فقاهة الولي وولاية الفقيه

فقاهة الولي (الخليفة) شرط اشترطه الفقه السنّي في الخليفة أو الإمام الأعظم. قال محي الدين النووي في كتاب المجموع ج 19 /192 في شرط الخليفة “أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً عالماً في الفقه ما يخرجه عن أن يكون مقلداً”.

وفي فتح الوهاب لزكريا الأنصاري ج 2 /268 في نفس الموضوع قال ” أن يكون مسلماً حرّاً مكلّفاً عدلاً ذكراً مجتهداً ذا رأي وسمع وبصر “، وفي كتاب الإقناع في شرح ألفاظ أبي شجاع لمحمد بن أحمد الشربيني ج 2 205 ” شرط الإمام كونه أهلاً للقضاء “، ومعلوم أن شرط القاضي أن يكون مسلماً ذكراً عدلاً مجتهداً … إلخ
وفي مغني المحتاج للشربيني ج4 129 : الشرط السابع في الإمام الأعظم كونه مجتهداً ليعرف الأحكام وليعلم الناس، ولا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث، لأنه بالمراجعة والسؤال يخرج عن دائرة الاستقلال. وفي أضواء البيان للشنقيطي ج 1/26 ” أن يكون ( الإمام الأعظم ) من يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين، مجتهداً يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث.
وفي تاريخ ابن خلدون ج 1 193″ وأما شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس ولا يكفي العلم إلاّ أن يكون مجتهداً، لأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال “.
ويقول الماوردي في الأحكام السلطانية صــ6″ وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة، أحدها العدالة على شروطها الجامعة، والثاني العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام”. وللتنبيه فإن العدالة هنا لا تعني العدل، بل هي درجة من الموائمة السلوكية مع الدين، وهي متفاوتة الدرجات، وأقلها أن لا يرتكب الكبائر ولا يصر على الصغائر.
ويقول القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة صفحة 31 أن الشافعية يشترطون في الخليفة 14 شرطاً، الثاني عشر منها: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك”، وفي الفرق بين الفِرَق للبغدادي صفحة 349 يقول” ومن شروط الإمامة، العلم والعدالة والسياسة، وأوصوا في العلم ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية”، والإمام الجويني يقول ” وأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمام فالعلم والورع، فأما العلم فالشرط أن يكون الإمام مجتهداً بالغاً مبلغ المجتهدين مستجمعاً صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف”.
لم يعرف الفقه السياسي عند المسلمين مبدأ الفصل بين السلطات، بل كان على مذهب القدماء في تركيز كل السلطات في يد الخليفة أو الملك أو السلطان، وكانت السياسة عند المسلمين تتناول الدنيا والدين وكان الخليفة ملزماً بالسير وفقاً للكتاب والسنة وسيرة الصحابة جاعلاً أفعاله منسجمة معها، ولأجل أن يتمكن من ذلك فقد كان من المنطقي أن تشترط فيه الفقاهة والاجتهاد وفقاً لأحكام الشريعة. وكانت شخصية القاضي هي النموذج المعياري المصغر لشخصية الخليفة فإذا كانت رتبة الاجتهاد والفقاهة والعدالة مشترطة فيه فهي في الخليفة من باب أولى.
وعدم انطباق هذه الشروط في خلفاء الواقع، ينبغي أن لا يثير استغراب القارئ، وإن كان مستحقاً لإثارة الاستغراب، ذلك أن الفقه السني تنازل مضطراً عن كل الشروط التي سطرها نظرياً في الخليفة، وأرغمته حوادث التاريخ السياسي التواضع العملي، وأن يقبل بشرعية كل خليفة تمكن من فرض نفسه سلطانا بأي طريقة كانت، فابتكر الفقهاء ما أسموه ببيعة المتغلب، تنازلوا فيها له عن شرط، ثم تدهورت معنويات الفقهاء حتى قبلوا ببيعة الصبيان، وجعلوها بيعة لازمة في أعناق كل مسلم، وكانت الحجة هي خوف الفتنة، وأن الضرر المترتب على إلغاء خلافة المتغلب يفوق النفع المتأتي من محاولة إلغائها، واتُبِِعَت في ذلك روايات تجيز هذا الموقف، ولكن الفقهاء ظلوا نظرياً يذكرون الشروط الكمالية لمنصب الخلافة رغم علمهم بعدم انطباقها على أحد بعد الراشدين.
ولكن هل فقاهة الولي المثبتة في الفقه السني هي نفسها ولاية الفقيه المشتهرة في هذا الزمان عند فقهاء الشيعة؟
تاريخياً لم يتحدث الفقه الإمامي عن هذا الموضوع إلاّ بعد الفقه السني بأكثر من ألف عام، إذا ما حصرنا الحديث في جانب اشتراط الفقاهة في الخليفة، ذلك أن الإمامية كانوا يقولون بشروط هي أعظم بكثير من شروط الفقه السني، فكانوا يشترطون العصمة والأعلمية على أهل زمانه أجمعين، ويقولون بأنه ملهم من الله ويجعلون له من الصفات ما هو مساوق لصفات النبي الكمالية وإن بدرجة أدون، وبما لا يصل إلى النبوة، فهم يجعلونه وصياً للرسول ولياً لله، ومن يتبنى مثل هذه المواصفات لا يتحدث في الاجتهاد و الفقاهة والعدالة.
كان هذا أيام وجود من يقول الإمامية بعصمتهم، ولكن بعد غيبة المعصوم الأخير، تبنى الشيعة موقفاً سلبياً من السياسة، وقالوا بحرمة الخروج على الخلفاء، وبوجوب الانتظار حتى خروج الإمام الغائب في آخر الزمان، بدأ هذا الموقف منذ عام 329هـ . وفي هذه المرحلة بدأت الحاجة لنوع من ولاية الفقهاء تتمثل في مرجعية التقليد وكفالة الأيتام الذين لا والي لهم، ورعاية أموال القاصرين، وإقامة محاكم القضاء، خاصة في الأماكن التي سقطت أو ضعفت فيها سلطة الدولة، بدأ هذا عند الشيعة بما يعرف بالتوقيع الأخير الذي أجاز للعوام تقليد الفقهاء وفق شروط كمالية محددة ، ومنذ ذلك الحين والفقه الإمامي يتحدث عن نوع من ولاية الفقهاء ضمن الحدود التي ذكرناها.
وهي نفس الحدود التي تحدث عنها الفقه السني بعد ذلك، حينما انحسرت سلطة المسلمين عن بعض المناطق، إما بتغلب النصارى عليها كما في الأندلس وبعض شمال أفريقيا و في الشام، أو في مناطق ضعفت فيها سلطة الدولة عن تعيين القضاة الرسميين، فكان الفقه السني يسند مهام القضاء ورعاية شئون المسلمين للفقهاء، للقيام بسد ثغرة غياب السلطة.
وأما القضية الأم في ولاية الفقيه والتي تعني إسناد الإمامة العظمى للفقهاء، فلم تُثر في الفقه الشيعي الإمامي إلاّ في القرنين الأخيرين، على عكس الفقه السني، وذلك لما قامت للشيعة دول في إيران، فيقال إن المحقق الكركي هو أول من أعطى الشاه طهماسب بن اسماعيل وكالة للحكم نيابة عنه بصفته نائباً للإمام المعصوم، المستحق الحقيقي للحكم في الناس، وهذا أول تطور في توسيع ولاية الفقيه لتشمل رئاسة الدولة.
وكما كان من المنطقي الحديث عن شروط الخليفة في الفقه السني المعترف بشرعية الخلافة، أصبح الأمر لازماً في الفقه الإمامي، حيث أنهم تخلوا عن مبدأ الانتظار إلى مبدأ التسليم بأهمية الدولة والسلطان. فكتب فيها الفقهاء من أمثال الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي، إلى أن تبلورت على يد الإمام الخميني الذي قرن قوله بالعمل وقام بالثورة وأسس الجمهورية واستلم ولاية الفقيه.
إن شرط فقاهة الولي لا يختلف من حيث الواقع عن ولاية الفقيه، فمؤدي التعبيرين أن الولاية تنحصر في الفقهاء العدول المحصلين الصفات الأخرى اللازمة لمنصب القيادة العليا، ولهذا فالمبررات التي يسوقها الفقه السني من ضرورة الدولة، وضرورة حفظ الأمن وتطبيق الشريعة، والمحافظة على الحقوق ومصالح المسلمين، هي نفسها التي ساقها الإمام الخميني في دفاعه عن أهمية ولاية الفقيه، فالأدلة العقلية والنقلية في الجانبين متشابهة، وبناء شروط الخلافة على مثيلها في القضاء يتكرر هنا وهناك، فليس ثمة فرق بين فقاهة الولي أو ولاية الفقيه، ومن هنا يمكننا القول بأن ولاية الفقيه هي مبدأ سني أخذ به الشيعة لما تبدل موقفهم من فكرة تأسيس الدول وضرورتها، وذلك بعد أكثر من ألف عام.
غير أن مبدأ ولاية الفقيه قد لحقت به زوائد بسبب مصدر النشوء، وهي زوائد هامشية ولكنها خطرة، وهي التي سببت ولازالت، هذه البلبلة السياسية في العالم العربي والإسلامي، ذلك أنه لما كانت ولاية الفقيه متولدة عن فكرة النيابة عن الأمام الغائب، ولما كان هناك تفويض غير متعين في فرد يشمل جميع الفقهاء، ويرشد العوام بسؤالهم وتقليدهم، فإن هذا المفهوم لما تطور لمفهوم النيابة العامة عن المعصوم واتخذ الفقهاء مقامه في الناس، ثم لا حقاً تولد منه مفهوم ولاية الفقيه، فإن بعض الفقهاء، أو التابعين لهم، أعطوا ولاية الفقيه نفس سعة ولاية النبي والمعصوم، هذا أولا ، وثانيا كثر المدعون لاستحقاق منصب الولاية على الشيعة من الفقهاء والمراجع، فكثرت الخصومات بين الأتباع.
وللعلم فإن الفقهاء وقفوا من مسألة ولاية الفقيه مواقف متفاوتة، فمنهم من أنكر الموضوع من أصله فقال لا ولاية للفقهاء على الناس، وإنما كلفوا بالتبليغ وبيان الأحكام، ومنهم من قصرها على واجبات القاضي، من الفصل بين الخصومات، ومراعاة الأيتام الذين لا ولي لهم، والحفاظ على الأوقاف وأموال القاصرين، وهكذا من الأمور الحسبية ، على أن لا يصل القضاء إلى حد إقامة الحدود التي تحتاج إلى تصرف في الدماء والأعراض.
ومنهم من وسعها، في زمنٍ تبلور لها مفهوم جديد، لتشمل “القضاء والولاية على القاصرين الذين لا ولي لهم، ومرجعية التقليد، ورياسة الحكومة على نحو ما لرؤساء الجمهورية والسلاطين لا أزيد”.
غير أن بعضهم أرادها ولاية عامة كولاية النبي والمعصوم عند الإمامية، والذي هو عندهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكلمته ماضية فيهم فيما أحبوا وما كرهوا، في شأنهم العام كالدولة وسياسة المجتمع، أو في شأنهم الخاص كالزواج والطلاق، شاملة لمن هم تحت سلطان دولته، ومن هم تحت سلطة دول أخرى، مخلّطين بين الولاية السياسية ومرجعية التقليد ، وهذا مما لا شك في غلوه وتطرفه، ولا مسؤولية القائلين به، فقد تسبب بمشاكل عويصة، ودخل في السياسة بفوضوية غير بناءة، وبنظرة غير عصرية، قادمة من وعي قديم مضى عليه الزمن، وهو ادعاء كاذب على منصب المرشد في جمهورية إيران أيضا، إذ الثابت قطعا أنه منصب خاضع لاختيار الناس في إيران عبر مجلس الخبراء المنتخب، والذي له الحق في اختيار المرشد، وعليه واجب مراقبته ضمن الصلاحيات المخولة له، وهي صلاحيات محددة غير مطلقة، ثم للمجلس الحق في عزله إذا فشل. هو إذا منصب سياسي ضمن دستور وضعي وليس منصبا دينيا ربانيا.
وعلى المستوى العقائدي فقد أسقط تخويل غير المعصوم جميع صلاحيات المعصوم المبرر في اشتراط العصمة نفسها؛ الذي كانت الإمامية تدافع عنه طويلا، حيث أعطى للفقيه غير المعصوم، ما لم تعطه المذاهب الإسلامية كلها للخلفاء. ولكنه حماس الأتباع وعصبيتهم التي لا تقف عند حد العقل.