التسامي عن الرَدِ فنٌ لا يتقنهُ إلا العُظماء، وهو ردٌ أبلغ مِنْ كلِّ الكلماتِ إن كان الخصمُ يعي، هكذا تقولُ لنا التجاربُ والقصصُ التي نَسمعُها عن العظماءِ في تاريخِ الإنسانيةِ جمعاءَ وبلا استثناء، وهكذا تقول لنا الحكمةُ التي يتوارثها الأجيال، الحكمة التي تختزنُ وعيها وخلاصةَ تجربتها، وتريد أنْ تَختصرَ لمن خلفها وقتهم وجهدهم في تجربة كفوهم عناءها، لئلا يصرفوا أعمارهم عبثا، “فمن جرّب المجرّب فإن عقله مُخَرَبْ” كما يقول المثل اللبناني.

التسامي عن الردِّ بالمثلِ، عن الردِّ على الإساءةِ بإساءةٍ أخرى، يتطلّبُ درجة عاليةً من القدرةِ على ضبطِ النفسِ، حتى يتمكّن الإنسان من الانتصارِ لإنسانيته، لقيمه ومبادئه وأخلاقه الفاضلة، للحلم والعلم، للرحمة والشفقة، والقائمة تطول، أمّا الردّ بالمثل فهو سقوطٌ واستسلام للطباع السبعية التي تهتف به لتدفعه باتجاه تغليب لغة القوة والقهر، والاستجابة لمنطق الغاب وسلوك الانتقام.

التسامي لا يكون إلا عن ردّ الأذى الشخصي، فالنفس حينما تُنال بأي نوعٍ من أنواع الأذى تَنزعُ إلى الانتقام، ذوداً عن كرامةٍ متوهمة أو حميّةً لوجاهةٍ مصطنعة، ولكنّها قد تنسى في غمرة نشوة ذلك الانتصار الالتزام بالقيم التي تدعو الآخرينَ للتمثّل بها، فقد جاءنا في الأثر أنَّ محمداً “ص” كان يجلس في البيتِ الحرامِ للصلاة، وقد عُرِفَ عن أبي جهل بُغضه الشديد لنبينا الكريم، حتى بلغ به أن يأخذ بقايا الذبح ويلقيه على النبي وهو ساجد يتذلل لله الواحد الأحد، ولمْ يكن محمد “ص” يبدي من ردةِ فعلٍ تِجاهَ هذا العمل الشنيع، حتى لَيَظُنَ الناسُ أنَّ به جبناً وضعفاً عن أخذِ ذلك الجاهل عدو الله بجريرته، وكيف يكون محمد “ص” كذلك وهو سليل البيت الهاشمي، وله قوة بهم إن أراد، فقريشٌ تخشى من بني هاشم ما لا تخشاهُ من بيوتاتها الأخرى، ولكنّه كان يترفّع عن ردّ الأذى الموجّه لشخصه الكريم، وكيف لا يترفّع وهو الذي يدعو الناس للحلم مع القدرة، وهو الذي يريد أن يعلّم الناس أنّ الوفاء للمبدأ والدعوة أولى من كلّ الترهات والعصبيات التي يتربّى عليها العربي، كان يريد إعادة تعريف مفاهيم الحميّة والشجاعة كمقومات للفروسية التي يتفاخر بها العربي، ليصرفها إلى معاني أسمى لها ارتباط بالروح والمبادئ الحقة والقيم الإنسانية، هكذا كان محمّدٌ حين يتعلّق الأمر بشخصه هو، وأذاه هو، وتعنّت قريش تجاهه هو، ولكن هل يمكن أن نرى محمداً “ص” في صورة الرجل الحليم وهناك من يستنجد به لاسترجاع حق مضيع؟

محمدٌ في قبالة التجبّر والطغيان يسمو أيضا ولكن بتغليب صفاته الأخرى، ينبض قلبُه شجاعة وإقداما، ففي الوقت الذي كان يتجاهل أبا جهل مع كلّ هذا الأذى الشخصي، كان هو ذاتُه كهف الملهوف، وناصر الضعيف حين تُعْيي الضعيف المذاهب قبالة طغيان سادة قريش وجبروتها، فقد روي في الأثر أنّ إعرابياً جاء للبيت، وكانت له ظلامة عند أبي جهل في تجارة، فصار يتردّد على الجالسين في البيت من سادة قريش يستنصرهم، لكنهم استخفّوا بالرجل، لأنّهم هابوا أبا جهل، لِمَا يعرفون عنه من الحُمق والطيش، فأشاروا له بالرجل الجالس في البيت يصلي، ولم يكن ذاك الجالس غير محمد “ص”، فمضى إليه الرجل وهم يضحكون يتنابزون، ظنّوا أنّ الرسول فيما يتعلق بالآخرين وحقوقهم هو عينه الحليم الذي يصفح ويعفو فيما يتعلق به هو، لكنه حين جاءه الأعرابي وسأله أن يعينه على الأخذ بحقّه من أبي جهل، نهض معه حتى جاء دار أبي جهل، فطرق بابه، فلمّا خرج نظر إليه النبي وهو غاضب، وأمره بأن يوفي الرجل حقّه، ففعل أبو جهل لما رأى تلك الغضبة للحق، والقيامة لنصرة المظلوم.

هذه المواقف والصور الجميلة التي دأب الرسول على رسمها ليست خاصة لأتباعه دون غيرهم، إنّما هي صور غنية يرسمها للإنسان المدفون في دخيلة كلّ فرد في هذا العالم الكبير، ليستوحي منها، ليعيشها في تفاصيل حياته اليومية، فكم من قضية خلاف صغيرة على حظوظ ننالها تتحول الى عداوة مزمنة لا تعالجها أكثر مواسمنا الدينية دعوة للتخفّف والسمو، وكم من موقف يُساء لأشخاصنا فيه فنظلّ نختزن ألمه ونجتره تحسّرا على فوات فرص الرد، أو تربصا بسانحة نظفر فيها بمن أساء لنا يوما ما لنعجل له بالعقوبة.

الرسول يعلّمنا مرة أخرى أنّ المبدأ الذي آمن به أقوى، وأكثر تمكّنا في قلبه من كلّ الأذى الذي تلقاه، وقد ربّى أتباعه على التحرّر من هذا القيد أيضا، فها هو يدخل مكة وقد أعطى الراية سعد بن أبي وقاص فأطلق شعاره “اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرما”، فآلم الرسول سماع ذلك، وقد أنبأه ما سمع بأنّ نفوس المسلمين لَمّا تَبْرُد بَعدُ، ولَمّا تتسامى عن الردّ على الأذى الذي لقيته من قريش طوال تلك السنين، فأوعز له الرسول بالتوقّف، ثمّ أمرَ علياً “ع” وهو ربيب الرسول، الذي يحمل مبادئه ويعرف مبتغاه حتى قبل أن ينطق، بأن يعلن في الناس بأنّ “اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرما” وما أجمله من شعار يعكس ألق المحبة والفضيلة التي يفيض بها قلب محمد “ص”.

هكذا يرسم المشهد الجميل، والمثالية المتناهية، فلم يُروَ لنا في التاريخ عن منتصرٍ قبلَ هذه اللحظة تَمَكَنَ من رقاب من ظلموه وأخرجوه فعفى، ولكنّ محمداً “ص” فعل ذلك، فقد وضع كلّ الدماء التي سالت والأحقاد التي امتلأت بها النفوس والربا تحت قدميه ليعلن نهاية مرحلة، وبذلك غسل القلوب بتساميه وترفعه، ورفع بفعله صحابته والتابعين له عن النزول في وحل الانتقام أيا كان شكله ومضمونه.

القيم مثلٌ عليا، والتمسّك بالعمل بها يخلق فينا صورة الإنسان المثلى التي نعشق، ولا يكون الإنسان مثاليا إلا إذا أحبّ الناس محبّة خالصة، والمحبّة الخالصة تعني محبّة الخير لهم، والسعي في صلاحهم، فلا تبخل على نفسك بأن تكون واحدا من العظماء الذين أحبّوا الناس فأشاعوا فيهم أجمل جواهر أخلاقهم، فاستحقّوا أن يسطّر التاريخ آثارهم، اعمل فالله يرى عملك ورسوله والمؤمنون.