كيف نعيد المارد إلى الزجاجة؟!

كيف نعيد المارد إلى الزجاجة

أَخرجنا مارِد الطائفية من الزجاجة، وأطلقنا يده للعبث بالوطن، وأوكلنا إليه مهمّة شقّ الصف الوطني ونشر الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، ربّما بهدف تخفيف الضغط على بعض أطراف المعادلة السياسية في البحرين، وربّما لتمييع المطالب وتضييع الحقوق بين ركام أزمات وطنية مفتعلة، وربّما لحرف بوصلة المطالبين وإشغالهم بإطفاء حرائق اجتماعية لمعاقبتهم على تحريكهم للشارع! وربّما لاستنهاض بعض القوى المجتمعيّة التي كانت مهمّشة سياسيّاً لخلق نوع من التوازن مع المعارضة المنظّمة، وربّما للإيحاء للداخل والخارج بأنّ جذر المشكلة طائفي وأزمة الحُكم محصورة في الموازنة بين الطوائف، وربّما لإتّباع سياسة الأرض المحروقة للحدّ من تسارع المطالب وتصاعد السقوف، وربّما هناك أهداف أخرى يعلمها الله. ولكنَّ الواضح أنّ هناك من يعمل في الظلام لإدخال الوطن في مغامرة خطيرة لا يعلم عواقبها إلا الله، ويخطئ مَن وضع خارطة طريق ذات طابع طائفي للخروج من أزمته حين يعتقد بأنّ مجرى الأمور ستبقى في نطاق سيطرته؛ لأنّه لن يستطيع أن يعيد هذا المارِد إلى الزجاجة بعد أن ينجز مهمّته (إن أنجزت أصلاً!).

إنّ أيّ افتعال لأزمات طائفية لن يحقّق أيّ مكسب لأحد ولن يوقف الناس عن المطالبة بحقوقهم المشروعة، وهو تكتيك قد يطيل أمد الأزمة التي تمر بها البلاد، وقد يزيد الوضع تعقيداً، وربّما يخلق أزمات جديدة من نوع آخر، تورث مطالبات جديدة وبسقوف أعلى من السابق، فالأسلم أن تبقى الأزمة ضمن الحدود المعرّفة للجميع وضمن ما هو قابل للحوار والمعالجة الهادئة، لا أن ندفعها دفعاً نحو مساحات مجهولة قابلة للتدهور المتسارع والتصعيد.

علينا أن نحتكم للمواطنة وميثاقنا الضمني في العيش المشترك، وأن نفرّق بين ثوابت وطنيّة نتمسّك بها مهما ارتفع ترمومتر الخلاف والاختلاف، وبين متغيّرات نتحاور عليها بمرونة، قد نصل فيها إلى فهمٍ مشترك وقد لا نصل، ولا من خطر إن لم نصل ما دمنا نتمسّك بثوابتنا. وتُعتبر التضحية بثوابت من أجل التمسّك بمتغيّرات من الخطايا الوطنيّة؛ لأنّ كلّ ما نضحّي به اليوم على حساب العيش المشترك سيترك بصماته علينا وعلى الأجيال القادمة من بعدنا. والحل في إخراج المذاهب من لعبة التوظيف السياسي، وتحييدها في لعبة التوازنات التي تحاول بعض الأطراف الرهان عليها.

في السياسة كلّ شيء متغيّر، وكذلك في نُظُم الحُكم والمؤسسات، أمّا العيش المشترك فهو ميثاق وطني غليظ وثابت لا يمكن إدخاله في لعبة المساومات السياسية. والحكيم يعي أنّ ولاءات الحُكم قد تتغيّر بتغيّر بوصلة المصالح وبتبدّل ميزان القوى المحليّة والإقليمية والدولية، ولكن حاجة السنّة والشيعة للمواطنة العادلة والعيش معاً بسلام ومحبّة لا تتبدّل ولا يمكن رهنها بالحالة السياسية المرتبطة بالظروف، فقد يتغيّر الحُكم في البحرين وقد تتبدّل الوجوه والسياسات، ولكن وفي كلّ الحالات والظروف، لا السنّة سيهجرون الوطن، ولا الشيعة سيرحلون للمرّيخ، لذلك وجب على الجميع (سنّة وشيعة) أن لا يسمحوا لأيٍ كان بالعبث بمصيرهم المشترك، ولا بمستقبلهم ومستقبل الأجيال التي سترثهم.

البحرينيّون جميعاً شركاء في هذا الوطن، فلن يقبلوا أن يكونوا أدوات لتنفيذ أجندات سياسيّة محدّدة، ولن يستجيبوا لدعاوى استنهاض مشبوهة وغير مقدّسة، ولن يقبلوا بالمساس بميثاق العيش المشترك الذّي نعمنا به قرون طويلة، ولن ينساقوا لممارسات حرق الجسور الذي يقوم بها بعض المهووسين بالخلافات المذهبية، أو بعض الانتهازيين الذين يحاولون هدم الوطن لاقتناص موقعٍ لهم على أنقاضه، ولن ينساقوا مع مَن يأخذهم إلى مربّع الكراهية ليقذف بهم في وادٍ سحيق بلا خارطة طريق للعودة. فكفى خطباً تنكأ الجراح وتنفث السموم، وتصريحات تعمّق الشروخ، ومواقف تُشيع الكراهية والتمييز بين الأخوة، فالوطن يستغيث طلباً لطبيبٍ رحيمٍ به وبأبنائه، والتاريخ والأجيال غداً ستحاسبنا على كل ما صدر منّا من أفعال ومواقف وسياسات، وأبناؤنا وبناتنا من السنّة والشيعة سيتمسّكون بسفينة نجاتهم، بميثاق العيش المشترك؛ لأن الثمن المطلوب هو الوطن بأسره، وستنتصر إرادة البحرينيين عبر الإصرار على وحدتنا الشعوريّة التي أسّس لها الآباء والأجداد… فهل يعي فعلته من أخرج المارِد من الزجاجة؟

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.