عيد الفطر.. عيد الخليقة.

للأمم أعياد تمجّدها وتفرح فيها وتمارس فيها ما يعبّر عن ابتهاجها بها، وأصل فكرة وجود عيد أو أعياد في الحياة حاجة ملحّة للأمم، لسبب حاجة الإنسان للترويح عن نفسه، وحاجته الماسّة إلى تجديد قواه وتنشيط جانبه النفسي، والتخلّص من أثقالٍ وأخطاء وأتعابٍ تراكمت على بعضها، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الإنسان مخلوق مختار مجتهد، والعيد فرصة للتعبير عن السرور بالنجاح والفوز بعد شوط من العمل والاجتهاد، وإلا كان العيد وقتاً يراجع فيه الإنسان خياراته واجتهاده وعمله، فيوم العيد جامع، فهو يوم للسرور، ويوم للراحة، ويوم للأنس بالأهل والإخوان والأصدقاء، ويوم للمراجعة، ويوم للاستجمام النفسي والبدني، وربما سمي يوم الجمعة بهذا الاسم لأنّه بالفعل جامع لعدّة أهداف، وهو العيد الأسبوعي الذي عرفه الإنسان منذ دهره الأول.

وهذا التاريخ الطويل العريض الذي عشناه نحن بني آدم، والذي ما نزال نواصل تسجيله على صفحات هذا الوجود قد اشتمل على العديد من الأعياد، وهي متلونة بألوان شتى، فمنها ما يتصل بالاستقلال الذي تحقّقه الشعوب والأمم بانتصارهم على أعدائهم المحتلين الغاصبين لأراضيهم، ومنها ما يتصل بانتصارات عسكرية ذات قيمة كبرى في نظر تلك الأمم، ومنها ما يبدو وكأنّها أعياد دينية بحتة كعيدي الفطر والأضحى، ومنها ما يرتبط بالطبيعة وتجدّدها كأعياد الربيع والتي ما تزال أمم معاصرة تحييها على امتداد أيامٍ وربما أسابيع.

ونحن في جمعية التجديد كعادتنا، نحاول أن نفتّش عن أصول وجذور الأشياء، فلعلنا نكتشف مشتركات بين الناس فنذكّرهم بها، أو لعلنا نكتشف في ضوء تلك الأصول والجذور، ما طرأ على تلك الأشياء وألحق بها مما ليس منها، وكذلك لنكتشف ما بقي من تلك الأصول على حاله، وفي هذه الأيام يعيش المسلمون أجواء عيد الفطر، فليكن هو الانموذج الذي نطبق عليه منهجنا ذاك. فما هو أصل هذا العيد؟ وهل ابتكره الإسلام ليبتهج المسلمون بانتهائهم من شوط صيامهم على امتداد شهر كامل؟ أم أنّ جذور هذا العيد ماضية في القِدَم البعيد والبعيد جداً، وأنّه كان موجوداً قبل البعثة النبوية بكثير؟

في بحث من بحوث الجمعية، والذي ما يزال قيد التدقيق والمراجعة، انتهت الجمعية من خلاله إلى نتيجة تقول: إنّ عيد الفطر مرتبط بمناسبة خلق آدم، فقد خلق آدم -كما يقول البحث- في آخر ليلة من الشهر المبارك، وقد سُمي العيد بمناسبة خلقه، فقيل عيد الفِطر، والفِطرُ هو الخلق، فالعيد عيد الخلق، قال تعالى (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) أي إلا الذي خلقني، وقال تعالى (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي مالي لا أعبد الذي خلقني، وقد يؤيّد هذا تمام التأييد تسمية الزكاة التي يدفعها المسلم القادر في هذا العيد “زكاة الفطرة” والفطرة هي الخلقة، قال في الصحاح: والفطرة بالكسر: الخلقة وقد فطره يفطره أي خلقه وتسمى أيضاً زكاة الأبدان، لأنّها تدفع عن الأفراد، وهذا أيضاً يعزّز التسمية الأولى، فتعلّق الزكاة بالأبدان يعني فعلاً أنّ هذه الزكاة متعلّقة بالخلقة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ هذه الزكاة يجب دفعها يوم عيد الفطر “عيد الخلق” أمكن القول أنّ خلقتنا لها ارتباط بهذا العيد، وتلك هي بدايتنا حيث خلق أبونا آدم وأمنا حواء، فالعيد عيد الخلق، والزكاة زكاة الخلقة أيضاً.

وما دام عيد الفطر- وفقاً لهذا المنظور- هو عيد لمناسبة خلق آدم، فالمفروض أن يكون هذا العيد عيداً عالمياً للناس جميعاً، وهذا بالفعل ما انتهى إليه البحث المشار إليه حيث أكّد أنّ اليوم الذي خلق فيه آدم كان مختاراً بعناية إلهية وهو المقصود بقوله تعالى (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، وقد جاءت هذه الآية في سياق مجموعة آيات تتحدث عن خلق آدم قال تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، والشمس آلة الحساب النهاري بينما القمر آلة الحساب الليلي، وقد خلق آدم في توافق خاص وتطابق متميز بين موقعي الشمس والقمر، قد لا يحصل إلا في ألف سنة لكن المجال لا يتّسع الآن لتفصيله، فالشمس والقمر كانا بحسبان خاص، عندما خلق أبونا آدم وأمنا حواء، وقد عرفنا الحساب القمري، حيث تمّ الخلق في نهاية الشهر المبارك، وقد وافق ذلك يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر، وهو التاريخ السنوي الذي يحتفل به العالم، والذي يقال إنه بمناسبة ميلاد السيد المسيح عليه السلام، بينما أثبت بحثنا أنّ المناسبة مناسبة خلق آدم.

لكنّ سبل المعرفة تقطّعت بالناس، فورثوا من آبائهم الأوّلين معرفة مقطّعة الأوصال، فظنّت كلّ أمة أنّ ما بيدها هو الحقيقة الكاملة، وأنّ الأمم الأخرى تتطفّل على مائدة معارفها، وتسرق منها ما تسرق وتدّعي بعدئذٍ أنهّا هي مالكة الحقيقة، وعيد الفطر الذي هو عيد الكرسمس شاهد واضح على ذلك، فالمسلمون يعتقدون اختصاصهم بهذا العيد، والمسيحيون ادعوا اختصاصهم به على الحساب الشمسي، بل ادّعته أمم أخرى لمقدَّسيها، فقد قيل أن “أتيس” و”أدونيس” و”باخوس” و”بعل” كلهم ولدوا في هذا اليوم، كما يقول مقدِّسوهم، وبعد الرجوع لجذور المعرفة، اكتشفنا أن الذي خلق في هذا اليوم، هو أبونا آدم وأن هؤلاء لم يولد أحدٌ منهم في هذا اليوم، وإنما إدعى ذلك مُقَدِّسوهم، ربما للبركة باليوم الذي خلق فيه أبوهم آدم، أو باعتبار هؤلاء مُثُلاً لآدم.

فالرجوع بالأشياء إلى أصولها يعرّفنا على معارفنا الجامعة وأصولنا المشتركة، ويميز بين الصحيح والفاسد من الأمور، وهو محطّة مهمة لترسيخ الوعي، والعودة إلى المعارف الأصيلة وبناء أساس لعلاقات إنسانية مشتركة، فعيد الفطر في أصله هو عيد بمناسبة خلق آدم، والمسلمون في وضعٍ كأنّهم ورثة هذا العيد، وعليهم الرجوع به إلى جذوره والتذكير بأصوله الصحيحة والمبادرة بنشرها بين الناس، فلعلّهم بذلك يساهمون في لملمة أطراف هذه الأمة البشرية المتشرذمة.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.