حتى لا نكرر أخطاءنا

حتى لا نكرر أخطاءنا

(السعيد من اتعظ بغيره)

ورقة قدمها الأستاذ عيسى الشارقي

في ندوة “الطـــائفيّــة” بنادي العروبة

25 يناير 2010

فهرست المحتويات

‌أ-       الوضع السياسي لبغداد

‌ب-  الوضع المذهبي والثقافي

‌ج-     بنو بويه شرارة الفتنة

‌د-      طبيعة علماء الدين في تلك الفترة

  1. أبو أحمد البربهاري
  2. الشيخ الصدوق بن بابويه القمي

‌ه-       وقائع الفتنة

‌و-     نصيب العوام في الفتن

‌ز-     تحول الفتن إلى طابع اجتماعي

‌ح-    الفساد المالي والحالة الاقتصادية

‌ط-    خلاصة الوضع البغدادي

‌ي-   البحرين بعد بغداد

‌ك-    نعود بعد هذا للمقارنة

المقدّمة

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (يوسف:111)

تمرّ بلادنا بمخاض قد يتمخض عن كارثة ما لم نتداركه بوعي، فنحن الآن في حيرة وبلبلة تتجاذبنا عدّة ولاءات، بلبلتنا ليست من جرّاء هذا التعدّد بل جرّاء اصطفافها متعارضة، وإلاّ فتعدّد الولاءات لا يخلو منه إنسان، بل بغير هذا لا يكون الإنسان إنسانًا، ولا مشكلة في ذلك مادام يحفظها في نسق غير متعارض، وما دام يعرف الوضعية التراتبية بينها ونظام توفيقها وانسجامها.

فمن الطبيعي أن يكون للإنسان ولاء لأسرته وعشيرته وأهل محلته، ووطنه ومذهبه ودينه، واتجاهاته الثقافيّة، ولكي يعيش سويًا منسجمًا في مجتمعه ينبغي عليه أن يجد المعادلة الصحيحة بين هذه الولاءات، بحيث لا يكون الولاء لإحداها مدمّرًا لما سواها .

البحرين اليوم يتنازع أهلها ولاءان ما كانا متعارضين: الولاء للمذهب والطائفة، والولاء للعيش المشترك في الوطن، غير أن أحداثًا جرت اضطرب بها الانسجام غير المتين أصلاً ولكنَّه رغم ذلك ظلّ قائمًا متماسكًا لعقود طويلة، فلمن ينبغي أن تكون الأولوية عندهم، أللمذهب والطائفة أم للوطن والعيش المشترك؟

بداية لابدَّ أن نقول أنَّ الخيار الأوّل خيار خاطئ ومدمّر للسلم ولمقومات الحياة وللوطن، ومفسد لجماليات المذهب وخصوصيات الطائفة أيضًا، وأنّ الخيار الثاني ضرورة لأنّه يحفظ السلم والحياة والوطن والمذهب أيضًا، فالمذاهب والطوائف لا ينبغي لها أن تكون بديلاً عن الأوطان وعن حياة المشاركة مع الناس على اختلافهم، لأنَّها لا تقتضي ذلك بطبعها، ولو صارت كذلك فستكون حينها خارجة عن الطبيعة، شاذة متعصّبة، ولن تكتب لها الحياة وستضطر عاجلاً أم آجلاً للتراجع أو الموت، والأوطان كذلك لا تكون أوطانًا ما لم تحفظ لكلّ مواطنيها خصوصياتهم الثقافيّة والدينيّة وتعيش التسامح، والتاريخ شاهد على ذلك ولآلاف المرات، ولكن الإنسان لا يتعظ، فهو في إقبال الفتن أعمى “إنّ الفتن إذا أقبلت شبّهت، وإذا أدبرت نبّهت، يُنكَرن مقبلاتٍ، ويُعرفن مدبرات، يحمن حوم الرياح، يُصبْن بلداً ويُخطئْن بلداً”.

وقد قيل السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من كان عظة لسواه، ولأنّنا الآن غير قادرين على تصوّر الأبعاد الكاملة للمشكلة فيما لو مضينا فيها إلى نهاية الشوط، وشربنا كأسها المسمومة حتّى آخر صبابة، وذلك لأنَّنا أدواتها تجري بنا وعلينا، فسنعود للتاريخ لتجربة مقاربة لوضعنا الحالي، تجربة مرّت بها فئة من أمتنا منذ أوائل القرن الرابع الهجري، بغداد في ذلك العصر، لننظر كيف أوقعوا أنفسهم فيما لا نفع لهم فيه إلاّ الدمار والهلاك والعناء، ثمّ لم يخرجوا منها بطائل، وذهبت أعمارهم وأموالهم هدرًا.

 أ- الوضع السياسي لبغداد:

آلت الدولة العباسيّة في ذلك القرن إلى دولة موزعة لا حول للخليفة فيها ولا قوّة، سيطرت عليها من كلّ ناحية عصبيّة من العصبيات القبليّة أو الدينيّة، وعلى الرغم من اشتهار ذلك التوزّع والتقسّم والتفتّت، إلاّ أنّ ما يعنينا منه هنا هو توسّع النفوذ السياسي لأعراق ومذاهب متشيعة ترفع رايات البيت العلوي لا العباسي ولا الأموي، فصار لدينا دول شيعية المذهب قد استولت على قلب العالم الإسلامي: فدولة بني بويه تحكم العاصمة بغداد وسائر فارس والعراق، والحمدانيون يحكمون شمال العراق وحلب حتّى الحدود الرومانيّة، والفاطميّون يحكمون الشام ومصر وسائر بلاد المغرب في دولة مترامية، والقرامطة وهم ينسبون أنفسهم لأهل البيت أيضًا يسيطرون على البحرين واليمامة وهجر أي على معظم الجزيرة العربيّة ما عدا الحجاز.

وقد دوّن ابن الأثير قولا يعكس لك الحالة النفسيّة التي كان عليها وهو يصف الوضع السياسي لتلك الحقبة، ولا شك أنّه يمثل الحالة النفسيّة لشركائه في المذهب حينها، قال: “وفي المحرم منها ركب معزّ الدولة إلى الموصل فأخذها من يد ناصر الدولة، وهرب ناصر الدولة إلى نصيبين، ثمّ إلى ميافارقين، فلحقه معزّ الدولة فصار إلى حلب عند أخيه سيف الدولة، ثمّ أرسل سيف الدولة إلى معزّ الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه، فوقع الصلح على أن يحمل ناصر الدولة في كلّ سنة ألفي ألف وتسعمائة ألف، ورجع معزّ الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح، وقد امتلأت البلاد رفضاً وسبًّا للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكلّ ملوك البلاد مصراً وشاماً وعراقاً وخراسان وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضا، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السبّ والتكفير منهم للصحابة”.

هذا الحال أشعر أهل السنّة بالتهديد، فمع أنَّهم لم يكونوا راضين عن سيرة الخلفاء، إلاّ أنَّهم من الناحيّة النفسيّة يعتبرون الحكم سنيًّا، منذ بداية العصر الراشدي، بل لا يرون الحكم إلاّ كذلك، ولم يكن يخطر في بالهم أن أتباع مذاهب العلويين ستكون لهم كلّ هذه السيطرة والنفوذ، وهم مطاريد السياسة طوال ذلك التاريخ.

وفي المقابل ظلّ الشيعة طوال ذلك التاريخ ثوارًا ومعارضين دون أن يتحقّق لهم نصر، ثمّ لمّا انتهى عصر الإمامة بغياب الإمام الثاني عشر حسب عقيدة الشيعة الإماميّة، تحرّرت الإرادة السياسيّة للشيعة الإماميّة، كما تحرّرت بالتخلي عن المقالة الإثني عشريّة الإرادة السياسيّة للفاطميين الإسماعيليين من قبل، وصار ذووا العصبيات القبليّة أو النسبيّة يبحثون عن السلطان والنفوذ بما هم أصحاب رغبة في السلطان، دونما حرج، فليس هناك اليوم إمام حاضر يجب عليهم تسليم السلطة له والخضوع إلى أمره، مما حفّز أطماع ذوي العصبة منهم كبني بويه وبني حمدان، أو من قدر على توظيف النسب الفاطمي الشريف في دعوته السياسيّة كالفاطميين والقرامطة، ففعلوا ما فعله العباسيون قبلهم، ونيل السلطة جرّأ الشيعة على تعدي الخطوط الحمراء المذهبية، فارتفعت أصوات الطعن والسبّ في الخلفاء الثلاثة وفي عائشة وحفصة، بعدما لم تكن تجأر إلاّ بلعن الأمويين والظالمين من الخلفاء العباسيين.

فالسنة إذا في حالة شعور بالتهديد والهزيمة والشيعة في حالة انتشاء وثقة بالنصر.

 ب- الوضع المذهبي والثقافي:

لم يعرف المسلمون على عكس الإسلام، مبدأ التسامح مع الآخر المختلف في الدين والمذهب، إلاّ في نطاق محدود، مما لم يكن لهم بدّ من إقراره بعدما أقره الرسول واشتهر ذلك عنه، فكان من المعلوم في الدين عدم جواز إكراه أهل الكتاب على الإسلام، وأنّ لهم أن يعملوا مما يوافق دينهم بعض ما هو من الكبائر المحرّمة في الدين كشرب الخمر وأكل الخنزير، ولكن مع ذلك ابتكر المسلمون بعض المفاهيم لإذلالهم كمفهوم الصّغَار، ففرضوا عليهم فروضًا مذلّة وتشددوا فيها في بعض فترات تاريخهم وتراخوا عنها في أكثر الأحيان.

كذلك كانت هناك مسامحة نسبيّة في مسألة التقليد على أحد المذاهب الاجتهاديّة في الفقه، نظرًا لقوّة الحديث الشريف: “إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد”، ولكنَّها لم تلبث أن مالت للتعصب بل والمفرط أيضًا، فكفّر أو فسّق أو ضلل أتباعها بعضهم بعضًا، وجرت بينهم معارك دامية في فترات من التاريخ اشتد فيها التعصب.

وفيما عدا ذلك فلم يكن للتسامح موضع عند الفقهاء والمتكلمين، فقد كفّروا أو فسّقوا أو ضللوا أو بدّعوا بعضهم بعضًا، ولم يعذر أحدهم الآخر اللهم إلاّ ما شذَّ وندر، فروح التسامح الديني لم تكن قوّية عند المسلمين، وحديث الفرقة الناجية كان ينخر العقول ويغري النفوس طوال التاريخ، ومع أنّه يوجد في كلّ مذهب من لا يقول بالتشدد ولا يكفر من شهد الشهادتين، إلاّ أنّ الغالب عندهم في مجال العمل هو الآراء المتشددة، إذ يوجد في كلّ مذهب من يتشدد فالناس في العمل تبع مع المتشددين دون أن يعدم الراغبون في التسامح – وقليل ما هم – ما يسندهم من الأقوال في كلّ مذهب.

الوضع بين علماء السنّة وفقهاؤهم ومن قبلهم الصحابة والتابعون وبين أئمة أهل البيت كان قائمًا على المخالفة لهم في مذهبهم في الخلافة ولكن مع التعظيم لأشخاصهم ومقامهم، وعدم مجاراة الدولة في ظلمها لهم وعدوانها عليهم، فيما عدا علماء البلاط طبعًا وهؤلاء ليسوا محلّ عنايتنا، فكلّ علماء السنة لا يكادون يذكرون أئمة أهل البيت الذين يأتم بهم الشيعة إلاّ بخير، ولا يقبلون ما تنسبه بعض روايات الشيعة لهم من كلام قاس على الراشدين مثلا، وعلى أمهات المؤمنين، وهذا حقّ لأنّه معارض بأقوال كثيرة ثابتة عنهم عليهم السلام، في تمسكهم بموقفهم المخالف لنظريّة الشورى في السلطة وأنّ النبي (ص) لم يوص لأحد من بعده، ولكن مع التوقير والتقدير لأشخاص الصحابة كأصحاب لرسول الله (ص) جاهدوا معه طوال عهد رسالته، ويمكن رصد ذلك في مثل قول علي (ع) في موقفه من الخلفاء: لنا حقّ فإن أعطيناه وإلاّ ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السرى ، بمعنى إن لم تسلم لنا الأمّة حقّنا في الإمامة قعدنا في المقعد الخلفي مقعد التابع حتّى لو طال هذا المسير المظلم، وفي رسالة الإمام الحسين إلى أشراف البصرة: “أما بعد، فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وآله وسلم، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحقّ بذلك الحقّ المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم” .

نعم كان هناك جدال وحوار طويل ومستمر زمن الأئمة ولكنه لم يخرج عن سمت الحوار المتمدن، وكان الإمام الباقر يحذّر من أن السلطة تضع على لسانهم الأحاديث الموضوعة المكذوبة ليبغّضوهم إلى الناس، قال: “ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون(به) إلى ( ولاة) السوء وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة، يحدثونهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس” .

ولكن الأمر بدأ يختلف في قرون ما بعد الغيبة، وخاصّة عندما حالفهم السلطان، فكلّما شعر فقهاء الشيعة بالأمان وبزوال ظروف التقيّة كلّما تجرّءوا على الكلام بما هو خارج عن حدود المنهج الذي كان عليه الأئمة، فانجرّ النقاش إلى السباب واللعن والبراءة.

والذي ساعد على ذلك ودعا إليه أنّ موقف علماء السنّة، خاصّة أصحاب الحديث أخذ في التشدد في تعظيم معاوية وبني أميّة العدو التقليدي للأئمة والشيعة حيث كانت بينهم دماء غزيرة، فصاروا يرفضون ذكرهم بسوء، على عكس الصحابة والتابعين من الصدر الأوّل، وعلى عكس أكثر الفقهاء والأئمة السابقين، فالكثيرون منهم قد رفضوا تزكية خلافة معاوية وعهد معاوية وذكروا مفارقته للعدل ولم يدخلوه في الراشدين، نظرًا لما قام به من سبّ لعلي على المنابر وتولية ولده بالقهر على المسلمين وغير ذلك مما يخالف سنن من كان قبله، وأما يزيد فما كان يزكيه أحد، ولقد قامت العديد من الثورات المعارضة لهم وللمروانيين من بعدهم، ولهذا فمن كان مختلفًا مع أهل البيت في كونهم الأوصياء بعد رسول الله، لم يكن يخالفهم في فساد الحكم الأموي، فكانت المعارضة تضمّ الطرفين وإن على نهجين، بل لم يكن النهجان يومها متعارضين، فالذين بايعوا عليًا لم يبايعوه على أنّه إمام معصوم مفترض الطاعة، بل على أنّه خليفة مؤهل للمنصب، وكذلك ابنه الحسن، وهما كذلك لم يرفضا بيعتهم بعدم إيمانهم بهما إمامين معصومين مفترضي الطاعة، بل ولم يكونا يريان أن لهما الحقّ في فرض نفسيهما على الناس إلاّ ببيعة رضا منهم، فالنهجان تعايشا دون إلغاء، ولكن ما أن وصلنا لنهايات القرن الثالث وبدايات القرن الرابع حتّى صرنا نسمع الترضي على معاوية ولعن من يلعنه مما بعث على مقابلة ذلك بسب ولعن من هم خير منه، على عادة الناس في التطرف ومقابلة السباب بما هو أشد منه.

إنّ مثل هذه المسألة أصبحت موضع تجاذب بين الناس: قال ابن كثير: “ثمّ دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر فحذره ذلك وزيره عبد الله بن وهب، وقال له: إنّ العامّة تنكر قلوبهم ذلك، وهم يترحمون عليه ويترضون عنه في أسواقهم وجوامعهم، فلم يلتفت إليه بل أمر بذلك وأمضاه وكتب به نسخًا إلى الخطباء بلعن معاوية وذكر فيها ذمّه وذمّ ابنه يزيد بن معاوية وجماعة من بني أمية، ونهيت العامّة عن الترحم على معاوية والترضي عنه” .

هذه القضية كانت توظف في إثارة الشارع العام في الفتن، فتقوم جماعة من السنة بالدخول في مناطق الشيعة معلنين الترضي على معاوية بين أحيائهم فتثور الفتنة، ويتمّ تبادل السباب لأطراف من المسلمين ممن لا ناقة له في الأمر ولا جمل.

إنّ بعض الحوادث تشير إلى أنّ فتن المذاهب قد بدأت لا بين السنة والشيعة فحسب بل بين السنّة أنفسهم، فقد كانت الروح المذهبية تستعر بين المسلمين نظرًا لما صار عندهم من تعظيم أئمتهم فوق الاعتدال، فكانت المذاهب هي الإسلام نفسه فصار من الممكن أن تسمع عبارات من مثل ما رأيت الإسلام إلا حنبليًا أو حنفيًا أو غير ذلك، فكل يغني على ليلاه، وقد اضمحلت بينهم روح التسامح، فقد اقتتل جماعة من الحنابلة ببغداد مع فئة من عوام السنة 317 للهجرة حول اختلاف بينهم في تفسير آية، قال: “وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروذي الحنبلي، وبين طائفة من العامة، اختلفوا في تفسير قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الإسراء:79) فقالت الحنابلة: يجلسه معه على العرش، وقال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك وسقط بينهم قتلى” .

 ج- بنو بويه شرارة الفتنة:

في مثل هذه الأجواء سيطر بنو بويه وهم قبيلة من الديلم على الحكم في بغداد وسائر العراق، وكانوا يتشيعون، ولكن المؤكد أن تشيعهم هذا لم يكن هو المهيمن على فكرهم وسياستهم، بل كان الحكم ومصلحة الحكم، فقد كانوا قبل هذا يحكمون جزءًا كبيرًا من فارس ولم تكن فارس يومها شيعة، فما رأيناهم يحرصون على تشيعهم ولا يقيمون هناك المناسبات الخاصة بالشيعة، وكانت فارس مستقرة معهم، ولكنَّهم كانوا في فارس يملكون عصبية قومية، فهم بين قبيلتهم من الديلم، وكما يقول ابن خلدون لابد للحكم من عصبية، ولكنهم لمّا دخلوا بغداد افتقروا لعصبية جديدة تمنحهم ولاء الشارع أو قطاعًا مهمًا منه على الأقل، وكانت بغداد مقسمة إلى أحياء فكانت الكرخ بؤرة الشيعة وكانت منطقة مشاكسة ساخنة بحيث أنَّها كثيرًا ما كانت تثور فتحرق وتعاقب ويفرض على أهلها الغرامات المالية، وهي تقع في منطقة متوسطة من أحياء بغداد فشمالها باب الشام وجنوبها باب البصرة.

وجد البويهيون وسيلة لاكتساب تأييد الشيعة العرب كعصبية لهم في بغداد والعراق، فقاموا بالإعلان رسميًا عن تنظيم الاحتفالات بمناسبتي الغدير وعاشوراء، تنظيمًا تحتفل به الدولة، وتعطل الأسواق، وتخرج المواكب الرسمية. “في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة، في عاشر المحرم من هذه السنة أمر معز الدولة بن بويه أن تغلق الأسواق، وأن يلبس النساء المسوح من الشعر، وأن يخرجن في الأسواق حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن، يلطمن وجوههن، ينحن على الحسين بن علي بن أبي طالب. وفي عشر ذي الحجة منها أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشُرَط، فرحا بعيد الغدير – غدير خم – فكان وقتًا عجيبًا مشهودًا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة” .

من الواضح أن هذا الأمر قد أشعر السنة والحنابلة على رأسهم وهم القوة السنية الحركية ببغداد يومئذ بتهديد كبير، وأنَّهم قد أصبحوا محكومين لا حاكمين، مع أن هذا لا يعدوا كونه شعورًا نفسيًا، لا واقعيًا، فالحكام والولاة لا دين لهم يومها إلا الحكم، وإذا كان السنة يستفيدون من الحكم دنيويًا أيام الخلفاء السابقين فإنه لم يبق لهم مع ضعف منصب الخليفة وسيطرة القوميات غير العربية على الحكم شيء يستحق الذكر، فقد كانت المناصب بالعصبية العرقية القبلية لا الدينية، ولكن هذا الشعور النفسي كان له أكبر الأثر في الحماسة نحو الفتنة والمواجهة المذهبية.

من المؤكد أن الشيعة كانت تحتفل بالغدير وعاشوراء قبل بني بويه، ولم يكن ذلك يثير اضطرابًا يذكر، لأنَّه يتم في خصوص محلاتهم وأحيائهم وبطريقة مخصوصة غير استفزازية، ولكن الأمر لن يكون كذلك بعد اليوم.

 د- طبيعة علماء الدين في تلك الفترة:

دور علماء الدين في الفتن المذهبية دور أساسي بل هو العامل الأول في تهييج الناس وتضليل أو هداية العقل الديني فيهم، القرن الرابع الهجري هو أخصب فترة في الفكر الإسلامي، ففترة بني بويه فترة خصبة في الثقافة والفكر وليس ذلك راجع لهم بل كان حظهم أن جاءوا في فترة الخصب هذه، فمعظم الأسماء اللامعة في الثقافة الإسلامية تعود لهذه الحقبة من تاريخنا، ولو استعرضنا بعض أسمائهم لوجدناها تضم أكابر العلماء في شتى فنون الفكر الإسلامي في الحديث والفلسفة والشعر والتصوف والنحو واللغة، وهذه قائمة مأخوذة من كتاب البداية والنهاية لبعض كبار الرجال عبر سني ذلك القرن، حيث دأب هذا المؤرخ على العناية برجال الفكر والتأريخ لهم سنة وفاتهم واعتبارها من الأحداث المهمة في تلك السنة، وهذا أمر يحمد له، من هذه الأسماء، ابتداء من سنة 248- 404 وهي بعض الأسماء التي ضمها الجزء الحادي عشر:

أبو حاتم السجستاني لغوي نحوي كبير، علي بن الجهم شاعر وعالم كان يتحامل على علي بن أبي طالب وله خصوصية بالمتوكل، سري السقطي صوفي كبير، أبو بحر الجاحظ، محمد بن كرام زعيم الفرقة الكرامية متهم بأنَّه يجيز وضع الحديث عن النبي وبالقول أن الإيمان لا يستلزم العمل، الزبير بن بكار عالم بالأنساب، الإمام البخاري، الحسن بن عرفة بن يزيد، أبو يزيد البسطامي أحد مشايخ الصوفية، أبو زرعة أحد الرواة الكبار للحديث، داوود بن علي الظاهري إمام أهل الظاهر، ابن قتيبة الدينوري لغوي نحوي، ابن ماجة القزويني من علماء الحديث، أبو داوود السجستاني عالم حديث، أحمد بن عيسى الخراز صوفي كبير، أبو حاتم الرازي عالم حديث، البلاذري المؤرخ، الترمذي، سيبويه، الشعراني، ابن الرومي، البحتري، أحمد بن المبارك الملقب بحكمويه العابد، المبرد النحوي، الحلاج، نفطويه النحوي، أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، أبو نصر الفارابي، المتنبي، أبو الفرج الأصفهاني، أبو علي القالي، أبو فراس الحمداني، أبو سعيد السيرافي النحوي، ابن خالويه النحوي، أبو علي الفارسي النحوي، الصاحب بن عباد، الحافظ الدارقطني،، ابن فارس، ابن جني، أبو علي الإسكافي، بديع الزمان الهمداني، أبو بكر الباقلاني.

إن هذا التعدد الثقافي الواسع والمتنوع كان له أثر كبير في الحد من انتشار الفتن الطائفية، ومنعها من أن تعم جميع المناطق في بغداد والعراق عوضًا عن أن تعمَّ العالم الإسلامي برمته، فقد كانت الساحة الثقافية متفرعة الاهتمام على مجالات ثرية عديدة، وكان هناك الكثير من النشاط الثقافي خارج نطاق دائرة المذاهب، فالشعراء والفلاسفة واللغويون والنحويون وغيرهم كان لهم أثر كبير في صرف اهتمام الكثيرين عن نطاق التعصب المذهبي، حيث لا تقع المذاهب عند هؤلاء في الدرجة الأولى من اهتمامهم، بل لم يكن الدين بالمعنى التقليدي يقع في مركز اهتمامهم، مما ساهم في توزيع نوعية الاهتمام لدي الجمهور، الأمر الذي قلل من القدرة على الحشد عند علماء الدين المتطرفين.

أما علماء الدين المذهبيين فقد ارتفع عندهم مؤشر التعصب والتطرف، وساهم الوضع السياسي في إثارة الشعور بالتهديد عند السنة والشعور بالثقة وبروح المهاجمة عند الشيعة، وكلا الشعورين تسببا في القيام بأعمال استفزازية وانتقامية، وفي ذهاب الجدل بينهم إلى جهة بغير التي هي أحسن، فزاد السنة من تعصبهم وتطرفهم، وزاد الشيعة من تعصبهم وتطرفهم، واشتعلت بفتنهم أحياء بغداد. ولنضرب مثلين لعلماء التعصب مثال من هنا ومثال من هناك.

 1- أبو أحمد البربهاري:

قرّضه ابن كثير فقال: “العالم الزاهد الفقيه الحنبلي الواعظ، صاحب المروزي وسهلا التستري، وتنزه عن ميراث أبيه، – وكان سبعين ألفًا – لأمر كرهه. وكان شديدًا على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر تعظمه الخاصة والعامة، وقد عطس يومًا وهو يعظ فشمته الحاضرون، ثم شمته من سمعهم حتى شمته أهل بغداد، فانتهت الضجة إلى دار الخلافة، فغار الخليفة من ذلك.

وتكلم فيه جماعة من أرباب الدولة، فطلب فاختفى عند أخت بوران شهراً، ثم أخذه القيام – داء – فمات عندها، فأمرت خادمها فصلى عليه، فامتلأت الدار رجالا عليهم ثياب بياض ( ملائكة)، ودفنته عندها ثم أوصت إذا ماتت أن تدفن عنده، وكان عمره يوم مات ستًا وتسعين سنة رحمه الله) .

لا عليك من مبالغة ابن كثير فقد كان حنبلي الهوى، ولكن البربهاري كان بالفعل ذا تأثير في الوسط الاجتماعي المذهبي الذي كان يعيش فيه، وكان قادرًا على الحشد وقيادة الجمهور وبتطرف، ولهذا كان موقف الدولة منه شديدًا فطلبته فاختفى ومات متخفيًا.

هذا العالم يعد نموذجًا من المواقف المتصلبة في ما يسمى الأمر بالمعروف، وقد كان يقود المواجهات المذهبية بين الحنابلة والشيعة بل وبين الحنابلة وغيرهم، والحنابلة كما هو معروف عنهم بعد الإمام أحمد قد مالوا للتشدد حتى قيل لكل متشدد حنبليًا.

أرسل له الخليفة نفسه رسالة يتهدده ويتوعده بعدما انتشرت أعماله في النهي عن المنكر حدّا ضيّق على الناس حياتهم، ونشر صاحب الكامل في التاريخ جانبا من هذا فقال: “وفيها ( 323 هجرية) عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القوّاد والعامّة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنيّة ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد. فركب بدر الخرشَنيُّ، وهو صاحب الشُّرطة، عاشر جمادى الآخرة، ونادى في جانبَيْ بغداد، في أصحاب أبي محمّد البربهاريّ الحنابلة، ألاّ يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلّي منهم إمام إلاّ إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءَين، فلم يفد فيهم، وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مرّ بهم شافعيُّ المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتّى يكاد يموت. فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلَيْن والنعلَيْن المُذهّبَين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون، علوّاً كبيراً، ثم طعنكم على خيار الأئمّة، ونسبتكم شيعة آل محمّد، صلى الله عليه وسلم، إلى الكفر والضلال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمّة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوامّ ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطاناً زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه. وأمير المؤمنين يقسم بالله قسماً جهداً إليه يلزمه الوفاء به، لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم، ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديداً، وليستعملنّ السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالّكم”1.

يمكن للقارئ أن يتبين من هذا مدى تداخل الدين والسياسة عند المسلمين، فالخليفة لم يعتن بالأمن والتدخل في شؤون الآخرين وتكفيرهم وتفسيقهم فقط وهو أمر يعني الإدارة السياسية، بل ذهب لأبعد من ذلك مطالبًا الحنابلة بالتخلي عن أحكام فقهية واعتقاديه يرونها، ومستعملا من الأوصاف ما لا يليق بخليفة أن يخاطب به مواطنين حتى لو كانوا مجرمين، ولكنها تعكس لك مستوى لغة الجدل حينها.

وكان البربهاري يشيع الأخبار التي تستفز الناس حينها، من مثل شتم معاوية وسب الصحابة، “ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، أشاعت العامة ( عوام السنة) بينهم بأن الحاجب علي بن بليق يريد أن يلعن معاوية على المنابر، فلما بلغ الحاجب ذلك بعث إلى رئيس الحنابلة البربهاري أبي محمد الواعظ ليقابله على ذلك، فهرب واختفى، فأمر بجماعة من أصحابه فنفوا إلى البصرة، وفي جمادى الآخرة نادى ابن الحرسي صاحب الشرطة في الجانبين من بغداد أن لا يجتمع اثنان من أصحاب أبي محمد البربهاري الواعظ الحنبلي، وحبس من أصحابه جماعة، واستتر ابن البربهاري فلم يظهر مدة.”

وابن بليق هذا كان أحد عناصر الفتنة أيضا فقد كان متعصبًا على الناحية الأخرى، فكان مهتمًا بلعن معاوية ويزيد على المنابر، فقد( أمر عليٌّ بن بليق، قبل قبضه، وكاتبه الحسن بن هارون بلعن معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد على المنابر ببغداد، فاضطربت العامّة، فأراد عليُّ بن بليق أن يقبض على البربهاريّ رئيس الحنابلة، وكان يثير الفتن هو وأصحابه، فعلم بذلك فهرب).

علما بأن لعن معاوية ويزيد لم تكن دلالة على التشيع حينها، بل هو موقف سياسي عباسي من الأمويين، فمعلوم أن الدولة العباسية قامت على محاربة الأمويين بأنهم مجرمون مفسدون قتلوا آل محمد وشردوهم، ولكن مع الوقت تمكن مؤيدوهم من إعادة الاعتبار لمعاوية عند عوام السنة، فصاروا يترضون عليه ويذكرونه، وهذا يمثل تراجعًا عن الأساس الذي قامت عليه الدولة العباسية من الانتصاف لأهل البيت وتخليص الأمة من جرائم الأمويين الأمر الذي يعد تهديدًا سياسيًا لا دينيًا، إنَّه يشبه فيما لو أنَّك ذكرت هتلر بخير في أوروبا، فأوروبا الحديثة قائمة سياسيًا اليوم على مناهضة النازية والفاشية، ولهذا فمن المحرم ذكر موسيليني وهتلر بخير أو التشكيك في جرائمهم كالمحرقة.

ومما يدل على عدم ارتباط لعن معاوية عند العباسيين بالتشيع تتمة الخبر الذي نقلناه آنفا عن رغبة المعتضد قال: “فلم يزل به الوزير حتى قال له فيما قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الصنيع لم يسبقك أحد من الخلفاء إليه، وهو مما يرغب العامة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم، فوجم المعتضد عند ذلك تخوفًا على الملك، وقدر الله تعالى أن هذا الوزير كان ناصبيًا يكفر عليا فكان هذا من هفوات المعتضد”.

 2- الشيخ الصدوق بن بابويه القمي:

الشيخ الصدوق من أكبر فقهاء الشيعة، واشتهرت عنه مناظرات حول الإمامة، وكان في زمن دولة البويهيين، وإذا فتح رجل بهذا الوزن هذا الباب فإنّه يكون حجة لمن بعده، وسترى المدى الذي خرج به الشيخ الصدوق عن الإطار الذي كانت تدور فيه المناظرات السابقة التي لم تنهج منهج التكفير، ولقد كان لهذه المناظرات وأمثالها أثر بالغ السوء على وحدة المسلمين وإلى هذا اليوم، فهي إدام المتعصبين.

هذه محاورة بين معز الدولة البويهي والشيخ الصدوق القمي:

“معز الدولة: أيها الشيخ الفقيه العالم، اختلف الحاضرون في القوم الذين طعن فيهم الشيعة، فقال بعضهم: يجب الطعن، وقال بعضهم: لا يجب ولا يجوز، فما عندك في هذا؟ (لاحظ أن من الشيعة يومها من لا يرى جواز الطعن).

فقال الشيخ أيها الملك، إنَّ الله تعالى لم يقبل من عباده الإقرار بتوحيده حتى ينفوا كل إله سواه، وكلَّ صنم عُبدَ من دون الله، ألم تر أنا أُمرنا أن نقول: (لا إله إلا الله)، فلا إله نفي كلّ إله عُبدَ من دونه وقوله: إلاّ الله ، إثبات الله عزَّ وجل، وكذلك لم يقبل الإقرار بنبوة محمد نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى ينفوا كل متنبئ كان في وقته، مثل مسيلمة الكذاب، وسجاح بنت الأسود العنسي وأشباههم، وهكذا لا يقبل القول بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلاّ بعد نفي كل ضد نُصب للإمامة دونه.

قال الملك: هذا هو الحق، (لاحظ مدي سهولة التسليم على فرض أن هذا ما جرى فعلا وإلا فالمتعصبون أهل للشك في كل مقولاتهم). وأخبرني أيها الشيخ بشيء جلي واضح من أمر مَنْ انتصب للإمامة دونه ؟

قال الشيخ: أيها الملك، اجتمعت الأمة على نقل خبر سورة براءة، وفيه خروج أبي بكر من الإسلام، وفيه نزول ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ من السماء وعزل أبي بكر، وفيه أنه لم يكن من النبيين.

قال الملك : وكيف ذلك ؟ فقال الشيخ: روى جميع أهل النقل منا ومن مخالفينا أنَّه لمّا نزلت سورة براءة على رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعا أبا بكر فقال : يا أبا بكر خذ هذه السورة فأدِّها عني بالموسم بمكة، فأخذها أبو بكر وسار، فلما بلغ بعض الطريق هبط جبرئيل ـ عليه السلام ـ فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك ، فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمره أن يلحق أبا بكر ويأخذ منه سورة براءة ويؤديها عن الله تعالى أيام الموسم بمكة، فلحقه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخذ منه سورة براءة وأداها عن الله تعالى. وقد صح أن أبا بكر ليس من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)  لقول جبرئيل (عليه السلام): لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك، فإذا لم يكن من النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يكن تابعاً له ، قـال الله تعالـى : ( فمـن تبعني فإنَّهُ مِني). وإن لـم يكـن متبعـاً للنبـي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يكن محباً لله عز وجل لقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران:31) وإذا لم يكن محباً كان مبغضاً، وبغض النبي – صلّى الله عليه وآله وسلّم – كفر”1.

هذا النمط من الجدل الذي أسس له الصدوق القمي والذي اخترق به الخطوط الحمراء والحواجز الممنوعة وخالف فيه سنّة الجدل القرآني وسنّة الجدل عند أئمة أهل البيت هو من أشدّ العوامل إذكاءً لنيران الفتن منذ ذلك اليوم وما بعده من الأيام، فهو قد تجرأ على تكفير أبي بكر الصديق، مع إقراره بأنه كان المبعوث الأوّل بسورة براءة، واستنتج بتراكيب قرآنية احترافية ولكن مضللة ما يؤدي إلى تكفير أبي بكر وبالآيات القرآنية.

لا شك أن الصدوق كان محترفًا في الجدل، ولكن هذا جدل بغير التي هي أحسن، فالجدل بالتي هي أحسن يعتني بالبحث عن المشتركات ليعالج نقاط الخلاف بما يعين على التعايش والتسامح لا على الحرب والنفور والبغضاء، كمثل ما قال الله تعالى لأهل الكتاب: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ)(آل عمران:64) ، ولقد كان لمثل هذا الجدل السيّئ ثمار مرة من الدماء والفتن المتطاولة، فقد أصبح الجدل في الإمامة على مثل هذا النمط المنحرف منهجا، وسيطر على العقول المتعصبة حتى صار كل طرف يتدين بإيذاء الآخر ويحسب أنَّه يحسن بذلك صنعًا، واتخذه بقية العلماء سبيلا لهم في الجدال إلا من رحم ربك منهم، ولا تزال نيرانه موقدة، وهو من الإثم العظيم المخالف لسنة الله ورسوله والأئمة عليهم السلام.

ما هي حاجة ركن الدولة مادام ركنًا للدولة بالتدخل في عقيدة هذا ومذهب ذاك؟ ولكنَّهم لم يفصلوا الدين عن السياسة ووظفوا مختلف العصبيات لمصالحهم السياسية، ولقد أريقت بهذا دماء غزيرة في وقت كانت الأمة ممزقة ومهددة بحروب الروم في بلاد الشام.

ومن المعلوم أن مبدأ تدخل الخلفاء في الدين وفي تحديد العقيدة الصحيحة والأخرى الفاسدة، وإصدار المراسيم بفسق هذا وضلال ذاك وبدعية فريق واستنان آخر، كان منهجا متبعا محمودا في السياسة الإسلامية وهو أس البلاء كله، ومنه انبثقت العصبيات المذهبية فبالخلفاء والعلماء دارت رحى حرب العصبية المذهبية بين المسلمين.

 هـ- وقائع الفتنة:

يخدمنا ابن كثير في هذه الناحية فهو يهتم اهتمامًا شخصيًا في ذكر أحداثها في كل محرم منذ أن كانت السلطة للبويهيين ثم قليلا في عهد السلاجقة العهد المضاد والمعاكس للبويهيين، ثم لا تجد لها أثرًا حينما زال نفوذ الشيعة عن السلطان، فهل أن المراسيم توقفت؟ أو أنها عادت لمواقعها الشعبية غير الرسمية؟ أو أنَّها لم تعد ذات بال مادامت لا تملك سندًا من السلطان؟ فلا نستبعد أن ثورة السنة بالشيعة لم يحركها إلا فقدان السلطان وأن هذا الفقدان هو جوهر القضية، وليست بدعية المراسيم والاحتفالات، ومن المفيد أن ننقل بعض مقالته فيها، يرصد ابن كثير المراسيم منذ بدايتها مع حكم البويهيين، ولكننا سنرصد بعضا من السنوات المميزة منها فقط:

1- ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة والرافضة، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه، بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير.

2- ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة واستقر أمر عضد الدولة ببغداد، وخلع عليه الخليفة الخلع السنية والأسورة والطوق، وأعطاه لواءين أحدهما ذهب والآخر فضة، ولم يكن هذا لغيره إلا لأولياء العهد، وأرسل إليه الخليفة بتحف سنية، وبعث عضد الدولة إلى الخليفة أموالا جزيلة من الذهب والفضة واستقرت يده على بغداد وما والاها من البلاد، وقيل لعضد الدولة إن أهل بغداد قد قلوا كثيرًا بسبب الطاعون وما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض والسنة وأصابهم حريق وغرق، فقال: إنما يهيج الشرّ بين الناس هؤلاء القصاص والوعاظ، ثم رسم أن أحدًا لا يقص ولا يعظ في سائر بغداد ولا يسأل سائل باسم أحد من الصحابة، وإنما يقرأ القرآن فمن أعطاه أخذ منه.

3- ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وفيها أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فيما يزعمونه، فقاتلهم جهلة آخرون في المنتسبين إلى السنة فادعوا أن في مثل هذا اليوم حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار فامتنعوا من ذلك، وهذا أيضا جهل من هؤلاء، فإن هذا إنما كان في أوائل ربيع الأول من أول سني الهجرة، فإنهما أقاما فيه ثلاثًا، وحين خرجا منه قصدا المدينة فدخلاها بعد ثمانية أيام أو نحوها، وكان دخولهما المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا أمر معلوم مقرر محرر. ولمّا كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتمًا يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة أهل السنة فادعوا أن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير، فعملوا له مأتمًا كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما زاروا قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها، ولا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة.

4- ثم دخلت سنة ثنتين وأربعمائة في المحرم منها أذن فخر الملك الوزير للروافض أن يعلموا بدعتهم الشنعاء، والفضيحة الصلعاء، من الانتحاب والنوح والبكاء، وتعليق المسوح وأن تغلق الأسواق من الصباح إلى المساء، وأن تدور النساء حاسرات عن وجوههن ورؤوسهن، يلطمن خدودهن، كفعل الجاهلية الجهلاء، على الحسين بن علي، فلا جزاه الله خيرًا، وسود الله وجهه يوم الجزاء، إنه سميع الدعاء.

5- سنة ثمان وأربعمائة فيها وقعت فتنة عظيمة بين أهل السنة والروافض ببغداد قتل فيها خلق كثير من الفريقين.

6- ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة في عاشر المحرم تقدم إلى أهل الكرخ أن لا يعملوا بدع النوح، فجرى بينهم وبين أهل باب البصرة ما يزيد على الحد، من الجراح والقتل، وبنا أهل الكرخ سورًا على الكرخ، وبنا أهل السنة سورًا على سوق القلائين، ثم نقض كل من الفريقين أبنيته، وحملوا الآجر إلى مواضع بالطبول والمزامير، وجرت بينهم مفاخرات في ذلك، وسخف لا تنحصر ولا تنضبط، وإنشاد أشعار في فضل الصحابة. وثلبهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثمّ وقعت بينهم فتن يطول ذكرها، وأحرقوا دورًا كثيرة جدًا.

7- ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة في صفر منها وقع الحرب بين الروافض والسنة، فقتل من الفريقين خلق كثير، وذلك أن الروافض نصبوا أبراجًا وكتبوا عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر. فأنكرت السنة إقران علي مع محمد صلى الله عليه وسلم في هذا، فنشبت الحرب بينهم، واستمر القتال بينهم إلى ربيع الأول، فقتل رجل هاشمي فدفن عند الإمام أحمد، ورجع السنة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر وأحرقوا من ضريح موسى ومحمد الجواد، وقبور بني بويه، وقبور من هناك من الوزرا وأحرق قبر جعفر بن المنصور، ومحمد الأمين، وأمه زبيدة، وقبور كثيرة جدًا، وانتشرت الفتنة وتجاوزوا الحدود، وقد قابلهم أولئك الرافضة أيضا بمفاسد كثيرة، وبعثروا قبورًا قديمة، وأحرقوا من فيها من الصالحين، حتى هموا بقبر الإمام أحمد، فمنعهم النقيب، وخاف من غائلة ذلك.

8- ثم دخلت سنة 448 ” وفيها ألزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح، وبعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أن نوء الرافضة اضمحل، لانَّ بني بويه كانوا حكامًا، وكانوا يقوونهم وينصرونهم، فزالوا وبادوا، وذهبت دولتهم، وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم، والله المحمود، أبدًا على طول المدى، وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره.

قد تعتقد أن مثل هذه القضايا التي تراق لأجلها الدماء هي جوهر في الدين لا يمكن لكل مذهب أن يتخلى عنه، ولكن الأمر ليس كذلك، فالقضية ليست بسبب الدين فقد كان الدين قبلها موجودًا في الناس، ولكنَّها راجعة لأسباب دخيلة ولظروف طارئة، ولعل من أهمها فساد العلاقات العامة بينهم، ولو أنهم انتهجوا أسلوبًا أخلاقيًا متسامحًا لأمكن لكل طرف أن يتقبل الآخر كما هو وبدون أية حساسية، ولقد حدث ذلك بالفعل بين هذين الفريقين لما توفرت الظروف وعاد للناس رشدهم لسبب أو لآخر، ولكن الشياطين يئزونهم أزّا، ففي سنة من بين هذه السنوات العجاف تمكن الناس من الصلح لا لشيء إلا لأنهم أرادوا ذلك، وتجرأ طرف منهم على مقابلة الآخر بالإحسان، فلم يملك الطرف الثاني إلا أن يرد الإحسان بمثله، “ففي شعبان سنة 502 هجرية اصطلح عامة بغداد السنة والشيعة، وكان الشر منهم على طول الزمان، وقد اجتهد الخلفاء، والسلاطين، والشحن في إصلاح الحال، فتعذر عليهم ذلك، إلى أن أذن الله تعالى فيه، وكان بغير واسطة، لمّا دخل شعبان تجهز السنة لزيارة قبر مصعب بن الزبير، وكانوا قد تركوا ذلك سنين كثيرة، ومنعوا منه لتقطع الفتن الحادثة بسببه، فلمّا تجهزوا للمسير، اتفقوا على أن يجعلوا طريقهم في الكرخ – حيّ الشيعة – تحديًا، لأنَّ الشيعة كانوا في موقف خوف لهزيمة وزير هو من أنصارهم، فأظهروا ذلك – أنهم سيعبرون من وسط الكرخ حي الشيعة- ، فاتفق رأي أهل الكرخ على ترك معارضتهم، وأنهم لا يمنعونهم، فصارت السنة تسير، أهل كل محلة منفردين( على هيئة مواكب كمواكب العزاء)، ومعهم من الزينة والسلاح شيء كثير، وجاء أهل باب المراتب، ومعهم فيل قد عمل من خشب، وعليه الرجال بالسلاح، وقصدوا جميعهم الكرخ ليعبروا فيه، فاستقبلهم أهله بالبخور والطيب، والماء المبرد، والسلاح الكثير( كعلامة احتفالية على عادة العراقيين حتى اليوم لا كعلامة حرب)، ولما عادوا من زيارة مصعب لقيهم أهل الكرخ بالفرح والسرور وأظهروا بهم السرور، وشيعوهم حتى خرجوا من المحلة، ثم خرج الشيعة، ليلة النصف منه( شعبان) ، إلى مشهد موسى بن جعفر وغيره – وكان لابدَّ لهم من المرور في أحياء السنة كما هو الحال اليوم – ، فلم يعترضهم أحد من السنة، فعجب الناس لذلك”.

ويذكر في حادثة أخرى أنهم( سنة وشيعة) ولأمر ما كانوا يحذرونه من الدولة، تركوا نزاعهم وأذّن كل فريق في حيه بأذان الآخر لينكروا على الدولة حاجتهم لوجود جنودها بينهم، فأذن السنة بحيّ على خير العمل وأذّن الشيعة بالصلاة خير من النوم.

كانت هذه لحظة نور برقت في ليل ظلامهم دلتنا على أنه كان بالمقدور لو أرادوا أن يعودوا أخوة في الدين وإن اختلفوا في المذهب، ولكن حال الفتن استمر منذ سنة338 مع بداية عهد البويهيين يتكرر سنة بعد سنة لا يمر محرم إلا والقتال بين الشيعة ساكني الكرخ والحنابلة بالذات ساكني باب البصرة يتجدد ويسفر عن قتل وحرق وهدم وتخريب وإسفاف، واستمر الأمر إلى قيام دولة السلاجقة وهي على مثال بني بويه في التعصب للمذهب ولكن السني هذه المرة، لتعود الكرة من جديد، “ففي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم وأحضروا نساء ينحن على الحسين، كما جرت به عادتهم السالفة، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، وطلب الخليفة أبا الغنائم وأنكر عليه ذلك، فاعتذر إليه بأنه لم يعلم به، وأنه حين علم أزاله، وتردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، وخرج التوقيع بكفر من سب الصحابة وأظهر البدع”، فهنا انقلب موقف الدولة بسيطرة السلاجقة الذين أرادوا اكتساب العصبية السنية.

ومع سقوط سلطان البويهيين وتسلط السلاجقة بدأت الاحتفالات تعود لسابق عهدها قبلهم، شعائر خاصة تقام في محل أهلها وبين دورهم دون أن تثير فتنة عامة، ولكن هذا الأثر لم ينته بمجرد حكم السلاجقة فقد ظلت الفتن تتكرر ولكن بوتيرة أقل فنسمع بعودته أحيانًا سنة 475، ثم تلاشى من ذكر التاريخ، لتحل محله نزاعات جديدة بين أطراف أخرى، مثل الحنابلة و الأشاعرة.

و- نصيب العوام في الفتن:

العامة هم أدوات الفتن ووقودها، وهم – بعد أن يثيرها السياسيون والعلماء – من يتولى ابتداع مختلف أنشطتها وكيفياتها، فتجرهم عصبيتهم لابتكار وابتداع ممارسات لم تخطر على بال من أيقظ الفتنة والعصبية، فقد سمعت كيف وظف الحنابلة العميان الذين غالبا ما يجلسون في المساجد ينتظرون الصلاة ومن يتصدق عليهم، وكيف أغروهم باستعمال عصيهم أداة للتحرش بالشوافع وضربهم ضربًا مبرحًا، وكان المتسولون يتوسلون للناس بذكر أسماء الصحابة في مدائح مذهبية كل يذكرهم بما يغيظ به الآخر حتى منعت الدولة البويهية في فترة من فتراتها الوعظ والسؤال بأسماء الصحابة لما أثر ذلك في زيادة الفتن: “ولا يسأل سائل باسم أحد من الصحابة، وإنما يقرأ القرآن فمن أعطاه أخذ منه”1.

ولو نظرت فيما سبق وذكرناه من وقائع الفتن لبانت لك ألوان من الحيثيات التي ابتكرها العوام من بناء أبراج والكتابة عليها بما يثير الفتنة، ومن تمثيل دور عائشة وطلحة والزبير في حرب الجمل، ومن حرق الأضرحة والبيوت والمحال وبعثرت القبور وتعليق المسوح، وما تلبث مثل هذه الابتكارات مع التكرار أن تكتسب نوعًا من القدسية في عقول العوام، فتصبح العادات والشعائر والأدوات المستخدمة في إحياء المراسيم نفسها ذات قداسة، وتصبح أوقاتها مقدسة وكيفياتها مقدسة، مقدسة لا بالمعني الديني العلمي ولكن بالمعنى النفسي الشعبي وهو الذي يبعث العامة ويحركهم.

ومن هنا يكون التعرض لمثل هذه المراسيم والأدوات بالإساءة والإهانة إساءة وتوهين للمذهب ولأهل البيت أو الصحابة، فكأن من مزق راية من موكب فقد مزق الحسين، ومن رمى الجمل الذي أركبوه السيدة تشبيها بأم المؤمنين فقد رمى عائشة فهو من جند علي، وهكذا يتصاعد السخف وتثور الحمية حميّة النفس، حميّة الجاهلية.

ومن هنا أيضا ينبغي على القادة والعلماء أن يتنبهوا إلى أن عصبيتهم وإثارتهم لدواعي الفتن وتأليبهم الناس فيها لابدَّ وأن يخرج عن نطاق سيطرتهم إذا ما تناولته العوام، فمن كان منهم به مسكة من عقل وخلق، فلن يلبث أن يجد نفسه وقد تورط فيما لا يقدر لا على قبوله ولا على ردّه، إذ القبول يقبحه عند الخواص، والردّ يورطه عند العوام، فيذهب موزورًا بأفعال أيقظها ثم لم يقدر على إيقافها.

 ز- تحول الفتن إلى طابع اجتماعي:

إن انتهاج مجتمع ما نهج الخصومة والاقتتال في حل مشكلاته واختلافاته في قضاياه، قد يتحول طابعًا عامًا في سلوك فئاته وأفراده، أو في سلوك الطبقة العامة منه، وهذا ما حصل للمسلمين ببغداد ولغيرها من المدن التي تتوفر على اختلاط وتداخل ذي بال لفئات مختلفة عرقًا وثقافة ومذاهبًا، فنهج المواجهة والاقتتال لم يكن بدعًا بين الحنابلة والشيعة، ولم يبق حكرًا عليهم، بل كان سائدًا بين فئات قبلهم وانتشر كثيرًا بعدهم، ليكون طريقة معتادة في مجتمع العراق في تلك القرون، بل وغير العراق في العديد من الأمصار ذات التنوع المتعدد.

إن اتخاذ الناس الفوضى والشغب منهجًا لحل المشكلات بدأ من القصر ومواقع الحكم، وذلك أن الدولة نفسها قد اضطربت بعد أن ضعفت قوة الخلفاء واستولت على القرار جماعات العساكر التي استجلبوها للاستعانة بها في حروبهم وخصوماتهم الداخلية، حيث من المعروف أن خلفاء بني العباس اتخذوا الاستعانة بغير العرب طريقة متبعة لهم، فلما استجلبوا الترك، وهم أقوام بدوية أو شبه بدوية وليسوا بمن نعرف اليوم بالأتراك، أكثروا الشغب والفوضى في الحكم نفسه، وكثيرًا ما نشبت بينهم وبين الخلافة ثم بينهم وبين العامة من الناس مواجهات ساخنة.

فمنذ العام 247 أي قبل البويهيين وفتنة الشيعة والحنابلة بقرن والتاريخ يذكر لنا مثل هذه الحوادث من تاريخ بغداد والعراق، فعند خلافة المستعين وقف الجيش معه وأعلن الأتراك مبايعة أخيه المعتز:

بويع المستعين بالخلافة يوم مات المنتصر، (بايعه عموم الناس، ثم خرجت عليه شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور، فالتف عليهم خلق، وقام بنصر المستعين جمهور الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدًا أيامًا فقتل منهم خلق من الفريقين، وانتهبت أماكن كثيرة من بغداد، وجرت فتن منتشرة كثيرة جدًا”1.

ثم ما لبث الأمر أن تحول إلى مواجهات بين العامة من الناس وأمراء الترك نظرا لتسلطهم على الخلافة( ووقعت فتنة عظيمة ببغداد، وذلك أن العامة كرهوا جماعة من الأمراء الذين قد تغلبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكل واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده فنهضوا إلى السجن فأخرجوا من كان فيه، وجاءوا إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار، وأحرقوا ونادوا بالنفير، فاجتمع خلق كثير وجم غفير، ونهبوا أماكن متعددة، وذلك بالجانب الشرقي من بغداد) هذه ثورة من عرب بغداد على رجال الأمن الأتراك غيرة من تسلطهم على الحكم، وسخطا على اشتغال الحكم باللهو عوضًا عن حماية الثغور حيث قد تمكن الروم من مهاجمة بلاد المسلمين وأصابوا منهم مقتلة عظيمة.

وفي أحداث سخط أخرى( نهض عامة أهل سامرا إلى السجن فأخرجوا من فيه أيضًا كما فعل أهل بغداد وجاءهم قوم من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فعند ذلك ركب وصيف وبغا الصغير وعامة الأتراك فقتلوا من العامة خلقًا كثيرًا، وجرت فتن طويلة ثم سكنت).

وفي هذه المرة وقعت فتنة بين الأتراك أنفسهم غيرة من بعضهم البعض على الاستئثار بالأموال المصادرة والمنهوبة من الناس: (وذلك أن المستعين قد فوض أمر الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة وهم أتامش التركي، وكان أخص من عند الخليفة وهو بمنزلة الوزير، وفي حجره العباس بن المستعين يربيه ويعلمه الفروسية، وشاهك الخادم، وأم الخليفة، وكان لا يمنعها شيئا تريده)، (فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يبق بيت المال شيئا، فغضب الأتراك من ذلك وغاروا منه، فاجتمعوا وركبوا عليه وأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، ولم يمكنه منعه منهم ولا دفعهم عنه، فأخذوه صاغرا فقتلوه وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره)، (وفي سنة 312 وقعت الفتنة بين نازوك، صاحب الشُّرطة، وهارون بن غريب،وسبب ذلك أنّ ساسة دوابّ هارون بن غريب وساسة نازوك تغايروا على غلام أمرد) .

منهج الفوضى والشغب إذا بدأ من دار الخلافة، ولكنَّه تحول منها ليكون منهجًا للناس أيضًا، فلم تكن هناك مؤسسات ولم يكن هناك حوار ينتهج في حل المشكلات وإنَّما الخصومة والمواجهة، ومن حينها صار مألوفًا أن تقرأ: (وفيها وقعت الفتنة ببغداد بني العامة، وقصد كل فريق الفريق الآخر، وقطعوا الطرقات بالجانب الغربي، وقتل أهل النصرية مصلحياً، فأرسل كوهرائين فأحرقها، واتصلت الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، وفيها وقعت الفتنة بالبصرة بين الديالم والأتراك، فقويت الديلم على الترك بسبب أن الملك فيهم فقتلوا خلقا كثيرًا، وحبسوا رؤوسهم ونهبوا كثيرًا من أموالهم. واتصلت الفتن بين أهل باب الطاق وسوق يحيى اتصالاً مسرفاً ووقعت بين الحنابلة والأشاعرة فتنة عظيمة حتى تأخر الأشاعرة عن الجمعات خوفاً من الحنابلة) .

(وسير أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسين إلى بغداد في جميع الجيش من الأتراك والديلم، ونصب عليه العرادات والمنجنيقات على دجلة، وانهض العامة، وجند بعضهم، فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلاً ونهاراً، واقتتل الناس، وكانت العامة على شاطئ دجلة في الجانبين يقاتلون من في الماء من أصحاب البريدي، وانهزم أهل بغداد، واستولى أصحاب البريدي على دار الخليفة، وقتل أصحاب البريدي من وجدوا في دار الخليفة من الحاشية، ونهبوها ونهبوا دور الحرم. وكثر النهب في بغداد ليلاً ونهاراً، وعظم النهب، فأقام أبو الحسين توزون على الشرطة بشرقي بغداد، وجعل نوشتكين على شركة الجانب الغربي. لمّا استولى على بغداد أخذ أصحابه في النهب والسلب وأخذ الدواب، وجعلوا طلبها طريقاً إلى غيرها من الأثاث، وكبست الدور، وأخرج أهلها منها ونزلت، وعظم الأمر، وجعل على كرّ من الحنطة والشعير وأصناف الحبوب خمسة دنانير، وغلت الأسعار فبيع كرّ الحنطة بثلاثمائة وستة عشر ديناراً، والخبز الخشكوار رطلين بقيراطين صحيح أميري، وحبط أهل الذمة، وأخذ القوي بالضعيف، وورد من الكوفة وسوادها خمسمائة كرّ من الحنطة والشعير، فأخذه جميعه وادعى أنه للعامل بتلك الناحية، ووقعت الفتن بين الناس، ووقعت حرب بين الديلم والعامة قتل فيها جماعة وفي آخر شعبان زاد البلاء على الناس، فكبسوا منازلهم ليلاً ونهاراً، وفي( 381هجرية) كثرت الفتن بين العامة ببغداد، وزالت هيبة السلطنة، وتكرر الحريق في المحال، واستمر الفساد)1.

لقد تعلم الناس سلوك البدو من الديلم والسلاجقة والترك والصقالبة وغيرهم من القبائل البدوية وشبه البدوية والتي لم تتعود الحضارة بعد وكانت تحتكم إلى القوة غالبًا في حل المشاكل، ومن هنا احتدت روح التعصب بين مختلف الأطراف وصارت القوة منهجًا فيها، فكثرت الفتن بين أرباب المذاهب وبين أهل الرأي وأهل الحديث وبين الفقهاء والفلاسفة وبين الحنابلة والأشاعرة وبينهم وبين الشيعة وبينهم وبين الصوفية وبينهم وبين الحنفية، حتى أصبحت الخصومة هي الفرقان وهي السنة الجارية وصارت كل فئة تدّعي أنها الفرقة الناجية، وقالوا لبعضهم كما قالت النصارى واليهود من قبل لستم على شيء، وهم يتلون الكتاب.

 ح- الفساد المالي والحالة الاقتصادية:

من الطبيعي أن تكون الحالة الاقتصادية للمسلمين وخصوصًا في بغداد مستقرة وعلى درجة من الرخاء، حيث هي العاصمة لنصف العالم، وإليها تجبى الضرائب من شرق الأرض وغربها، ولكن هل كانت هذه الأموال تصل للناس فتجعل حياتهم في رخاء؟ أم أنها تذهب لطبقة مخصوصة من الخلفاء والسلاطين والوزراء والعساكر؟ هذا سؤال مهم، لأنَّ الحالة الاقتصادية المستقرة يكون لها أثر بالغ في استتباب الأمن وتحكم الرشد في علاج المشاكل والأزمات، فالمستوى المعيشي له أثر على طريقة الناس في معالجة قضاياهم الدينية والثقافية، فكثيرًا ما تظهر آثار الحرمان والفقر على هيئة سخط ونفور في جوانب أخرى تبدو بعيدة عن الحالة الاقتصادية نفسها، فقد لا يكون النزاع المذهبي إلا سخطًا اقتصاديًا ملتبسًا، فالشيعي المستقر اقتصاديًا سيكون أكثر هدوءًا في مواجهة التطرف المذهبي من الشيعي المحروم، وهكذا سائر الناس في سائر مواقعهم، فالنفس إذا أحرزت قوتها استقرت، فالاستقرار الاقتصادي يولد استقرارًا اجتماعيًا.

لا شكَّ أن المال كان متوافرًا، ولكن من المشكوك فيه أنه كان موزعًا بالعدل التناسبي، وأنه لم يكن هناك حرمان للطبقات الفقيرة، بل ومن المشكوك فيه أن الطبقة الوسطى كانت تشكل شريحة واسعة من المجتمع، فمع أننا لا نملك دلائل قوية في هذا المجال، إلا أن هناك ما يبعث على الشك في ذلك، ذلك أن الفساد المالي والبذخ الترف في حياة الخلفاء والأمراء كانت واسعة حدّ الغاية والنهاية، ومن المستحيل مع هذا الترف أن لا تضيع حقوق الناس وأن لا يفتقر عامتهم، أو أن لا تكون حياتهم كدّا كدّا في تحصيل العيش اللائق، فليس ثمة نعمة موفورة عند قوم إلا وإلى جانبها حقّ مضيع لآخرين، ومن الضيق الاقتصادي أن يكون توفير المستوى اللائق يتطلب بذل جهود مضنية من ساعات العمل.

ولو تتبعت أخبار الخلفاء في قصورهم وزيجاتهم وحفلاتهم ومناسباتهم لوجدت أنهم يعيشون حياة باذخة مترفة، ولو تتبعت المصادرات المالية التي كانت تفرض على الوزراء والأمراء لوجدتها بملايين الدنانير من الذهب، وكثيرًا ما كانت تسند المناصب في مقابل شروط مالية، تؤخذ في النهاية من جيوب العامة.

نكتفي هنا بمثالين من حياة هؤلاء، الأول في وصف حفل استقبال موفد من الروم للصلح، فأراد الخليفة أن يريه أبهة المسلمين، وهذا المثال مهم في كشف مدى ثراء الخليفة لأن ثراءه سيكشف في وجه منطقي ومبرر، فلن يستتر الخليفة فيه، فهو هنا يدافع به عن سمعة الإسلام وعزته، ولكن ذلك لا يمنع السؤال عن مصدر كل هذا الثراء وعن درجة حرمان الناس من حقوقها التي تحولت ثروات في القصور:

في سنة خمس وثلاثمائة قدم رسول ملك الروم في طلب المفاداة والهدنة، فلما قدم بغداد شاهد أمرًا عظيمًا جدًا، وذلك أن الخليفة أمر الجيش والناس بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء، فركب الجيش بكماله وكان مائة ألف وستين ألفًا ( الجيش الذي كان ببغداد في حضرة الخليفة)، ما بين فارس وراجل، غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا في الأسلحة والعدد التامة، وغلمان الخليفة سبعة آلاف، أربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وهم في غاية الملابس والعدد والحلي، والحجبة يومئذ سبعمائة حاجب، وأما الطيارات التي بدجلة والزيارب والسماريات ( سفن) فشئ كثير مزينة، فحين دخل الرسول دار الخلافة انبهر وشاهد أمرًا أدهشه، ورأى من الحشمة والزينة والحرمة ما يبهر الأبصار، وحين اجتاز بالحاجب ظن أنَّه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب، فمر بالوزير في أبهته فظنه الخليفة فقيل له: هذا الوزير. وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يسمع بمثلها، كان فيها من الستور يومئذ ثمانية وثلاثون ألف ستر، منها عشرة آلاف وخمسمائة ستر مذهبة، وقد بسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط لم ير مثلها، وفيها ( دار الخليفة) من الوحوش قطعان متآنسة بالناس تأكل من أيديهم، ومائة سبّاع من السبّاعة ( مروضي السباع). ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بركة فيها ماء صاف وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفضة لها ثمانية عشر غصنًا أكثرها من ذهب، وفي الأغصان الشماريخ والأوراق الملونة من الذهب والفضة واللآلي واليواقيت، وهي تصوت بأنواع الأصوات من الماء المسلط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركات عجيبة تدهش من يراها، ثم أدخل إلى مكان يسمونه الفردوس، فيه من أنواع المفارش والآلات ما لا يحد ولا يوصف كثرة وحسنًا، وفي دهاليزه ثمانية عشر ألف جوشن مذهبة (دروع مذهبة). فما زال كلما مر على مكان أدهشه وأخذ ببصره حتى انتهى إلى المكان الذي فيه الخليفة المقتدر بالله، وهو جالس على سرير من آبنوس، قد فرش بالديبقى المطرز بالذهب، وعن يمين السرير سبعة عشر عنقودًا معلقة، وعن يساره مثلها وهي جوهر من أفخر الجواهر، كل جوهرة يعلو ضوؤها على ضوء النهار، ليس لواحدة منها قيمة ولا يستطاع ثمنها، فأوقف الرسول الذين معه بين يدي الخليفة على نحو من مائة ذراع، والوزير علي بن محمد بن الفرات واقف بين يدي الخليفة، والترجمان دون الوزير، والوزير يخاطب الترجمان والترجمان يخاطبهما، فلما فرغ منهما خلع عليهما (أهداهما ثيابا فاخرة على عادة العباسيين)، وأطلق لهما خمسين سقرقًا في كل سقرق خمسة آلاف درهم، وأخرجا من بين يديه وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافات دجلة الفيلة والزرافات والسباع والفهود وغير ذلك، ودجلة داخلة في دار الخلافة)1.

والمثال الثاني لحفل ختان أولاد الخليفة، فقد ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار(ذهب)، وهكذا كانت حياة الوزراء والأمراء والسلاطين والولاة وقادة الجيش همهم الأموال والقطائع والجواري والغلمان والترف الباذخ، ولهذا فالمتوقع أن تكون حياة الناس صعبة مكدودة.

ويمكن عن طريق ما يعرف في المنطق بالمفهوم أن تتبين الحالة المتردية التي بلغها الناس لا من قلة المال ولكن من سوء الإدارة، ففي سنة369 أجرى عضد الدولة البويهي وكان أعظم حكام بني بويه قدرة على الإدارة مجموعة من الإصلاحات تكشف لنا مدى الفساد الذي كان سائدا:

(في هذه السنة شرع عضد الدولة في عمارة بغداد، وكانت قد خربت بتوالي الفتن فيها، وعمر مساجدها وأسواقها، وأدرّ الأموال على الأئمة، والمؤذنين، والعلماء، والقراء، والغرباء، والضعفاء، الذين يأوون إلى المساجد، وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار، وأعاد حفرها وتسويتها، وأطلق مكوس الحجاج، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة، شرفها الله تعالى، وأطلق الصلات لأهل البيوتات والشرف، والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهدي على والحسين، عليهما السلام، وسكن الناس من الفتن، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، والنحاة، والشعراء، والنسابين، والأطباء، والحساب، والمهندسين، وأذن لوزيره نصر بن هارون، وكان نصرانياً، في عمارة البيع والأديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم)1.

ولكن مدة حكم عضد الدولة لم تكن أبدية ومن جاء بعده لم يكن له نفس اهتماماته، ثم هو نفسه لم يكن إصلاحيًا حقيقيًا بل كان داهية من الدهاة، يعطي ويمنع بحسب ميزان المصلحة وكانت مدة حكمة لبغداد أقل من ست سنين.

ومما يدل على تردي مستوى المعيشة لبعض الطبقات ثورة صاحب الزنج الذي اتبعه الزنوج المسخرون في كسح السباخ، ومن الصعب أن تجد مؤرخًا إسلاميًا يقف ليتساءل عن السبب الذي حدا بالزنوج للخروج في ثورة عارمة لمجرد أن شخصًا ما ادّعى أنه من ذرية محمد ودعاهم إلى نفسه قائدًا ثائرًا، فلا تجد إلا من يرسل الأمر إرسالاً أنَّه خدعهم فصدّقوه، ولا يهتمون بوصف حالهم المعيشي الذي أسرع بهم إلى السخط والثورة العنيفة.

ولعل مما يدل على تردي الأحوال بسبب سوء الإدارة وفقدان الأمن هو عظم ظاهرة العيارين، أو الفتيان الذين كان لهم دور كبير بعد كل تسيب وفساد، حتى ذكروا أنهم تنظيم مقصود له رتبه ومبادئه وقيمه، كان هدفه الأساس الاستيلاء على أموال الأغنياء الذين يحرمون الفقراء من حقوقهم، وهي ظاهرة اعتنى بها العديد من الدارسين، وربما أصبحت في كثير من فترات تاريخها جماعات من العصابات واللصوص الذين يفرضون على أصحاب الأسواق الإتاوات وضرائب الحماية وضرائب العبور بسلامة، كما هو الحال في العديد من الدول مضطربة الأمن، وبلغت قوتهم أنهم كانوا يهزمون جيش الدولة وقوات الشرطة، وهذه إحدى النتائج الطبيعية في كل مجتمع تشتد فيه النزاعات ويضطرب الأمن وينتشر فيه الفساد المالي والإداري.

 ط- خلاصة الوضع البغدادي:

يمكن إذا أن نلخص وضع بغداد في الفترة التي حددناها بما يلي:

  1. تعدد مراكز القوى والقرار السياسي من خلال ضعف الخلافة وتنافس القبائل والعصبيات غير العربية وغير المدنية على السلطة، مما سبب فوضى سياسية.
  2. شدة الفساد الإداري والمالي، وتعمق التفاوت الطبقي بين فئة بالغة الترف وفئات تعيش حياة قد لا تكون بائسة ولكنها مكدودة.
  3. عدم الفصل بين السياسة والاختلافات الفقهية والعقائدية للناس، بل التدخل في تفاصيل هذه الاختلافات بنصرة طرف على طرف توظيفا لمصالح آنية في السياسة.
  4. شعور الطائفة السنية بالتهديد لنفوذها التقليدي في الحكم والإدارة جراء تنامي المد السياسي الشيعي، وهيمنته على مناطق كبيرة ومهمة.
  5. شعور الشيعة بالثقة في النفس جراء هذا الصعود وبمواتاة الفرصة وازدياد روح التحدي عندهم للانقلاب على وضعهم السابق كطائفة مبعدة ومهددة.
  6. ارتفاع مستوى التطرف في الخلافات العقدية، وتخلى الشيعة عن منهج الأئمة من المعارضة الحريصة على الوحدة، إلى المعارضة المتعدية للخطوط الحمراء، وتعالي نبرة التكفير لهم عند السنة ونبزهم بالرفض.
  7. تأثر المجتمع البغدادي بطبيعة القبائل البدوية التي تسلمت السلطة عليهم ولما كان هؤلاء ميالين إليه بطبعهم كبدو أو أشباه بدو من الجفاء والعنف في حل الاختلافات.
  8. ظهور تأثيرات الحرمان والعناء الاقتصادي على زيادة حدة الفعل ورد الفعل في قضايا دينية واجتماعية أخرى بعيدة من حيث الظاهر عن التردي الاقتصادي نفسه.
  9. ازدياد ظاهرة العيارين( العصابات المنظمة) باستمرار الفساد والفتن الأهلية والرسمية وتسيب الأمن حتى بلغوا أن تعجز الدولة عن القضاء عليهم وتخشى الناس من سطوتهم فتستجيب لهم بدفع الإتاوات، ففقدت الناس الأمن على المال والعرض والنفس.
  10. إن الفتن والحروب بين الحنابلة خاصة والسنة عامة مع الشيعة أصبحت نهجا بين الكثيرين من المختلفين في المذاهب السنية نفسها والمذاهب الكلامية، مما تسبب في فتن كثيرة وانتشار ظاهرة التكفير بالزندقة والغلو والتصوف وغيرها، فهانت حرمات الدماء على المفتين.

 ي- البحرين بعد بغداد:

لاشكَّ أن هناك تقاربًا بين عموم الحالة البغدادية في القرن الرابع وحالة البحرين منذ 1979 على الأقل أي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وبروز التأثير الدولي لها خصوصًا وللشيعة بشكل عام، وإن لم تكن الحالتان متطابقتين، لاستحالة حدوث التطابق أصلاً، ولكن هذا التقارب يسمح لنا باتخاذ بغداد موضعًا للتأمل والنظر لعل ذلك يفيدنا في التعامل الايجابي مع حالتنا في البحرين.

أوّلاً وقبل كل شيء لابدَّ لنا أن نقرر هنا أن ما حدث لبغداد القرن الرابع كان سيئًا وضارًا ومنافيًا للدين والأخلاق وحقوق الإنسان، نقول هذا لأنَّه لا يزال أناس من الشيعة وآخرون من السنة يرون أن ما كان كانَ صحيحا وأنهم لو ردوا لذلك الزمان لعادوا لما كان عليه أهله

فالشيعة لا تزال تمجد فعل البويهيين في الاحتفال بالغدير وعاشوراء، والحنابلة خصوصًا والسنة عمومًا لا يزالون يلعنونهم على هذه البدعة.

ونحن هنا لا نريد أن نقول بصحة منع الشيعة من الاحتفال بمناسباتهم وأنها بدعة، ولا أنها واجب ديني يجب القيام به، فلكل اجتهاده، فمن يراها بدعة فهو ورأيه ومن يراها جائزة فهو ورأيه، ولكن من الخطأ الكبير أن تتدخل الدولة في ذلك، فالدولة عليها أن تنظم نشاطات المواطنين السلمية غير الكيدية، وتفتح لهم الطريق للتعبير عنها بالطريقة التي لا تؤذي الآخرين ولا تستفزهم، دونما تدخل منها برأي في صحة هذا وبطلان ذاك.

إن ما أحدثه البويهيون لم يكن نفس الاحتفال بعاشوراء، فهذا كان مستدامًا عند الشيعة منذ ما بعد كربلاء، ولكنهم أخرجوا هذه الاحتفالات من موضعها الطبيعي الذي لم يكن يستفز الناس، إلى موضع آخر يستفزهم ويتحداهم، فجعلوها أحد المناسبات التي تُجمِع عليها الأمة كالعيدين وهي لم تكن كذلك، فأقاموا لها المراسيم الرسمية بينما هي مراسيم مذهبية خاصة، لا ينبغي فرضها على الناس كما لا ينبغي منع أصحابها منها ولا شأن للدولة بها لتعقد لها مراسيم حكومية ومواكب رسمية يخرج فيها الوزراء والشرطة والموظفون بما هم وزراء وموظفون وشرطة، فهذا أشعر الآخرين بأن الدولة طرف مذهبي غير محايد، تمامًا كما كان الأمر قبل ذلك عند العباسيين وغيرهم الذين تعاملوا مع الناس على أنهم دولة مذهبية فتجد خليفة كالمتوكل يضع نصب عينه هدم ضريح الحسين ومحوه بإجراء الماء عليه، في موقف ينم عن حقد شخصي غريب، وهذا التمذهب الرسمي هو ما فتح باب الفتنة وأسهم في إراقة الدماء وزعزعة الأمن، وإن الذين يؤيدون ما جرى بدافع التعصب المذهبي هم أسباب أزمتنا اليوم، فهم هم على عقلية القرن الرابع في القرن الخامس عشر وكأن الدنيا ما عرفت جديدًا.

 ي- نعود بعد هذا للمقارنة:

** فالسنة في البحرين والخليج صاروا يشعرون بالتهديد جراء البروز الشيعي الجديد المتمثل في انتصار الثورة الإسلامية في إيران على يد فقيه، وجراء المجد الذي يحققه حزب الله في لبنان فكانوا يدًا واحدة مع العراق عراق صدام في حربه ضدها باسم العروبة، ثم زاد هذا الشعور بالتهديد كثيرًا بعد فقدانهم الحكم في العراق واستلام أطراف شيعية لمقاليد مهمة في الدولة الجديدة، لا نريد هنا أن نجادل في كون هذه الدول إيران والعراق الجديد طائفية أو غير طائفية ، فسواء كانوا كذلك أم لا، فالأثر النفسي من الشعور بالتهديد قد حصل سواء كان هذا ناجمًا عن تصور صحيح أو خاطئ، فالسنة يشعرون بالتهديد وبعده لا يهم إن كان شعورهم ناتج عن وهم أو عن واقع، الأمر الذي دفع بعضهم للتطرف في الخصومة والتكفير والإصرار على سوق التهم الكبار، التي لا ينفع عندهم أي إنكار لها، فالمراد ليس تراجع الشيعة عن باطل أو بدعة، بقدر ما هو الحاجة للدفع السياسي والإزاحة عن مواضع النفوذ شعورًا بالخطر الداهم، وقد نجحوا في نشر توجساتهم لغالبية السنة في البلاد، أسعفهم على ذلك طبيعة الوضع السياسي الدولي وموقفه من إيران والعراق ولبنان، والإرث التاريخي المثقل بالتوتر، ثم الدعاية الحربية التي دامت سنين طويلة.

والشيعة يشعرون بمزيد من الثقة في دورهم القيادي، وأن هذا الزمان هو زمان ظهور حقهم، وعلى أساس من هذا فهم اليوم أكثر فاعلية وإيجابية على مستوى الفعل السياسي والثقافي والدولي، ولابد من القول هنا أن هذا الشعور بدا ايجابيًا من حيث التوجه للامذهبية والحرص على الوحدة وحمل القضايا الكبرى للأمة عند قطاع مهم من الشيعة، ولكنَّه عند كثيرين آخرين تجلى في العودة لجدليات الشيخ الصدوق، وللتجرؤ على اقتحام كل الخطوط الحمراء من سبّ الصحابة المعارضين لعلي، واتهامهم بالكفر والردة، والإدعاء على الأئمة بزعم أنهم يقولون أن عمل كل مسلم موقوف القبول عند الله بولاية علي بن أبي طالب وأن كل حسنة يفعلها مسلم لا تنفعه بغير حبّ علي وما إلى هنالك من مثل هذا، فيرد آخرون بتهم من مثل القول بتحريف القرآن واتهام أم المؤمنين عائشة بالفحشاء بعد أن برّأها الله، وسب الصحابة أجمعين، ومن مثل هذا الهجر الذي ملأ المنتديات وصدحت به المنابر ممزقًا وحدة الأمة تمزيقًا، ولا نغفل هنا الشعور النفسي السلبي الذي تركه موقف العرب والسنة سنة الخليج والعراق بالذات من الجمهورية الإسلامية، فهذا الموقف رسخ في نفسية الشيعة شعورًا باستمرار الظلم التاريخي، وأنه مجرد نصب وعداوة لأهل البيت تتمظهر في ألوان متعددة، ولا يهم هنا كذلك إن كان هذا الشعور مبنيًا على وهم أو على واقع، فالأثر السلبي حاصل جراء تأثير هذا الاعتقاد، سواء صح أو لم يصح.

** ومن حيث تعصب رجال الدين فالساحة غنية بهم من كلا الجانبين، ولو عزم الأمر لكان منهم شر مستطير، خاصة بعد انتشار المدرسة السلفية الحنبلية في البحرين في العقود الأخيرة، فكأنما بغداد قد عادت لتجمع المتناقضين الشيعة والحنابلة، وفي أجواء مسممة للغاية، وإن لم نبلغ حتى الآن حد الجرأة بالتصريح الصريح إلا عند القلة التي ترى أن مصلحتها في قيام الفتنة، ولكن البواطن محنية على الإحن والكراهية والريبة والشك في صدق دعوى الآخر مهما كانت صادقة، ولن يمكن الرجوع لحالة الحب الحقيقية إلا بالتراجع عن التمسك بالتراث المفسد الداعي للخصومة المنتهك لعرض الآخر المسقط لحرمته، وإذا كان أهل البحرين يريدون بأنفسهم خيرًا فإنهم واجدون كلا في أدبيات مذهبه وفرقته ما يدعوه إلى نبذ الفرقة والتمسك بالوحدة وترك مذهب الإيذاء، فإنه يوجد في كل مذهب من مذاهب المسلمين ما يمكن التمسك به داعيًا إلى الرشاد والتسامح وتصحيح دين الآخر أو على الأصح نية الآخر في دينه وأنه لم يرد باعتقاده الباطل بل الكل أراد الحق فأصاب وأخطأ.

في التشيع يوجد هذا لمن أراده، وفي التسنن يوجد لمن أراده، وعند أحمد بن حنبل يوجد هذا لمن أراده، وأما من أراد الفرقة والشرّ فسيجد في أدبيات مذهبه وفرقته ما يدفعه لذلك، ولكن فليعلم أنه إنما يهلك نفسه وأمته ووطنه وسيرجع بغير طائل، فقد انتهت فتن بغداد على لا شيء سوى الخسران وبقي الحنابلة حنابلة والإمامية إمامية، لن يغير من واقع الأمر قتل ألف أو تغيير مذهب ألف، وذهبت كل تلك الدماء هدرًا، فعلى سائر عقلاء الوطن أن يدركوا واجبهم في الأخذ على أيدي هؤلاء المتعصبين فالكل في سفينة الوطن، وخراب بغداد حين خرابها يعم من أفسد ومن لم يفسد، فالغرق للجميع والنجاة للجميع.

إنَّ الوضع المذهبي بين الطائفتين لا زال يمكن تداركه وعلاجه، فلا تزال هناك بقية من أولي بقية، وأهل البحرين لم تسيطر عليهم بعد أخلاق البداوة، ولا زالوا يستعظمون حرمة إهدار الدم، والظن أنه لو تجرأ أحد على انتهاك حرمة الدماء فسيجد هذا الشعب النبيل كله ضده، فقد جرّب اليسار ذلك في عثرة من عثرات الجهل فاغتال شخصية من الوجهاء، فوجد نفسه مضطرًا للتبرؤ من تلك الفعلة وإلى اليوم بعدما فاجأته صدمة الناس كل الناس، وأملنا أن لا يبلغ تغير القلوب حدّا تهون عندها فيه حرمة الدماء.

ولكن يجب أن لا يدعونا ذلك للتكاسل والنوم على اللبد، فهناك تغيرات مهمة قد طرأت على البحرين في تكوينها الديني، على الجانبين الشيعي والسني، فهناك ميل قوي نحو السلفية والتشدد، والاعتزاز بالتفرد والمخالفة، وإبراز الشعائر على طبق من التحدي والمنافرة، تجدها على البيوت والسيارات والشوارع والمكبرات، وهذه ظواهر ملفتة لا نجد من يتصدى لعلاجها لا من الجامعات ولا من المؤسسات الأهلية، فالشباب من السنة والشيعة قليلة هي أواصر الصلاة بينهم، مما يزيد من تعمق الشرخ الاجتماعي.

ولقد جرب الجميع مساوئ التشدد وكيف أنه لم يجد المسلمين نفعًا، فهاهم اليوم يقتتلون في كل البلاد على ضريح هنا ومقام هناك وبدعة تسمى سنة وسنة تسمى بدعة، وكلها جهود وأموال ودماء تبذل في الخسران لن تغير من واقع الأمة شيئًا، ولن تكتب عند الله إلا في قائمة الإثم، فالتصوف والتشيع والتسنن كلها بلغت حدًا من الانتشار والتمكن بحيث باتت مضمونة الوجود إلى يوم القيامة، اللهم إلا أن يغير الله أمرًا من عنده، فلنعد لأصل الإسلام العظيم، الجدال بالتي هي أحسن فيما اختلفنا فيه، محسنين الظن في نوايا المسلمين، تاركين الحكم عليهم فيما تمسكوا به إلى يوم القيامة يوم يحكم الله بين عباده فيما اختلفوا فيه، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء فتلك مهمة قد كفيناها فلم نتكلف ما لم نكلف؟ ولندخل في السلم كافة كما أمرنا الله سبحانه.

** وأما من حيث مكر السياسة بالدين والمتدينين، فهذه عادة متأصلة لا يتركونها، فللحكام عرش فهم به يطوفون، ومهما قلت لهم اتركوا الدين لا توظفوه في السياسة فلن يفعلوا، فعلينا نحن أن نحذرهم على ديننا، وإلا فإنهم لن يعفوا عن ذلك، وفي مثل ظروفنا المتوترة لا تعدم رئيسا هنا وملك هناك يزعم للعالم أن مؤامرة مذهبية تحاك ضد السنة من قبل السلطات الشيعية، وكأن السنة عنده في أمن وأمان، وأن سجونه خالية من معارضيه منهم، وكأنه عمر بن عبد العزيز في القيام والصيام.

ولكن الموضوعية تفرض علينا أن نقول أن مقدار تدخل الحكام في الدين في البحرين لم يبلغ يومًا ما كان الخلفاء والوزراء يفعلونه في بغداد بني بويه والسلاجقة، فهم لا يتدخلون في تفاصيل المذاهب ولا يعلنون موقفًا بصحة هذا وبطلان ذاك، والحقيقة أن هذا لا يمثل لهم همًا ولا شغلا، ولولا أنهم يرون في الدين أمنا هنا وخطرًا هناك لما اشتغلت به السياسة، فالحكم في البحرين الأصل عنده عدم التدخل في الدين والمذهب ما لم يخش من ورائه بائقة من البوائق، وما الحيطة والحذر والتقريب والإبعاد الذي نراه، إلا لأنه يستشعر الخطر من الخارج، نظرًا للظروف الموضوعية والتاريخية بين البحرين وإيران، وهذه ظروف معروفة يفرضها واقع الحال الخليجي والعالمي الذي البحرين مرتبطة به، وهذا يتطلب من الجميع وعيًا خاصًا، وعملاً في السياسة بحكمة وروية، طمعًا في إزالة الريبة والشك الناجمين عن وقوعنا في موضع يثار فيه الشعور بالتهديد والخوف من قبل أمريكا والغرب، سعيًا وراء مصالحهم، وتوظيفًا لذلك التاريخ المتوتر بين الخليج عمومًا والبحرين خصوصًا مع إيران والذي يلبس أثوابًا مذهبية وعرقية.

ورغم وجود التمييز الطائفي في الوظائف فإن الباعث عليه ليس دينيًا بل هي بواعث وهواجس أمنية، وهذه على مساوئها العظيمة إلا أنَّها أهون علاجًا فيما لو كانت لمجرد التعصب المذهبي الديني المحض كما نراه عند آخرين، لأنَّ هذا لا علاج له، فالخوف السياسي يمكن أن يحل أو أن تتجاوزه الأحداث، على عكس العداوة في الدين التي تكون أعمق تجذرًا وأبلغ أثرًا وأطول امتدادًا.

** ومن حيث الثقافة: كانت بغداد القرن الرابع ثرية الثقافة تضم نخبة علماء المسلمين في كل علم وفن، هذا التنوع كان له أثر مهم غير مرصود في الحد من انتشار التعصب الطائفي والمذهبي، والبحرين لا تتمتع بمثل هذا التنوع لا كمّا ولا كيفًا، ولكن هناك تنوع من حيث الفكر السياسي والثقافي والفني وهناك اتصال بكل جديد في العالم، هذا التنوع ينبغي تشجيعه والتعامل معه بسماحة، لأنَّ توسعه وزيادة نموه يقلل من الاجتماع على عصبة مذهبية واحدة تهلك بضلالها البلاد والعباد، فاليسار والليبراليون والقوميون والوطنيون والرسامون والنحاتون والكتاب والأدباء والمخترعون والأخصائيون في كل علم وحملة الشهادات العليا، والمثقفون لهم دور مهم ليس في إثراء الفكر وتنوع أنشطة الحياة فقط، بل في الحد من طغيان التعصب المذهبي وسيطرت المزاج السوقي على الناس، الأمر الذي يحد من إمكانية تدهور الحال ويفتح آفاقًا جديدة للتواصل وللاختلاف المهذب.

للأسف لا ينظر كل طرف لأهمية وجود التنوع معه، بل يظن الناس أنَّهم لو كانوا على شاكلة واحدة لكان خيرًا لهم، قد يكون هذا صحيحًا ولكن في نوعية من الناس الراقية النفس والعقل والضمير، وهذا ليس من طبيعة الاجتماع البشري، فنحن لسنا في الجنة، أما الدنيا فمن صالح أهلها أن يتعايشوا مختلفين، ففي اختلافهم رحمة لهم، فالناس كالنبات والحيوان، لكل صنف منهم جانب هو أبصر به وأقدر عليه، ولكنه لو كان مثالا أوحدًا في الوجود.

إن كل فكر ورأي غير عدواني الطابع ينبغي أن يتسامح المجتمع في وجوده ويفسح له مجالا ليبدي قوله فيدخل في تدافع الناس، فإن قدر على الثبات في التدافع اكتسب حق الوجود وإن مات فموتة طبيعية كما تموت الأشياء.

** أما من حيث الوضع المالي والاقتصادي بين البحرين وبغداد القرن الرابع فهما متقاربان، فهناك وفرة مالية جيدة، ولكنها من حيث التوزيع تشكو خللاً لا يستهان به، فالطبقة الوسطى آخذة قدراتها الشرائية في التآكل بالتضخم، فهي تقترب من درجتها الدنيا، فالمهندس والطبيب غير قادرين على اقتناء منزل في وقت مبكر من حياتهما، وهما مضطران للدين في كل مشروع يعزمان عليه، من شراء سيارة أو سفر، فهما غالبًا ما يكونان تحت الضغط، ومثل هذين يمثلان أفضل الجامعيين فرصة في العادة، وأما من هم دونهم من الخريجين الجامعيين فرواتبهم بالكاد تبدأ من الحد الأدنى الذي قررته الدراسات للعيش في البحرين في أواخر القرن العشرين وهو ثلاثمائة دينار، وأما أغلبية الشعب فهي تحت هذا الحد، في الوقت الذي يتمتع فيه أفراد السلطة والوزراء والأعيان والتجار بثراء واسع يملكون القصور والمراكب الفارهة والفلل الفخمة ويعيشون في منتجعات خاصة، وهذه الطبقة في البحرين ليست قليلة في الواقع إذا ما أخذناها في حدودها الدنيا والوسطى والعليا، فهي تمثل شريحة عالية نسبيًا، وتستأثر بقسم عال من الموارد.

لا علينا من الإحصائيات حول مستوى الدخل الفردي، فهذه بالنسبة لنا نحن العوام مضللة، لا تعكس الواقع على حقيقته، بل في صور ملتبسة كمثل الأم التي سُئلت عن راتب ابنها، فقالت إن راتبه مع القاضي خمسة وخمسون جنيهًا! والحال أن نصيب ابنها خمسة.

نحن الذين لا نفهم في المال نكتشف الحقيقة ببساطتنا وبسذاجة توقعاتنا، فحينما ارتفع سعر النفط لمائة دولار زاد دخل الدولة ثلاثة أضعاف وظل البسطاء ينتظرون أن ينالهم من ذلك نائل، وبحسب نظامنا الريعي فالمفروض أن تزداد الدولة ثراء، ولكننا وجدنا أن الأموال تفجرت مشاريع عمرانية ارستقراطية مملوكة للقطاع الخاص ، أملاكًا شخصية، وقيل لنا في الأخبار إنها فوائض النفط، دون أن نفهم الخطة السحرية التي فاضت فيها العوائد إلى جيوب الأشخاص وهي أملاك دولة؟ لم نر مشروعات عامة صرفت فيها هذه الأموال فربح التجار والمقاولون اللهم إلا المشاريع التي أقيمت خدمة لهذه المشاريع الارستقراطية، لم نر إلا أن ذوي النفوذ ازدادوا ثراء بينما بقيت الطبقة الوسطى والدنيا تنتظر الفتات، هكذا نفكر نحن العوام في الاقتصاد، قد يكون تفكيرنا ساذجًا وقد يتعالى علينا في الفهم محلل اقتصادي شاطر، فيبين لنا على الورق ما لا نراه في الواقع، لا يهم فما يهم في سلامة المجتمع هو ما يتنزل للناس من ارتفاع في مستوى المعيشة في الواقع. عجبًا لهم! يستأثرون ثم ّيحسبون أنّ هذه الأثرة لا تترك في الإخلال بالسلم أثرًا!

إن رفع مستوى معيشة المواطنين هو أهم مفتاح لتحقيق الاستقرار، والاستقرار يخلق المزاج المعتدل في معالجة القضايا عند الناس، فالمرتاحون يفكرون بهدوء، والجوعى متهورون، إذ الجوع كافر، والتفاوت الكبير بين الناس يورث الحقد، ولا أمان لبلد يتجاور فيه متخم وفقير، وأما إذا اتخذ التمييز بين الناس في الرزق سمة مذهبية طائفية، فقد سجّرنا التنور.

** وأما من حيث الاعتماد على الأجانب في الحفاظ على الأمن، فإن بغداد قد شهدت اختلاطًا مشوشًا كونها عاصمة دولة مترامية الأطراف تضم أعراقًا مختلفة ومن بيئات متنوعة وحضارات متعددة، وكانت قوى الأمن فيها من الأجانب، وقواد الأمن ليسوا عربًا، والوزراء والأمراء وقتها لم يكونوا عربًا أيضًا، وهذا شكل سببًا رئيسيًا في الكثير من الاضطرابات الأمنية في بغداد، فكثيرًا ما هجم هؤلاء على الناس، وكثيرًا ما ثار بهم الناس، ومما يذكر التاريخ في سبب بناء المعتصم بناء سامراء أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك، فكانوا لا يزالون يُرون الواحد بعد الواحد قتيلا، وذلك أنهم كانوا جفاة، يركبون الدواب فيُركضونها إلى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبي، فيأخذهم الأبناء عن دوابهم ويضربونهم، وربما هلك أحدهم فتُأذى بهم الناس.

إن المعتصم ركب يوم عيد، فقام إليه شيخ فقال له: يا أبا إسحاق! فأراد الجند ضربه، فمنعهم وقال: يا شيخ ما لك، ما لك؟ قال: لا جزاك الله عن الجوار خيرًا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم بيننا، فأيتمت صبياننا، وأرملت بهم نسواننا، وقتلت رجالنا؛ والمعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله، ولم يُر راكباً إلى مثل ذلك اليوم1.

قد لا تشهد البحرين سيطرة للأجانب تبلغ حد استلام الوزارة، والتصرف في البلاد تصرف الملوك، فيكونون ملوكًا على الملوك وشيوخًا على الشيوخ كما كان حال بغداد القرن الرابع، فهذا أمر لا يمكن أن يتكرر في مثل ظروف البحرين، ولكن كون قوات حفظ الأمن من الأجانب فإن ذلك لابد وأن يتسبب في احتكاكات بينهم وبين الناس، خاصة وهم من بلاد أخرى ومن طبيعة ثقافية بدوية لها طابع الجفاء والأنفة، ومعتادة على ردة الفعل الخشنة مما يتسبب حتمًا في حدوث المشاكل بينهم وبين المواطنين، وكلما زادت الاحتكاكات زادت الجفوة، وحدث المزيد من الانتهاكات لحقوق الطرفين، وهذا أمر نشهده مرارًا وتكرارًا، وبدرجة من العنف لم نعهدها، فالشجار في ثقافتهم أخو القتل، ويسمونه قتلاً أيضًا، نحن لا نعيش حالة نقص في عدد المواطنين، وجهاز الدفاع والأمن ينبغي أن لا يسند للأجانب، فلهذا آثار سلبية لا ينبغي الغفلة عنها، والإفراط في الخوف من خيانة المواطنين أمر معيب.

** إن ركوب سبيل الفتن والعنف والعسف والعدوان في التعامل مع الاختلافات المذهبية والدينية والثقافية وإن بدأ بين فريقين فإنه لا يلبث أن يكون نهجًا عامًا وشرعة متبعة بين كل مختلفين، فكما كان الحال ببغداد لم يقتصر العنف على الحنابلة والشيعة بل أصبح خلقًا بين كل مختلفين في مجتمع المسلمين وتناهي إلى التسرع بالفتوى بالكفر وتسبب في قتل وسجن وتعذيب وطرد الكثير من كبار علماء الإسلام في كل فن، وصار كل فريق يغري السلطان بغريمه.

والبحرين بلد لا تكاد توجد فكرة في العالم لا يوجد لها داع مؤمن بها، فهناك مذاهب وفرق وطرق وأحزاب ومواقف شتى، ولا غنى للبلاد عن أن يتعامل الجميع بالتسامح، والتسامح حق وأمانة على المسلم أن يؤديها للناس، فلا إكراه في الدين والدعوة لا سبيل لها إلا بالحكمة والموعظة الحسنة، وما شرع القتال إلا لرد العدوان فقط، وبالقدر الذي يرده من غير إسراف.

إذا لم نتعاهد على ذلك فغدا لا نأمن أن يقتتل الشيعة والسلف، والصوفية والسلف، ثم يتعدى الأمر للمالكية والشافعية، ويتقاتل الإسلاميون واليسار والإسلاميون والليبراليون، والعجم والعرب، والمواطنون الأصليون مع المجنسين، واليسار مع اليسار والشيعة الأصولية مع الشيعة الإخبارية، والوفاق مع حق، والأصالة مع المنبر الإسلامي وكل مختلف مع مخالفه، وهكذا حتى نغدوا لا وسيلة عند الناس في الخلاف إلا الشجار، بل يتعدى الأمر بالناس ليكون الشجار وحدّة المزاج والغلظة خلق عام في التعامل بينهم على كل شاردة وواردة، فكل حادث سير ينقلب عراكًا، وكل اختلاف على بيع يتحول شجارًا، ونخسر طيبتنا وتسامحنا الذي اكتسبناه عبر تجربة طويلة من الحياة التجارية المعتمدة على حسن التعامل مع الآخرين.

** كما انتشرت مظاهر الإثارة عند العوام في بغداد من مسوح وكتابات ورايات ومواكب وأشعار وتقمص أدوار تاريخية، فهاهي تنتشر في البحرين لتعطي مؤشرًا على تنامي التعصب في العامة، فاليوم يتشاجر أهل حيين على موقف سيارة، يقول هذا لا أبيح لك الوقوف على باب داري، ويقول الآخر هذا موقف عام لا حق لأحد أن يمنع منه أحد، والغرض هو التعصب ضد أو مع الحسينية المحاذية، ويمنع فريق بكل جهده ونفوذه في الحكومة من أن يقام مسجد أو مأتم للطائفة الثانية في منطقة جديدة مختلطة، فيرد عليه آخرون بإقامة الأذان والدعاء من البيوت، وصارت البيوت نفسها مآتم يعلق على جدرانها السواد والرايات المذهبية وتقام فيها جلسات العزاء، وصارت العبارات المستفزة والمعلنة عن الهوية المذهبية تكتب على السيارات، فكأنما عاد كل طرف يتمسك بهويته المذهبية الطائفية بدلاً من الدين الجامع والوطن الجامع.

** وإذا حدث هذا التمزق والتغير الأخلاقي فستنتشر العصابات كما انتشر العيارون ببغداد، العصابات المنظمة التي ستسرق ما تبقى للناس من هامش صغير من الأمن، فلا يؤمن على طفل ولا امرأة ولا مال، وأرجو أن لا نستبعد هذا خاصة وأن بوادره ماثلة في اختطاف الصبيان والنسوان وكثرة التدليس والتزوير، فالكثير من الدول الأقوى منا بكثير والأكثر تطورًا أعجزتها العصابات لما فسدت أخلاق الناس، وليس ثمة أغلى من الأمن تلك النعمة المجهولة التي لا يثمنها الناس حتى يفقدوها.

** بغداد القرن الرابع لم تعرف مفهوم المواطنة، ولم تعمل بنظام الشورى، ولم تعرف تعدد السلطات والفصل بينها، ولم تعرف التمثيل النيابي، ولم يكن لها دستور وميثاق، ولم تعرف الصحافة تكلم الناس كل صباح، ولم تعرف انفتاحًا على العالم بعيون تخترق كل جدار، الحداثة والعولمة والنظام الدولي هي أكبر فارق بين بغداد الأمس والبحرين اليوم، وهذا من أهم أسباب الأمل.

الشيعة كمذهب وطائفة لهم أفراد لا ينوبون عنهم بصفتهم شيعة ولكنهم قادرون على إيصال صوتهم ورغبهم ورهبهم، والسنة بمختلف مدارسهم لهم نواب قادرون على إيصال رغبهم ورهبهم، والدولة في هذا الزمان غير قادرة على الحيف الجائر دون أن تلقى حسابًا دوليًا، أو تخشى منه على الأقل، المجتمع المدني النشط قادر على وأد الفتن وفضحها ومواجهة دعاتها، الصحافة الحرة سيف بتار قادر على قطع دابر الفتن، نحن إذا نملك من الفرص والأدوات ما لم تملكه بغداد البويهية والسلجوقية.

العالم الحديث قد تثقف بشرعة حقوق الإنسان، وأصبح يستهجن التمييز الديني والعنصري ويستقبحه ويدينه ويجرمه ويعاقب عليه، والأمم المتحدة تراقب الدول والتزامها بالمواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، ولا يظن المتطرفون أنهم سيفلتون من عقاب الدنيا كما أفلت الأولون، فهاهي المحاكم تعقد وتتوعد، وفي هذا خير للناس كافة.

نحن إذا أفضل حالا بما أننا نعيش في العصر الحديث، ولكن من قال إن المتعصبين لا يتهورون؟ وقديمًا قيل الحقد يعمي، ومن الناس من يقدم على إهلاك نفسه إذا كان في ذلك إهلاك عدوه الذي يبغضه، والتعصب الديني يملك من الإغراء ما يرّغب في الموت فيسميه شهادة، وقد حدثت مجازر مروعة في بلدان عديدة كرواندا قتل فيها الناس بعضهم في أيام قليلة والعالم وقف عاجزًا عن فعل شيء إلا بعد خراب البصرة، وهاهي التفجيرات الدامية قد مزقت بغداد القرن العشرين بأكثر مما مزقته فتن القرن الرابع مع وجود أقوى قوات العالم في أزقتها لم تجد نفعًا ولم تتمكن من منع الكارثة.

الحق أنه لا يوجد شيء يقدر على حمايتنا من جهلنا وتعصبنا وتشددنا إلا وعينا وتسامحنا واعتدالنا، ورغبتنا في العيش المشترك، فإذا كفرنا بهذا فسنتعلم الدرس ولكن بالطريقة القاسية التي تعلم بها سوانا، ثم سنعض سبابة الندم عبرة.

الطائفية علاقة طبيعية ما لم تتحول إلى نظام سياسي اجتماعي يعطي للأفراد هوية انقسامية فئوية، تطالب بحقوق سياسية أو اقتصادية مخصوصة، فهذا الفعل الطائفي هو من العالم القديم ولا يتفق مع المفهوم الحديث للدولة، ولأننا لا نعيش مفهوم الدولة الحديثة بشكل حقيقي فإن هذه الهويات الثانوية يظل لها حاجة في الناس، ومن أراد أن يترك الناس الثقة في الانتماء الطائفي فعليه أن يصنع دولة لا فئوية لا طبقية لا قبلية دولة لا تميز بين المواطنين.

إن الطائفية في بغداد بني بويه وإن كانت توظف لأغراض تخدم الساسة، إلا أنها لا تطالب بقضايا سياسية أو اقتصادية، فالوجه المعلن لها هو قضايا دينية، ولكن الطائفية في البحرين وإن كان يقودها رجال دين ومتدينون إلا أنها تطالب بحقوق سياسية واقتصادية، وهذا يعني أننا على أبواب الطائفية السياسية، وغدًا إذا ما ترسخت وتجذرت سيكون قائدها من غير رجال الدين ومن غير المتدينين أصلا، ولا عنوان له إلا الانتماء الطائفي، وسيطرح نفسه بديلا سياسيًا حزبيًا أو غير حزبي، ومهما اتخذ من اسم وطني وديمقراطي وإسلامي، إلا أن رؤيته فئوية وقاعدته فئوية وموجهاته فئوية، فندخل في نكوص الطائفة وراء نكوص القبيلة والعائلة، بعيدًا عن مقتضيات الدولة الحديثة، ونبتعد خطوات أخرى إلى الوراء عن مفهوم المواطنة متساوية الحقوق.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.