنا واصطلاحنا لا أنّها تفسيرُ الكلِم القرآني. والدّينُ الصحيح، سواءً سمّيناه وسطياً أم لم نفعل، هو فعلاً يقيم التوازن في كلّ منظومات الحياة لتصفيةِ الفطرة والعقل وتخلية الرّوح ولتنقى الصبغةُ الإنسانيّة الربّانية، فتسجد الملائكةُ لخلافته (أيْ الإنسان) مسرورةً مذعنةً بلا إشكالٍ، لأنّه حين يتوازن -هذا الإنسان- ينتهي ترنّحُه بين “إفساد” الجشعين المعتدين، و”سفك الدماء” المُشرَّع مِن المنتقمين الحانقين.

إذن نحنُ لسنا بحاجة إلى “جلباب الوسطيّة” الفضفاض -كما أسلفنا- لنُنهي به مشاكلنا، لأنّ هذا من شأنه ترْك تصفية الدّين نفسِه وتطهيرِه مِنْ ركامٍ كثيرٍ مُزرٍ أذهب برونقِه وسلاستِه إلى قلوب العالَمين، وهو ما نُطالب به أساساً، فالدين -إذا صُفّي- يقولُ ذلك صريحاً وبأجلى بيانٍ، بلا حاجةٍ منّا لارتكابِ خطأٍ مفهوميّ أو انتهاك كلِمٍ قرآنيّ، إذ أنّ مفهومها (الوسطيّة) المطروح السائد، والخلافَ فيه، أيّاً كانت قِبلتُه هو أحدُ مشاكلنا. ما نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إليه، مراجعةُ مصادرنا المعرفيّة وإعادةُ اكتشاف مداليل نصوصها بنقائها، لا تلقيمُها اختراعاتنا، والقرآنُ العزيزُ هو أوّل تلك المصادر الشريفة التي قد صادرْنا كلماتِه وألجمنا مفاهيمَه لحاجاتنا السريعة المُنفعلة. وحْدَها هذه المراجعة الرصينة التي بإمكانها تبديل قناعاتنا وحلحلة يابسِ مواقفنا تجاه ما هو أصلح لنا، ولأمّتنا، وللعالمين، وهذا هو بالتمام دور “الأمّة الوسَط”.

ثالثاً – فما هي “الأمّة الوسَط”؟

لا يُمكن لأحدٍ أن يمتلك الإجابة على هذا السؤال مهما تأنّقتْ أدبيّاتُه وتعمّقت وتعملقتْ أفكارُه ونظريّاتُه، لأنّه ليس بناءً فكريّا وحذقاً نظريّاً وذكاءً، بل هو مفهومٌ قرآنيّ بحت منطوٍ في أصدافه، هو وحدَه مَن استزرع لؤلؤته، تماماً كالعلامة التجاريّة المُسجّلة، لا يُمكن لنا أنْ نسرقها لنُسوِّق بضائعنا “نحن” بها، بل أنّه عكْفٌ لما وُضِع له. هذا المفهوم القرآني، كحالِ مَصْدره القرآن المُبين الذي جاء بلسانٍ عربيّ مبين، يتّكئ:

أولاً، على اللغة العربيّة المبينة في تحديد مداه، وقد وضع ابنُ فارس تحديداً أوّلياً للجذر “و.س.ط” أنّه أصلٌ يدلّ على نصَفٍ وعدل، فهذه بدايةٌ سليمة.
وثانياً، على سياق الخطاب القرآني الذي أورد هذه المفردة، فهي مفردته الخاصّة لا مفردتنا، وليس لنا الحقّ بالتصرّف فيها (قرآنيّاً) إلاّ إذا فهمناها واستوعبنا سياقاتها، فإنْ لمْ نفعل فقد أسأنا استخدامها، وبدّلناه وشوّهناه، وشوّهنا الخطاب الساميّ معه، وهذا من سنخ “تحريف الكلم عن مواضعه” إنْ كان مِن جهة العمد، و”عدم علْم الكتاب إلاّ أماني” إنْ مِنْ جهةِ الجهل.

فما هو سياق هذا المفهوم القرآني؟ وأين هو تموضعُ الأمّة الوسط؟ بل ما هي الأمّة الوسط؟ قبل أن نقفز لاستعمال شيء مشتقّ من ذاك دعوناه بـ “الوسَطيّة”!
قال تعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(البقرة:143).
أولاً: لنُسجِّل ملاحظتنا العابرة على هذا الوصف “المُبتدَع”، فإنّه لمْ يسبق للقرآن الكريم أن أطلق هذا الوصف على أمّةٍ من الأمم، لا أمم الأنبياء ولا غيرهم، كما لم يحدث تاريخيًا أن ادّعاه أحدٌ من الأمم لنُحيل عليه هذا الاستعمال القرآنيّ، بل هو وصفٌ بِكْرٌ جاء سمةً في الأمّة الخاتمة، هنا وفقط هنا.

ثانياً: لتذليل عمليّة حوارنا الذّاتي مع المفردة، سنعتمد السؤال والجواب، مستلهمين الإجابة من البناء المنطقيّ للآية الشريفة، من سياقها، من موضوعها، ومن بيانيّة اللسان العربي “المبين” بمفرداته وحروفه:

1- هل الأمّة الإسلاميّة كلُّها هي الأمّة الوسط؟
لا، وإلاّ لوَرد “وكذلك جعلناكم جميعاً أمّةً وسطا” أو “وجعلنا أمّتكم أمّةً وسطا”، وبدليل أنّ في الأمّة الإسلامية المنافق والضعيف وشاهد الزور والمردود شهادته والمنقلب على عقبيه -كما في شطر الآية- وهم كلُّهم مسلمون، وإلاّ صارت “الوسطيّة” هبةً -أيضاً- للغالي والرخيص من معادن الأفراد بلا أيّة جدارة! بل أنّ الآية بخطابِ ضمائرها تشير إلى أنّ نبيّنا محمّداً (ص) ليس من “الأمّة الوسَط”، بل هو فوقَها (جعلناكُم أمّة وسطاً .. لتكونوا .. ويكون الرسول) ضمير المخاطب للجماعة، وضمير المفرد الغائب للرسول، فالمخاطب بالأمّة الوسط هم “جماعةٌ” غير النبيّ الأكرم (ص)، وبهذا علينا أنْ نُلغي هذا الوسامَ المجّاني الخادِع المنفوخ الذي جعلناه للمسلمين جميعاً أنّهم “الأمّة الوسط”، ونستبقيه لأفراد مستحقّيه فقط!

2- هل الأمّة العربيّة (بالمعنى القوميّ) هي الأمّة الوسط؟
لا، ففي الأمّة الوسَط أفرادٌ مِن جميع القوميّات، هذا أصلٌ إسلاميّ لا غبار عليه، والرعيل الأوّل موضع تنزّل الخطاب في حيويّته الأولى كان يحوي الفارسي والرومي والحبشي والقبطي بجانب العربيّ، لا فضل لأحدٍ على أحد إلاّ بالتقوى، ولذلك جاء في سياق الآية خطابٌ لهذه الفئة (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً)(البقرة: 148)، فهؤلاء “رُوّاد الخيرات” موجودون في كلّ مكان “أينما تكونوا”.

3- كيف تتكوّن الأمّة الوسط؟
تكوّنت في أوّل سويّةٍ لها في صدْر الإسلام مِنْ أفراد، وستظلُّ كذلك، وهذا يعني أنّ مُكوِّن الأمّة الوسط كان غير موجودٍ قبلاً، لكنّه آن أنْ يتمّ بجعلٍ ربّاني مع بزوغ النبيّ الخاتم (ص)، فلاحظ (جعلناكم .. أمّةً .. وسطاً) فإنّ ضمير المفعول “كُمْ” يعود على أفراد، لا على أمّة، فالله سبحانه لم يصنع مِن جماعة (أمّة) أمّةً وسَطاً مع أنّ الأمّة الإسلاميّة والدولة الإسلاميّة المدينيّة كانتا موجودتيْن وقتَ الخطاب، بل جعل من أفرادٍ محدّدين ( هذا التحديد اختياريّ مِن كلّ أحد لا أنّه عُلْويّ) جعل منهم أمّةً وسَطاً ليكونوا شهداء على الناس، “ليكونوا” في طورهم الفرديّ أيضاً، فلم يقل “لتكون أمّتُكم شهيدةً” أو فقط “لتكونَ شهيدةً”، فالأفراد المُبعثرون قبل بزوغ خاتم النبيّين جعلهم سبحانه “أمّة وسَطاً” ليكون أولئك الأفرادُ شهداء على الناس. ويكون الرسول “عليهم” على الأفراد لا على الأمّة. هذا ما تقوله حرفيّة ومنطقيّة الآية ببيانها.

4- هل الرسول (ص) شهيدٌ على الناس؟
لا، هو شهيدٌ على الشهداء الذين جُعلوا “أمّةً وسطًا”، وهو (ص) ليس مِن أفراد هذه الأمّة (الوسَط) كما قُلنا بل فوقَها، والشهداءُ هم الشهداء على الناس. وبهذا تتحقّق عالميةُ رسالة الرسول (ص)، أي أنّ عالميّة الرسالة الخاتمة لا تتحقّق إلاّ بجعلٍ إلهيّ لـ “أمّة وسط” تكون شهيدةً على الناس، فتعمل “رسالة الرسول إلى الناس كافّة” و”شهادة الله على الناس” و”شهادة نبيّه على الناس” هما بهذه الواسطة، واسطة الشهداء: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً)(النساء:41)، (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً)(النساء:79)، (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل:89)، (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(الحج:78)، و(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(آل عمران:140)، و(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)(النساء:69)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)(الحديد:19).

وبهذا تنتفي شهادةُ الرسول (ص) فعلياً عن ميدان الناس مع عدم وجود أفراد “أمّة وسط” الشهداء على الناس، لأنّ الآية تقول حسب منطقها وحسب نصْب فعْلِ “ويكونَ الرسول” المعطوف، أنّ وجود أفرادِ “أمّة وسط”، يُؤدّي إلى تحقيق شهادةٍ لهم على الناس، ويؤدّي بالتالي إلى تحقُّقِ شهادة الرسول على الشهداء حتّى بعد وفاته “شهيد على الشهداء”، وإنّ دون وجود تلكم الأفراد (الأمّة الوسط)، تنتهي هذه السلسلة ويفقد الرسول (ص) شهادته على الأمّة، كما فقدها عيسى (ع) بوفاته (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(المائدة:117)

5- ما هي سمات الشهداء على الناس، لنُدرك الأمّة الوسَط؟
باستقراء الآيات التي استعرضناها في النقطة أعلاه نرى أنّهم:
• مسلمون على دين إبراهيم (ع) السمح الميسّر الذي لا حرج فيه، على الملّة المحمّدية الخاتمة، وهم معتصمون بالله وحده.
• آمنوا وصبروا وتركوا الظلم فاتّخذ الله منهم شهداء واجتباهم.
• أطاعوا الله والرسول وآمنوا بالنبيّين جميعاً، وتبيّنوا طريقهم الهدائيّ الرحمانيّ من هذه العروة ومن تبيان الكتاب المبين.
• لهم أجرهم (أيْ عامِلون) ولهم نورهم (أيْ عالمون)، يخدمون الناس جميعاً ويهدونهم ويتحمّلون المشقّات والرعونات.
ومن سياق آيتنا الأصْل، نرى أنّهم الذين لا يتشبّثون بالقشور ولا يتشدّدون، بل يمضون مع الأمر الإلهيّ فلا يهمّهم شرقٌ وغرب بل مرضاة من له المشرق والمغرب، فيتوخّون اتّباع الرسالة، وواحدُهم لا ينقلب على عقبيه لأيّ فتنةٍ أو طارئ.
ومن سياق موضوع آيتنا الأصل حيث الحديث عن القبلة ووصيّته سبحانه لرسوله (ص) (ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام) إذْ الرسول (ص) لم يغادِر تلك البقاع الجغرافية حول مكّة، أمّا أولئك الأفراد (خامَة) “الأمّة الوسط” فيخاطبهم سبحانه “وحيث ما كُنتم فولّوا وجوهكم شطره”، فهم سيكونون (سيتواجدون) في كلّ مكان وليس لهم جغرافيّة محدّدة.
يُخاطبهم السياق أيضاً بقوله (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فهم لديهم الحجّة على الناس (عِلْماً وخُلُقاً)، ولا يرفضهم إلاّ الظالمُ لا العاقل، فعليهم أن يتحلّوا بالشجاعة لنفع الناس وتحريرهم من سطوات الظالمين الفكريّة والاعتقادية والسياسية وغيرها، لأنّهم رُسُل هداية ووسائط فيضانِ نعمة وروّاد خيْرات.
هذه المواصفات، تتحقّق شهادة الشهداء على الأمم، فأيّما فردٍ يحوزها، فهو مندرج ضمن “أمّةً وسطاً”، وللعلم فإنّ التعبير هو “أمّةً وسطًا” وليس “الأمّة الوسط”، وكتبناه هكذا ونكتبه، تجاوزاً، لا غير. أمّا “أمّة الوسَط” فخطأٌ (قرآنياً)!

6- ما موقع “وكذلك” في الآية؟ فهي “كذلك” على ضوء ماذا؟
إنّ سياق سورة البقرة، مِن اسمها، هو سياقٌ منتظم في أمرٍ واحد، هو تجهيز دعاةِ وطلائع ومشاعِل خيْرِ الرسالة الإلهيّة للناس كافّة، هذه هي خطّة الربّ منذ وُجِدتْ النّاس، يبعث برسول، هذا الرسول يصيغُ جماعةً مفضّلةً على العالمين بالاختصاص، فيُزكّيها ويُعلّمها لحمْل أمانة نشر الهدى والسلام والرحمة إلى الناس كافّة. فهل نجح إبراهيم (ع) في تكوين هذه الجماعة، واسطة الخيرات بين الربّ والنّاس؟ لا، ولا يعقوب (ع) بل وصّوا أبناءهم بها، حسب السياق القرآنيّ، حتّى جاء موسى (ع) وانتشل بني إسرائيل من ذلّتهم، وفضّلهم على العالَمين بهذا الاختصاص للصناعة، ولمّا حاوَل صناعتهم للأمم سقطتْ جماعتُه سقوطاً مدوّياً وآذوه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى)(الأحزاب: 69)، كما حكى سبحانه في سورة الصفّ أيضاً واعظاً أتباع محمّد (ص) بالانصياع للصناعة المحمّديّة حاثّاً إيّاهم ليكونوا أنصارَ الله كحواريّ عيسى الذين كانوا “رُسَل” سلام قلائل لا “أمّةً وسَطاً”، ولهذا الأمر دُعيَتْ السورة هذه “البقرة” لأنّها تحكي تلكّؤ الجماعة الموسويّة التي يُراد صياغتها ربّانياً لتكون “أمّة وسطاً” تعصّوا وتلكّأوا في ذبْحِ بقرةٍ جاعلين موسى يُراجع ربّه في كلّ صغيرة فكيف لو غاب، ولمْ يجتهدوا ويُبادروا بل ظلّوا كالطفل الاعتماديّ الذي لا يُدبِّر أمْره بلا وليٍّ عليه دائمٍ قائمٍ عليه، يُراجعه كلّ حين، فكيف سيُدبّرون النّاس بعده؟! هذا الفشلُ فيمن زامن موسى الكليم (ع) وبيّناته وأعاجيبَه فكيف بمن جاء بعده من أجيال؟!

ولم يكنْ نصيب عيسى (ع) بأخفّ وطأةً بل جاء لخرافِ بني إسرائيل الضالّة ليُنقّي بيْدَره، كما قد قال في الإنجيل «لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ»(متّى 15: 24). وليصنع منهم رعاةً للأمم، فأقرحوا قلبه حتّى بغضوه وآذوه ولعنهم واختاره الله وطهّره من بينهم، وأوصى (ع) مَنْ صفي له من أفرادٍ قلائل وبشّرهم بمن يأتي بعده ليقوم بهذا الدور الجبّار فلينتظروه، فجاء محمّد (ص) كفلقِ الصبْح فكان بشارة عيسى (ع)، بل جاء (ص) وأمّتُه (أنصارُه) تحقيقاً لدعاء إبراهيم (ع)، كما أخبر (ص) (أنا دعوةُ إبراهيم، وبشارةُ عيسى)، ذاك الدّعاءُ الإبراهيميّ البالغ الذي أورده القرآن نصّاً كمقدّمة لآية الأمّة الوسط بقوله (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(البقرة:129)، فأمّة الوسط، هي هذه، هي دعوة وأملُ إبراهيم (ع)، هي مَنْ نجح في هذه، الالتزام بالرسول (ص) مبعوثاً لا بغيره من الرجال، انشرَح بالآيات وبالتوصيات لا يتلّكأ في ذبْح بقرة ولا في تحويل قبلة، بل وعى الهدَف، تعلَّم الكتابَ والحكمة، ثُمّ قد تزكّى بمنهاج النبوّة البيضاء سراجاً للنّاس، لينهض بدوره مبلَّغاً للأمّيين العالميّين الذين قال فيهم سبحانه تعقيباً على مثل هذه الآية (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الجمعة:3) لتتحقّق إجابةُ دعاء إبراهيم (ع) كاملاً من “العزيز” الذي منع مَن لم يستحقّ، “الحكيم” الذي منح مَن يستحقّ. هذا الدّور “الوسطيّ” التعليميّ التزكويّ، منوطٌ يومَنا هذا بالمؤسّسات ذات العلاقة الرسوليّة، ويقع بالأساس على كاهل مراكزِ التعليم والتربية، ومنابر الإعلام والثقافة، فهمْ مَن يُتوخّى أن يُخرّجوا مِن أفراد الأمّة “طلائع وسط” أو أنْ يجعلوا منّا وياللحسرةِ خِرافاً في النّاس وعالاتٍ ووبالاً على الأمم، ليسوا خير أمّة (جماعة) أُخرجت للناس، بل أسوأها!.

فمن “تخرّج” في مدرسة الصياغة المحمّدية ليكون كافّة للنّاس، يحبّ جميع الناس، ويريد رفعة الإنسانية جمعاء، والرحمة للعالمين، يدخُل في كلّ المدنيّات، يحترم التنوّعات ويبغض التمييز البشريّ الجنسيّ أو العنصريّ أو القوميّ أو الطائفي أو المذهبيّ أو المادّي أو كلّ ألوان العلوّ والفوقيّة والاحتكار والاستئثار، فمن رأى نفسه أنّه واحدٌ مِن الناس، وأنّه رسولٌ لكلّ الناس، ولديه خيرٌ لجميع الناس، وأنّه خادمٌ للنّاس، فقد “تخرّج” ليُصبح شهيداً على الناس (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران:110)، فهل هناك أمم (جماعات) أُخرجت للناس؟ نعم، ولكنّ خير أمّةٍ أخرجت، هي التي لمْ تقطع حبلها مع الرحمن، ولا حبلها مع الناس (أمّة وسطا)، هم كالناس في الناس، وهم كالرحمن للناس.

فموقع “وكذلك” في الآية، أنّه: كما كان حُلمُ إبراهيم (ع) يوماً ودعاؤه بوجود أفرادِ أمّةٍ وسطٍ معلَّمةٍ مزكّاةٍ حكيمةٍ، وسمّى أصحابها مسلمين، ليكونوا شهداء على الناس تعليماً وتزكيةً وروّاد خيْرات، وكما حاول ذلك موسى وعيسى (ع) في بني إسرائيل فسقطوا في الامتحان وآذوا معلّميهم المقدّسين، فلم يتأهَّلوا ليستحقّوا أنْ يُعطَوا ما به يكونون شهداء على الناس (من برنامج تعليميّ شامل)، فقد وصلتْ المهمّةُ يا أتباع محمّد لكم، وأُنيطتْ بكم، وها قد جعلناكم أمّةً وسطاً، فأيٌّ مِن أفرادكم يكون لها، نبراساً إنسانيّاً-رحمانيّاً في الأمم؟

7- فما هي “الوسطيّة” إذاً؟ ثُمّ هي “وسطٌ” بين ماذا؟
قرآنيّاً، لا يوجد مُصطلح “وسطيّة” ولا “أمّة الوسَط”، ولا “وسط بين شيئين”، فما مِن محذوف في كتاب الله، بل أنّ كلّ فرد آمن بالله وبالأنبياء جميعاً بلا استثناء، وزكّى نفسه وقرأ تعاليم النبيّين وحكمتهم، وأدرك أنّ الرسالة الخاتمة تصديقٌ لما سبَق هدى ورحمة للعالمين، وأنّ القرآن بلاغٌ للناس جميعاً، وفهمَ الدينَ الواحد، أنّه لا عنصريّ ولا قوميّ ولا يهوديّ ولا نصرانيّ ولا مذهبيّ بل ملة إبراهيم حنيفاً، ولا وصاية ولا عصبيّة، بل أفراد أحرار يحبّون أن يكونوا شهداء على الناس، لا تزعُّماً، لا رقباء ولا أوصياء، بل كعيسى (ع) في الناس وكمحمّد (ص) يخدمون ويعلّمون ويُزكّون ويتحمّلون الأذى ويذودون عن مستضعف الدّين أو الدّنيا الظلمَ والجهلَ، أيّما أفرادٍ وُجدوا و”حيث ما كانوا” فهم يُشكّلون نصيباً من المجعولين “أمّةً وسطاً”، واسطة الرسول في إيصال رسالته العالمية الخاتمة للناس، وواسطة بثّ تعاليم النبيّين، وواسطة وجْه الرحمن في المشرق والمغرب، لذلك هم في الناس بعد زمن النبيّين بمنزلة النبيّين في أممهم وأقوامهم (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)(الزمر:69)، فغداً تُحاسَب الأمم الخالية من النبيّين وتُقاضى بمقدار ما أدّاه الشهداء إليهم، فهم موازين الصلاح و”مسطرة” قياس الإنسان السويّ.

هذه الأمّة (الجماعة الأفراد) تاريخياً تبدأ (نيابيّاً أو غيابياً) بعد انتهاء زمن الرسل مع صدّيقيهم (مُصدّقي الرسل المزامنين لهم): (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)(الحديد:19)، فهم واسطة رسالة نبيّنا إلى العالمين بعد غياب شخصه عنّا وبقاء شهادته عليهم من ظهر الغيب، وشهادتُهم على الناس تعني أنّهم مُطّلعون على ثقافات الشعوب ويتفهّمون قضاياهم ومصالحهم لا أنّهم يُبيدون الناس تحت يافطات الاعتقاد أو التميّز أو يستبدّون بهم، إذ (النّاس) ككيان وهويّة لابدّ من وجودهم لممارسة علاقة شهاديّة عليْهم لا وصائية ولا استئصاليّة، فهل أمّتنا قادرةٌ على إيجاد طلائع هكذا، هم واسطة الرسول في الناس، يبذرون الحبّ والطهارةَ كعيسى (ع)، وينشرون السلام والعدل كمحمّد (ص)، ويرفضون الطغيان والظلم كنخوة موسى (ع) ونجدته، وينثرون العلمَ مجاناً في الأمم كإدريس (ع)؟ القرآن يقول: أنّهم موجودون، وشهادةُ المصطفى محمّد (ص) تحوطهم وتُسدّدهم وتفخر بهم من وراء سُدُف الغيب، ولكن هل نحن منهم؟ لِمَ لا نكون؟! خاصّةً وأنّ الآية تُخاطب جميع الأتباع إلى يومِنا، فالكلُّ مرشّحٌ، إن استوفى شروطَ الإنسانيّة العالميّة، والرّحمةِ المُهداةِ، شروطَ التشريف والتكليف.