مشاركة الجمعية في مؤتمر التنمية الإنسانية الأول

عـلـى خـطـى التجـديــد

(نحــو إنســان عربــي جــديــد)

الملتقى العربي الأول للتنمية الإنسانية ” نحو إقامة مجتمع المعرفة “

بتاريخ 8-9 ديسمبر 2004،

الأستاذ عيسى الشارقي

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية – مملكة البحرين

تمهيد:

الأساتذة الكرام، واضعي التقرير، قد طلبوا من الناصحين، في الفصل التاسع، النظر لتقريرهم بعين الناقد، وآثروها على عين المادح ، صدقاً منهم في طلب الأصوب والأفضل ، وإخلاصاً منهم لخدمة هذه الأمة، ولهذا فلنمشِ مع التقرير هذا الممشى ، مقدرين لواضعيه، ما أسهموا من خلاله، في تطوير طريقة تفكيرنا لقضايانا ، وما أسهموا به من نفائس التشخيص والعلاج لقضايا أمتنا العظيمة .

ولقد ركزت هذه الورقة بداية، على ضرورة الانطلاق من هويتنا الخاصة، ورسالتنا التي نحملها للعالم، فالأمة العربيّة الإسلامية ليست كسواها من الأمم، فهي أمة ترى في نفسها أنها خير أمة أخرجت للناس، ولديها رسالة تبلغها. هذه هي الأرضية التي تؤمن بها جماهير هذه الأمة ، ومن الواجب أن ننطلق بالأمة مما تؤمن به، وتراه رسالة لها،لأن ذلك سيكون أدعى لانطلاقها واستجابتها .

ثم عرضت الورقة إلى الأزمة العميقة التي تعيشها هذه الأمة، والتي أفقدتها القدرة على متابعة الأمم عوضاً عن قيادتها وريادتها، ومن ثم يتبين لنا أهمية التجديد في هذه الأمة، وإعادة تأهيلها وتأهيل إنسانها.

ثم استعرضت بعض القضايا، التي وجدنا أن التقرير إما أغفلها كلياً، أو أغفل جانباً أساسياً فيها، وركز على جانب آخر ، كما نجده في التركيز على جانب القدرة المادية غالبا ، وذلك لما في غياب هذه القدرات من تأثير واضح ومباشر على تخلف قدرة أمتنا على المنافسة والتقدم، ولكننا نرى أن الاهتمام بهذا الجانبٌ وحده، لا يسد الخلل ، بل هو ليس بأهمية الجوانب المعنوية والأخلاقية والتربوية، التي لم نجد لها في التقرير ما يناسب أهميتها البالغة .

وبعد أن بينا سبل تجديد الفكر الديني، والذي هو الجذر الأساس لخصوصية أمتنا وحضارتنا ، وبعد موافقة التقرير في جوهرته الثمينة، من إعلائه لمنزلة الحرية، وضرورتها كمفتاح للتقدم والتطور ، ذكرنا أن هذه الحرية لا ينبغي قصرها على الحريات العامة للمجتمع ، وإنما ينبغي أن تتعمق لتشمل أولاً : الفكر والقول والعمل على المستوى الاجتماعي العام، ثم ثانياً أن يكون ذلك تمهيداً لخلق الإنسان العربي المسلم الحر فكراً وقولاً وعملاً، والذي هو الجوهرة الثمينة في الحرية ، وبه يظهر المفهوم الخاص للحرية في أمتنا، والتي هي الانطلاق في خصوص الفضائل والكمالات، والقدرة على التحكم في الذات . ومن هنا فرّعنا منها فرعاً رأيناه مناقضاً للحرية في المجتمع والإنسان، وهي ظاهرة المذهبيّة، التي ترسخت في أمتنا، حتى صارت من البديهيات عند أهلها، صغاراً كباراً، علماء وعوام ، فدعونا إلى نبذ هذه المذهبية، على مستوى العلماء أولاً، والعامة ثانياً ، وبدون هذه النبذ لن نتمكن من التحرر والحرية .

ولما وجدنا أن التقرير يركز في جهة إصلاح مناهج التعليم، ونشر التعلم الراقي النوعية، على جوانبه العلمية والتقنية والفنون والأدب، ويغفل النواحي الأهم، وهي التربوية الأخلاقية والنفسانية وقواعد اللياقة ، فقد توسعنا بعض الشيء في ذلك، وذكرنا أهمية أخذ هذه الأمور بطريقة منهجية، ووسائل تدريب عملية، بدلاً من تركها بلا نسق ولا نظام ممنهج .

ثم تعرضنا إلى مشكلة لم نلتفت لتصريح التقرير بها ،وهي ضعف حجية العلم التجريبي والرياضي في أمتنا ، فهي لا تراه بمستوى حجية النص، حال تنظيم حياتها وتشريعاتها، مع أنه حق، والله يحق الحق، فطالبنا برفع منزلة العلم التجريبي لمستوى الحجية والوثوق، في حل المشكلات ووضع النظم والتشريعات .

ولما كانت اللغة هي مفتاح علمية الفكر، فقد طالبنا بإعادة العلمية للغة العربية، ليس على مستوى ما طالب به التقرير، من موائمة العربية للعلوم، وزمان الشبكة الدولية للاتصال ، فهذه مهمة، ولكنها ليست المعضلة الأكبر ، بل المعضلة هي ما غيبه مفهوم الترادف من خصوصيات الألفاظ في لغتنا، وبالتالي فقدنا الدقة العلمية التي يمكن أن نلحظها في تراثنا العظيم، وتأثرت طريقة تفكيرنا بذلك.

ثم طالبنا بضرورة أن ننصب لنا إنساناً مثالاً أعلى، نسعى نحوه في كل برامجنا، حتى لا نضل الطريق، فنظرتنا ينبغي أن تمتد للأفق البعيد، لا أن تنطلق من واقع الحال فقط، فالانطلاق من خلال نظرة ” الحمار ” الذي يركز ناظريه على ما بين قدميه، توجب كثرة العثرات، ولكن الانطلاق من خلال نظرة ” الجمل “، الذي يرمي ببصره بعيداً، تساعد على اكتشاف معالم الطريق. ثم حاولنا أن نضع وصفا، لهذا الإنسان المثال، من خلال فضائلنا وخصوصيتنا، فجعلناه ربانياً، خارق القدرات العقلية والنفسية والروحية ، والتي نؤمن بإمكانها .

ثم طالبنا أمتنا بتطوير الأخلاق، التي جاء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لإتمامها حين قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، مؤملين أن لا ينظر القارئ الكريم لما قلناه، بعين قصير الهمة ، فإنه حينها سيرى ما ذكرناه، من الواقع المأمول خيالاً . وإننا لنهيب به، أن يسعى نحو هذا الذي يظنه خيالاً، فإنه إن لم يدركه فسيدرك بعضه، وبعضه كاف للتقدم بل وللتميز.

مأزق الإنسانية:

الحضارة الغربية اليوم، وهي تتعملق في قدراتها الماديّة، تتقزم – ويا للأسف – في اتجاهاتها المعنويّة. فالمأزق الأخلاقي المهلك، الذي وقعت فيه وقادت العالم إليه، هو في إيهام وتوهم، أن السعادة هي في التمكن من الاستهلاك.

فالإنسان اليوم في كل بقاع الأرض، وتأثراً بالحضارة الغربية، يقيس السعادة في الغنى والثروة، والتمكين من مختلف جوانب القوة المادية، من مسكن فاخر ، ومدينة متطورة نظيفة، ومواصلات ميسرة، وعلاج متقدم ، ورعاية في الشيخوخة ، وضمان اجتماعي، ووفرة في المعروض من السلع ، وقدرة على الشراء ، ثم في امتلاك القوة القادرة على الردع ، بل أكثر من ذلك القادرة على إدخال الرهبة في الآخر. ذلك في نظام تعليمي مثمر ، ووظائف ممكنة ، وتطور علمي قادر على حل المشكلات واكتشاف الجديد.

هذا هو لباس السعادة الذي قدمته حضارة الغرب بكل اتجاهاتها للإنسانية ، وقد تقبلته الإنسانية جمعاء لم تختلف عليه ، وإنما اختلفت على حيازة أسبابه من ثروات الطبيعة ، وأسباب القوة ، وأسرار العلوم طمعاً في أن ينال كل وحد قصب السبق في أسباب السعادة وإن كانت على شقاء الآخرين.

وحتى أمثل الناس طريقة من دعاة الإنسانية وحقوق الإنسان والسلام العالمي ، والتعاون الدولي، لم يخرجوا عن هذا الفهم للسعادة وأسبابها ، وإنما هم يدعون لتقاسم الخير، بالمقدار الذي يقضي على الفقر وينشر الصحة فيمنع الأوبئة، وإلى الحرية والديمقراطية ليعم السلام ، وللحفاظ على البيئة استدامة للتنمية ، فهم المصلحون ولكن من داخل القفص. مهما شرقت ومهما غربت، فلن تجد فهماً آخر للسعادة غير هذا في عالم اليوم، يراه هكذا عالم رأس المال وعالم الاشتراك، والعالم النامي، والديمقراطيون والمستبدون، والليبراليون والمحافظون، لا بل والماديون والمتدينون.

أين هي السماء ؟

السعادة في حضارة الغرب هي نداء أرضي بحت ، شبيه بنداء كل الشعوب التي عبدت الأوثان من قبل، ولكنه نداء جبار متمكن واثق، قد أمسك بزمام الأسرار، وظن أنه قادر على كل شيء، إنه نداء أكثر قوة وأموالاً من كل ما سبق من حضارات ودعوات سماوية أو أرضية . إنه نداء وظف قدرة العلم الجبارة، فراح يكشف الأسرار كالآلهة فلا غرابة أن يعبد، انه السامري الذي يخرج من المعادن عجلاً له خوار، فلا غرابة أن تظنه الإنسانية ربها فتسجد له الإنسانية اليوم قد تخلت عن السماء ، ونسيت أن لها رباً غير عجل السامري، فلن تجد أمة غير أمة الإسلام – والعرب هم رأسها – تدعي أنها على اتصال مع السماء : حضارة ودولة وثقافة ومدنية .أخلاقاً وسلوكاً ، روحاً ونفساً وعقلاً . وحدها أمة الإسلام يوجد فيها مثل هذا التفكير والفكر، وحدها في عالم اليوم من يوجد فيها عزف لهذه النغمة النشاز : – أن يا أيها الناس إن السعادة لا تكمن في الغنى والثروة، والمتع والتسلع، وإنما هي قبل كل شيء، في صفاء الروح ورقيها، وفي الارتباط الروحي بالسماء وفي صياغة الحضارة على نور هداه . فتش العالم إن شئت، فلن ترى لهذه الدعوة- ربط الإنسان المتحضر بالأخلاق العالية وهدي السماء- ألسناً سوى في هذه الأمة .

العالم سيدمر نفسه:

إن العالم وهو يعيش مفهوم التسلع والاستهلاك كأساس للسعادة، لا بد وأن ينتهي به المطاف بتدمير نفسه . لأنه يوماً بعد يوم يسير نحو مزيد من الغنى والثروة والقوة والمكنة، و لكن دون أن يوازي ذلك بتطور أخلاقي يوازن الطغيان الذي تنميه القوة لا محالة (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)(العلق:6-7)، فعيون الدول الأكثر قدرة، تمتد لا محالة لثروات الأمم الأخرى، يد فعها الطمع وتغريها القوة والطغيان ، وهي إن دفعت مالاً أبخست ، وإن عورضت طغت ، ولكن التسابق نحو أسباب القوة والمكنة سيكون عالمياً ، ولن تتحمل الإنسانية تبدلاً في توزيع الثروات يتسبب فيه تغير مناخي مثلاً ، فلو قد تغير المناخ – وهو يتغير – وأصبحت صحاري قوم رياضاً ، ورياض قوم صحارى ، واختلفت الأرض في توزيع جنانها وأثقالها، إذاً لقامت الحرب العالمية الثالثة التي لن تبقي ولن تذر .

إن الأمة الإسلامية – والعرب رأسها – هي الأمة الوحيدة الباقية التي تقدر على العودة بالإنسانية نحو السماء، لتعلو عندها من قيم الروح المعنوية، ولتصل حبلها مع السماء كما فعل ذلك دائماً الأنبياء والرسل، كلما ابتعدت الإنسانية عن الله نحو الشهوات. و على أمتنا أن تعي أهمية هذا الدور وأن تستعد له، وتنهض به، وهو دور لا بد منه، ولو تركناه استبدل الله بنا غيرنا (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)(محمد: من الآية38).

معضلة الأمة العربية الإسلامية:

ولكن هل الأمة الإسلامية، والعرب رأسها، قادرة اليوم على القيام بهذا الدور ؟ بالطبع كلا . فما افترضنا من أن المسلمين هم الوحيدون في العالم، القائلون بوجوب الارتباط بحبل السماء، لا يعدو أن يكون متجاوزا عن لوازمه، ساكتا عن مقتضيات ادعائه، فالأمة الإسلامية اليوم، يتدلى لها من فوقها سبعون حبلاً وحبل، كل حزب ومذهب يظن أن حبله هو الموثوق بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، والحال أن حبلاً واحداً فقط أو لا حبل، هو مستمسك بها، والبقية في عرى منفصمة تائهة عن السماء ، ولكن الشيطان قد أوغل في ارتفاع حباله علوا لم تعد كل فرقة ترى معه عروتها . والحق المر هو أنها جميعاً ليست في العروة الوثقى وأن حبل العروة لا زال مطوياً ينتظر فواق هذه الأمة من سكرتها ليتدلى .

الأمة الإسلامية اليوم هي أسوأ من أمة إسلام القرن الرابع الهجري ، امتنا اليوم أمة جامدة محنطة تجتر القديم وتعيش فيه ، أمة تدعو للرجوع للوراء لا لتماس النور ، تؤمن بالنص دون سواه ، مع أنها غير قادرة على تمييز صحيحه من سقيمه ، ثبت عندها الثابت والمتغير ، غابت عن الفعل واكتفت بالانفعال ، بنت ولا زالت تبني حول نفسها أسواراً من العزلة ، ترفض كل جديد مغاير ، وتستريب من كل تجديد . أمة مزقتها المذاهب، يكفر بعضها بعضاً ، لها فهم جامد للقرآن ، متخلفة في مختلف النظم العلمية والثقافية والفلسفية واللغوية والاقتصادية والتعليمية والبحث العلمي ، وسائر العلوم والصناعات ، مطمئنة للاستبداد وتوارث الحقوق والأهلية . لا تصلح بهذا الحال شريكا في صناعة التقدم فضلاً عن أن تكون رائدة له.

فانظر إلى مأزق العالم في مأزق هذه الأمة ، حينما يكون المنقذ نفسه يحتضر تخلفاً ، والمنقذ يتفجر نشاطاً ، هل يستطيع هذا الأب المقعد أن يبعد ابنه الفتى الفلتان عن مهاوي التهلكة؟

نعلم أن العالم يسير إلى الهلاك بعيداً عن الله ، ونعلم أن دواءه عندنا ، ولكننا نعلم يقيناً أننا أعجز من أن نصف له هذا الدواء فضلاً عن أن نسقيه إياه ، ذلك أننا قد فقدنا وصفة الدواء الناجح لنا وللإنسانية، فواجبنا الأول اليوم أن نستعيد عافيتنا لنتمكن من مساعدة الإنسانية في العودة إلى طريق رشدها، فأين هو طريق العافية ياترى ؟

التجديد ضرورة:

لو كان هناك سبيل لنهضة العرب غير الإسلام لقبلنا بتجربته، ولكننا بالفعل قد جربنا الكثير ، ابتداءً من حركات التحرر الوطني، حين قامت في كل وطن فئة من المثقفين بل قل العسكريين الذين لبسوا أثواباً ثقافية وأيد لوجيه متنوعة من الأزياء التي خاطها الشرق أو الغرب المتقدم ، قاموا مخلصين لأمتهم – أو هكذا ينبغي أن يكون –، لأنه حتى مع هذا الإخلاص المفترض، لم تفلح، ولا فئة واحدة، أن تخلق تقدماً حقيقياً في هذه الأمة ، لم تتحرك الأمة معهم مطلقاً في مشروع حضاري نهضوي، كانت كلها مشاريع نخب ، والجماهير تتحرك بدافع الظرف الظالم القاهر ليس إلاّ، لا بدافع الاعتقاد والإيمان بالمشاريع الحضارية المطروحة ، لا على مستوى الاتجاهات الوطنية ولا القومية ولا الاشتراكية، ولا المركبة من هذا وذاك، وليس من داع لتجربة الدعوة الأمريكية الجديدة في الديمقراطية والنمو المسنود عالمياً، فمعالمه واضحة منذ البداية وكلها ألوان تقوم على السلطة والنخب والإعلام، دون أن تؤمن بها قواعد الناس، ولم تقدر على إخراج الأمة حتى لبر العزة، الذي طالما عشقته هذه الأمة التي تظن في نفسها أنها خير أمة أخرجت للناس ، وقد بلغ بها اليأس والإحباط إلى درجة أن تصدق كل ناعق بصوت ظاهره عزة.

لقد أيقن الكثير من المثقفين والمفكرين العرب والمسلمين، بأن لا سبيل لنهضة العرب والمسلمين إلاّ بالإسلام فهو دين أعمق نفاذاً، وأوسع شمولاً، لعقل ونفس وعواطف الأمة وسلوكها، من أن ينتزع أو يغير ويستبدل به غيره. ولكن الإسلام كما وصل حاله اليوم، هو غير قادر على خلق الحضارة من جديد، نظراً للجمود والاختلاف الشديد ، والتخلف الواسع الذي هو عليه ، وعليه فلا مناص من القيام بعملية تجديد واسعة، وعميقة، وطويلة لهذه الأمة، فكراً وحضارة وسلوكاً وأخلاقاً، وهذا هو أعظم واجب اليوم . والذي بدونه سنكون قد ضيعنا أنفسنا ورسالتنا التي كلفنا الله بها ، وسنكون قد قصرنا في حق الإنسانية حيث نتركها للسامري وعجله، بعيدة عن توحيد الله، تائهة الروح .

ماذا نجدد؟

إن التجديد كما هو ضروري فهو شديد الخطورة أيضاً ، لأنه على ضرورته ينبغي أن يكون سليماً يحافظ على المعالم الصحيحة، والمكونات السليمة لهويتنا ورسالتنا، وأما إذا امتد بالتحريف لها، فسيكون التجديد بوابة واسعة لإفساد جديد تفقد فيه الأمة ما تبقى من معالمها ومكوناتها ، أو تقتتل فيه ، أو تموت به جذور التجديد ورجاله ويفقدون الثقة في أنفسهم وتفقد الأمة الثقة بهم.

فالتجديد يحتاج إلى مخلصين صادقين أحرار، صالحين في أنفسهم وأخلاقهم وسلوكهم. يحملون هموم الناس، قوامين بخدمتهم، مندمجين لا منعزلين، ليسوا من النخب المنعزلة، ولا الذين لا يلتقون الجمهور، ولا يحملون همهم. ولو كانت الرسل هكذا، لما استطاعت أن تغير شيئا. ثم إن لهذه الأمة ثوابت على رأسها القرآن الكريم، وأي محاولة للتجديد تقفز عليه ، وتتجاهله ستكون ضالة مضلة ، بل هو المهيمن، وهو الدليل والمرشد، وإليه يحتكم، ومنه يستنبط، وفقاً لمناهج جديدة مبدعة، تثور القرآن، وتتدبره تدبر الفاحص والعبادات من ثوابت هذه الأمة، خارجة عن نطاق التجديد، موقوفة على ما جاءت عليه من الرسول الأعظم ، لا يجوز تبديلها أو إلغاؤها. والأخلاق الفاضلة هي من ثوابت هذه الأمة، لا يجوز تجاهلها، ولكن من الممكن تطويرها، والإضافة إليها مما هو أسمى .

وعقائد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا نقاش عليها، والنقاش فيها مفتوح ،لأن التجديد ينبغي أن يمتد لتصحيح كل فهم خاطئ، سواءً في الثوابت أو المتغيرات، ذلك أن تصحيح فهم الثوابت لا ينفي ثبوتها، بل هو من الأولويات ، لان الثوابت المغلوطة، تولد فكراً مغلوطاً، فإذا كنا نفهم خلقاً من الأخلاق، أو فضيلة من الفضائل، على غير وجهها، فإن ذلك سيضلل سلوكنا، فنسيء من حيث نظن الإحسان، وإذا كنا نفهم الجنة مثلا على غير وجهها، فإن ذلك سيوجه سلوكنا في الاتجاه الخاطئ، فنكون كالسائر على غير الطريق لا تزيده كثرة السير إلاّ بعداً.

والتجديد ينبغي أن يمتد، لما جمد من فهم علماء الأمة على ما سبق وأن قيل ، حتى صارت أقوال الأوائل سنة، بدعوى أنها قول خير القرون، وأنهم كانوا أدرى بالظروف الشرعية والتشريعية ، إن هذا القول قائم على فهم خاطئ لنداء القرآن ، ولخطابه فكأننا ينبغي أن نستمع القرآن من خلال أول السامعين ، والحق أن كل جيل مطلوب منه أن يقرأه وكأنه يتنزل عليه تواً، فيراه بعين عصره لا بعين القرون الأولى ، وذلك دون أن يتجاهل ذلك الزمان وظروفه، وتوجيهات مبلغه صلى الله عليه وآله ، ولكن دون أخذ أقوال السلف قوانين.

والتجديد يطال ما خُلد من مرويات السنن، وجعل حاكماً على القرآن ، فكما في الدين ثابت ومتغير فالسنة منها ما يبين الثابت ، ومنها ما يعالج المتغير ، وهي أحوج ما يكون الحال إلى ترك متغيراتها، التي لم تعد مناسبة لما لحقها ، فما كل مروي من السنة يستحق الخلود ، لأنها قد تكون خطاباً مناسباً لظرفه، هذا إذا لم يكن فهمنا لها خاطئاً، أو تكون مكذوبة وما أكثر ما كذبوا عليه ( ص).

والتجديد يطال التشريعات في كثير من جزئياتها التي ملأت كتب الفقه ، فالثابت من التشريع هو ما أثبته القرآن ، والفهم فيه مفتوح ، والثابت من تشريعات السنة هو ما كان بياناً لثوابت القرآن والفهم فيه مفتوح أيضاً ، أما ما يتغير مع الزمان فينبغي أن يتغير حكمه ، فلكل حكم موضوع فإذا تغير الموضوع ولو في وجه أمكن تغير الحكم بل وجب ذلك ضمن الأصول والثوابت .

والتجديد يجب أن يطال العادات والتقاليد والأعراف، التي تماهت مع الحكم الشرعي يومها ، ولكن تشريعها إنما كان لظرف اجتماعي ثقافي، لا لأنها مطلوب في حد ذاته ، فإذا ما وردت سنة أو حكم، في طريقة لباس، أو زواج، أو عزاء، أو طعام، أو رياضة، أو جلسة، وما شابه ذلك، فإن هذا لا يعني إلاّ أنها خيار من بين خيارات كانت متداولة، وجه الشارع لواحد منها على سبيل الإرشاد ، ولكن هذا اللباس سينقرض، وتلك العادات ستتبدل، وستأتي خيارات غيرها جديدة، ليست بدعة ولا حراماً، بل علينا أن نتخير منها ما هو مناسب لثقافتنا في أصولها ومزاجها العام .أما النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والتربوية وغيرها، فالجمود على ما جاءت به السنة أو فعله الأوائل، هو جهل بالمقاصد، وجمود على الموروث، فهذه الساحة الواسعة هي نبض التغيير، وتثبيتها على أمور محددة هو الموت والتخلف، ولم يجعل الإسلام لها من الضوابط إلاّ الخط العريض .

كيف السبيل؟

ولكن كيف السبيل لخروج أمتنا من مأزقها، أملاً في الاستعداد للمشاركة في توجيه الإنسانية، ثم ريادتها نحو الحضارة الفاضلة المتصلة بالسماء ؟ هذه نقاط نراها ضرورية، ولا ندعي الشمول وهي إلى العصف الذهني أقرب منها إلى التصنيف البحثي المتكامل.

أولاً: اعتماد الحريّة كثابتة أولى:

وهي أول كل الحلول، وبدونها لن يتكامل شيء. و تشمل حرية الفكر والقول والعمل، على مستوى الإنسان المجتمع، والإنسان الفرد. فعلى المستوى الاجتماعي، يجب رفع الحظر عن العقل أن يفكر بحرية ، وأن تزال أسوار الممنوعات ، كل الممنوعات، إلاّ ما يغادر بالإنسان عن الإنسانية، إلى البهيمية وأخلاق السباع ، كتقبيح مطلق العمل الصالح، والدعوة إلى عدم المسئولية ، و إلى مغادرة الفضائل الإنسانية المفترضة، من الأخلاق التي سما الإنسان بها، وغادر الحيوانية ، فلا حرية في إباحة الشهوات بغير ميزان ، وارتكاب السيئات من الفعل والقول بغير ضابط ، فما أردنا الخروج عن دنيا المتعة الغربية لنشرعها لأنفسنا باسم الحرية . ولا نقصد هنا الأخلاق والفضائل خصوص ما أرشد له الإسلام، بل ما تسالم عليه العقلاء من الناس مما أمر به الإسلام ، مما لا يقوم مجتمع ولا دولة ولا أسرة ولا اقتصاد بدونه، من حرمة الأعراض والدماء والأموال والعائلة،والكذب والخيانة وما سواها، فالمجتمع الحر هو المجتمع المسئول لا المنفلت .

فللعقل أن يفكر في الوجود، والخالق والمخلوق، وعالم الغيب والشهادة، فيثبت أو ينكر، يتفق أو يخالف، لا حظر عليه ولا عقاب في الدنيا، ما دام تفكيراً جاداً هادفاً، وإن قصَّرت به الوسائل والمعطيات ، وله أن يناقش فهم العلماء في التفسير والحديث والشريعة، ويفندها أو يسندها ، يرفضها أو يقبلها، مادام مركبه البرهان وإن أخطأ، و له أن يخالف المسلمات والمشهورات، والأعراف والتقاليد الراسخة، وينقض مالا يشك في صحته المجتمع والعلماء، فلا بد من إطلاق العقل من نير الصنم، المتمثل في التقليد والإتباع. وله أن يطرح النظريات الفلسفيّة والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، دون أن يراعي أثناء بحثه مسلمات الدين، والموروث، فيتقيد بقيودها إيماناً أو خوفاً، فالمجتهد المخلص الباحث عن الحقيقة له أجر إن أخطأ أجران إن أصاب. ثم له أن يدعو إلى ما توصل إليه فكره، بكل الوسائل التي يقدر عليها، مهما ارتقت هذه الوسائل وتنوعت، من تلفاز أو إذاعة أو صحافة أو شبكات اتصال، بحسب تطور عصره وما يتمكن منه،مطالباً باتخاذ ما توصل إليه طريقاً في العمل .

وله أن يوصل أفكاره لمراحل العمل، عبر الطرق الديمقراطية، التي تفتح المجال لسنة التدافع أن تأخذ مجراها، فمتى ما تمكنت فكرة ما من الانتشار، وقلبت قناعات الناس، فمن حقها أن تأخذ مجرى التطبيق، وبهذه المراحل الثلاث من الحرية في وجهها الاجتماعي، ستأخذ سنة التدافع مجراها وتفعل فعلها فيسلم البناء الاجتماعي من التناحر(وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)(البقرة: من الآية251)، ولن يصح معها إلاّ الصحيح، ولو نسبياً، وستكون كل الأفكار قابلة للتعديل أو الإلغاء والاستبدال، ومع غير ذلك قد يسود ما هو فاشل أو خاطئ أو عقيم أو قديم مشلول، دهوراً طويلة تتخلف به الأمة .وهكذا يمكن القيام على صناعة وتربية، إنسان حر في جوانبه الثلاثة: إنسان حر الفكر، حرٌّ في القول، حرٌّ في العمل.

الإنسان الحر في تفكيره، هو من لا يأسره إلاّ الدليل والبرهان، يدور معه حيث ما دار، لا يتعصب لقول دون قول، ولا لمذهب دون مذهب، حتى لو خالف ما كان عليه من قناعاته ومسلماته ، والجدال المفتوح بالتي هي أحسن هو ميدان تتدرب فيه عقول الناس، على قبول الحق دون مواربة، وإن خالف رأياً أو شهوة أو رغبة ،وهذا الإنسان حر الفكر والتفكير هو رأسمال التقدم .

وبإزالة احتكار وسائل التعبير، و إزالة التهديد بالعقوبة والأذى، لكل من يقول ما يخالف مراكز القوى ، سنفتح المجال للإنسان، أن يكون حراً في قوله، لا يكتم الحق الذي رآه، ولا يتتعتع في الإدلاء بشهادة، لفكرة أو ضدها، فنضمن أن يعبر كل إنسان عما يراه حقاً، ونساهم في خلق الركيزة الثانية من ركائز الإنسان الحر:حرية القول .

وحينما نسمح بحرية العمل للجميع، وفق ما بلغته قناعاتهم، عبر الأنظمة الاجتماعية الديمقراطية المتاحة، فإننا نساعد في خلق الناحية الثالثة للإنسان الحر، الذي لا يخالف فعله قوله ، والذي يلزم نفسه قبل الآخرين بما يقول،أملا في أن نصل يوما إلى الإنسان الحر، الذي يفكر مسئولا، ويقول مسئولا، ويفعل مسئولا.

هذا التعاضد بين حرية الفكر والقول والعمل، على المستويين الاجتماعي والفردي، يشكلان جدلية لن تظهر ثمارها في الإنسان سريعا، ولكنها المفتاح الضروري لبداية صحيحة، فبدون ذلك لن نضمن تصحيح أي خطأ أو انحراف أو جهل أو ضلال.

ثانياً :نبذ المذهبية :

من الثمرات الطبيعية للحرية نبذ المذهبيّة، ولكن ونظراً لتغلغل المذهبيّة عميقاً في المجتمعات العربية والإسلامية، فإنها تستحق إبرازها كنقطة مستقلة. فالمسلمون اليوم تمزقهم المذاهب الدينية والفقهية والكلامية، عوضاً عن المذاهب السياسية والفكرية القديمة والحديثة. ولسنا نريد باللامذهبيّة، أن لا يكون في الأمة آراء مختلفة، وأطروحات متباينة، فهذا مطلب لا يكون إلاّ مع الاستبداد والجمود، وهو علة العلل، ولكننا نريد باللامذهبية أمرين:

على مستوى العلماء والمفكرين: أن لا يقلد أحد منهم أحداً، بل يبحث كل منهم الأفكار بشكل مستقل، ناظراً لكل الآراء على صعيد واحد، غير متقيد بمنهج آخرين، إلاّ إذا ثبت له صحة ذلك المنهج بالبرهان، غير ميال لا بعاطفة ولا بقول إلاّ للدليل والبرهان. وإنما المذاهب آراء لرجال فلما اتبعها المقلدون صارت مذاهب ، ولو قد تحرر المفكرون والعلماء من التقليد لما أمكن لمذهب أن يصمد إلاّ قليلاً، ريثما يطوره أو يخالفه آخرون .

على مستوى العامة: أن لا يرتبط أحدٌُ من المسلمين بقبول كل ما يقوله عالم أو مذهب ، وكأنه وحدة واحدة لا تتجزأ ، فمن كان حنفي المذهب مثلاً، كيف ساغ له أن يأخذ كل أقوال أبي حنيفة ، وكأنها وحدة واحدة ؟ هل المهم في الأفكار والأعمال: الفكرة أم قائلها ؟

إن العامي لا ينبغي له أن يكون جاهلاً متبعاً للرجال في كل ما يقولون ، فإن لم يكن قادراً على صناعة القول فليكن قادراً على التخير فيه ، والتقليد إنما هو إتباع للرجال دون الأقوال والأفكار، وهذا خطأ واضح ، ولذا فعلينا كعوام أن ننتقي ما نراه صائباً من الأفكار بغض النظر عن قائلها، وبغير هذا نكون مذهبيين متعصبين .العجب كل العجب، أننا قد نتأسى، حينما نكتشف أن قول العالم الفلاني، هو أرشد من قول عالمنا الذي نقلده، ثم لا نغير ذلك في فعلنا، ونمضي على ما قلدنا، مدعين أن واجبنا الشرعي يقتضي الإتباع !

هذه هي المذهبية الممقوتة، لأنها مجرد عصبيّة وجهل، لتكن هناك آراء بين مختلف أصناف العلماء، ولنقرأ هذه الآراء ونحاكمها، ثم نأخذ كل جزئية نراها صائبة، دون التحيز إلى فئة دون فئة، ودون أن نتقسم أحزاباً وجماعات ومذاهب على المستوى الاجتماعي ، ثم لا نسمع إلاّ ما يقول رجال مذهبنا، ولا نحل إلاّ ما أحلوا، ولا نرى إلاّ ما رأوا . ومن أعجب ما رأيت في هذا المجال أستاذاً يناقش رسالة طالب في الدكتوراه، ينتقده لأنه رجح قول عالم يخالف مذهبه الفقهي الذي هو عليه! واعتذار الطالب بأن مجال البحث شيء والعمل شيء آخر! فماذا بقي للبحث من علميّة وجدوى عملية إذاً ؟
وينطبق هذا على كل صنوف المذاهب، وليس الفقهية منها فقط، بل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنظريات العلمية وغيرها.

ثالثاً :تصحيح نظام التربية والتعليم:

لن أقف هنا طويلاً عند مناهج التعليم، فقد أبصرتها عيون الخبراء وحددوا عللها، واقترحوا علاجها، والذي يمكن تلخيصه في طغيان تلقين المعلومة على اكتشافها ، والاعتناء بالكم على حساب الكيف ، وضعف روح البحث والتعلم الذاتي، إلى آخر ما قد وصفه التربويون، وآمنت به جهات التربية، وإن قعدت بها عنه أغلالها، من العجز المالي والإداري .

ولكني أريد أن انوه، بالعجز والقصور والتقصير، اللامحدودين في جانب التربية، إذ يمكن القول جزما ،ً أنه لا يوجد للتربية منهاج أصلاً، وما يوجد من عظات ونصائح لا يشكل شيئا من منهج، ولو كانت ساعات التعليم عشرا،ً فإن ما للتربية منها لا يزيد على الدقيقة. وهي – التربية – متروكة للدافع الذاتي للمعلم، وهمه الشخصي بها، فلا يوجد منهج مدروس ومبرمج، ذو أهداف سلوكية مرصودة، ابتداء من أبسط قواعد السلوك واللياقة، إلى أعمق الخصال النفسية والأخلاقية، فليست هناك تربية.

حتى في أبسط قواعد السلوك واللياقة، من طرق اللباس والحديث والجلوس والطعام والتعامل مع الآخر ، والتحية والاستئذان، فلا يتلقى التلميذ منها شيئاً يذكر، وإنما هو كنبت البر، تشكله البيئة والأسرة والمجتمع،وهي ضعيفة في ذلك، حتى ليبلغ الفتى مبلغ الرجال، وهو لا يحسن من ذلك شيئاً، بل ولا يقدّر من قواعد اللياقة إلاّ ما يقدّره أبناء الشارع ، اللهم إلاّ ما تمكنت أسرته من غرسه فيه .

التلميذ طفلاً وفتى وشاباً، يسمع ويمارس أنواع السباب، وسوء الأدب، وإيذاء الآخرين، وسوقي التصرفات، وإهدار الوقت، وغياب الهدف، وعدم القدرة على التخطيط لنفسه. وضع مزرٍ على مستوى الأخلاق الاعتيادية الضرورية، فما بالك بالكمالات النفسية والعقلية، عوضاً عن كمالات الروح. الوضع التربوي مأساوي بكل معنى الكلمة . إنّ مناهجنا التعليميّة بعيدة كل البعد عن ” تدريب ” أبنائنا على ما يصلحهم من الأخلاق والمبادئ، والابن غير المدرب هو غوغائي لا يعرف معنى الحياة ولا يفقه أصولها.

هل نربي أبناءنا وندربهم على قبول المنافسة؟ سواءً كانوا ينتمون إلى منبت رفيع أو منبت وضيع ؟ فنعلمهم نبذ التفرقة الطبقية وإلغاءها إلغاءً تاماً، وأن المراكز يجب أن تسلم إلى المتفوقين، وإن كانوا من أحط طبقة في المجتمع، وهل نعلمهم أن من بين من يلبسون الثياب المهلهلة اكفياء، ينجحون في المناصب التي يتولونها أكثر بكثير من الذين يلبسون الثياب الفاخرة المزركشة .

وهل نربيهم على التحلي بالأخلاق الحسنة؟ وبجمال النفس وطهارة الروح؟ لا التحلي بالزينات الثمينة الفارغة ؟ وهل ندربهم على قواعد اللياقة والسلوك المحتشم؟ وندربهم على معاملة كافة الذين يتصلون بهم معاملة لطيفة لائقة؟ وهل ندربهم على عدم التفاخر والتبجح والتباهي والتكبر؟ وعدم التظاهر بصورة سوقية؟ وندربهم على مسلك السلوك المهذب الحقيقي في الفكر والقول والفعل ؟

وهل نرسخ فيهم أن البشر سواسية أمام الله؟ سواء كانوا أغنياء أم فقراء ؟ وهل نربيهم على أن الصلاح هو المقياس الصحيح لحياة الإنسان ، والاستنارة الأخلاقية هي الطريق القويم لسلوكه ، والاستنارة الروحية هي السلم الذي يصعد على درجاته إلى السماء ؟ وأن السعادة ليست في الجاه والمنصب والغنى وإنما هي في التقوى والقناعة والتواضع؟ وأن السعي وراء المناصب والجري وراء الثروة والركض وراء الجاه تجلب التعب والقلق والهم والشقاء ولا تمت بأية صلة إلى السعادة الحقيقية؟

وهل نعلمهم وندربهم على العمل من أجل سعادة الجميع لا من أجل سعادتهم فقط ؟ و إن عليهم في الوقت الذي يسعون فيه لتثبيت أقدامهم في المجتمع، أن يسعوا لتثبيت أقدام الآخرين، ليكسبوا محبة الناس ومحبة الله. و إن اللذة الوقتية الحمقاء، لا قياس لها مع السعادة الآجلة في هذه الدنيا، ومع السعادة الأبدية في السماء الخالدة ؟

هذه نماذج محدودة، من المنهاج الأخلاقي والسلوكي، الذي يجب تربى عليه أجيال الأمة، وأن تطور على ضوئه التربيّة، وإلاّ فإن أجيالاً من النباتات البرية غير المهذبة، وغير القادرة على بناء أنفسها، عوضاً عن بناء الحضارة الفاضلة، ستظل تعيق الأمة وتفقرها وتزيدها عجزاً .

رابعاً : توسعة مصادر المعرفة الملزمة:

المصادر المعرفية ذات الحجيّة عند المسلمين، هما القرآن والسنة بالأساس، ثم لما واجهوا معهما نقصاً لقصور في الآليات المتوفرة، وقصور في الوعي بأبعاد القرآن ومناهجه، اختط المسلمون لهم مصادر أخرى تختلف باختلاف المذاهب، كالحسن والقبح العقليين عند أصحاب المدرسة الأصولية الشيعية، وكالقياس والاستحسان والمصالح ،عند مذاهب سنية مختلفة، وظل البعض مقتصراً على الكتاب والسنة، أو بالأصح، على فهم السلف للكتاب وما رواه السلف من السنة . ثم جعلت السنة حاكمة على الكتاب بصفتها المفسرة له، على أساس أن للقرآن مراداً واحداً بينته السنة.

هذه المصادر، هي ما على المسلمين أن يلجأوا إليه، إذا ما أرادوا أن يقيموا بناءً، من دولة وحضارة، فإذا ما أردنا أن نضع تصوراً للنظام السياسي، أو الاقتصادي، فإن الكتاب والسنة بما نحن عليه من فهم السلف لهما، هما المتصدران لتفكيرنا ومنطقنا ، أو هكذا يجب أن يكون الأمر لنكون إسلاميين اصلاء، هذا هو الفهم السائد .

ومع إيماننا بعدم قصور القرآن لو ثورّت آياته، وتدبر فيها وفقاً لمناهج حية جديدة ، إلاّ إننا نريد أن نؤكد هنا على تجاهل المسلمين الأوائل، وإلى اليوم لحجيّة العلم والبرهان حجية مستقلة ، في مخالفة صريحة لما أثبته القرآن والعقل فمهما أتيت أهل الشرع بالإثباتات العلمية، التجريبية أو الإحصائية، الكاشفة عن صحة أمر أو حالة، فإنهم سيرفضون قطعاً، الاعتماد على ذلك في صياغة حكم، وأن يعطوا لهذا الحكم الشرعية . خاصة إذا ما وجد ما يخالفه في مرويات السنة أو في فهم السلف للكتاب .ومع أن بعض المدارس الأصولية قد توصل إلى أن حجيّة العلم ذاتية، لا تتحاج إلى مزيد من إسناد، ولكنك لا تجد تطويراً عملياً لهذه القاعدة الأصولية المتينة.

إن الله هو الحق، وكل ما يقوم عليه برهان فهو حق ، والحق أحق أن يتبع، ذكره نص أم لم يذكره ، وافقه نص أم خالفه، وإذا كان هناك تشكيك فليكن في صحة البرهان من عدمها، ولهذا فعلينا أن نوسع دائرة مصادر المعرفة لنضيف إليها العلم، بكل فروعه، من علوم الطبيعة والرياضيات و الإحصاء ، إلى علوم النفس والمجتمع، فنقيم عليها تشريعاتنا وأنظمتنا، مبتعدين بذلك عن التصورات الأيدلوجية، والانطباعية الموهمة ،مقدمين البرهان والعلم على غيره، ضمن أصولنا الثابتة وهويتنا المؤمنة . فبرلماناتنا على سبيل المثال، ينبغي أن تكون على اتصال بمراكز البحث العلمي، قبل أن تصوغ قانوناً أو نظاما،ً لا أن تشرع بحسب التصورات الأيدلوجية ،أو بحسب الظروف والأزمات، أو الميول النفسانية وأنظمتنا في التجارة والاقتصاد والصناعات والتعليم والتربية وغيرها يجب أن تتطور مع تطور العلوم محدودة فقط بالأخلاق والعدل وحدود الله المحافظة على الفطرة.

خامساً: إعادة اكتشاف اللغة العربية:

اللغة هي وجه الفكر ووعاؤه ، واللغة العربية كانت لغة محكمة رصينة علمية دقيقة، غاية الدقة في التعبير عن المعاني المختلفة ببناءات وألفاظ مختلفة . ولكنها على مستوى الاستخدام قد فقدت ذلك، حتى يمكن القول بأن أحداً لم يعد يستخدمها كما ينبغي، لا من العلماء، ولا الأدباء ولا المفكرين، لان هذا الوعي اللغوي قد ضاع من الذاكرة اللغوية ومن الفهم السائد.

إن أعظم القاتلين لعلمية اللغة العربيّة هم الأدباء ، والشعراء خصوصا الملتزمون بالقافية ، فإن سيادة القافية والوزن على الشعر العربي، أثرى اللغة في ناحية، وأضاعها في ناحية جوهرية أخرى ، فالحاجة لتوظيف عبارات مختلفة لأداء معنى واحد تبعاً للوزن والقافية، ألغى علمية اللغة العربيّة ، وقتلها بالترادف ، فصار العقل العربي لا يميز في الاستخدام، بين الكلمات التي كانت يوماً ما تحمل فارقاً في المعنى . فالفعل والعمل هما شيء واحد، والكفر والشرك شيء واحد، والركض والجري والسعي شيء واحد، و ردّ و رجع شيء واحد، والمعروف والإحسان شيء واحد، ولو قرأت معجماً لغوياً لوجدته يفسر معاني كل الكلمات بكلمات أخرى، دون أن يرصد الفارق بينها لا معنى ولا استخداماً . و هذا ما أضاع خصوصية الكلمات ودلالاتها، خاصة ونحن إنما نستدل على أصالة الكلمات ومعانيها من الأبيات الشعرية القديمة، ظناً منا أن اللغة يومها لم تكن قد فسدت، وقد يكون هذا الكلام صحيحاً على مستوى القواعد النحوية، أما المعاني فقد ضاعت منذ زمن بعيد.

لقد أفسد هذا الوضع فهمنا للقرآن ، وبالتالي خلّط علينا الكثير من المفاهيم وحرمنا الكثير منها، والقرآن مع هذا هو الكتاب الذي ينبغي أن نستخدمه لاستعادة المعاني العلمية للألفاظ العربيّة ، فهو قد صيغ من خارج الدائرة الفاقدة للعلمية ، فنحن إلى اليوم نتعامل مع القرآن تعاملنا مع الشعر وما يحمله من ترادفات، فنفسره بمعان متكررة في مقامات مختلفة، مما أفسد علينا فهم القرآن، وبالتالي أضاعنا وأضاع الكثير من أسرار القرآن عنا.

إن إعادة اللغة العربيّة بمبانيها العلمية للعقل العربي هو أمر في غاية الصعوبة، ولكنه أيضاً في غاية الأهمية، وذلك لكي نعيد العلمية والتفكير السديد لعقولنا وثقافتنا. والتمكن من علمية الألفاظ، حتى تعود لنا على السليقة، لا يمكن أن يعود في جيل أو جيلين، ولكنه أمر لا بد منه، وإلاّ فسنظل لا نفهم تراثنا، وسيظل هذا التراث ضائعاً منا. اليوم لا يوجد أديب أو لغوي، يفهم اللغة العربيّة ويستخدمها كما ينبغي، واضعاً كل كلمة في موضعها دون خلط ، ولكن لو أعدنا فرز معاجمنا، وأعدنا دراسة القرآن لغوياً على هذا الأساس، لأمكن لنا استعادة أسرار اللفظ العربي العظيم، ولأدهشنا هذا العقل في دقته وعلميته .

إن إعادة اكتشاف الشارد من اللغة العربيّة، لا يعني أنها في غير حاجة للنمو والتطور، فاللغة كائن حي،تنموا وتتطور بتطور أهلها ، ولكن ينبغي أن يكون التطور تطوراً لا تراجعاً ، فكلما كانت اللغة بسيطة التركيب، وعميقة الدلالة كانت أكثر تطوراً، ولا ينبغي التضحية بالدقة والعمق طلباً للبساطة ، ولا بالبساطة طلباً للعمق .

سادساً : نصب المثال الأعلى:

نحن أمة قامت على فهم خاص للإنسان، وهو ما جاء به الإسلام من كرامة بني آدم، وخلافته لله في الأرض ، ومع الأسف فقد قبلنا أنفسنا خلفاء، دون أن نتأهل لمتطلبات الخلافة، فكأنما خلافة الله تأتي بالولادة ، وكأنما كل إنسان يولد خليفة .إننا لو جعلنا نصب أعيننا هذه المتطلبات، واستخلصناها جيدا،ً ثم جعلناها سقفاً مطلوباً للإنسان، في مجتمعنا وحضارتنا، لنصبنا مثالاً أعلى، يهتدي على ضوئه المجتمع، تربية وتعليماً، وأخلاقاً وسلوكاً. وليس هذا مما يمكن لنا تجاوزه، فنحن أمة هكذا يجب أن نكون، وعلى هذا تعاهدنا مع الله، وهذه هي رسالتنا في الحياة: أن نكون ربانيين خلفاء لله.

أننا لم نفهم أنفسنا كما ينبغي ، ونجهل أكثر قدراتنا الإنسانية ، لأننا قد أضعنا جواهر تكويننا، إن الإنسان في تراثنا مركب من روح ونفس وعقل وبدن ، وكلها تتمتع بقدرات جبارة فقدنا أكثرها ، فأوضح مكوناتنا هو هذا البدن، كم ياترى قد بقي لنا من قدراته المختزنة ؟ قارن بين أبداننا وبين أبدان الرياضيين أننا أمة لم تحترم حتى حق الأبدان في تشريعاتها ، فلم نفرض فقهياً على الإنسان الرياضة ، ولم نوضح بقوة حرمة الأكل الزائد ، مع أن الشرع فيه ما يشير إلى هذه المسئولية من حق الأبدان .

أما العقل، هذه الأداة الجبارة الهائلة، التي أفسدت التربية العاجزة علينا أكثر طاقاته، حتى لم يعد العبقري من الناس اليوم يستخدم أكثر من 5% نعم خمسة وليس خمسين من القدرات الممكنة للعقل كما يقول العلماء. و ليس معقولاً، أن يخلق الله لنا عقلاً بهذه القدرات الهائلة، ثم لا نجد طريقاً لتوظيفه، اللهم إلاّ 1 إلى 5%، فما كان الله عابثاً ولا مبذراً جل شأنه وتعالى عن ذلك كل العلو. ولكننا لم نجد التربية التي تمكننا من استثمار طاقاته كلها، أو أكثرها. لقد فتح الله سبحانه لنا نوافذ، لنطل منها على قدرات عقولنا، من خلال بعض الناس الذين نسميهم معجزات، وما ذلك إلاّ لأن جوانب ما من جوانب عقولهم، وبتقدير من الله، ظل يعمل كما أريد له ، فترى طفلاً يرسم نقشاً معقداً رآه مرة واحدة ، وترى أخر يجيب عن مسائل رياضية معقدة في ثوان معدودة ، وترى آخر يتذكر كتاباً كالقرآن الكريم آية آية، وصفحة صفحة، وكلمة كلمة، ويجيب عن ذلك على البديهة . هذه ليست أحداث بلا سبب وإن ظلت عندنا بلا تفسير ، ولا يمكن إطلاقاً أن تكون، من غير أن يكون العقل الإنساني قادر عليها في ظرف من الظروف ، وبكيفية من الكيفيات، التي نجهلها، ونجهل طرق التواصل إليها . ولكن علينا أن نؤمن بهذه القدرات الجبارة لعقولنا، ونبحث عن وسائل التربية والتعليم، التي تتيح لنا قدراً متنامياً من التمكن منها ، وهكذا يجب أن يكون مثالنا الأعلى في قدراته العقلية ساعين نحوه بجد ،تاركين وراءنا التشكيك في قدرة العقل الإنساني على إدراك الحقائق الموضوعية غير المحسوسة.

وأما أنفسنا، فإنا كأمة، لم نسهم بشيء يذكر في دراستها ، وعلم النفس نشأ وتقدم ولا زال، عند غيرنا وزيادة على ذلك، فإننا لم نوظف هذا العلم في فهم أنفسنا وتطويرها ، من الناحية الأخلاقية أمتنا تحمل عديداً من التوجيهات العظيمة للتحكم في النفس، ولكننا لم نكتشف أنفسنا جيدا،ً لنعرف كيف تتمكن من هذا التحكم . إن مثالنا الأعلى يجب أن يكون إنساناً حرّاً، ولن يكون حرّاً ما لم يكن قادراً على التحكم في نفسه ومسك زمامها فكراً وقولاً وعملاً.

إن :إنساننا المثال، يجب أن يكون قادراً على التفكير بحريّة، دون قيود من خارجه ولا من داخله ، فلا الخوف أو الإغراء أو العجلة أو الضغوط، تمنعه من الموضوعية ، ولا الأطماع والشهوات ، وإنساننا المنشود يقول ما علم، ويعمل به وفقاً لأفضل الظروف والوسائل المتاحة .

إنساننا المنشود يتحكم في عواطفه ودوافعه، ويسيطر على حواسه، فلا يسمع إلاّ ما يريد، ولا يبصر إلاّ ما يريد، ولا يشم إلاّ ما يريد، دون أن تتمكن الظروف المحيطة به، من إجباره على السمع والنظر، فحواسه كلها تحت سيطرة عقله. وإنساننا لا يهرب منه عقله باللهو، فيكون إنسانين: واحد بالشعور، وآخر باللاشعور يتحكم فيه، ويأخذه من واقعه إلى عوالم الغفلة والسهو .

وأما الجوهرة الثمينة الضائعة، فهي الروح الربانية التي نفخت فينا، أو قل نفخت في أبينا ولا زالت تمتد منه إلينا. هذه الروح التي لا يمكن لنا معرفة سرها ، ولكن يمكن لنا أن نتطور بها، فهي طريق الإلهام الرباني للقفز على الخطوات العقلية الضرورية للإدراك ،وهي الطريق لإدراك الحقائق الماورائية، التي يعجز العقل عن إدراكها مهما كان قوياً ، إنها الوصلة مع الله، حيث بومضة منها نعلم من الله ما لم نكن نعلم ، وينكشف لنا من عالم الغيب ما لا قدرة لنا على كشفه، إنساننا المثال هذا، قادر على الاتصال بروحه بعوالم الغيب، كمن اتخذ عند الله عهدا ” ولكم في رسول الله أسوة حسنة “.

هذا الإنسان المثال، يجب أن ننصبه هدفاً لرؤيتنا الحضارية، نسعى إليه في كل سلوك وتربية و فكر. ننصبه أنموذجاً للأجيال و نسعى نحوه: إنسان كامل القدرة العقلية، زكي النفس، متحكم في نفسه، طاهر الروح، متصل بالسماء، مثال لله، ولله المثل الأعلى، بلغت به الزكاة أن يقول للشيء كن فيكون.

سابعاً: إرساء الأخلاق وتطويرها:

نحن أمة جاء رسولها ليتمم مكارم الأخلاق، فقد كانت الإنسانية قبله تعرف الأخلاق الفاضلة المعتادة، التي يعرفها كل الناس، ويحكمون بحسنها وفضلها، من الصدق والأمانة، والشرف، ومحبة الوطن، والشجاعة والتسامح، والاحترام، والحياء والوفاء، والاجتهاد والتواضع، والصبر والتعقل، وضبط النفس، والكرم والسخاء، والشفقة والمواساة، والمشاركة الوجدانية، والعرفان بالجميل، والنية الحسنة، واحترام الكبير وحماية الصغير، والرأفة بالضعيف، وغيرها مما تعرفه الإنسانية وتتفق عليه، قبل مجيء النبي (ص).

ولكن نبينا جاء ليتمم للإنسانية أخلاقها، فعلينا أن نرفع السقف الأخلاقي لأمتنا، ومن ثم للإنسانية معنا ، فدعانا الرسول للصفاء والسلام والهدوء، هذه الخصال النفسانية الجميلة، التي لا تتبع إلاّ من معرفة بالنفس وبالإنسان والكون والخالق، فلا تكون الأشياء كلها مدعاة للخروج عن الهدوء والسلام والصفاء النفسي، فكل شيء يجري تحت عين الله.

ودعانا للأخذ بالموضوعية المجردة، فلا يجرمنا شنآن قوم على أن لا نعدل ، وأن لا نميل عن الحق لقريب أو بعيد ، بل التمسك بالحكم والقول الموضوعي النزيه ، ودعانا للبصيرة ننظربها عواقب الأمور ، وما يتولد عن المواقف وعن الأفعال من عواقب وعن المقدمات من نتائج ، ودعانا لتحقيق أسمى حالات الوعي ، والقدرة على معرفة وغرض الوجود الإنساني ، وعلى امتلاك الحرية بأن نكون مالكين زمام أنفسنا ، ودعانا لأن نربط كل معرفة مهما كانت محددة وخاصة، بالمخطط الشمولي للحياة، إلى آخر ما يمكن لنا أن نراه من إتمام النبي لمكارم الأخلاق الإنسانية .

ولكننا يمكن أن نطور ما تممه النبي أيضاً، فنرمي بالأخلاق في أمتنا إلى سقفها الأعلى ثم الأعلى ، فإنساننا المثال يجب أن يتحلى عوضاً عما سبق، من الأخلاق الإنسانية، والفضائل النبوية، بالقدرة على التحكم في الوعي، فتكون لديه مناعة ضد الغفلة، الناتجة عن اللهو وتنويم المجتمع، وهو مقدار متقدم من البصيرة ، فالإنسان الرباني الولي لله، يمكن أن يظل يقظاً حتى في نومه، يتحكم في نفسه كلَّ اللحظات، لا تأخذه غفلة حتى وهو نائم، إذ بإمكانه أن يوجه نفسه، إلى المكان اللائق حين ينام، فتعود وقد ازدادت علماً وطهارة، ويتمتع بمناعة ضد الكثرة السيكولوجيّة، فلا تضله الاتجاهات العامة للعواطف والمواقف، خارج عن نطاق كراهية الظلم إلى نطاق عدم القدرة عليه بل عدم وروده في الخاطر مطلقاً ، إنسان لا يكره أحداً وافقه أو خالفه، بل يحمل المحبة للجميع، يمارس أرقى الفضائل، ويتحكم مطلقاً في أهوائه، ويرى الواقع كما هو من كل جوانبه لا كما يريد

وفي الختام، أمتنا هي الوحيدة الباقية تدعو الإنسان للسماء ، والإنسان المبتعد عن السماء يهلك نفسه ومجتمعه وحضارته، وإنساننا العربي والمسلم اليوم، هو في هاوية التخلف، فعلينا لكي نعود للريادة الإنسانية نحو السماء، أن نخلق الإنسان الرباني الفاضل ، والحضارة الفاضلة، وقبل ذلك علينا أن نخلق الإنسان الجسر، والحضارة الجسر، وأول مفتاح لذلك أن نطلق الحرية الحقيقية في دواخلنا وإذا كان لنا أن نقترح بعض ما نراه مهما، من الواجبات على طريق التجديد، فأولا: نرى أن إعداد معجم لغوي، يطور ما بدأه ابن فارس، من تبيان المعاني المخصوصة لكل لفظ في العربية،مستدركين ما فاته،مصوبين ما غاب عنه، موسعين ما جهله، جامعين ما تفرق منها في سائر المعاجم، مقارنين مع اللهجات العربية القديمة، كالسريانية والفينيقية ولهجات قبائل العرب، مهيمنين على ذلك كله بالقرآن، واستخداماته للألفاظ، فلعلنا بذلك ندرك خيرا كثيرا.

وثانيا: لو أقمنا هيئة للعلوم الإسلامية، يتعهدها المقتدرون من أبناء هذه الأمة، تضم علماء الفكر والتفسير والفقه وغيرهم،من سائر بلدان المسلمين ، وعلى مختلف مذاهبهم، يتعاهدون بينهم ميثاق شرف، أن يقوموا لله مثنى وفرادى ومجتمعين،أن ينظروا للمسلمين في القرآن والإسلام، متجردين من المذهبية،عقلا وعاطفة،لا يكفر أحد أحدا، مهما بلغ بهم الاختلاف، محسنين لأنفسهم وطلابهم.

وثالثا: أن تتصدى مجموعة من ذوي الكفاءة والشرف والفضيلة، في وضع منهاج للتربية السلوكية اللائقة، وللتربية الأخلاقية والنفسية، للمدارس العربية كافة، مع برامج للتدريب والترويض، وفق طرق علمية حديثة، تستفيد من علوم النفس والتربية، وتبتعد عن الوعظ والإرشاد المباشر، أملا في أن تعود للشباب نظرة جمالية راشدة، يرى فيها حسن الحرية المسؤولة، وشرف الإنجاز المتميز، وقبح إتباع الهوى، وتبذير الوقت..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.