خمسة مليارات كافر‎.. ‎‏ وأكثر أم لا يُوجَد اليوم كافرون؟!‏

من يتأمّل الذين يُحاربون الفساد في العالم والجوع والفقر والأمراض بكلّ إخلاص وجهدٍ ولو على شقائهم، والذين يواجهون الظلم والاستكبار وينشدون التحرّر والعدل، والذين يقفون مع قضايا الإنسان في فلسطين وأفغانستان وغيرها ومع الحقوق والكرامة ضدّ البشاعة والقسوة من أيّ دينٍ كانوا، بعضهم ربّما أصدقاؤه ورفقاؤه شاركوه شظف الآلام وشرف النضال، يتساءل إن كان حقّا هؤلاء “كفّاراً”، يُعاملون بمنطق القرآن “ككفّار”، ويُحشرون “كافرين” بلا نصيب في الآخرة وهو يراهم ضحّوا بدنياهم وبحياتهم لمبادئ الشرف والخير وتحرير الإنسان!

ليستْ محاولة لقراءة النصوص بأدوات الحاضر، ولا لإعادة تفسيرها (أو تطويعها) بما يلائم الواقع، وهذه الإعادة مشروعةٌ في بعض النصوص المفتوحة على الزمان والمكان والقابلة للحركة والتأويل، إنّما هو أساساً إعادةٌ لقراءة النصوص -التي نزلت بالحقّ- بالحقّ، قراءتها وفق منهجية سليمة تُتيح فهمها بالمنطق والعدل الإلهي، أي بما يليق بمقام الله وبشأن الإنسان، وذلك هو “تنزيلها بالحقّ”.

ثمّة مشكلة عويصة وشائكة وضاربة أشبه بالسرطان المستفحل في كامل مفاصل جسم الشريعة الغرّاء، سيواجهها الإسلام الحنيف في دعوى صلاحيّة عالميّته، كونه يقوم على العدل، واحترام العقل، ويدعو للتحرّر والتحرير، ويرحّب بالتنوعّات والخيارات الفكريّة والحضاريّة السلمية أنَّى كانت، هي مشكلةُ نقلِ واستزراعِ مفاهيم إفرازات العصر الرسالي الأوّل وتمخّضاته، من “كفر” وإيمان” وبالتالي أحكامها الشديدة المترتّبة عليها، وهو نقلٌ -حين جَرّد الأحكام من بيئتها أي سياقها التاريخي والموضوعي- أزرى بمنطقيّة وعقلانيّة الدين العالمي وبشّع مفاهيمه وتعاليمه ومقاصده، وأخرج نصوصه من رحمتها وحكمتها التي كانت متألّقة بها يوم التنزيل، وفارقتها بعصور التأويل!

مفهوم “الكفر” هو أقسى تلك المفاهيم التي استشرت، لا لتُطلق على ديار غير المسلمين غربيّةً وشرقيّةً فحسب مهما كانت مللُهم وأعمالهم، بل كانت أيضاً السيف البتّار الذي شهرناه لنتراشق به وصفاً، ويضرب به بعضُنا رقاب بعض.

ساعد على ترسيخ صورة المفهوم ونسقِه، حالة الاستعداء التي رافقت نشأة الدولة الإسلامية الفتيّة الأولى، من قبل أباطرة فارس والروم، فأنتجت سياسات الفتوح ردّاً سواء كان دفاعيا أو استباقياً، فتوحٌ استمرّت قوّة وضعفاً حتى الدولة العثمانية، سيّدت مفهوم الخارج أنّه “الكافر”، إذ كان الشعورُ الديني الرافعة الأهمّ في تحفيز شحنة الهجوم على الآخر والشراسة معه لتنزيل كلّ آيات القتال والخذلان والكفر واللعنات عليه، فتوصيف العدوّ السياسي “بالكافر” –مع أنّه لم يسبق دعوته إلى شيء بيّنٍ وجحده!- انفلت عن معناه المفهومي الحقّ القارّ فيه ليغدو خطاباً تعبويّاً توظيفيّاً مسخّراً في غير منازله الحقّة، ضدّ محارب المسلمين، سواء كان معتديا أو معتدىً عليه!

أمّا في القرنين الأخيرين، فساعدت هجمة المُستعمر الغربيّ، وشراسته، ومضادّته لديننا، ودأبه لمسخ قيمنا وتدنيس مقدّساتنا، في تأصيل مفهوم “الكافر” عليه وعلى كلّ معتدٍ أثيم.

ونحن على عادتنا منهجيّاً، ولتطهير الدين ممّا علق به من رُكام، وائتماراً بوصاياه سبحانه وأوامر رسوله (ص)، بالردّ إلى القرآن، والانتهال منه، والعرض عليه، لتمييز الحقّ من الباطل، ولو خالف تفاسير أهل الإسلام قاطبة، ونافى كلّ تسطيرات المسطّرين التاريخيّين واقتراحاتهم، فالحقّ لا يُوزن بالرجال.

نستعجل قول ذلك مقدّمةً بين يدي البحث، لأنّ نتائج البحث فعلاً ستُخالف كلّ ما سُطِّر وما اتُّفق عليه واصطُلح واستُحسن، وليكنْ، لكنّها لن تُخالف القرآن ولا سنّة نبيّه (ص) ولا سماحة دين الإسلام وعدالة مُنزله الرحمن.

إنّنا في هذه المهمّة لو حللنا مسألة “تكفير الآخر” الديني المختلف، فبالتبع سنحسم مسألة “تكفير الأخ” المسلم المذهبي المختلِف، على الأقلّ على المستوى العقدي، إذ أنّ المستوى العملي مظهرٌ نفسانيّ لا علاج له إلا بتهذيب النفوس من همجيّتها وحميّات جاهليّتها للدخول “في السلم كافّة” استجابة لنداء الرحمن.

كان منهجنا الثابت والدائم بالرجوع للذكر الحكيم وتحكيم نظامه، بما يعنيه من تحقيق سياقه اللغويّ والتاريخيّ، واستنطاق منطقه، والالتزام بقواعد لسانه العربي المبين؛ والتي ضمنها أنّ أزمنة الأفعال كما هي بلا تقليب، وأنّ الضمائر كما هي بلا تبديل، وأنّ الخاصّ خاصّ والعامّ عامّ بلا خلط وتداخل، وأنّه لا تقديرات اعتباطية ومحذوفات مقدّرة باعتسار.

وإنّ من ضمن منهجنا القول بخاصّية زمن التنزيل (23 سنة) التي نزل منبسطاً على مساحتها القرآن فرقاناً، ليعمل في سياقاتها ومنازلها بأحكامه الحكيمة اللائقة، وبالتالي فخاصّية تلك الحقبة المنفتحة على تنزيل السماء، صيّرتْها حقبة “بيّنات” مشهورة ومشهودة، يكون الفرد فيها المبَلَّغ من “الشاهدين”، يشهد مباشرة “بيّنات” السماء وأحكامها القطعيّة في مواضعها ومواضيعها، والتي لا يُمكن استعارتها لنقلها إلى عصر آخر لاحق أو تابع التابع، ولا إلى جغرافية أخرى، هذه الخاصية تمنح مُزامنيها أحكامهم وعناوينهم التنزيلية الخاصّة بهم، لا تُستصحب لغيرهم لاختلاف الموضوع بمكوّنات عناصره، وبالأخصّ غياب عنصر “البيّنة” وهو الرسول (ص) ذاتُه ببرهانِه.

عنوان “الكافر” و”الكفر” يندرج ضمن الأحكام الخاصّة المُزامنة لعصور الوحي والتنزيل، أي عصور شهود “البيّنة”، هو فرعٌ لازم لوجود “الرسل”، ونتيجةٌ تتمخّض عن طرح رسالاتهم على معاصريهم، أمّا بعد غياب الرسل/الحجّة/البيّنة فلا “كفر” ولا “كُفّار” بالمرّة، بل يتجمّد هذا المصطلح وأحكامُه وينتهي بانتهاء وجود الرسل، فالنتيجة المتمخّضة من البحث أنّه لا يُوجد “كافر” إلا أزمنة الرسالة، واليوم الناس في أقطار العالم كلّه ليسوا “بكافرين”، بل بعضهم “مشرك”، وبعضهم موحّد، وبعضٌ وثنيّ، وبعض ملحد، هذا من حيث التوصيف الخاصّ للعقائد، أمّا التسميات العامة فهي هويّات إرثية بحسب طبيعة الدين الموروث ومصطلحه: مسلم، مسيحي، يهودي، مجوسي، زرادشت، بوذي، هندوسي، طاوي، شنتو، براهمي ..الخ.

كما أنّ مصطلح “مرتدّ” دينيّ (الذي جاء به القرآن) لا يعمل خارج سياق زمن الرسالة، في حين أنّ المكافئ الحالي (التأويليّ) “للردّة” المستخدمة نبويّاً وتاريخيّاً هو الخيانة الوطنيّة إبّان الحروب، فالخارج من دين الإسلام اليوم لو وُجد، أو تارك دينه، لا يمكن تسميته “مرتدّا” ولا “كافرًا”، هو “مرتدّ” إذا خان وطنه لجهة عدوٍّ قاهر حربيّ، وانقلب على جماعته الآمنة ليغدر بهم ويُخاطر بسلمهم وأمانهم، وهو “كافر” إذا كان عن بيّنة وحجة وبرهان وهذا غير متيسّر الفحص، من حيث أنه قد يكون غير مقتنع بكثير من حيثيات اجتهادية أو مدسوسة لا يجدها عادلة أو حقيقية أو منطقيّة، ألحقت بالدين وجُعلت من ضروراته!

وإذا كان تنظيرُ وتقعيدُ فقهِ القرون الهجرية الأولى هو الذي أسّس لمفهوم “الكفر” هذا، ولمعنى “الارتداد” ونظائره، فلأنّ السياق الاجتماعي والحضاري آنذاك لا يفرق كثيراً عن بُنية العصر الرسالي بحيث يُثير إشكاليةً، ويُورث خطأ فاحشاً في التأويل المُحاكي للتنزيل، لكنّ الاستمرار على هذا الفهم قرونا متفارطة عن عصر التنزيل، مختلفة السياقات الحضارية والثقافية، يبيّن الخطأ جليّاً في التطبيق.

الناس اليوم في المنظور القرآني إمّا “مهتدون” أو “ضالون” (مضلّلون) اعتقاداً، بحساب الكمّية والمِلل والأمم، وليسوا “كافرين”، “الكفر” موجودٌ فقط على مستوى فرديّ في السرائر غير منظور للقياس والحُكم، يعلمه الذي يعلم ما في الصدور، وحتى كلمات “الكفر”، ليست كفراً إلا مع وجود نقيضها الواضح المقنِع بصيغة البيّنة والبرهان بحيث يُعد التشبّث بها عناداً صريحاً واستكبارا وتكذيبا للحقّ البيّن، وهاتان الخاصّيتان أي إيجاد “برهان” و”بيّنة” صادعة، مع كشفٍ دامغ “لسريرة” الآخر أنّ اختياره المناقض للحقّ ليس عن شبهة “ضلالة” بل عن جحود “كفر”، لا تكشفها إلاّ السماء في عصور النبوّات والرسالة، أو بيوم الحساب حين يُنبّئنا كاشف السرائر ما كُنّا فيه نختلف، وهذا تدعمه شبكةٌ من مئات الآيات، لذلك ليس من فراغ أن سمّى الأوائل سورة “الكافرون” بسورة “الجحد”، وأنّ الله ميّز بين المغضوب عليهم والضالين بسورة الفاتحة التي نقرأها كلّ يوم عشر مرّات، فالمغضوب عليهم هم الجاحدون بالآيات أي “الكافرون” “بالبيّنات”.

“الكفر” موقفٌ يُناقض “الإيمان”، وليس وصفاً متوارثاً أو تمييزاً لملّةٍ دون سواها، وهو غير موجود الآن على مستوى الجماعات والأديان (بل ولم يُوجد أبداً على مستواهما حتى في عصور الرسالات)، هو موجودٌ فقط على المستوى الفردي كخيار يُتّخذ بوعي كامل وبإرادة حرّة قبال دعوة/رسالة ذات بيّنة لا تُدحض، فيكون “الكفر” محض تكذيب وخسّة نفسية واستكبارٍ وتمرّدٍ، فطبيعي أن يكون مصيرُ هذا الاختيارِ الحرّ الواعي الخسيسِ النارَ والعذابَ والخسران واللّعنات من حيث كونه رفضًا للخير والحقّ ونبذاً لسبيل النجاة الوحيد وردًّا ليد الله الممدودة وإيثاراً للباطل وللشرور.

فالمنطق يقول أنّ “الكافر” اليوم من لا يُذعن لحجّة “بيّنة” بَلغتْه شخصيّاً لتعارضها مع مصلحته العاجلة، مع أنّه يجد في نفسه الضلالة والخطأ، ويجد الحقّ فيما طُرح عليه يقينًا، فهذا سيُحشر مع أشباهه التاريخيين كأبي جهل وفرعون، لكن أنّى لنا أن نكتشف هذا “الكافر” الفرد، وبأيّ جهازٍ تِقنيّ؟ بل نُوكل أمره وعلمه إلى الله، وحسابه على الله، والذي يُحدّده هو الله القائم على كلّ نفس، ليس لأحد أن يحكم على أحد “بالكفر” والنّار وبطلان الأعمال، لكوننا جميعاً نفتقد الشرطيْن اللازمين المُقوِّمين؛ إبرام الحجّة وإقامتها، ونفتقد علم الصدور، وليس لأحد أن يقوم مقام النبيّ (ص) ليُنزل وحياً “بكفر” أحد.

البحث وإشكاليّاته:

لقد استقرأنا كلّ آيات “الكفر” في الذكر الحكيم ومواردها، فكان مجموع وُروداتها بصيغ اشتقاقاتها (505) مرّة:

كَفَر (19) مرّة، كفَرْتُ (1)، كفرْتَ (1)، كفَرَتْ (2)، كفرتُم (8)، كفرْنا (3)، كفَروا (194)، أكفُر (2)، تكفر (1)، تكفروا (4)، تكفرونَ (14)، تكفرونِ (1)، نكفر (2)، يكفر (12)، يكفروا (6)، يكفرون (14)، اكفُر (1)، اكفروا (1)، كُفِر (1)، يُكفَر (1)، يُكفَروه (1)، أكفرَه (1)، كُفْر (17)، كفراً (8)، كفرك (1)، كُفره (3)، كُفرهم (8)، كافر (5)، كافرون (36)، كافرين (93)، كفَرة (1)، كُفّار (19)، كُفّارا (1)، كفّاركم (1)، كافرة (1)، كوافر (1)، كُفورا (3)، كَفور (8)، كَفورا (4)، كَفّار (4)، كَفّارا (1).

 

بدايةً ينبغي التنبيه أنّ “كفر” في القرآن استُخدمت للإشارة إلى سيّئ فعل الإنسان تجاه رسائل ربّه، بنحوين(1):

1- تجاه النعم، ما يجعل الإنسان طاغيا، مفسداً، مغروراً، بطراً، مسرفاً، هذا “الكفر” يقابله “الشكر”، ومثاله (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)(النمل:40)، وقوله في القرى الطاغية: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ)(النحل:112).

2- كفر بآيات الله، المُساقة مع رسالة ورسول، وهذا هو موضوعنا، وهو “الكفر” الفعليّ العُمدة في عصب القرآن.

إنّ الإشكالية تتبدّى في مظاهر عديدة، منها:

الاعتقاد بأنّ قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)(يونس:4) (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(الحج:72) والكثير أشباهها، الاعتقاد بعمومها وانطباقها على غير المسلمين أين كانوا ومتى وُجدوا، خريطةٌ فكرية متتامة تنسج من آيات الله كفناً يدفن الإسلام الحقيقي، وتطمر مغزى القرآن الحكيم، لتُثير ثقافة الأحقاد والكراهية للآخر غير المسلم، وبأنّ أعماله باطلة مُحبطة (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)(إبراهيم:18)، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:8)، بل تُساق الآيات سوقاً لتنطق بالأهواء والعصبيّات لفعل التحطيم والنقمات ووجوب قتل الكافر متى ما سنح وأُمنت العقوبة (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)(محمد: 4)، (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ)(التوبة:12).

كلّها آيات انتُزعت من سياقها نزعاً عنيفاً، لكن بطريقة القطع واللصق فعلت أفاعيلها طوال التاريخ وأنشأت فقهًا يقوم على القطيعة والكراهية والعنف، وحينما احتار أربابُ التفسير في معنى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(النساء:141) في واقعهم الحالي والتي ظلّت ردحاً تُفسَّر أنّ (المؤمنين غالبون بإذن الله دائما) أي المسلمون ستظلّ لهم اليد الطولى والغلبة على غيرهم بوعدٍ إلهيّ، الأمر الذي كذّبه التاريخ بمتتالية هوان الأمّة واستعبادها واستعمارها، لكن سرعان ما وُظِّفت الآية لتُزاوَج بأخريات (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)(آل عمران:28) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء)(النساء:144)، لتكون المحصّلة قطيعة تامّة مع أهل الملل والنّحل، وانزواء وعزلة حضاريّة، وظنون التفوّق العقليّ والأخلاقيّ والحضاريّ على الآخر غير المسلم، فأورثتْ قائمةً عريضة من أحكام العزلة والريبة وآلاف من مسائلها “الشرعيّة”؛ من تنجيس للآخر؛ وعدم جواز مودّته وملابسته ومؤاكلته والتزاوج معه، إلى المحاربة وحرمة الاستعانة بـ “الكفّار”، وحرمة السلام عليهم، ومهاداتهم، والترحيب بهم، والبشاشة في وجوههم، وحرمة تمكينهم، وحرمة تركهم يتقدّمون على “أهل الإسلام”، إلى جواز استباحتهم، وسرقتهم، وتخريب ممتلكاتهم ..الخ، وذهب الأغلب إن لم يكن الجميع أنّ العالَم غير الإسلامي لا يُؤمن برسالة محمّد (ص) لذلك هم “كفّار” ونصيبهم النار (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً) (الفتح:13)، بل زاد مجتهدون أنّ جميع العالم اليوم كفّار بمن فيها الأنظمة العربية والإسلامية، باعتبارهم يتبعون أنظمة وضعيّة لا تحكم بالشريعة المنزلة، والدليل طبعاً (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة:44)!

ولقد شاهدتُ منذ أيّام أحد البرامج الدينية على محطّة فضائيّة، تستضيف “فقيها”، يُعلن أنّ كلّ المسيحيّين كفّار، والقرآن صريحٌ بهذا (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ)(المائدة:73)، (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(المائدة:17)!

نقول: هذا حال من وصفهم القرآن بأنّهم أقرب الناس مودّة للذين آمنوا، إذن فما حال اليهود والمجوس، ومليارين من البوذيّين والهندوس، وسائر المذاهب الفلسفية والوضعيّة؟ يقينًا هم كفّار وحطبُ النار!

وربّ قائل يقول: فعلاً الآيات واضحة وصريحة، فهل تريد تحريفها لسواد -أو لزرقة- أعين الغزاة الأمريكيين؟! فنقول: أوّلاً؛ صريحةٌ هي الآيات فعلاً لكن في سياقها وفق خطابها الحكيم لا المبعثَر، وثانياً؛ ليس الأمريكيّون هم المسيحيّين فقط، بل الروس أيضاً! هناك 2 مليار مسيحي في العالم، ملايين منهم من العرب؛ فلسطينيّين ولبنانيّين وطنيّين ومصريّين أقباط، وهناك شرقيّون مسيحيّون، ولاتينيّون وأمريكيّون جنوبيّون يقفون مع قضايانا القوميّة وقضايا الإنسان والعدل، وأفارقة مظلومون، وأوربيّون وغربيّون مسالمون، وكثيرون أشراف يُناهضون الاستكبار العالمي والهيمنة والفساد في “دافوس” وبمؤتمرات البيئة والأرض وحقوق الإنسان وغيرها، ويقومون بأعمال البرّ والخير والإغاثة العالميّة، وثالثا: لماذا تُنسى الآيات الأخرى التي تصف المسيحيّين بالمؤمنين، ولا خوف عليهم، وأنّ لهم أجرهم وجزاءهم، وأنّ منهم قسّيسين ورهبانا ومُصلحين، وأنّهم أقرب الناس مودّة للمسلمين، وأنّهم لا يستكبرون، ومنهم ورقة بن نوفل الذي بشّر النبيّ (ص) بالنبوّة، والنجاشي العادل الذي آوى المسلمين حين تغرّبوا وفرّوا بدينهم، وصلّى مِن بُعدٍ عليه النبيّ الرحيم (ص) وترحّم.

بعض المفكّرين ممّن دهمتهم إشكالاتُ المعاصرة وعالميّة الإسلام ودعوته الحضاريّة، تساهل فقال: هم “كفّار” بالعقيدة وجزاؤهم النار كونهم غير مسلمين حسب النصّ، لكنّا مأمورون بالتعايش السلمي في الدنيا معهم ودعوتهم بالتي هي أحسن لهدايتهم وإنجائهم، وللتعاون معهم في إعمار الأرض!

نقول: حسناً، من يقبل بأن نهزأ باعتقاده الروحيّ ونُرسله إلى الجحيم، ونُعامله كنجسٍ وكافر وملعون بالنصّ، ثمّ نتوقّع أن يُحسن التعامل والتعاون معنا ويرضى بدعوة ديننا ومنطقيّته، وقد نفّره هذا الدين واحتقره حين بدأ بالسيّئة قبل الحسنة؟! وعاجله وأهلَه بالعقوبة قبل البيّنة؟! دينٌ لا يأبه بالقيَم والصلاح والعمل الخيّر والاستواء الذي عليه المرء الآخر، ولا يرضى بالاختلاف الذي نتج من أثر الموروثات والتنوّعات الذهنية والثقافية (في واقع الحال)، ويتجاوز العدل الإلهيّ والمنطق ليبعث كلّ الصالحين الخيّرين على غير الطريقة الإسلامية إلى جهنّم وبئس المصير!

إذن مصطلح “الكفر” ليس مصطلحا هيّناً فحسب، والتفسير لم يعد تفسيرًا للمعرفة وكفى، بل صار قاموس حياة، يسيّر ماكينة فقه السلوك الفردي والمجتمعي، والفقه السياسي والحضاري، ويرسم حدود المواصلة أو القطيعة، التعاون أو الاحتراب مع أقطار المعمورة قاطبة، أي هو مصطلح عمدة للإسلام الحضاري العالمي، أو لنهاية الإسلام وزواله وبطلانه، هو مدماكٌ أساس بمشروع أنسنة الإنسان أو توحيشه.

فإن قال قائل: كأنّك تريد إبطال الآيات عن عملها العصري وكأنّ القرآن ليس صالحا لكلّ زمان، قلنا: بل لأنّا نريد أن نجعله صالحا لكلّ زمان وليس صالحًا لزمان وفاسداً لغيره، فعلينا أن نُعمل الآيات فيما جاءت فيه وأشباه مواقعها العصريّة، إنّها عمليّة أشبه بإعادة قوّة الذرّة لتكون نوراً وطاقة كهرباء وانتفاعاً، لا قنبلة مدمّرة للبشرية وسلاح دمار شامل.

الكفر يعوزه البيّنة ووجود رسول:

بيّن القرآن في كلّ آياته، بما لا يدع مجالا للشكّ، أنّه لا “كُفر” دون “بيّنة” ووضوح، بل إنّ كلمة “كفر” في حدّ ذاتها باللسان العربيّ لا تُعطي إلا هذه الدلالة، فإنّ “كَفَر” تعني غطّى، بل كلّ تصويتاتها المقاربة تعني الأمر نفسه “كفَر/غفَر/خفَر”، تعني غطّى(2)، والتغطية تعني بالدلالات التضمنية، الستر، والحراسة، والمنع، ومن هذا “مِغفر” وهي خوذة تُغطي الرأس لحمايته، والغفير والغفر والخفير الحارس والذِّمام، والغفّار الذي يستر الذنب ويُكنّنا من سيّئات نتائجه، والكَفْر الأرض المغطّاة بالزروع والأشجار، والغطاء (كَفر/غفر) حتى بالإنجليزية التي أُخذت من العربي (Cover) وتعني لديهم: غطّى/ستر/أخفى، بل أنّها في جذرها الحرفيّ الأقدم (كف + ر “الفاعلية”) أي وسيلة المنع والكفّ، فالغطاء والدرع والحارس والمانع كلّها “كَفر”.

“فالكافر” يرى الحقّ لكنّه يمنعه ويحبسه ويدفعه ويُخفيه ويكفّه عن قبول نفسه ويغطّيه ويجحده، ومن لم يتبيّن له الحقّ بهذا الاعتبار وأنكره ودفعه لشبهة أو لفتنة وضلالة وسوء تفكير لا يُسمّى “كافراً” بالحقّ لأنّه لمْ يتجلّ له، “الكفر” موقفٌ عمديّ قبال وضوح وبيّنة وحجّة وبرهان وبلوغ، هكذا هي في القرآن وفي الاستعمال العربيّ وفي جذرها الأوّل.

وبعض أدلّة أنّ “الكفر” بعد “بيان”: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)(البقرة:89)، (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)(آل عمران:86) (جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)(المائدة:110) (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا..)(الأنعام:25)، (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا)(الإسراء:98)، (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)(الكهف:56)، (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ) (الجاثـية:31)، (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) (البروج:19) والعشرات أشباههنّ.

و”البيّنة” المقتضية “كفراً” بحكم السماء لا تكون إلاّ مع وجود “الرسول” المتّصل بالسماء وتعمل في زمنه فقط: (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ، وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ)(الزخرف: 29-30) فالآباء لم يُطلق عليهم كافرين بل المعاصرون للرسالة، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً)(الرعد: 43)، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ)(إبراهيم:13).

وحين نقل سبحانه خطابه لعيسى (ع) يُبشّره برفعه: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)(آل عمران:55)، ضربت التفاسيرُ أخماسها بأسداسها، كيف هذا، واليهود اليوم يحكمون النصارى ويتحكّمون بالعالَم المسيحي؟! البعض أجاب: لكنّ النصارى هم الأكثريّة! أمّا أهل التفسير فمَن افترض: (أنّ المؤمنين بعيسى من النصارى والمسلمين ستفوق حجّتهم على حجة الكافرين به من اليهود إلى يوم القيامة)! ومنهم مَن استعرض الأوجه الكثيرة لتفسير الآية، وصاحب أحد التفاسير (ره) ناقشها وعرض احتمالاتها ثمّ ختمها بوجهٍ قائلاً (وهذا أحسنُ الوجوه في توجيه الآية)!!

إذن الآية تحتاج توجيهاً ومعالجةً! فما دامت الآياتُ يعوزها توجيهٌ ومُعالجة(!) وليست هي التي “تُوجِّه” و”تُعالج” فمن الطبيعي أن يبقى مفهوم “الكفر” و”الإيمان” ملتبسيْن، مع أنّ السياق بيّن الأمر، بقوله تالياً (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:56-57).

عثرة التفسير أنّه يحاول أن يمطّ دائماً الآيات خارج إطارها الزمني وسياقها الاجتماعي الجدليّ، وبالتالي تزحف أحكامها خارج زمن الخطاب الحكيم فيحصل تناقض الواقع الجديد المُختلف مع النصّ القديم الثابت، “فالذين كفروا” كصياغة عربية -كما هي في الآية- هم من قام بالكفر اختياراً في الماضي، مثلها مثل: (الذين هاجروا، الذين اعتدوا، الذين أجرموا) أفعال ماضويّة، فليست تساوي (الذين يكفرون) لتشمل الاستمرار، فالذين “كفروا” هم خصوص بني إسرائيل الذين “حاربوا” و”كذّبوا” و”آذوا” عيسى (ع) مع وضوح “بيّناته” لهم فقط، لا كلّ يهود الأزمنة والأمكنة، “والذين آمنوا” عكسهم آنذاك، وسبحانه بعد رفعه عيسى (ع) وعده أن يجعل “الذين آمنوا” من أتباعه وعلى رأسهم الحواريّون فوق “الذين كفروا” به، وقد نصر الله فعلاً أتباع عيسى في العصور الأولى وانتشرت دعوتهم (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)(الصف:14)، أمّا أنّهم فوقهم إلى يوم القيامة، فباعتبار أنّ الحياة وما بعد الحياة سلسلة متّصلة للأعمال وعقوبات الأعمال، فهي عقوبة على تسلّط كفرة اليهود على مؤمني النصارى أيام عيسى، جازاهم ربّهم بتغلّبهم عليهم بعده في حياتهم، وسيظلّون فوقهم في حياتهم الأخرى التي في البرزخ؛ هؤلاء المؤمنون بعيسى السادة وأولئك الذين “كفروا” الأذلاء، أمّا يوم القيامة فالحكمُ لله وحده مع عمليّة جرْد الحساب الأخير كلّه.

“فالكفر” مفهوم لا ينشأ إلاّ في بيئة عصر “الرسالة” مع إقامة الحجّة/”البيّنة” على معاصري الرسول (الشاهدين) فقط (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (آل عمران:70)، فلذلك “المشرك” قبل “البيّنة” وحتّى مع الدعوة لم يُسمِّه القرآن أبداً “كافراً” إلا بعد مجيء “البيّنة” واستحكامها وبلوغها إيّاه وعناده إزاءها، بوجود “رسولٍ” إلهيّ يدعوه إلى غير ضلالات شركه وغفلتها وفساد عقائدها، واليهود لم يُسمّهم القرآن “كافرين” أبداً مع أنّهم يقولون بالأباطيل والانحرافات ليس أولّها أنّ عزيرًا ابن الله، لكنّ الذين حاربوا عيسى (ع) كفّرهم ولعنهم، والذين جاءهم محمّد (ص) ودعاهم “بالبيّنات” وعرفوه وكذّبوه وآذوه سمّاهم “كافرين” ولعنهم أيضاً: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)(البقرة:89).

سورة البيّنة، عيّنةٌ من منظومة متتامة:

الفكرة الآنفة مترامية وموزّعة في كلّ أصقاع الآيات، لكنْ سورة البيّنة ضغطتها وأفصحت عنها بجلاء وحسمت الموضوع كلّه، والتي ذهب المفسّرون المذاهب لمحاولة فكّ ألغازها وللآن لا تجد لها تفسيراً لائقاً في كُتبهم، ولو فُسّرت هذه السورة فقط صحيحًا وفق اللسان المبين، وسياق التنزيل الحكيم، لسقط مُعظمُ فقه العنف وتكفير الآخر الملّي بقولهم أنّ “الكفر ملّةٌ واحدة” وهو صحيح لكنّهم فسّروه أنّهم النصارى واليهود والمجوس وغيرهم كلّهم كفّار وملّتهم واحدة، وحين أعلن سبحانه: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1-4)، فقد بيّن أنّ المشركين لم ينفكّوا عن شركيّتهم، وأهل الكتاب لم ينفكّوا عن كونهم أهل كتاب، إلاّ بعد مجيء “البيّنة”، التي هي الرسول (ص) مع صحفه المطهّرة (القرآن)، “فتفرّقوا” في دروب الكفر بدل التوحّد والالتمام على الحنيفيّة، فصاروا بذلك حينها “شرّ البريّة“، من لزمته “البيّنة” منهم ولم يُؤمن بها عُدّ “كافراً” وشرّيراً، فهناك “الذين كفروا” من أهل الكتاب، وهناك “الذين كفروا” من المشركين، (و”مِن” تبعيضيّة) وهم خصوص المُزامنين للرسالة المُكذّبين للدعوة المحمّدية بعد بيانها، آثروا الباطل و”تفرّقوا” كرهاً للحقّ، وكلّ مشرك آخر، وكتابيّ آخر في غير ذاك الزمان والمكان وإلى الآن لم “ينفكّ/ينفصل” عن هويّته الشركيّة والكتابيّة ولا عن عناية السماء به، ومحاولة هدايته، ولا يصير “كافراً” لأنّ “البيّنة” بوجود “رسول” مع “صحفه” المطهّرة (القرآن) لم يشهدها فيجحدها ويُكذّبها و”يُفارقها”! كانت سورة “البيّنة” أشبه ببيان ختامي يحجّم “الكفر” في مكانه ويُحدِّد ميدانه، وينفتح على الأديان والمذاهب والتنوّعات بلغة دعوية مسالمة غير “تكفيريّة”.

لكنّ المفسّرين كعادتهم جعلوا السورة لغزاً، (قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظمًا وتفسيرا، وقد تخبّط فيها الكبار من العلماء(3).وتساءلوا: “منفكّين” عن ماذا؟! فاقترحوا:

– لم يكن الذين كفروا برسالة النبي (ص) لينفكّوا عن سنّة الهداية والبيان حتى تأتيهم البيّنة، والبينة هي محمّد (ص).. (ثم قال المفسِّر:) وهؤلاء وإن كانوا بعض أهل الكتاب والمشركين، لكن من الضروري أنْ لا فرق بين البعض والبعض في تعلّق الدعوة، فتعلقّها بالبعض لا ينفكّ عن تعلّقها بالكلّ! (أقول: وبهذا الرأي طبعاً صار الكلّ كافراً!).

– وقالوا: التقدير؛ لم يكن الذين كفروا منفكّين عن كفرهم، حتى تأتيهم البيّنة التي هي الرسول..

– وقالوا: والمعنى لم يكن الذين كفروا منفكّين عن ذكر محمّد بالمناقب والفضائل، حتى تأتيهم البيّنة، قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم، فاللفظ لفظ المضارع ومعناه الماضي! (أقول: وهذا من المصائب أيضا، أنّ المضارع = الماضي!).

– وقالوا: وفي الآية وجهٌ رابع وهو أنّهم ما كانوا منفكّين عن كفرهم إلى وقت مجيء الرسول، وبعدها فالمجموع ما بقوا على الكفر بل تفرّقوا فمنهم من صار مؤمنا، ومنهم من بقي كافرا! (أقول: بهذا الرأي هم كانوا كفّاراً قبل مجيء البيّنة وظلّوا بعدها، فسبحان الله وياللمنطق!).

– وقالوا: وجه خامس؛ هو أنّ اليهودي كان قبلُ جازمًا في يهوديته وكذا النصرانيُّ وعابدُ الوثن، فلمّا بعث محمد (ص) اضطربت الخواطر والأفكار وتشككّ كلّ أحد في دينه ومذهبه فصاروا منفكّين عن جزمهم بها.

(ثمّ أردف:) الكفّار كانوا جنسين أحدهما: أهل الكتاب كفِرَق اليهود والنصارى وكانوا كفّارا بإحداثهم في دينهم ما كفروا به كقولهم: “عُزيرٌ ابن الله”، و”المسيحُ ابنُ الله”، وتحريفهم كتاب الله ودينه، والثاني: المشركون، الذين كانوا لا يُنسبون إلى كتاب، فذكر الله تعالى الجنسين بقوله: “الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين”، وكلمة “من” هاهنا ليست للتبعيض بل للتبيين!!!

أما الترجمة التي ذهبت للعالمين(4):

YUSUFALI: Those who reject (Truth), among the People of the Book and among the Polytheists, were not going to depart (from their ways) u – til there should come to them Clear Evidence,

PICKTHAL: Those who di – believe among the People of the Scripture and the idolaters could not have left off (erring) till the clear proof came unto them,
SHAKIR: Those who disb – lieved from among the fo – lowers of the Book and the polytheists could not have separated (from the faithful) until there had come to them the clear evidence.

فتكون “منفكّين” ترجمتها أحد ثلاثة احتمالات، بحسب المترجم:

إمّاwere not going to depart (from their ways) :

أو: could not have left off (erring)

أو: could not have separated (from the faithful)

فالترجمة الأولى لـ “منفكّين”: (لن يتركوا طرائقهم)، والثانية: (لن يستطيعوا ترك إثمهم وخطأهم)، والثالثة: (لن ينفصلوا أي يتميّزوا عن المؤمنين)، وهي كحال التفاسير السابقة تقوم على افتراض محذوفاتٍ لُغزيّة ترَكها الله ليقترحها المفسّر والمترجم!

مع أنّ أحكم القائلين لم يذكر مفعول الانفكاك لأنّ الانفكاك ذاتيّ وليس موضوعيّا يُطلب ويُبحث عنه بالخارج، فالمشرك ما انفكّ مشركاً، واليهودي ما انفكّ يهوديّا، أي ما زالا، ولا زالت هذه هويّتهم وهذا هم وسيظلّون هكذا ما لم تأتِهم “البيّنة” لتتحدّد على ضوئها وبعدها هويّات جديدةٌ تفصلهم و”تفكّهم” عن هويّاتهم الشركيّة والكتابيّة وذواتهم السابقة، فيُصبحون أحد فريقين فقط؛ “الذين كفروا” (سواء كانوا من أهل الكتاب أو المشركين سابقاً)، أو “الذين آمنوا” لا غير، هذه هويّاتهم الجديدة بعد “البيّنة” عند الله وبها يُحاسبون، أمّا من دون “رسول” و”بيّنة”، وقبله أو بعده أو معه ولم يشهدوه ولم تبلغهم حجّته “البيّنة” فلن “ينفكّوا” ويزالوا عن هويّتهم ولن تُعطَ لهم هويّة “الكفر” الجديدة(5).

 لكنّ المؤسف أنّ جميع المفسّرين اجتهد باحثاً عن مفعول الانفكاك، وراح يُقدّره، فصار: (لم يكونوا منفكّين عن: سنّة الهداية – كفرهم – ذكر مناقب محمّد – جزمهم بأديانهم – طرائقهم – آثامهم –فريق المؤمنين)، اختر منها، أنت وحظّك!

هذه الآراء الهشّة المنطق المخالفة للِسان الذكر الحكيم، هي التي حكمت الفقه مدى التاريخ، وطمّت على عقائدنا!

فجعلت كلّ “مشرك” وكلّ “كتابي” “كافراً” ببيّنة وبغير بيّنة، واختلطت المفاهيم، وتناقضت آيات القرآن فلا يُدرى أيّ من أيّ، وصار بعد رحيل البشير محمّد (ص) كلّ العالمين كفّاراً إلاّ المسلمين وراثةً أو انتقالاً.

الخيار الذي ضاع، والمشروع الذي لم يكتمل، إنّ كلّ مجوسي هو مجوسيّ وليس كافرا، والمسيحي، واليهودي كذلك، الكفّار منهم فقط على وجه اليقين من دعاهم النبيّ (ص) وعرفوا أن الرسول حقّ(6) ، من يهود المدينة والجزيرة ونصاراها، وهرقل الروم وكسرى المجوس، فحمّلهم النبي (ص) في رسائله آثام المجوس وأريسيّي النصارى، كما حمّل اليهود آثام الأجيال الآتية، ولو آمن كلّ أولئك لما ظلّ ممّا انفرج عن الإبراهيمية على الأقل من يهود ومجوس وصابئة ونصارى اليوم إلا وهم مسلمون محمّديون، لكن بهذا لا يُوجد “كافرون”، والكل تحتويه عين السماء، ويبقى الإسلام الخاتَم الملاذ الأخير بشرط توفّر براهينه واحترامه العقل وتطهيره من التذييلات البشرية والتفاسير التي أفشلت انسيابه في الأمم، من تكفير وتنجيس وتعارض مع المنطق والعلم والرحمة.

ولقد اشتبه المفسّرون، وبالتالي من قعّدوا قواعد العقيدة، بأنّ القرآن حافل بكفر اليهود، (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ)(النساء:46)، وفاتهم أنّ الآيات هذه باستقرائها يتبيّن خطابها مع المعاندين الذين واجهوا النبيّ (ص) الذي عرفوا نبوّته، ودائما لسانها يتكلّم عن البعض وليس الكلّ (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا)(النساء:46)، فهي لا شأن لها بيهود العالم بتكفيرهم وإرسالهم إلى النار من حيث اختلاف العقيدة أو فسادها، كما لا شأن لها بتكفير النصارى، فخصوص من كفَر منهم من واجه النبيّ (ص) فقط ورأى بيّنته، فليس من يقول (عيسى بن الله) هو “كافر”، ولا من يقول (الله ثالث ثلاثة) هو “كافر”، وإن كانت عقيدته غير صحيحة، وإنّ قراءة الآية بسياقها يُجلي المسألة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة:72-73) ومثلها (النساء:162-175)، السياق حجاجيّ، بين النبيّ (ص) مع المزامنين من النصارى، وقد كان أقرّ بإيمان أهل الكتاب في آيات أخرى وبأنّهم لا خوف عليهم، فسبحانه يُخاطب النصارى المجادلين رسوله (ص) بأنّ المسيح ما أمرهم إلاّ بعبادة الله وحده لا بالشرك به ببنوّته معه وبتثليثه معه، هؤلاء القائلون بأنّ الله ثالث ثلاثة معاصرون “للبيّنة الرسوليّة”، بدليل زجره لهم “وإن لم ينتهوا عمّا يقولون“، بل حتى المعاصرون التثليثيّون ليسوا كلّهم “كفّاراً” إلاّ من “شهَد” أي العارفون بالحقيقة المعاندون لها، بدليل “ليمسّنّ الذين كفروا منهم”، فالقائلون بالتثليث منهم “كافرٌ” وهم خصوص المعاندين للحقيقة بعد تبيّنها، ثمّ خاطبهم بعدها (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ.. انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ..)(المائدة:74-75)، فهي فئة معاصرة أُلقيت عليها الحجّة من السماء مباشرة ويُخاطبها النبيّ المؤيَّد (ص) ويُجادلها، حالهم حال أهل الشرك من العرب.

فبالتالي لا علاقة لآبائهم الضالين بفكرة التثليث ولا لأبنائهم بعدهم بألف عام ولا الذين لم يسمعوا بالإسلام ولا بمحمّد (ص) ولم “يشهدوا” بيّناته، لا علاقة للجميع بهذا الوصف التكفيريّ (العناديّ) الذي استحقّوه ليهلكوا عن “بيّنة”، لقد تكلّم مباشرة بعدها سبحانه عن عقيدة آبائهم التراثيّة “كضلالةٍ” لا “ككفر”، آمراً نبيّه بمخاطبتهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77).

الموضوع شائك، وبه تفريعاتٌ كثيرة، وآياتٌ ستتجلّى بوضوحها من عتمة الإشكالات وفق هذا الاستبصار، وإنّ من لوازم هذه النتيجة أيضاً؛ التفريق بين الدفاع عن الأوطان والدين والشرف والحرّية ومجابهة الظلمة ومنابذة الاستبداد الذي هو واجبٌ، وبين “تكفير” وقتل الآخر الدينيّ والمذهبي لدينه وعقيدته الذي هو حرام.

فليس معنى عدم وجود “كافر” ظاهراً، عدم جواز مشروعية الحرب الدفاعيّة، فالحرب أجيزت بالأديان وبالإسلام وبكلّ الشرائع ضدّ الظلم والاعتداء لا ضدّ “الكفر”، وبيانُ القرآن صريحٌ بهذا، حتى عبّر أهلُ الفهم: “الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم“، فمحاربة الغاصب الإسرائيلي والمحتلّ الأمريكي وغيرهما من غزاة وصليبيين قدامى وجدد وتتار ليس لأنهم “كفّار” (يهود ونصارى ومجوس ومشركون..)، بل لأنّهم معتدون وظالمون وباغون فقط، وقد يُحاربهم معنا شرفاء.. نصارى ويهودٌ ومشركون ومَن لا دين لهم كما هو الآن.

هذه الإجازة لحرب الباغي إفشاءً للسلام موجودةٌ ومُجازة حتى ضدّ بُغاة المسلمين (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي)(الحجرات:9)، هذا كلّه يستتبع القول أنّه ليس هناك حربٌ دينيّة مشروعة لنشر الدين، ولا عنفٌ قهري مع الخارج عن الدين لإكراهه على الإيمان، ولا قتلٌ لمرتدّ فكريّ بمعنى أنه ترَك الدين أو بدّل دينه، بل كان لمرتدٍّ حربيّ بظروف العدوان، بمعنى أنه أجرم وخان وطنه وقتل وأفسد، هكذا كان سياق نصوصها وأحكامها التاريخيّة، بغضّ النظر عن التأصيلات الفقهية والمناهج الأصولية التي أدخلت الأمّة والدين في إشكالاتها العقليّة والإيمانية، وأصبح لا يتمّ التفكير إلاّ بها وبمناظيرها المُعتمة.

_____________________________________________

[1] – ورد في كتب اللغة، (مختار الصحاح مثلا، ص 369): “الكفر” ضد الإيمان، و”الكفر” أيضا جحود النعمة وهو ضدّ الشكر.

2 – مختار الصحاح- “كفر”: ص369، “غفر”: ص309

3 – تفسير الرازي- ج17- سورة البيّنة، وبقيّة التفاسير الحديثة والقديمة.

4 – http://www.usc.edu/dept/MSA/quran/098.qmt.html

5- عدا أنّ أسلوب (لم يكن فاعلاً) تنفي الفعل الماضي المستمر المزامن للحال، الفعل الإهلاك، والحال: الغفلة، في مثال: (لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (الأنعام:13)، والفعل الانفكاك والحال وجود البيّنة، في مثالنا، فكما أنّ إهلاك القرى الظالمة لم يكن إلا بعد البيان والإنذار وانتفاء الغفلة، فكذلك الانفكاك عن الشرك والكتابية إلى الكفر لم يكن إلا بعد البيان البيّن.

6 – آيات ذلك كثيرة، فقد خُوطب يهود المدينة (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)(البقرة:41).