عدنان وقحطان عند النسابين هما أبوا العرب، ومنهما يفرّعون علوًّاً ونزولاً، وليس لك أن تسألهم ما الدليل؟ فالنسابة كالأطباء يجب عليك أن تثق في تشخيصهم لمجرد اختصاصهم، بل قل كالمنجمين، بل هم أكثر حصانة، فالمنجم والطبيب قد يكذبه الواقع والحدث، أم النسابة فهم يتحدثون عمن لا يطال منهم تصديقًا ولا تكذيبًا.

هم يقولون قحطان والد يعرب ومنه يشجب ثم سبأ فكهلان وهكذا يمكنك أن تصل إلى نسب جارك الدوسري والكعبي والمرّي فهم من نسل قحطان، ويقولون عدنان والد معدٍ ثم نزار ثم مضر ومنه يمكنك أن تصل إلى جارك الموسوي والعازمي وغيره من أبناء عدنان.

هذه تفريعات وتشجيرات لها “حنّة ورنّة” ، في بلدٍ يعتز بتأصيل النسب كالجزيرة العربيّة، وبها تتقابل القبائل، وتُنشأ الأحلاف أحلاف الدم، وتُتَحمل الديات، وتتكافأ الزيجات، وتُحرز مراتب المشيخة، وتُفرز التراتبات الاجتماعية الطبقية، وتُرسم مراسيم اللياقة (الاتكيت)، بدءًا بمن رتبة تقبيل الأيدي، صعوداً إلى تقبيل الأكتاف، فتقبيل الخشوم، ثم خشم بخشم إن كنت من طبقة متكافئة…

ولكن لماذا ظل عدنان وقحطان هما أشهر أبوين للعرب؟ لدرجة أنَّ المؤرخين يطعنون في صحة كل نسب بعدهما، ولدرجة أنهم يقولون أنَّ النبي (ص) نهى عن الوصول بنسبه إلى ما بعد عدنان. إنَّ الكثير من العرب قد يجهل جده الرابع، ولكنَّ أكثر العرب يعرفون عدنان وقحطان. فهما اللذان تغنينا بهما أبوين للعرب أيام “بلاد العرب أوطاني”، و”لسان الضاد يجمعنا بقحطان وعدنان”.

هل هما جَدَّان حقيقيان للعرب أم أنَّهما اسمان حضريان يعكسان فرعين من أساليب الحياة في منطقتنا العربيّة، تلازما مع تاريخنا منذ الأزل ولا يزالان؟

عدنان تعني المقيم، وجنات عدن جنات الإقامة، وعَدَن على الشيء أقام عليه، وقحطان المحتبس عنه المطر، والفرس المقحط الذي لا يكاد يعيا من الجري، فعدنان إذا هو الحضري المقيم، وقحطان هو الذي لا يكاد يعيا من التنقل بحثاً عن الماء والكلأ، فهو البدوي.

الحضري والبدوي، الفلاح والرَّاعي، العربي والأعرابي ، أهل المدر وأهل الوبر، المقيم والظاعن، أهل القرى وأهل البوادي، ثنائيات متعددة لحقيقة واحدة بين القضية الحضارية العربيّة الأزلية في انقسام العرب إلى نمطين من الحياة صنعا تاريخ وثقافة العرب ولا يزالان.

دارفور هي آخر القضايا الحية للصراع بين هذين النموذجين في الحياة، بين الرَّاعي الذي لا يريد حدوداً تحد من حركته، لا سياسية ولا عمرانية، وبين المزارع الذي لا يمكنه إلاّ التمسك بالحدود كرمز لحفظ الحقوق، الرَّاعي الذي لا يفهم النبت إلاّ مشاعاً وإن عملت عليه المحاريث، والمزارع الذي لا يؤمن بالمشاعية، ويتمسك بالملكية الخاصة، هذا هو الجذر الحضاري والاقتصادي لمشكلة دارفور، ثم تركبت عليه القضايا العرقية والسياسية.

ولكن أول مواجهة في تاريخنا العربي بين الرّاعي والفلاح كانت بين ابني آدم، إذ قرَّبا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قصة انتصر فيها الرَّاعي على الفلاح، “حيث قدم هابيل نعجة سمينة وكان راعياً، بينما قدم قابيل حزمة من زرع رديء وكان مزارعاً”، ويومها انتقم المزارع من الرّاعي بالقتل، وانتقم الرَّاعي من المزارع بقتل آخر وهو طول الندم، فكأنَّما القصة تريد وقد تحولت في الفهم الشعبي إلى هذا، تريد أن تقول إنَّ في الأرض سعة للمزارع والرَّاعي، وهما المهنتان اللتان صحبتا العربي ولا تزالان.

لم يكن عرض القرآن للقصة ينحو هذا المنحى الحضري، فالقصة في القرآن هي حول القربان لله وأنَّه يجب أن يكون خالصاً، ولكنَّها في الثقافة العامة أخذت منحى التوراة، والتي تأثرت في تفسيرها بأساطير سومر والنزاع بين الراعي والفلاح، وإذا كنت تقرأ في أساطير سومر نتيجة أخرى غير نتيجة التوراة، فلأن القصة في التوراة انتهت بقاتل ومقتول، ومادام الأمر كذلك فليكن النصر والمجد فيها للراعي، لأن بني إسرائيل كانوا رعاة يسكنون البادية.

(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) ، هذه حادثة أخرى في تراثنا من التنازع بين الفلاح والراعي، تسربت فيه غنم الرعاة ليلاً، فأكلت زروع الفلاح، مشكلة أزلية بحكم طبيعة التناقض بين من يزرع ومن يرعى، بين قحطان وعدنان، اختلف فيها قضاء نبيَّين، فقضى داوود بالحكم السائد، وقضى سليمان بحكم جديد، أكثر عدلاً ورحمةً بالطرفين، فسلم النبيان للتجديد، في رسالة لم يعها المسلمون إلى اليوم.

في التراث العربي خارج الجزيرة، تظل ثنائية الرَّاعي والمزارع ثنائية حاضرة وبقوة، ففي الأساطير السومرية، نجد المناظرات بين الرَّاعي والفلاح في سياقات مختلفة، تنتهي مرة بتفضيل الراعي على الفلاح، كما في مناظرة الفلاح أنكيدو والرَّاعي دموزي في خطبة أنانا، وقد تنتهي بالعكس كما في مناظرة الرَّاعي أميش والفلاح إينتين بين يدي الرب إنليل، الذي يحكم للفلاح، دون أن يتسبب هذا الحكم بتحكم الخصومة والانتقام بينهما، كما حدث بين قابيل وهابيل.

ونجد محاولة الدمج والتعاون بين أهل المدينة ( الحضر ) وأهل البر، واضحة في إظهار النتائج الإيجابية للتعاون بين جلجامش ابن المدينة، وأنكيدو ابن البرية، حيث كلٌ منهما يتمتع بصفات مكملة للآخر، وحيث يتفجر الندم في قلب جلجامش عند موت صديقه، وإن كانت النهاية هنا تتسبب في الارتحال نحو الخالدين، فيما النهاية في قابيل تغوص بنا نحو الندم القاتل.

في بلادنا التي كانت قروية، حدث نفس التناقض بين الفلاح والراعي، فعندما سيطرت القبائل على البلاد، رعى جمل البدوي زرع القروي في سترة، ولم يكن جمل القحطاني قد ضل الطريق، وإنَّما بغرض إثبات بقاء السيادة لبني قحطان على بني عدنان، فنشبت فتنة ذهبت فيها أرواح، وفرضت فيها قوانين، وانتزعت فيها سلطات، ودالت دولة قوم ليرثها آخرون. فهكذا هي السياسة أحيانًا، يستغل أربابها الفرص لتحقيق مشاريع مؤجلة عندهم في انتظار يوم ميعاد.

ابن خلدون لا يرى التاريخ إلاّ جدلية بين تحضر البدوي وانحلال الحضري، فأهل الحضارة لا تلبث أجيالهم أن تفقد روح العصبية للجماعة، وميزات الصلابة والخشونة، من خلال الاعتياد على نضرة النعيم وسكن الدور والقصور، فإذا ما صاروا كذلك تغلب عليهم قوم من البادية، لا زالت فيهم صفات الجسارة والصلابة وقوة العصبيّة، هكذا يرى حركة التاريخ، وهلاك الأمم، وزوال الممالك، ونشوء ممالك أخرى، فلا ملك بلا عصبية قوية، ولا عصبية قوية مع الحياة الحضرية، فالحضارة علامة من علامات زوال الملك، والعصبية القوية أهم أسباب القدرة عليه، فالملك يبدأ بقحطان ثم يزول من عدنان، عصبية الأرض والوطن والقومية لم يكن لها في زمنه معيار .

في الخليج و الجزيرة العربيّة، كل الممالك تحكمها عوائل بدوية، تمتعت بقوة عصبية، استطاعت أن تفرض نفسها على رأس مشيخة بقعة من الأرض، شاء القدر أن تتحول بالنظام الدولي العالمي إلى دول، ولهذا فهي لا تزال تعاني من مناظرة البدوي والحضري، الراعي والفلاح، وإن تحت مسميات أخرى “قبايلي وحضيري”، والتي تعني فيما تعني الأصيل والدخيل، العربي والمستعرب، صريح النسب ومدخوله. وثقافة السلطة تنتصر للعربي القبائلي الصريح، على حساب المستعرب الحضيري الدخيل، مدخول النسب “طرق البحر”. أو قل للبدوي على الحضري، للراعي على الفلاح، لعصبية الدم على عصبية الوطن، ولا يزال مهمّاً فيها قبيلة النسب، فأن تكون الزهراني، الغامدي، الكعبي، غير أن تكون المحرقي، البلادي، البناء، القصاب، فلا يزال مهما سؤال “إنت مِن مِن عياله؟”

في الثقافة العربيّة الإسلامية تمكن القبائلي والبدوي من تعزيز وجوده، وإعلاء قيمه، عبر التسلل للفكر والعقل، من خلال شخصية الأعرابي، فهو الحكم في صحة اللسان من عدمه، وذلك عند ما خالطت العجمة اللسان، بكثرة الداخلين في الإسلام من غير العرب، فإذا ما اختلف عالمان في اللغة، فإن أعرابياً لا يلبث أن يطل عليهما بجمله، فيصطنعان أحبولة من أحابيل أهل الحضر لعلها تجر الأعرابي الذي لا يعرف الحيل والدغل، ليظهر لهما من صافي لسانه، وزلال عقله، ما يحلان به مشكلتهما.

الأعرابي في الأدب والثقافة العربيّة زمن العجمة والتحضر، هو صاحب البساطة النقية، والذهن المتوقد، والقول الفصل، والحكمة البالغة، إنه صورة لعشق عميق عند العرب لحالتهم الأولى، بعد أن أفسدتهم الحضارة، فالأعرابي سيد الطرائف، وصاحب الحجة القاطعة، والقول المفحم، فكأنما عزّ على العرب الاختلاط مع الغير، فذهبوا يمجدون حالة البداوة مع الأعراب، ثم بسبب هذا صار الأعرابي مطية لكل قول حكيم لماح لا يريد صاحبه أن ينسبه إليه، إذاً فليكن على لسان الأعرابي الذكي اللماح….

القرآن الكريم انتصر للعربي على الأعرابي، للحضارة على البداوة، فالقرآن بلسان عربي مبين، غير ذي عوج، لسان قريش في الأساس، وهي سيدة العرب، وهي من الحضر، وهم من نسل عدنان، والنبي عربي، وأمّا الأعراب فهم أشد كفراً ونفاقاً، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، وكثيراً ما يقدمون الأعذار بين يدي الحرب قائلين: ( شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا)، ويدعون فوق حقيقتهم (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، والْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ). ثم حَرَّم على كل من هاجر أن يعود للتعرب مع الأعراب، فلا تعرّب بعد الهجرة، لا بداوة بعد التحضر، لا قحطان بعد عدنان.

ولكن القرآن رغم ذلك لا يجعلها كرامة لأهل الحضر على أهل البادية، ذلك أنَّ حياة الحضر ليست مفضلة لذاتها، وإنَّما لكونها سبباً أقوى وأقرب للعلم والتمدن والتقدم ومعرفة الدين والحياة، وإلاّ فإنَّ معيار المفاضلة في القرآن هو التقوى، ولكن هذه التقوى تحتاج إلى علم ووعي ومعرفة وتجربة لا تتوفر غالباً مع حياة البداوة، ولهذا فالأعرابي المؤمن ممدوح ( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

لم يكن للبدوي هذه المنزلة في الصدر الأول، فكان مؤخرًا عن القيادة والزعامة بسبب جهله الطبيعي كبدوي بمقتضياتها وفنونها، ولم يكن أهل المدر يرتضون قيادة واحد من أهل الوبر، وكان هذا سببا كافيًا لتأخير مرتبته، فالقوم لا يزالون قريبي عهد من النبوة، حيث لم يكن للبدو شيئًا يذكر في نشر الدين، روي عن عمر قوله: لعمري لأهل المدر كانوا أولى بأن يستعملوا من أهل الوبر .

تعرض القرآن لهذه الجدلية بين الفلاح والراعي، العدناني والقحطاني، العربي والإعرابي، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

الشعوب جمع شعب، والشَّعب هو الحيّ العظيم. شَعَبَ هذه لها في العربيّة حكاية عجيبة، فهي كما يقول أهل اللغة من الأضداد؛ لأنَّها تعطي معنيين متضادين، التفرق والاجتماع، تقول شَعَبَ شعباً الشيء فرَّقة، صدعه، وشَعَبَ شعباً الشيء جمعه، أصلحه، انشعب الشيء تفرق وانصدع، وانشعب الشيء تجمع وصلح.

إنَّ العربيّة كما يقال نشأت في جنّة، أي بين الشجر والماء والثمار وغناء الطبيعة، إن الانشعاب والتشعب مأخوذ من غصن شجرة متفرع، ومن اتجاهين، فإن أخذته صاعداً سلكت من الوحدة نحو التفرق والتشعب، وإن أخذته نازلاً سلكت من التفرق للتجمع والوحدة.

الشعوب هم أبناء أرض، أبناء وطن، من آباء وأمهات وقبائل شتى، ضعفت فيهم أخوة الدم، وقويت بدلاً منها أخوة الأرض والوطن، الشعوب عدنانيون والقبائل قحطانيون، الشعوب أهل الحضر والقبائل أهل البادية، الشعوب أهل المدر والقبائل أهل الوبر، الشعوب عرب والقبائل أعراب.

تعود الآية بهم نحو الأصل الأول أول ذكر وأول أنثى، أيها الحضريون وأيها البدويون إنَّما أنتم أبناء أب وأم، ومقتضى افتراقكم أن تتعارفوا وتتبادلوا المنافع، ليكون البدوي بادية الحضري؛ يجلب له اللبن والسمن والصوف واللحم والوبر والجلد، ويكون الحضري حاضرة البدوي؛ يصنع له الأدوات والثياب ويمده بالبر والشعير والزيت والزبيب، وهذه كلها أسباب حياة وإنما الكرامة عند الله بالتقوى.

إنَّه نفس هدف الأسطورة السومرية في التقريب بين الفرعين، ولكنَّه هنا يزيد عليها بفتح باب معنوي للمنافسة والتفاضل، فكعادته يخرج القرآن كل العناصر الاضطرارية عن ميدان المنافسة، كالجنس واللون واللغة والبلد والعرق، ويستبدل بها عناصر من فعل الإرادة الحرة، الموقف، العمل، الرأي، القول، فكل من كان عمله أحسن فهو أحسن.

العالم المتحضر قد قلص من أمراض عصبيّة الدم، ونمت فيه أمراض عصبيّة الوطن، وأما نحن الذين لا زلنا نختلق جسراً بين عالمين فلا زالت فينا أمراض عصبيّة الدم، ونمت فينا أمراض عصبيّة الوطن أيضاً، فنحن ذوو العصبيتين، ذوو الظلامتين، وأحياناً نكون في ظلمات ثلاث إذا ما دخلنا في ظلمة العصبيّة الدينية المذهبيّة، ومنا من هو داخل في الظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها لفرط الظلمات على عقله والحجب على قلبه، فلا يمنعه علمه بيده، من أن ينكر أنها يده.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.