تجديد الفكر الديني

نص مشاركة أ.عيسى الشارقي في

حلقات صحيفة الوطن حول

 

“تجديد الفكر الديني”

 

1-   ما مدى الحاجة إلى رؤية الدين منظور جديد؟

لأجل تحديد الموقف هنا نسأل أنفسنا أسئلة أخرى، ألم تتسبب مفاهيمنا الخاطئة والمنحرفة عن قويم الدين إلى تردينا من ذروة الجبل ( عصر النبوة ) إلى سفحه (عصر تداعي الأمم علينا كتداعي الأكلة على قصعتها)؟ إذاً فمجمل خط التجربة الإسلامية السابقة كان خاطئاً أو يسير نحو الخطأ والانحدار حتى بلغ منتهاه.

والآن لكي نعيد للأمة مجدها فلا بد لنا: إما أن نستورد ديناً جديداً أو نظرية أو مذهباً فنعيد بناء أمتنا على أساسه حيث لا بد لنا من النهوض، وقد جربنا ذلك، ففئة جربت الدولة القومية في السياسة، والاشتراكية في الاقتصاد، ومركزية الدولة في إدارة المجتمع، وفئة عادت نحو ما كانت عليه من مخلفات العرب القبلية والعشائرية فأقامت صوراً مصغرة من دول العوائل والقبائل، وفئة أنشأت مجتمعاً تعددياً ديمقراطياً يحترم الأديان والمذاهب دون أن تكون له عقيدة نحو العالم والكون والمجتمع كما في لبنان، وجربنا وجربنا، ولكن دون أن نتمكن لا من تحقيق نهضة حقيقية، ولا من كسب ثقة الشارع العريض من الأمة، فهذه كلها تجارب نخبوية. فما الذي بقي علينا الآن؟ إما الاستسلام للتخلف أو إعادة فهم تجربتنا الإسلامية الأولى التي حققت نجاحاً ثم انهارت، فندرس أخطاءنا في التجربة الأولى وهي هائلة ومتراكمة وجوهرية حتى يمكننا القول بأن الإسلام إذا أردناه على الحقيقة اليوم فسيكون دينا جديداً على المسلمين أنفسهم وسيكون صعباً وهذا أمر لا بد منه وإلاّ فالموت.

2-     هل الإسلام تاريخاني؟

من الخطأ العظيم أن نستخدم هذه الاطلاقات وكأن الإسلام مكونٌ بسيط، فالإسلام مركب معقد يشتمل على أمور كثيرة جداً فهو حتى ليس مجرد عقيدة وشريعة، فإذا أردنا بالتاريخانية أنه كان صالحاً ولم يعد كذلك اليوم، أو أنه وليد ظرفه هكذا كله برمته، فهذا يخرجنا من الدين إلى غيره، ولكن في الإسلام قيم وأخلاق ومبادئ أبدية تبقى مع الإنسان بل ومع الوجود لأنها قفزت من اللحظة الآنية للولادة إلى أبدية الخلود، حينما أدركت جوهر الإنسان وجوهر الخالق، فالقيم الإسلامية هي قيم إنسانية وربانية لا يمكن أن يتعداها الزمان، إلاّ إذا فسد الزمان وفسد الإنسان؛ فاستحسن الظلم واستقبح العدل، وتعقل الخرافة، واستجهل العقل، ورفض حرية الالتزام وقبل حرية الانفلات، وهذا لا يمكن أن يكون أبداً في عموم الإنسان.

وأما إذا أردنا بالتاريخية انسجام الحلول التشريعية والعرفية الإسلامية مع ظروفها ومجتمعها وناسها ساعة التشريع فهذا أمر حتمي، وعدم اقتناع المسلمين بهذا الأمر هو من المشاكل الكبرى في إمكانية تطوير التشريع والأعراف الدينية، ولو تأتي لأنصار السلفية ( وهم موجودون في كل المذاهب ولا أعني بهم هنا خصوص الحنابلة) لألبسوا العالم كله العمائم وحمّلوهم العصا، لما ورد من امتداح النبي (ص) لهذا اللباس لقومه العرب.

فهناك أمور ثابتة وهناك أمور متغيرة في الدين، والمتغيرة تاريخية، والثابتة خالدة.

3-    التعامل مع الرؤى الجديدة لا مثال محمد أركون وعلي الوردي وغيرهم

في فكر أمثال هؤلاء من الذين يكتبون عن الدين من خارج المنظور الإسلامي الملتزم بالنص، فائدة كبيرة لنا، لأنهم كمثل الذي يلقي حجراً في بركتنا الآسنة، ويدلنا على عيوبنا ونواقصنا، أراد هذا أم لم يرده، ولكن لا يمكن أخذ نتائجهم كاتجاهات عملية في تجديد وتطوير الفكر الإسلامي، لأنهم قد يخرجون على ثوابت الدين، التي بدونها لا يعود بناء الإسلام متماسكاً، من مثل خلود النص القرآني، والذي هو أساس الدين كله، فأي تجديد للدين لا بد أن ينطلق من روح محبة للإسلام أولاً، وملتزمة بصحة وخلود النص القرآني ثانيا، وأي تجديد يقوم على فهم صحيح للقرآن وإن خالف كل ما ورد من تفسير ورواية يمكن احترامه والأخذ به، ولديه فرصته لينال ثقة الأمة.

4-    كيف نقرأ مقولة أن الدين صالح لكل زمان ومكان؟

نعم هذا مؤكد ولكن في ثوابته وقيمه وأصول عقيدته، وأما فيما يتولد عنها من ثقافة وتشريع وقانون ونظم وأعراف وتقاليد فالواجب على الأمة أن تنبذ عنها الجمود على ما أنتجته هي في ظرف من الظروف، وتحت فهم ساد عندها لناحية من الدين، وإلاّ فلم تقول الأخبار أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة رجلاً يجدد للأمة دينها. المشكلة أن الجمود صادر مفهوم التجديد نفسه فجعله العودة للقديم، ولا يزال هذا الفهم الخاطئ يشد الأمة نحو الماضي بكل مغار الفيل كما يعبر امروء القيس.

ويخطئ من يظن أن صلاحية الذين تعني قبوله وتلونه بكل أشكال الثقافات التي يمر بها عبر مسيرته في الزمان والمكان، بل الدين هو الذي يلون هذه المجتمعات بلونه الخاص ولكن ممزوجاً بما لا يعارض مبادئه من ثقافاتها وفنونها فتجد أن قاسماً مشتركاً بينها موجود، ولكن تمايزاً بينها أيضاً موجود.

5-    ماهي حدود التأويل؟

التأويل الحقيقي هو امتلاك البصيرة في فهم ما يؤول إليه المعنى، وفقه المرامي البعيدة للنص، كما قال الخضر لموسى عليهما السلام حينما عجز موسى عن إدراك سر تصرفاته الغريبة من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار، فلما بين له غرض الغرض، قال له ذلك تأويل مالم تستطع عليه صبرا، فالتأويل هو أعمق بأشواط من التفسير ولهذا فلا يدركه إلاّ الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به.

وأما ما تساهل فيه بعض الناس، من أقاويل في الآيات، تنافي ظاهرها، فأغلبه خدمة لأمور خاصة بهم، وهو لا يختلف كثيرا عن عمليات ليّ النصوص التي شاعت في المسلمين لأمور خاصة مذهبية وسياسية.

والقرآن لا يحتاج إلى تأويل، بل يحتاج إلى تفسير وفق قواعده هو، لا وفق قواعد الناس، ووفق ما قاله هو، لا وفق يقوله الناس، وبما يتناسب مع قائله هو ( سبحانه) لا كما هو الحال مع كلام الناس، فيتساوى عندنا ذهب وذهبوا وقال وقالوا، فلوا احترم المسلمون آيات القرآن لقلَّت كتب التفسير لأن ” فطرة الله ” لن تكون لديهم مرادف ” صبغة الله ” فالقرآن لم يفسر بعد على كثرة مفسريه.

6-    بم نفسر تناقض الفتاوى؟

الفتاوى لابد وأن تختلف، وليس مستحيلاً أن تتناقض، لأن الفتوى هي عملية إنزال للنص أو الرواية أو الفهم على الواقع، والواقع له حق في إسباغ العدالة والاعتدال واليسر على الفتوى، فمثلاً يجب على المسلم قضاء ما فاته من صوم وصلاة، هذا هو أصل الحكم، ولكن ماذا لوكانت المدة خمسين عاماً؟ هنا تتدخل قاعدة اليسر ” يريد الله بكم اليسر ” فالفقيه من حبب الله ورسوله لعباده، فإذا كان هذا الفقيه بصيراً بنفوس العباد أسقط عنه الحكم أو بعضه متوكلاً في مخالفته للنص على معرفته بالله ورحمته، وأما إن كان الفقيه متشددا ومنقبضا،فإنه يصر على تكليف العبد قضاء كل ما فاته، إلى أن يموت فيوصي وليه بمواصلة القضاء، أو استئجار من يقضي عنه إن كان له مال، فهذا الفقيه لا يريد أن يتحمل في ذمته أنه أفتى عبداً بسقوط واجب القضاء عنه، خوفاً من الحساب يوم القيامة، وهذا مجرد وجه واحد لاختلاف الفتاوى، وإلاّ فإن الأصل الأكبر هو اختلاف المفتين في اعتبار النصوص والروايات إذ كل يأخذ ما جاءه في مذهبه، وما صح سنده عنده.

7-    بم نفسر اختلاف تفسير القرآن بين المذاهب؟

لا يوجد اختلاف شديد في تفسير القرآن بين اتباع المذاهب اللهم إلاّ في الآيات التي توظف لخدمة مبادئ مذهبيّة، أو لتصرف عن مفاهيم تخدم مذهب الآخر، فكل طرف من الأطراف يتخذ الموقف أولاً، هم يذهب للقرآن ليبحث فيه عما يساند رأيه، وهو واجد فيه حتماً ما يمكن أن ينسجم مع هواه ومذهبه، ولكنه لا يتخذ القرآن منهجاً قبل تمذهبه، ليرى أي الطرق يدله عليها، ثم هو لا ينظر إلى عموم القرآن بعد تمذهبه، ليرى ما يوافق مذهبه وما يخالفه، عسى أن يهتدي لحق جديد خارج مذهبه ومذهب خصومه، ولهذا فهناك آيات قوية في تعزيز كل مذهب ديني أو كلامي أو سياسي، مما يدلك على أن الحق هو خارج أو يمكن أن يكون مغايراً للجميع في كثير أو قليل.

8-    هل تسير الفتوى لصالح السياسة؟

كانت البداية في وضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) لصالح السياسة والخلفاء، وأكثر من توسع في هذا المجال هم الأمويون، وآثارهم في ذلك عميقة لا تزال إلى اليوم، وهي أخطر بما لا يقاس من الفتاوى، لأنها صارت من الحديث الشريف الذي يوجه الفكر والشرع والعقيدة وإلى اليوم، ولو تكشف لنا مدى عمق هذا التأثير لصدمنا به، فقد اشترى الأمويون ذمم عددٍ من الرواة الكذبة، فأكثروا القالة على رسول الله (ص)، ثم لحقهم الآخرون، والفتاوى اللاحقة إنما اعتمدت في الغالب على ما أسسه هؤلاء من الأحاديث الموضوعة، والدين إلى اليوم يدار مع السياسة أينما دارت حكماً ومعارضة، في الفتوى والإعلام والخطابة، فالكل يوظف الدين لتحطيم الخصوم واستجلاب الأعوان، والدين أبرأ ما يكون من الجميع.

9-    هل فهم الدين حكرٌ على رجاله؟

لم يكن الدين في بداية الإسلام يتطلب تخصصاً، ولا يتطلب دراسة علوم محددة لفهم مبادئه وأحكامه وتوجهاته، ومع مضي الزمن وزيادة التعقيدات والفلسفات وتوسع المعارف، وتتابع العلوم التي وضعها المسلمون لفهم الكتاب والسنة، صارت الدراسة الدينية تخصصاً يتطلب تفرغاً، وصار لا يفهم الشريعة إلاّ من درس هذه العلوم، بل وصارت هذه العلوم نفسها ديناً، وهنا لا بد من إيضاح أمور:

أولاً: إن الله لم يكلف عباده بدراسة علم الأصول والرجال وكتب الرواية والبلاغة والنحو وما شاكل من علوم وضعها علماء الإسلام لتساعدهم على فهم القرآن والسنة، فإذا أمكن لأي علم آخر أو طريقة جديدة أن توصلنا لمعرفة وفهم نص القرآن والسنة النبوية اللازمة، فهي وما وضعه علماء الإسلام سواء بسواء، فلا يقال لمن لم يتخرج من الحوزات الدينية أنه غير مؤهل لفهم القرآن، فلو كانت هذه العلوم التي يدرسونها تنهض كفاية بمعرفة أسرار القرآن والحكم النبوية، لما بلغنا هذا المآل من الفشل والتمزق والتخلف، فالمهم أن يتمكن المرء من فهم النص وفق آلية صحيحة وتفكير سليم وافق علوم الحوزة أو فارقها.

ثانياً: إن رجال الدين لا يريدون احتكار معرفة الحلال والحرام، فهم لا ينظرون لأنفسهم كما ينظر للمهندس والطبيب كما يدعون، وإنما يريدون احتكار معرفة الصواب والخطأ والحسن والقبيح والصالح والفاسد، هم يريدون احتكار الزعامة والقيادة والفكر، فهم لا يقيمون أنفسهم كخبراء يؤخذ رأيهم وكفى، بل هم اليوم يريدون أن يتسنموا مناصب القيادة على الناس، لمجرد أنهم قد درسوا العلوم الدينية، ولا يوجد علم في الدنيا يدرسه الإنسان فيصبح قائداً اجتماعيّاً، فالعلم شيء ومؤهلات القيادة والتوجيه شيء آخر، فلا احتكار لرجال الدين في المعرفة والفكر والثقافة الدينية، بل قد لا يكون الواحد منهم فيها إلاّ عالة على سواه.

10-    ماهو السبيل لوضع رؤية مشتركة في قراءة الدين تهدف إلى خدمة مجتمعاتنا لا استغلالها؟

لا يوجد سبيل إلى ذلك إلاّ بوعي الجمهور، فمادام الجمهور يسلم زمام أمره لعصبياته المذهبيّة والفئوية، ويرتاح إلى ذلك، فإن المتعصبين من عشاق الزعامة لن يرحموه، ولن يتفق المتعصبون يوماً على منهاج يخالف عصبيتهم، ومن يأمل مثل ذلك فهو واهم، فهم لن يتركوا ذلك إلاّ بالهزيمة، ولن يهزموا إلاّ بانفضاض الشارع عنهم إلى غيرهم، فإذا من انفض السامر من حولهم وسقط لواء التعصب من أيديهم أمكن أن تتوحد الأمة على ثمار عقولها الحرة..