الموت الرحيم من منظور إنساني وإسلامي

الموت الرحيم

من منظور إنساني وإسلامي

ورقة بحثية مقدمة من جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية

مؤتمر الدوحة السادس لحوار الأديان

(القيم الدينية بين المسالمة واحترام الحياة)

إعداد: الدكتورة منى علي الجفيري

استشارية أطفال وحديثي الولادة

أستاذ مساعد في جامعة الخليج العربي

مايو 2008م

 

فهرست المحتويات

المقدمة

أولاً- ما هي الحياة ؟

أنواع الحياة

    1- الحياة الخلوية

    2- الحياة العضوية (حياة الأعضاء)

    3- الحياة الإنسانيّة

ثانياً- الموت

    أ- علامات الموت عند الفقهاء

    ب- علامات الموت عند الأطباء

ثالثاً- الموت الرحيم (Euthanasia)

    أ- الموت الفعّال (Euthanasia Direct)

    ب- المساعدة على الانتحار (Aide au suicide)

    ج- الموت غير المباشر (Euthanasia indirect)

    د- الموت غير الفعال أو المنفعل (Euthanasia Passive)

رابعاً- لمحة تاريخيّة عن الموت الرحيم

    أ- مصلحة المريض

        1- حريّة التقرير الذاتي (Autonomy)

        2- الحقوق الذاتيّة

        3- الرحمة والشفقة بالمريض

        4- نوعية الحياة (Quality of life)

    ب- مصلحة الآخرين (الأهل والأصدقاء والمجتمع)

        1- الرحمة والشفقة

        2- العامل الاقتصادي

خامساً- مفهوم القتل

    أ- تعريف القتل

        1- في اللغة

        2- في الاصطلاح

    ب- ما هو سبب تحريم القتل ؟

    ج- الموت الرحيم

        1- آراء بعض فقهاء المسلمين في القتل الرحيم

        2- رأي شيخ الأزهر في القتل الرحيم

        3 – فتوى دار الإفتاء بالكويت

        4- فتوى الدكتور يوسف القرضاوي

        5- رأي المرجع السيد محمد حسين فضل الله

        6- الموت الرحيم عند المسيحيّة

    د- وضع المريض الميت دماغيا

        1- فتوى المجمع الفقهي

        2- رأي العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

        3- رأي آية الله محمد إسحاق الفياض

الخلاصة

التوصيات


المقدّمة

بقي الموت منذ الأزل وحتّى اليوم اللغز المحير عند الإنسان وقد أسبغ عليه الكثير من الرهبة والخوف والاحترام.

لقد حاول الإنسان كثيرا أن يتوصل إلى الخلود أو كيف يطيل عمره، كما أنّه سعى في ترويض الموت – أن صح التعبير- كي يكون هادئا مريحا مثقلا بالصلوات والطقوس الدينية ليتم براحة وهدوء.

في القرن الثامن عشر بدأت فكرة الموت المريح تتضح مفاهيمها، وكانت تعني في ذلك الحين السعي بجميع الوسائل كي يكون الموت سهلا ومريحا، مما أثار جدلا واسعا حول أخلاقية هذا العمل1.

إنّ التقدم العلمي في السنوات الأخيرة في مجال صحة الحياة وكذلك التطور المذهل للتقنية الطبية أديا إلى أن تطول الأعمار بصورة واضحة، وكذلك استطاع الطب أن يحافظ على الحياة الاصطناعية للمرضى الواقعين تحت تأثير الغيبوبة لفترة طويلة من الزمن قد تستمر لعدّة سنوات أحيانا.

ومع التطوّر الاجتماعي وتفكّك الروابط الأسرية وارتفاع نفقات العلاج الطبي اختلفت النظرة الطبية لمثل هذه الحالات وأخذ من ينادي بإيجاد حلّ لها، فظهر ما يسمى بالموت الرحيم وبالأخص في المجتمعات الأوربية مما أثارت جدلا عنيفا بين الأوساط الطبية والقانونية والأخلاقية والدينية لم تنته آثارها حتى يومنا هذا2.

فما هي الحياة؟ وما تعريف القتل والموت بالنسبة لنا ؟ ماذا نعني بقدسية الحياة ؟ وإذا كان هناك ما يسمى بالموت الرحيم فما هو؟ من هو الشخص الذي يستطيع أخذ مثل هذه القرارات المصيرية؟ أهو المريض الذي يعاني؟! أم الطبيب بما أوتي من معرفة طبيّة واسعة ونال ثقة المريض؟! أم الأقارب الذين ضاقوا ذرعا من حالة مريضهم وما يعانيه؟! أم كلّهم جميعا؟!! وما هي نظرة المجتمع وانعكاسه نحو هذه الخطوات؟ كلّها أسئلة مشرعة وتتطلب الكثير من البحث والدراسة والمناقشة للتوصل إلى نتيجة تكفل للإنسان كرامته في حياته و بعد مماته.

ولكن قبل الخوض في الإجابة عن هذه الأسئلة أنقل إليكم بعض الحالات التي عاينتها في مجال عملي وهي التي كانت سببا لاهتمامي بهذا الموضوع:

الحالة الأولى : رضيع يبلغ من العمر الآن سنة وشهرين، ولد وهو يعاني من بعض التشوهات الخلقية المتمثلة في ضمور شديد في قشرة المخ، عتمة في القرنية، تصلّب في الأطراف يتحرك حركة قليلة جدا قد لا تذكر وهو بحاجة إلى جهاز التنفس الاصطناعي باستمرار، وقد حاولنا مرّات عديدة أن نرفع عنه جهاز التنفس لكنّه لا يستطيع المقاومة أكثر من ساعات وبعد ذلك يعاد إلى جهاز التنفس، وهو يرقد طوال هذه المدّة في العناية المركّزة لحديثي الولادة ولا يمكننا نقله إلى جناح الأطفال لعدم وجود أسرّة شاغرة للحالات المزمنة في قسم الأطفال, وقد أصيب لمرات عديدة بالتهابات بالرئة وتمت معالجتها.

الحالة الثانية: رضيعة تبلغ من العمر ثمانية أشهر قد أصيبت باختناق شديد خلال الولادة على أثره احتاجت إلى إنعاش تنفّسي – قلبي استعادت على إثره ضربات قلبها ولكنّها لم تستعد تنفسها، فوضعت على جهاز التنفس وبعد ذلك تدريجيا استعادت تنفسها، وتمكنّا من فصلها عن جهاز التنفس بعد ثلاثة شهور ولكن هذا الاختناق قد ترك أثرا كبيرا على الطفلة إذ أنّها أصبحت غير قادرة على الرضاعة طبيعيا فتأخذ رضاعتها عن طريق أنبوب التغذية، وغير قادرة أيضاً على التعامل مع لعابها إذ أنّها تحتاج إلى شفطه باستمرار عن طريق جهاز الشفط، بالإضافة إلى إصابتها بشلل دماغي يشمل الأطراف الأربعة، وغير مدركة لما حولها، وإصابتها بالتشنجات المستمرة، ونحن غير قادرين على إخراجها من المستشفي بسبب حاجتها إلى الرعاية الطبية المستمرة، والسؤال الذي يتم طرحه بيننا كأطباء في أنّها لو أصيبت بالتهاب رئوي وتطلّب الوضع حاجتها إلى جهاز التنفس هل من الرحمة أن نرجعها إليه؟ وإذا تدهورت حالتها وأصيبت بهبوط في الدورة الدمويّة والتنفسيّة، هل نقوم بالإنعاش القلبي-التنفسي لنعيد دورة معاناتها؟!

الحالة الثالثة: رضيع يبلغ من العمر ثمانية شهور لوحظ عند ولادته عدم قدرته على التنفس طبيعيا إذ أنّه احتاج إلى إنعاش تنفسي منذ لحظة الولادة وأدخل العناية المركّزة لحديثي الولادة، وعند تقييمه اتضح أنّه يعاني من مرض وراثي يسمى (myotubular myopathy ) وفيه يكون لدى المريض ليونة وضعف عام في جميع عضلات الجسم، وهذا يؤدّي إلى عدم القدرة على التنفس بشكل طبيعي فهو بحاجة دائمة إلى جهاز التنفس، وتكون حركة الأطراف قليلة جدا، ويأخذ التغذية عن طريق الأنبوب، وعادة لدى هؤلاء الأطفال تكون قشرة الدماغ طبيعية، ولكن في حالة مريضنا كانت غير طبيعية، إذ تبين أنّه أصيب باختناق عند الولادة وقشرة الدماغ متأثرة بشكل كبير جراء ذلك. فتساءلنا هل يمكن فصله عن جهاز التنفس؟! ولاسيما أنّه قد تبين لنا من خلال البحث والاطلاع أنّ الأطفال التي تظهر عليهم هذه الأعراض عند الولادة عادة لا يعيشون إلا بضعة أشهر ولا يوجد علاج شاف لهم.

هؤلاء المرضى ما زالوا يرقدون في العناية المركزة لحديثي الولادة عندنا، وقد وضعوا في غرف العزل لكونهم حالات مزمنة فإنهم أكثر عرضة لحمل البكتيريا والإصابة بالالتهابات, وبسبب خشيتنا أن يكونوا مصدر نقل عدوى للمرضى الآخرين وخاصة المواليد الخدّج.

وإن الهدف من طرحنا للموضوع هنا ليس لنجيز أو نحرم الموت الرحيم وإنما لنسلط الضوء على هذه القضية التي تؤرقنا كأطباء وتؤرق المجتمع ونحاول أن نفتح الأبواب جميعا حتى نستطيع أن نكفل للإنسان الذي كرمه الله بأن يحيا حياة كريمة في حياته ومماته .

سوف أستعرض في هذه الورقة بعض التعريفات والإشكاليات التي أرى أن في فهمها قد تساعدنا في حل الإشكاليات التي نقف منها حول الموت الرحيم ومحاولة إيجاد مخارج لها .

أولاً- ما هي الحياة ؟

عند ذكر كلمة (الحياة) يتبادر إلى ذهننا المعنى الخاص لها، المعنى الذي يشمل الإنسان والحيوان والنبات، وذلك لاشتراكها في مظاهر وعلامات خاصّة نميزها عما نطلق عليه بالجماد. ولعلّ أبرز مظاهر الحياة التي ندركها في الإنسان والحيوان والنبات هي الحركة والانفعاليّة التي تشمل الإحساس والاستجابة للمؤثرات المختلفة، بالإضافة إلى مظاهر أخرى مثل النموّ والنسل وغير ذلك. ولكن باستعراض كتاب الله نجد أنّ مظاهر الحركة والانفعاليّة موجودة في كلّ شيء في الوجود، ولا يختصّ بها عالم الإنسان والحيوان والنبات، فالذرات والجزيئات (بما فيها من إلكترونات) في حركة دائمة، وهذه جزيئات الأرض وحبيباتها: (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)(الحج:5)، كلّ موجود له إحساس كوني ينتظم به ضمن سيمفونيّة التسبيح الكوني (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)(الإسراء:44)، وهذه الشمس (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)(يّـس:38). والكواكب والنجوم والمجرات (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (الأنبياء:33).

أما الانفعاليّة بما تحتوي من إحساس وإدراك واستجابة، فالقرآن يحّدثنا عنها ويلقي لنا الضوء على دقائقها وغيبياتها، ويعلمنا بوجودها في كلّ شيء، فلننظر إلى السماء والأرض وهما تتلقيان الأمر من الخالق عز وجل فتجيبان بالسمع والطاعة: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(فصلت:11). وتلك الحجارة الصماء الجامدة الثابتة ظاهرياً لنا: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(البقرة: 74)، طاعة وانقياد وخشية وخشوع وخضوع للخالق، فلنتدبر قول الحق تبارك وتعالى عن الجبال: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)(الحشر:21)، من هذه الآيات نرى أنّ كلّ شيء في الكون حيّ ولكن بمقاييس خاصّة علمها عند الله.

وهناك تأثّر المعادن بالحرارة والبرودة تمدّدا وانكماشاً، وابتعاد ذرّات والتصاقها تسخّناً وتبرّداً، وتأثّرها بكلّ عوامل الطبيعة من ضغط وطرق ورطوبة وكهرباء وضوء … الخ، فكلّ الأشياء تتأثّر وتتفاعل ولها مستوى إدراكي موزون غير منظور لدينا.

وقد حدّد الخالق عزّ وجل معنىً خاصا للحياة، فبيّن لنا أنّ الحياة والموت نقيضان وبمعرفة أحدهما قد يساعدنا على معرفة الآخر، وحيث أن الموت يشمل الإنسان والحيوان والنبات فقط لذلك اقتصر مفهوم الحياة لدينا بهؤلاء الثلاثة وما عداها فنعدّه جمادا.

الحياة شيء مستقل بذاته، شيء مغاير للجسد المحسوس، شيء يحلّ في الخلايا والأجساد ليعطيها تمييزاً وصفات محسوسة ويمنحها القوّة على الاستمرار واطراد النموّ والبقاء دون تحلّل، إلى أجل مسمى.

ووجود الحياة في الجسد يعرف بمؤشرات معيّنة ومدلولات خاصّة، يولد وينمو ويتقدّم في العمر مروراً بالطفولة والصبا والفتوّة فالكهولة فشيخوخة تنتهي بالموت، وإنّ الخلية الواحدة كائن حي قائم بذاته حين يتقدّم بها العمر ويطول، فإنّ علامات الشيخوخة تظهر عليها وتبدأ أعضاؤها في الضمور وتبدو التجاعيد عليها ويقلّ نشاطها وحيويتها بشكل عام وينطبق عليها قانون الحياة العام وسنّة الله في خلقه، حيث يقول سبحانه وتعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ)(يّـس:68).

ولمّا كان لكلّ خلية عمر محدّد فإنّ ملايين الخلايا تموت بجسم الإنسان كلّ ثانية، ولكن ذلك لا يؤثّر على تركيب الجسم أو على وظائف أعضائه، وذلك أنّ تكاثر الخلايا يمدّ جسم الإنسان بما يعوضه عن الخلايا الميتة بخلايا مطابقة لسابقتها تماماً من ناحية التركيب والوظائف. وإذا دققنا النظر في المجتمع البشريّ كلّه على وجه الأرض بأفراده وقبائله ودوله وشعوبه لرأينا كيف يشابه أو يطابق مجتمع الجسد البشريّ بخلاياه وأنسجته وأعضائه وأجهزته، فكما تموت الخلايا كلّ لحظة دون أن يتأثر وجود الجسم وحياته، فكذلك يموت البشر بالآلاف والملايين ولا يتأثر الوجود البشري على الأرض. وقد تفنى أمم كاملة دون أن يؤثّر ذلك على حياة الجنس البشريّ ووجوده3.

أنواع الحياة

فكما نعلم أنّ الإنسان جسد وحياة وروح، فبذلك نستطيع أن نميّز أنواع الحياة:

 1- الحياة الخلوية

وفيه تقوم الخلية الواحدة بكلّ العمليات الحيوية الضرورية لاستمرارها في الحياة. قد يتكون جسد الكائن الحي من خلية واحدة مستقلة تماماً عن غيرها، كما هو حاصل في كثير من الكائنات المجهرية وحيدة الخلية، كالبكتريا والأميبات وبعض الفطريات والطحالب، فالبويضة والحيوان المنوي فيهما الحياة قبل أن يتم التلاقح بينهما، فالحيوان المنوي الحي لا يُلقح بويضة ميتة, وكذلك البويضة الحية لا يلقحها حيوان ميت, بل إن حيوية الحيوان المنوي لابد وأن تكون بدرجة عالية حتى يتمّ التلقيح. وعندما يتمّ التلقيح بين الحيوان المنوي والبويضة يمشج كلّ منهما ما عنده من مادة الحمض النووي DNA الموجودة على هيئة كروموسومات Chromosomes تحمل عناصر الصفات الموروثة مع ما عند الآخر من صبغات, لتتكون بذلك خلية كاملة العدد من هذه الصبغات، وهكذا تتكون خلية جديدة هي النواة الأولى للجنين, وهى الزيجوت Zygote, الذي يستقر بعد ذلك بيوم أو أكثر في (قرار مكين), وهو جدار الرحم.

2- الحياة العضوية (حياة الأعضاء)

بعد ذلك تبدأ مرحلة جديدة من مراحل الانقسام الخلوي والتكاثر الخلوي والتخلق والتميز إلى أنسجة, ثمّ أجهزة وأعضاء, حتى يكتمل تدريجياً المظهر العام الخارجي والتركيب الداخلي للجنين البشري, فمنذ الأسابيع الأولى تبدأ الأعضاء في التكوين مبتدئة على شكل براعم وتجمعات خلوية تأخذ في التميز تدريجياً لتصل في النهاية إلى شكلها الطبيعي البشرى المميز, وبعد نهاية الشهر الرابع من الحمل, تكون أجهزة الجسم قد أخذت تقريبا شكلها النهائى, ويكون المظهر الخارجي مميزا للجنين البشرى, فالوجه والأطراف والأصابع والأعضاء التناسلية قد أخذت جميعها الشكل البشرى المميز، وفي هذه المرحلة يكون الجسد يتمتع بمظاهر الحياة من حركة وإحساس وانفعال وتنفس وتغذية وإخراج… الخ، في هذه المرحلة أصبح كائنا بشريا.

3- الحياة الإنسانيّة

لوحظ أن الجنين بعد 120 يوما من تكونه يكون قد بلغ تسع سنتيمترات طولاً و45 جراماً وزناً، ومن السهل التعرّف على هذه المرحلة وتحديدها على وجه الدقة بالفحص بجهاز السونار لبيان الحركات التنفسية وأنشطة الجنين المختلفة. وتظهر على الجنين خمسة مظاهر جديدة ومهمّة في هذه المرحلة:

  1. تتصور حركات الجنين حركات مركبة متوافقة، لا انقباضات تشنجية مثل ثني الظهر ورفع الرأس والالتفات بالوجه إلى الجانبين، وكذلك حركات مركبة للفم والشفتين واللسان والفكين شبه حركات الرضاعة.
  2. ظهور الحركات التنفسية. وليس المقصود هنا أنّ الجنين يتنفّس الهواء، فالرئتان لا تعملان في فترة الحمل، إلاّ أنّ هذه الحركات التنفسيّة تؤدي إلى التنفّس بعد الولادة.
  3. مرور الجنين في هذه المرحلة بفترات متتابعة ومنتظمة من النشاط والحركة، بعضها فترات راحة وسكون، وقد تكون فترات يقظة ونوم.
  4. بدء عمل ونشاط قشرة المخ كما سبق ذكره.
  5. بداية ظهور حركات بناء على تنبيهات من الخارج4.

وهذا يعني أنّ مراكز عليا في المخ قد تدخلت في حدوث هذه الحركة، وذلك بناءً على انفعالات حسية في مخ الجنين أدرك بها حدوث شيء غير مألوف. وقد قيل أنّ الجنين يستطيع تميّز صوت أمّه من بين الأصوات. وقد تمّ تأكيد ذلك بالدراسات الطبية والمتابعة لمراحل الجنين، إذ لوحظ بأنّه في هذه المرحلة يقفز ويلعب وينام ويصحو ويحس ويفزّع، كلّ ذلك تزامناً مع اكتمال تكوين المخ وبداية قيامه بوظائفه من ظهور محركات التنفّس وإشارات المخ الكهربائيّة الدالّة على نشاط وعمل قشرة المخ والنصفين الكرويين، كما أنّ هذه العلامات والظواهر التي تحدث هي عكس العلامات التي توصف في مرحلة وفاة المخ عند موت الإنسان5.

لذا طرح الطب هذا السؤال: متى تبدأ حياة الإنسان؟

هل تبدأ عندما يكون جنينا في بطن أمّه؟ أم أنّها تبدأ بتمام ولادته؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الجنين والإنسان؟ أي بمعنى آخر متى يصبح الجنين إنساناً؟

علينا أوّلا أن نسأل متى يعتبر الجنين مولودًا؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن يتحقق شرطان أساسيان هما:

  1. خروج الطفل بجسمه كاملا إلى العالم الخارجي.
  2. وجود تكوين مستقل للطفل عن أمّه.

وحيث أنه لا توجد نظرية تفسّر هذا الوجود المستقل، ففسّر على أنّه قدرة الجنين على الاستقلاليّة في التنفس، ووجود دورة دمويّة مستقلة، وأغلب الآراء الطبية اعتبرت أنّ وجود تنفس مستقل دليل على أنّ المولود حي. ولذلك في صياغة اللغة العربيّة، كان ثمّة وعي بهذا، حيث أنّ الجذر “نفس” جاء من التنفّس، وحيث أنّ “الدم” يُسمّى نفساً باعتباره ناقلاً لأكسجين التنفّس والعكس، فيُقال لمن سال دمه سالت نفسه، ويُقال لكائنات ذوي الدم الحار، ذوات نفس سائلة !

ومع تطوّر علم الأجنّة ومراقبة نموّ الجنين فقد قيل أنّ الحياة تبدأ منذ أن يتم تلقيح البويضة لأنّ بها يكون مقوّمات الحياة وآخرون قالوا بعد الأسبوع السادس حيث يكون بداية تكوين الجهاز العصبي وبداية تكوين الأنسجة والأعضاء، وآخرون قالوا بعد أربعة أشهر حيث أن الجنين قد تكوّن فيه مستويين من الجهاز العصبي:

المستوى الأول: تكون جذع الدماغ وبداية عمله وهذا يكون في اليوم الثاني والأربعين.

المستوى الثاني: تكون قشرة الدماغ والملكات العليا وهو في اليوم المائة والعشرين، وهذا هو المستوى البشري الذي يبدأ فيه الإحساس والشعور والذكاء وتبدأ فيه حركات الجنين إرادية6.

لهذا نرى من هذه النظريات لم يتمّ حسم معنى متى تبدأ الحياة فبالتالي لم يتمّ حسم المعنى الدقيق للحياة الإنسانيّة.

وكما اختلف الأطباء، اختلف علماء الدين في تفسير بداية الحياة لاختلافهم في موعد ولوج الروح في الجسد إذ أنّه من الناحية الشرعيّة يعتبر الكائن حيا متى ولجت فيه الروح لقوله تعالى (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ)(السجدة:9). فمنهم من قال أنّ الحياة تبدأ بعد أربعين يوما استنادا على حديث أُوردوه عن النبيّ (ص) في كتاب القدر في صحيح مسلم/ الباب الأوّل ومسند الإمام أحمد، أما الرأي الآخر فقد أقر أنّ الحياة تبدأ بعد 120 يوما استنادا إلى الحديث المروي عن ابن مسعود (رض) حيث قال حدثنا الصادق المصدوق رسول الله (ص): إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد ثمّ ينفخ فيه الروح …الخ7.

وهناك رأي تجديدي، يذهب إلى أنّ الجنين بجميع أطواره منذ (الزيجوت) عبر كلّ مراحله إلى ما قبل الولادة هو كائن بشري، بصبغة DNA البشريّة، أي هو جسد بشري فيه نفس بشرية وهي روح الحياة البيولوجية وليست روح العقل والحياة الإنسانيّة، أي لم يصر بعد كائنا إنسانيّا، بمعنى أنّه ليس نفسا إنسانيّة ناطقة بعد، ونفخ الروح (روح الإنسانيّة) إنّما يتمّ بالتزامن مع مخاض الولادة، ليتحوّل الكائن البشري (النفس البشرية) إلى كائن إنساني (نفس ناطقة)، وهو الذي أشار إليه سبحانه بتسميته خلقاً آخر، تبارك الرحمن بإحسان خلقه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(المؤمنون: 14)8.

ثانياً- الموت

تدل كلمة الموت في معناها اللغوي على ذهاب القوّة من الشيء، وهي تعني كذلك ضد الحياة، ويراد بها أيضا ما يضعف الطبيعة ولا يلائمها كالحزن والخوف والأحوال الشاقة كالفقر والذل والهرم والمعصية. والموت لغة هو السكون وكلّ ما سكن فقد مات، وهو أيضا ما لا روح فيه، فبه تزول قوة الإحساس والنماء والتعقل9.

والموت في القرآن الكريم له عدّة معان : فمن الموت ما هو إزالة القوّة النامية الحيّة الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات، ومنه قوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)(الفرقان:49)، وقوله سبحانه: (وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)(الروم:19)، والموت هو زوال القوّة الحسية، ومنه قوله سبحانه: (وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أإذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)(مريم:66)، والموت هو زوال القوّة العاقلة، ومنه قوله جل وعلا: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)(النمل:80)، والموت هو النوم نومة أبدية، وفي هذا المعنى قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)(الزمر:42)، وقوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(الأنعام:60)، الموت والحياة نقيضان بنص الكتاب وتقريره، وسبحانه الذي (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)(الروم:19)، ويخاطب الناس بقوله عز وجل:(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(البقرة:28)، وغير ذلك من آيات الكتاب الكريم الدالة على حالتين فقط للإنسان، وهما الحياة والموت فقط، ولا مرحلة وسط بين الاثنتين.

وجاء الموت في القرآن الكريم أيضاً بمعنى الكفر أو الموت الفكري، ومنه قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ)(الأنعام:122). والموت هو اليقين الذي لا مفر منه ولا هروب، لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(العنكبوت:57)، وهو الأجل المحتوم والميقات المعلوم، في ساعة محددة ووقت محدد، لا تقديم فيه ولا تأخير عنه، لقوله تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)(الرعد:38)، وقوله عز وجل: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)(المنافقون:11).

وتتفق جميع الثقافات الإنسانيّة والأديان السماويّة الثلاثة: اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام في أنّ الموت هو مفارقة الروح للجسد.

والموت شرعا هو خروج الروح من الجسد، أو مفارقة الحياة للإنسان مفارقة تامّة، بحيث تتوقف كلّ الأعضاء بعدها توقفاً تامّاً عن أداء وظائفها، والذي يحدّد ذلك هم الأطباء. والكلّ يموت لا فرق بين نفس ونفس في تذوق جرعة مفارقة الحياة عن طريق مفارقة الروح للجسد، لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)(العنكبوت:57).

أ- علامات الموت عند الفقهاء

وقد ذكر بعض الفقهاء بأن للموت علامات وأمارات يعرف بها حصوله منها، وهذه العلامات هي التغييرات الثابتة بمشاهدتها، والمستنبطة من خبرة البشر في مثل هذه الأمور، ومن هذه العلامات المذكورة في بطون كتب الفقه: توقف القلب، انقطاع التنفس، استرخاء الأعصاب والأطراف، سكون الحركة في البدن، تغير اللون، شخوص البصر، عدم انقباض العين، انخساف الصدغ، اعوجاج الأنف، انفراج الشفتين، امتداد جلدة الوجه، انفصال الكفين عن الذراعين، تقلص الخصيتين، عدم نبض العرق بين الكعب والعرقوب وعرق الدبر، وغيبوبة سواد العينين في البالغين، وكذا برودة البدن10.

ب- علامات الموت عند الأطباء

استقر الطب الحديث على أنّ الموت الكامل لخلايا المخ (أي الدماغ) الذي يؤدي إلى توقف المراكز العصبية عن العمل، هو المعيار الشرعي، والقانوني لموت الإنسان موتاً حقيقياً لا رجعة فيه، والمقصود بموت المخ كلية الغيبوبة النهائية التامّة، حيث تتوقف مراكز الاتصال والتفكير والذاكرة والسلوك وغيرها عن العمل. فتخرج بذلك حالة موت جزء من خلايا المخ فقط، وهي الغيبوبة المؤقتة، إذ إن موت المخ لا خلاف بين الأطباء في أنه ليس موتاً.

وبما أنّ جذع المخ هو المكان المعين في المخ الذي ترد عليه جميع الأحاسيس، وهو المركز الرئيسي للتنفس والتحكم في القلب والدورة الدموية، فهو المسئول عن وعي الإنسان ونومه ويقظته وحياته، فموت هذا الجزء من الدماغ يؤدّي إلى إثبات الوفاة طبياً. إنّ موت جذع الدماغ بشكل دائم مرّة واحدة يؤدّي حتماً إلى خروج الروح من البدن، حتى وإن كان القلب سليماً، وذلك لأنّه لا يمكن طبياً تبديل لا القشرة الدماغية الميتة ولا الدماغ الميت. ولكي يشخص الطبيب موت جذع الدماغ، لابد من علامات طبية وهي:

  • الإغماء الكامل.
  • عدم الاستجابة لأي مؤثرات لتنبيه المصاب مهما كانت وسائل التنبيه قويّة ومؤلمة.
  • عدم التنفس لمدة ثلاث أو أربع دقائق بعد إبعاد المنفسة (Ventilator).
  • عدم وجود أي انفعالات منعكسة من جذع الدماغ.
  • وعدم وجود حركة الدمية في العينين عند تحريك الرأس.
  • وكذا عدم وجود أي نشاط كهربائي في رسم المخ.

هذا ولا يعدّ رسم الدماغ أساسياً في تشخيص موت الدماغ، غير أنّه إذا توافر كان دليلاً إضافياً مفيداً من الناحية الشرعية والقانونية.

ولا تكفي هذه الشروط لإعلان موت الإنسان، بل لابد أن يكون توقف وظائف جذع الدماغ مصحوباً بعلامات طبية (باثولوجية وتشريحية)، وما يتبع ذلك من ظهور تغيرات: كحدوث تغييرات بالعين، وبهاتة لون الجسم، وبرودة الجسم وفقد حرارته الحيوية، والزرقة الرمية، وغيرها من علامات ظهور الجسم بمظاهر الجثة تنتهي بتحليل الجسم تحلّلاً كاملاً. وهذا التعريف قد أقرّ في سنة 1952م عندما قبلت إحدى المحاكم الأمريكية (في ولاية كنتاكي) النظر في الدعوى الخاصّة بشخص كان قلبه لا يزال يدق لأنّه كان يدفع بالدم من الأنف، فطبقت معيار موت جذع الدماغ كلية معياراً قانونياً للموت، وعدلت عن معيار توقف التنفس والنبض (أي القلب والدورة الدموية) الذي كان سائداً إلى وقت ما، وهو ما أقره تقرير المؤتمر الثاني للأخلاق الطبية لجمعية الأطباء بفرنسا الذي انعقد بباريس سنة 1966م، والذي أكد بأن معيار الموت هو الموت الكامل لخلايا المخ (الدماغ)، وأن الموت ليس نتيجة حتمية لوقف حركة القلب في الجسم، وكان أول من وضع المواصفات العلمية والطبية الخاصة بتحديد موت الدماغ هي لجنة ((أدهوك)) (ADHOC) في جامعة هارفارد (HARVARD) الأمريكية عام 1968م. والذي ساعد على تقبل هذا التعريف حتى عند بعض رجال الدين هو ما يلي :

إن الأشخاص الذين تجرى لهم عمليات القلب المفتوح، يعتبرون أمواتاً أثناء العملية الجراحية، حيث أنّه في أثناء العملية فإن القلب والتنفس يتوقفان تماماً عن العمل؛ ولكن الواقع أنّ هؤلاء الأشخاص أحياء، ويعودون إلى وعيهم وحياتهم بعد العملية، لأنّ جذع الدماغ كفلت له وسائل الحياة بواسطة القلب الصناعي الذي قام بدفع الدم إلى المخ وباقي الجسم وساعدهم على انتظام استمرار التنفس.

إنّ موت القلب يتبعه لا محالة موت الدماغ، إذا انقطع عنه الدم (لمدة تتراوح من دقيقتين إلى أربع دقائق)، وبالتالي يعدّ مثل ذلك الشخص في عداد الموتى، ومن ثمّ، فإنّ الموت من الناحية الطبية هو توقف جهاز التنفس والدورة الدموية والجهاز العصبي توقفاً تاماً لبضع دقائق، وما يتبع ذلك من ظهور علامات وتغيرات، ومنها ظهور الجسم بمظاهر الجثة، ويتم ذلك بعد حوالي ساعتين وهو ما يعبر عنه بموت الأنسجة، ولهذا يفرق الأطباء بين موت الشخص وموت الأنسجة، فالأخير يبقى لمدة ما قد تصل إلى ساعتين أو أكثر في بعض الأحشاء أو الأنسجة بعد موت الشخص؛ فمثلاً قد تتفاعل العضلات للتيار الكهربائي إلى ما بعد الموت بنحو ثلث أو نصف ساعة، وقد يظل الكبد يحول المواد النشوية إلى سكرية لحوالي ساعة أو ساعتين بعد الوفاة، وكذلك قد تظل الحيوانات المنوية حية في الخصية.

ومن علامات الموت عند الأطباء؛ توقف الدورة الدموية والتنفس توقفاً تامّاً، عتمة قرنية العين، نقص الضغط داخل العين، ارتخاء الأطراف، برودة الجسم، الزرقة الرمية، التيبس الرمي، التعفن الرمي، التصبن الرمي، وأخيراً التحول إلى مومياء.

ومن المؤكد لدى الأطباء، أنّه ليس هناك لحظة محدّدة للموت، فهناك تدرج من الموت الإكلينيكي، إلى الموت البيولوجي، ثمّ الموت الخلوي النهائي. فالموت الإكلينيكي هو المرحلة الأولى، حيث يتوقف جهازا لتنفس والقلب عن أداء وظائفهما، وفي مرحلة ثانية، يتوقف الدماغ (بموت خلايا المخ) بعد بضع دقائق من توقف دخول الدم المحمل بالأكسجين للمخ (ما لم تستعمل وبسرعة أجهزة الإنعاش الصناعي). وفي المرحلة الثالثة والأخيرة للموت، تموت خلايا أعضاء وأنسجة الجسم شيئاً فشيئاً وتدريجياً، فيحدث ما يسمى (بالموت الخلوي)، وهو الموت التام والكامل للإنسان. ومن ثمّ، فإنّ حالات الغيبوبة المؤقتة مهما طالت، والإغماء الطويل أو السبات العميق (أي غياب الوعي مهما طال الزمن)، والموت الإكلينيكي، وتعطل عمل القشرة المخية، والموت الجزئي للجسد أو لبعض أعضائه، لا تعد موتاً بالمفهوم الشرعي والطبي، ما لم يتم إثبات تشخيص موت جذع الدماغ الذي هو موت حقيقي لا رجعة بعده للحياة.

ونلاحظ مما سبق، بأنّه يجب التفرقة بين موت جذع الدماغ وموت المخ. أمّا الأوّل فهو موت محقق لا رجعة للحياة بعده؛ وأما الثاني فهو غيبوبة ربما يتغلب عليها بالمعالجة الطبية بعد تشخيص أسبابها، ومن ثمّ فإنّ موت المخ لا خلاف في أّنه ليس موتاً.

فمن المعروف طبياً أنّ موت المخ (وهي الحالات التي تحدث عندما تتلف قشرة المخ بشكل دائم، فتتلف مع ذلك مراكز الإرادة والوعي، ولكن جذع الدماغ يكون سليماً فتبقى أعضاء الجسم الأخرى عاملة) لا يمكن اعتباره موتاً بالمفهوم الطبي الشرعي، إذ أنّه من الثابت لدى الأطباء أنّ حالات موت المخ يكون أصحابها أحياء تظهر فيهم مظاهر الحياة المختلفة: كنبض القلب نبضاً عادياً، والتنفس، والحرارة الطبيعية، واستمرار إفرازات معظم أجهزة الجسم، والأفعال الانعكاسية الإرادية، كما أنّه يستمر شعرهم وأظافرهم في النموّ، وأنّ الحمل في حالة السيدات الحوامل يستمر طبيعياً طوال فترة الغيبوبة حتّى تتمّ الولادة في موعدها الطبيعي.

ومن الممكن أن يتوقف قلب إنسان عن العمل، ولكن خلاياه (أي خلايا القلب) تظلّ حيّة، فإنّ موت هذا الإنسان ليس إلا موتاً ظاهرياً لعدم موت الجهاز العصبي. فالقلب يمكن أن يتوقف عدّة مرات (السكتة القلبية)، ولكن يمكن إسعافه مادام الدماغ حياً. فلا يوجد ما يمنع شرعاً من إسعاف القلب وإعادته إلى عمله الطبيعي، عن طريق استخدام التقنيات الطبية الحديثة، وهي أدوات الرعاية المركزة وأجهزة الإنعاش الصناعي للتحقق من الجهاز العصبي. فإن دلت الأجهزة الطبية على فقدان الجهاز العصبي لخواصه الوظيفية الأساسية، فإنّ الإنسان يعدّ ميتاً شرعاً وقانوناً، وجاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي.

وهذا ما قررته دار الإفتاء المصرية، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وما أفتى به مجمع الفقه الإسلامي بمقتضى القرار رقم (5) والصادر بتاريخ 3/7/1986م في دورته الثالثة المنعقدة بعمان (الأردن) من 11 – 16 أكتوبر 1986م، حيث عدّ موت الدماغ موازياً لموت القلب وتوقف الدورة الدموية، وهو الموت الشرعي الذي يجيز وقف أجهزة الإنعاش الصناعي.

وهو ما قررته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، من أنّ المعتمد عليه في تشخيص موت الإنسان هو خمود منطقة المخ المنوط بها الوظائف الحياتية الأساسيّة، وهو ما يعبر عنه بموت جذع المخ، وعليه فإنّه إذا تحقق موت جذع المخ، بتقرير لجنة طبية مختصة، جاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي11.

وقد عرّف السيد محمد حسين فضل الله بأنّ الموت هو توقف جذع الدماغ عن وظائفه ويجيز رفع أجهزة الإنعاش عنه لأنّها حياة خلية – حياة نباتية – وليست حياة إنسانيّة وحياة اصطناعيّة وليست حياة طبيعية.

وقد قسّم الأطباء الحياة الإنسانيّة إلى عدّة مستويات، وكان الهدف من هذا التقسيم لتسهيل الوصول إلى إصدار حكم شرعي في انتهاء الحياة أو بقائها :

  • حياة الجسد الكاملة: هي الحياة الكاملة التي تعمل فيها أجهزة الجسم كلّها في تناسق مع وجود الوعي والإدراك (الحياة المستمرة).
  • الحياة النباتيّة المستمرة: تكون عندما يتلف قشر المخ بشكل دائم، فتلف مراكز الوعي كلّها إلا أنّ جذع الدماغ يبقى سليما. ومع أنّ المريض في هذه الحياة يدخل في غيبوبة عميقة, إلا أنّه يستطيع أن يتنفس وحده، وقد يبقى المصاب في هذه الحالة عدّة أشهر بل سنوات قبل مفارقة الحياة.
  • حياة الأعضاء بعد أن يتلف جذع الدماغ, ويبقى المصاب تحت أجهزة الإنعاش, والحياة هنا لا تكون للإنسان بل لأعضائه12.

فنخلص من ما ذكر أنّ الموت هو مفارقة الروح للبدن وهو توقف الفاعلية الكهربائية للدماغ وخاصة جذع الدماغ بعد أن كان يعرف بتوقّف القلب والتنفس إذ أنّ هذه الوظائف يمكن المحافظة عليها اصطناعيا.

ثالثاً- الموت الرحيم (Euthanasia)

كلمة الـ (Euthanasia) كلمة إغريقية الأصل وتتألف من مقطعين، (EU) وتعني الحَسَن، الطيب، الرحيم أو الميسر و(THANASIA) وتعني الموت أو القتل أي الفناء. وعليه فإنّ كلمة (Euthanasia) تعني لغويًّا الموت أو القتل الرحيم أو الموت الحسَن أو الموت الميسر.

أما في التعبير العلمي المعاصر فتعني: “تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه بناء على طلب مُلِحٍّ منه مقدم للطبيب المعالج”. ومع الزمن نشأت صور تطبيقية مختلفة للأوثانازيا نلخصها فيما يلي:

أ- الموت الفعَّال (Euthanasia Direct)

ويسمى بالقتل المباشر أو المتعمد، ويتمّ بإعطاء المريض جرعة قاتلة من دواء كالمورفين أو الكورار (Curare)، أو الباربيتوريات (Barbiturates) أو غيرها من مشتقات السيانيد (Cyanide) بنيّة القتل، وهو على ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: الحالة الاختيارية أو الإرادية، حيث تتم العملية بناء على طلب ملحّ من المريض الراغب في الموت وهو في حالة الوعي أو بناء على وصية مكتوبة مسبقاً.

الحالة الثانية: الحالة اللاإرادية وهي حالة المريض البالغ العاقل الذي فقد الوعي، حينئذ تتم العملية بتقدير الطبيب الذي يعتقد بأنّ القتل في صالح المريض، أو بناء على قرار من ولي أمر المريض أو أقربائه الذين يرون أنّ القتل في صالح المريض.

الحالة الثالثة: وهي حالة لاإرادية يكون فيها المريض غير عاقل، صبيًّا كان أو معتوهاً، وتتمّ بناء على قرار من الطبيب المعالج.

ب- المساعدة على الانتحار (Aide au suicide)

في هذه الحالة يقوم المريض بعملية القتل بنفسه بناء على توجيهات قُدمت له من شخص يوفر له المعلومات أو الوسائل التي تساعده على الموت.

ج- الموت غير المباشر (euthanasia indirect)

ويتمّ بإعطاء المريض جرعات من عقاقير مسكّنة لتهدئة الآلام المبرحة، وبمرور الوقت يضطر الطبيب المعالج إلى مضاعفة الجرعات للسيطرة على الآلام، وهو عمل يستحسنه القائمون على العلاج الطبي، إلا أنّ الجرعات الكبيرة قد تؤدّي إلى إحباط التنفس وتراجع عمل عضلة القلب فتفضي إلى الموت الذي لم يكن مقصوداً بذاته وإن كان متوقعا مسبقاً.

د- الموت غير الفعال أو المنفعل (Euthanasia Passive)

ويتمّ برفض أو إيقاف العلاج اللازم للمحافظة على الحياة، ويلحق به رفع أجهزة التنفس الاصطناعي عن المريض الموجود في غرفة الإنعاش والذي حُكِمَ بموت دماغه، ولا أمل في أن يستعيد وعيه والميئوس من شفائه تماما13.

رابعاً- لمحة تاريخيّة عن الموت الرحيم

من الثابت تاريخياً، أنّ فكرة قتل الرحمة أو القتل بدافع الشفقة، تعود إلى فلاسفة اليونان القدماء كأفلاطون وسقراط وغيرهم، ونقله عنهم الإنجليز والألمان والفرنسيون ثم الأمريكيون. وهو ما ذهب إليه سقراط وأتباعه الذين سموه (بالتدبير الذاتي للموت بشرف)، وقد لجأ سقراط إلى تناول السمّ ومات في أثناء محاكمته، ولم يوافق على تهريبه من السجن الذي رتبه تلاميذه، غير أنّه في العصور الوسطى، أدّى تطوّر القانون الكنسي (اليهودي المسيحي) إلى عدّ الانتحار انتهاكاً للقانون الطبيعي.

وينسب اصطلاح القتل بدافع الشفقة إلى الفيلسوف الإنجليزي (روجيه باكون) (ROGERBACON)، وهو قسّ امتدّت حياته ما بين عامي 1214 – 1294م، وكان يرى أنّه (على الأطباء أن يعملوا على إعادة الصحة إلى المرضى وتخفيف آلامهم، ولكن إذا وجدوا أنّ شفاءهم لا أمل فيه، يجب عليهم أن يهيئوا موتاً هادئاً وسهلاً). وذكر أفلاطون قبله، في كتابه (الجمهورية) أنّه يجب تقديم كل عناية للمواطنين الأصحاء جسماً وعقلاً، أمّا الذين تنقصهم سلامة الأجسام فيجب أن يتركوا للموت.

وكان المفكر الإنجليزي توماس مور (THOMAS MOORE) في كتابه (المثاليّة UTOPIE) يرى أنّه يجب على رجال الدين والقضاة حثّ التعساء على الموت، وفي أوائل هذا القرن، قامت في ألمانيا على وجه الخصوص حركة تنادي بإباحة قتل الرحمة، وهو ما أقرّه الأمر الصادر من هتلر عام 1939م، الذي أباح قتل المرضى العقليين، والأشخاص المعتوهين، وكذا الشيوخ الذين أصيبوا بالخرف.

وفي عام 1912م قتل أحد وكلاء النيابة العامّة في فرنسا زوجته المصابة بشلل نصفي، ناشئ عن إصابة في الرأس، لتخليصها من آلامها المبرحة التي لا تطاق وفي سنة 1917م برئ طبيب أمريكي، من تهمة فشله في إنقاذ حياة طفل مشوه، وفي سنة 1920م قام زوج أمريكي بقتل زوجته بالسمّ بناء على طلبها، وكانت مريضة بمرض مستعص غير قابل للشفاء، وفي سنة 1925م قتلت فتاة فرنسية خطيبها، الذي كان مصاباً بالسرطان، فقامت بحقنه بكمية كبيرة من المورفين ثم قتلته بمسدسها.

وقد أباح بعض الأساقفة في أمريكا، قتل الرحمة في حدود معقولة ومقبولة، وعلى سبيل المثال رئيس أساقفة (كنتربر)، في أثناء مناقشة جرت عام 1936م، حيث صرح: “لا يعقل أن يعاقب طبيب في هذه الحال، كقاتل، بل لا يجوز اتهامه أصلاً”.

وفي سنة 1973م نشر طبيبان أمريكيان مقالاً، ذكرا فيه أن 43 طفلاً ماتوا في مؤسسة متخصصة بالعناية بالأطفال المولودين حديثاً، بموجب قرار اتخذه الجهاز الطبي المعالج، والآباء بعدم بذل أي عناية لهؤلاء الأطفال.

وحديثاً برأ القضاء الأمريكي أطباء مارسوا قتل الرحمة، بدافع الشفقة لتخليص مرضاهم من آلامهم المبرحة الناتجة عن أمراض مستعصية مزمنة لا يرجى شفاؤهم، كممارسة نهائية للتعنت العلاجي الذي لا جدوى منه: ففي سنة 1950م، برئ طبيب أمريكي كان قد حقن مريضاً بالسرطان على شفا الموت بكمية من الهواء قضت عليه، وفي عام 1974م في جنوب إفريقيا برئ طبيب كان قد حقن مريضاً لا يرجى شفاؤه بحقنة مميتة.

وفي سنة 1966م، وضعت إحدى المحاكم الأمريكية مبدأ قانونياً فاصلاً، مفاده أنّ طبيباً حسن النية، يمكن أن يكون مسئولاً جنائياً، بوصفه قاتلاً عند ممارسته لقتل الرحمة، وذلك لأنّ التعجيل بموت المريض تخليصاً له من آلامه يُعد فعلاً معاقباً عليه قانوناً. غير أنّ القوانين الأمريكية، ما زالت إلى الآن لا تحرّم الانتحار، فقد أعطى القانون الأمريكي في ولاية كاليفورنيا عام 1977م، الحق لكلّ شخص أن يحدد موعد موته بأن يكون سهلاً وبلا معاناة. كما أنّه في سنة 1969م، أجري استبيان بواسطة نقابة الأطباء الأمريكيين، ظهر منه أن 80 في المائة يمارسون قتل الرحمة لوضع حدّ لحياة مريض لا يرجى شفاؤه لتخليصه من آلامه المبرحة.

وفي بريطانيا هي الأخرى، نشر جراح عصبي إنجليزي مقالاً، ذكر فيه أنه كلف بمعالجة 37 طفلاً، مصابين بورم خلقي، ولكنه قرّر عدم معالجة 25 منهم، فماتوا قبل الشهر التاسع من أعمارهم، كما أنه أصبح المنتحر في بريطانيا منذ عام 1961م معفياً من أي إجراء عقابي، وبرزت في سنة 1970م حركة تنادي بالسماح بقتل الرحمة، وتأسست في سنة 1982م جمعية بريطانية لتيسير الموت وتسهيله (EXIT)، وتقديم المساعدات المادية والنفسية لمن يريد تيسير الموت.

وأخيراً في فرنسا، أوضح استبيان للرأي العام الفرنسي في شهر نوفمبر 1987م أنّ 85% من الفرنسيين يؤيدون القتل بدافع الشفقة، على أن يصبح طلب المريض في إنهاء حياته هو حقّ شرعيّ وفقاً لمبدأ الحرية في الموت، كما قرّر 76% من الفرنسيين رغبتهم في تعديل القانون الجنائي الفرنسي لإباحة قتل الرحمة14.

ولقد تطوّرت الأسماء في الغرب من “جمعية قتل الرحمة” إلى “جمعية حق الإنسان في الموت” إلى “حق الإنسان في الموت في وقار وإجلال”، كذلك تطورت الأهداف من علاجية إلى وقائية، أي من إنهاء الألم بقتل المتألم إلى “الوقاية من الطفولة المعوقة”، والمطالبة بتشريع يبيح للأطباء قتل الأطفال المعوقين خلال (72) ساعة من ولادتهم.

ومما لا شك فيه أنّ الاهتمام بمسألة الموت الرحيم قد تزايدت في الثمانينيات من القرن الماضي، ويرجع ذلك إلى أمور من أهمها:

أ- اهتمام دوائر الإعلام ونشر ممارسـة الموت الرحيم في بعض الدول الغربية.

ب- استفحال بعض الأمراض واستعصائها على العلاج كبعض أنواع السرطانات وبعض الأمراض المزمنة كالزهايمر.

ت- نشوء جمعيات وهيئات ذات تأثير كبير في الضغط على السلطات الحكومية لأجل إصدار تشريعات حول القتل الرحيم.

وقد انقسمت الآراء حول الموت الرحيم بين مؤيدين ومعارضين وبين مؤيدين بشروط صارمة. فإنّ المؤيدين للموت الرحيم يعللون تأييدهم له للأسباب التالية :

أ- مصلحة المريض

يرى البعض أنّ اللجوء إلى الموت الرحيم هو في مصلحة المريض الذي يعاني من الآلام الجسـدية والنفسية التي لا يطيق تحملها، ويقدمون لتدعيم موقفهم الحجج التالية:

1- حريّة التقرير الذاتي (Autonomy)

يرى هؤلاء بأن الإنسان حرٌّ في تقرير مصيره وله الحقّ في التصرف بجسده كيف يشاء، ويؤكّدون بأن القتل الرحيم هو نوع من المساعدة على الانتحار المشروع والذي لا تعاقب عليه القوانين الوضعية؛ ولذا ينصحون بأن يكتب المريض وصية للتصرف بحياته عند دخوله المستشفى للمعالجة، وهو لا يزال في كامل وعيه وقدرته على التصرّف، فإذا ما تعرّض لمرض ميئوس من شفائه، فيرى أنّ على الطبيب المعالج أن يتوقف عن علاجه وألا يحاول المحافظة على حياته سدى.

2- الحقوق الذاتيّة

يرى المؤيدون أنّ للمريض حقوقًا ذاتية يجب احترامها وتتلخص فيما يلي:

طالما أنّ الموت أمر محتوم ومقدر لكلّ إنسان، فللإنسـان الذي يتعرّض لآلام طويلة الحـق إذن في أن يمـوت أو أن يحـيا بالصورة الكريمة التي يتمناها، وبناء على ذلك فله الحقّ في أن يُقتَلَ إذا طَلبَ ذلك.

3- الرحمة والشفقة بالمريض

يرى المؤيدون للموت الرحيم بأنّ من شأنه أن يُريح المريض ويخلّصهمن المعاناة والعذاب والآلام التي لا يطيق الصبر عليها.

 4- نوعية الحياة (Quality of life )

تقاس قيمة الحياة بمقدار ما يمكن أن يساهم الإنسان في المجتمع من إنتاج وإبداع، فإذا ما أصبحت الحياة تعتمد على الغير في قضاء الحوائج وأن يصبح الإنسان كتلة لحمية لا نفع لها، حينئذ تتساوى الحياة مع الموت، بل أنّ الموت أولى.

ب- مصلحة الآخرين (الأهل والأصدقاء والمجتمع)

1- الرحمة والشفقة

وإذا خففنا الآلام الجسمية عن المريض الميئوس من شفائه، فإنّ آلامه النفسية مستمرة لشعوره بأنّه عبءٌ ثقيل على سواه ممن يتولّون رعايته، ولا مفرّ -بعد قليل أو كثير- من تبرّمهم وتمرّدهم على ما يشقّ عليهم من أمره.

وإذا لم يكن في حالة من الوعي يشعر معها بهذه الآلام، فهي واقعة بلا شك على أهله الأقربين، وأصدقائه الأدنيْن.

2- العامل الاقتصادي

التكاليف المادية والأعباء الاقتصادية التي تتحمّلها الأسرة أو المجتمع، وأنّ التقدم الطبّي أدّى إلى ارتفاع متوسط العمر إلى 80 عاما عند بعض الدول الصناعية وأدى إلى زيادة أعدادهم وبالتالي إلى زيادة العبء الاقتصادي على الدولة15. وكذلك أن الكلفة المالية للحالات التي تتطلب العناية المركزة فهي مكلفة جدا حيث أن متوسط التكلفة اليومية لهذه الرعاية تتراوح بين 667 إلى 10794 دولارا حسب وضع المريض في العناية16. أما إذا كانوا في الأجنحة الاعتيادية فالتكلفة المادية للرعاية الطبية الخاصة بهم تتراوح بين 250 إلى 283 دولارا17.

أمّا المعارضون لقانون الموت الرحيم فإنّهم يرون أنّ الحياة هي هبة من الله لا يحقّ إلا لواهبها أن يستردّها، وأنّ دور الطبيب هو الحفاظ على الحياة، بصرف النظر عن قيمة الحياة لأنّها ليست من صلاحيته واختصاصه، وأنّه ينبغي عليه التركيز على تطوير العلاج الذي يزيل الألم وإعداد فريق من المتخصصين في شتى المجالات التي هم بحاجة لها.

وكذلك يرون أنّه يجب مساندة المريض وأهله وبث روح الصبر وإيجاد جماعات للدعم النفسي، كذلك يرون أنّ هذا النوع من الممارسة تؤدي إلى فقدان المصداقية بين المريض والطبيب، وتقويض فلسفة التعليم الطبّي من الأساس، فتفقد مهنة الطب قيمتها إذا أصبح قتل المريض هو الحل الأمثل.

ويرون أنّ على الأطباء أن يزيدوا من الاهتمام بطبّ المسنّين وتحسين مستوى الخدمات الصحية والاعتناء بالخدمات الشخصية للمرضى المزمنين وعدم إكراههم على الطعام والشراب.

إنّ الموت الرحيم يمارَس بشكل خفي في كثير من المجتمعات بالرغم من حظـره دينياً وقانونياً، والذين يقومون به يبررون فعلهم بدوافع إنسانية محضة لتخليص المريض من وضع ميؤوس من شفائه، وعلى سبيل المثال فلقد اعترف أحد الأطباء الفرنسيين بأنّه مارس الموت الرحيم على العديد من مرضاه، كما أنّ ممرضاً أمريكياً أطلق على نفسه اسم ملاك الموت حيث كان ينهي حياة بعض المرضى الميؤوس من شفائهم، حتى أنّه – في إحدى المرات – خنق مريضاً ظل يتنفس بعد أن نزع عنه جهاز التنفس الاصطناعي.

منذ ست سنوات، وبالتحديد في الأوّل من نيسان 2002م،دخل قانون الموت الرحيمحيّز التنفيذ فيهولندا، وبذلك كانت هولندا أوّل دولة في العالم تسمح بالموت الرحيم تحت شروط صارمة إذ يشترط وجود علاقة طويلة سابقة بين المريض والطبيب وأن يأتي القرار من المريض فقط ولا يحق للطبيب اقتراح قتل الرحمة كأحد الخيارات، ولا بدّ أنّه يعاني من مرض مزمن لا يرجى شفاؤه، وأن يكون قد استشار طبيبا آخر، ولابد من إلحاحه في هذا الطلب، مع التأكد من سلامة قواه العقلية.

كما وُصف الموت الرحيم عند المعارضين له “بالقتل”، وعند المؤيدين له هو “رحمة” و”تيسير”، فقبل أن نرفض أو نؤيد أي منهما لنستعرض ما هو مفهوم “القتل”؟

خامساً- مفهوم القتل:

أ- تعريف القتل

1- في اللغة

تدور مادة ” قتل ” في اللغة على القضاء على الشيء والانتهاء منه، كأن القاتل بفعله يقضى على المقتول بإزهاق روحه، قال الفيومي: قتلته قتلاً : أزهقت روحه، فهو قتيل، وأيضاً: قتله قتلاً: قضى على حياته، ويقال: قتل الخمر: مزجها بالماء ليكسر حدتها، وقتل الموضوع بحثاً: تعمق في بحثه، فعلمه علماً تاماً18.

2- في الاصطلاح

عرفه الفقهاء بأنّه إزهاق روح إنسان حيّ عمداً، وبأنّه اعتداء على حياة الغير تتوقف عليه وفاته، بينما عرفه القانونيون بأنه إزهاق روح إنسان حيّ، بقصد أو خطأ. والمقصود بالإنسان الحيّ قانونيا هو إذا ولد وهو يتنفس بعد انفصاله عن مشيمة الأمّ، ولكن اشترطت بعض القوانين عند مجموعة من الدول كالقانون الفرنسي أن تتوفّر له جميع الأعضاء التي تكفل له الحياة أي تجعل بقاءه حيا ممكنا، ولهذا الشرط أهمية خاصة إذ تعتبر أنّ شخصيته لم تبدأ ولا يترتب عليها حكم لعدم قابليته للحياة. وقد قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام:

(أ) عمد: وهو أن يقصد إنسان قتل نفسه أو آخر بآلة تصلح لأن تكون قاتلة.

(ب) خطأ: هو أن يفعل ما له فعله فيصيب إنسانا حيا لم يقصد فيقتله.

(ج) شبه عمد: وهو أن يقصد إنسان قتل آخر بآلة لا تصلح للقتل غالبا كالعصا ونحوها، ويلاحظفي هذا القسم أنه لم يلحق بالعمد لأنه لم يضرب بما يقتل، كما أنه لم يلحق بالخطأ لأنه تعمد الاعتداء فكان قسما ثالثا بينهما19.

ب- ما هو سبب تحريم القتل ؟

إنّ حق الإنسان في الحياة حقّ مقدّس في جميع الديانات ولاسيما الإسلام، حيث كرّم الله الإنسان على سائر المخلوقات بما أعطي من نفحة ربانية-الروح- (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر:29)، فكان ذا قدرة على الابتكار والإبداع والتحليل والربط، فتأهل بأن يكون خليفة الله في أرضه (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(البقرة:30)، وهو سيرث الأرض (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(الأنبياء:105)، وقد تمّ تكريم الله له بأن خلقه في أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(التين:4)، فكانت له حرمته وقدسيته المستمدة من الله حيث أنّ روح الإنسان جزء من الروح الربّاني، لهذا فإنّ مسؤوليته تقتضي بأن يحافظ عليها.

لذلك أكّد الإسلام على حرمة الحياة وحفظها من كلّ اعتداء يمكن أن يقع عليها، فإنّ قتل النفس يعدّ من أبشع الجرائم (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(المائدة: 32)، وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(النساء:29).

ج- الموت الرحيم

حرمة القتل- قتل النفس المحترمة- كقاعدة، لها استثناءات وتخضع لقواعد أكبر منها لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)(الإسراء:33). فما الحق المقصود في هذه الآية ؟

تتعدّد مصاديق قتل النفس بتعدد الغرض، ومثال ذلك:

  1. قصاص القاتل (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَبِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّوَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْيَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(المائدة:45).
  2. عند دفاع الإنسان عن نفسه، وماله، وعرضه، ودينه، ووطنه، ضدّ آخر معتدي.
  3. في ساحات الجهاد عندما يتطلب الأمر التضحية بالنفس إذ أنّه يضحي بنفسه بقتله الأعداء، كما هو في العمليات الفدائية لدحر الأعداء كمحاربي الكاميكازي، والذين يكتسحون الألغام، وغيرهم.
  4. من أجل مصلحة عامّة: الذين يضحون بحياتهم لإنقاذ أرواح أخرى، ودرءاً لئلا تقع مفسدة أعظم.
  5. جواز الإجهاض أو وجوبه (وهو قتل نفس)، عندما تكون حياة الأم في خطر.

إذن القاعدة العامّة هو حرمة قتل النفس، ولكن نرى أنّه ليس كلّ قتل غير جائز، والذي ينبغي أن نسير عليه هو (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)(الإسراء:33)، أي يجب أن يكون هناك مسوّغ حقيقي للقتل، وحقّه أكبر ومقدّم على حقّ حياة النفس.

ولكن هل الموت الرحيم وخاصة الفعّال يندرج تحت هذا الحقّ؟!! أي هل أنّ مسوِّغ قتل النفس يعلو في قيمته وقداسته على حقّ الحياة نفسها مهما كانت هذه الحياة؟!

إنّ هذا الأمر لا جواب له، ولا يُمكن اعتجال جواب نظريّ له، وإنّما يُجاب عنه في كلّ قضيّة على حدة، بدراسة تفاصيلها وحيثيّاتها ونواياها وأغراضها الإنسانيّة المشروعة والواجبة وأهدافها النبيلة التي تُوازي الأمثلة والمسوّغات السابقة، تماماً كما تُدرس القضايا القانونية، لتشكيل مبررٍ حقيقيًٍ واضحٍ يكون حقّه بجلاء أكبر من حقّ حياة النفس التي يُراد قتلها أو إماتتها، بقانون الله نفسه.

1- آراء بعض فقهاء المسلمين في القتل الرحيم

درست بعض المجامع الفقهية وبعض المنظمات الإسلامية الطبية وكثير من علماء المسلمين قضية القتل الرحيم، وكانت آراؤهم في معظمها متشابهة من حيث النتيجة برفض الجميع الموت الرحيم الفعال وقبول الموت الرحيم غير المنفعل، ولكن قبل ذلك نستعرض حكم التداوي في الإسلام.

إنّ المحافظة على حياة الناس وسلامة أبدانهم, من المقاصد الكلية الضرورية في الشريعة الإسلامية, ويقتضي ذلك اتخاذ كافة الوسائل والتدابير الممكنة للعلاج والتداوي لحفظ حياة الإنسان، وإنّ أحكام الإسلام مبنية على قواعد تُيسِّر وتُسِّهل, وتدعو إلى كلّ ما من شأنه أن يدفع المشقة ويزيل الحرج لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(البقرة: 185)، ولقول الرسول (ص) ” يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا” وحين يصل الأمر إلى حدّ الضرورة والاضطرار, يتّسع الأمر فيباح المحظور, فـ “الضرورات تبيح المحظورات”, “والضرورة تقدر بقدرها”,”وإذا ضاق الأمر اتسع” .

لقد أمر رسول الله (ص) بالتداوي والأخذ بأسباب الشفاء فقال:” تداووا فإنّ الله عز وجل لم يضع داءاً إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم”20. وقد أجمع العلماء على جواز التداوي, وذهب بعضهم إلى القول بأنّ التداوي أفضل, لعموم قول النبي(ص) :”تداووا…. “, ولأنّ النبي (ص) كان يديم التطبّب في صحته ومرضه. وله عدة أحكام:

  1. فهو تارة يكون واجبا: في حالة المرض الشديد, الذي يذهب بالنفس, أو بمنفعة العضو, وإذا علم المريض يقيناً بحصول الشفاء, وجزم له الأطباء بذلك، وفي حالات الأمراض المعدية لأنّ المرض سيتعدى إلى الآخرين وفي حالة توفر الدواء.
  2. مندوباً : إذا ظنّ أن الدواء فيه شفاء.
  3. وقد يكون حراماً: كأن يحصل من التداوي ضرر أشد من النفع المرجو, فإنّه يحرم في هذه الحالة تعاطي الدواء, لأنّ درأ المفاسد أولى من جلب المصالح21.
2- رأي شيخ الأزهر  في القتل الرحيم

ذكر الدكتور محمد سيد طنطاوي في الجلسة التي عُقدت خلال المؤتمر الدولي السنوي الثالث والعشرين لكلية طب عين شمس تحت عنوان “الطب المتكامل”، والذي عُقد في الفترة من 21-24 فبراير 2000م عندما طرح عليه الأطباء عدّة حالات قد احتاروا فيها ومنها:

  1. رفض مريض السرطان أخذ العلاج لإدراكه أنّ أيامه قليلة.
  2. وطلب الأسرة في بعض الحالات المتأخرة خروج المريض من المستشفى الموجود به الأجهزة التي تساعده على الحياة لعدم استطاعتها سدَّ نفقات العلاج.
  3. وحالة المرضى الذين ماتوا مُخيًّا لكن قلبهم ما زال ينبض، في حين أنّ فرص عودتهم للحياة معدومة، فهل من حق الطبيب أو الأهل أن يطالبوا بمنع هذه الأجهزة عن المريض؛ إما لحاجة مريض آخر فرصته في الشفاء أعلى من المريض الأول، أو للتقليل من النفقات التي قد لا تؤدي إلى نتيجة؟!

فكان رده: لا يجوز في الحالتين الأولى والثانية، أما الحالة الثالثة فقد أجاز لأن بقاء قلب المريض ينبض مرتبط بوجوده على الأجهزة ومخه قد مات أصلا فلا بأس من أن تطلب الأسرة منع الأجهزة عنه؛ لعدم استطاعتهم الوفاء بمصروفات هذه الأجهزة.

الإشكالية التي ترد: أليس في الحالة الأولى أنّ التداوي مباح وغير واجب خاصة إذا تبين أنّ العلاج المتوفر لن يؤدي إلى شفاء، وكذلك الحال بالنسبة للحالة الثانية فقد يؤدي وقوع ضرر أكبر على العائلة منه على المريض وخاصة أنّ حالته لا شفاء يرجى منها.

3 – فتوى دار الإفتاء بالكويت

وفي سؤال حول قتل المريض الميئوس من حياته وجّه إلى دار الإفتاء بالكويت بتاريخ 13/8/2001م، هذا نصه: “هل يجوز إيقاف العلاج في الحالات الميئوس منها، أو يجب مواصلته إلى أن يموت المريض أو يتم إنقاذه؟ وهل يجوز القتل بدافع الرحمة الإنسانية، وقياس ذلك على قتل الحصان الذي بلغ سنا معينة؟”.

بالنسبة للمريض بمرض ميئوس منه إذا طرأ عليه مرض آخر قابل للعلاج ويؤدي للوفاة إذا أهمل فإنه يطبق عليه الحكم الأصلي للتداوي، وهو عدم الوجوب من جهة الشرع؛ لأنّ حصول الشفاء بالتداوي أمر ظني، وهو مطلوب على سبيل الترغيب لا على سبيل الوجوب، أما من جهة التعليمات الطبية والقرارات الرسمية المنظمة للمهنة فينبغي شرعاً العمل بما تقضي به فيما لا يتنافى مع الشرع، أما بالنسبة لقتل المريض فقد كان الجواب : أنه حرام ويُعتبر قتلا متعمدا.

4- فتوى الدكتور يوسف القرضاوي

ومن الفتاوى الجامعة في هذا الموضوع فتوى للعلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حول أسئلة وجهت إليه من قبل منظمة الطب الإسلامي بجنوب أفريقيا، ضمن أسئلة عن الطب الإسلامي وأحكامه وآدابه، جاء في السؤال الأول منها ما يلي:

الأسئلة:

  1. مريض مصاب بالسرطان يعاني من الألم والإغماء، ويعتقد الطبيب بأنّه سيموت بأي حال من الأحوال ويعطيه جرعة عالية من علاج قاتل للألم الذي يوقف تنفسه.
  2. مريض في حالة إغماء لفترة طويلة مثلا بعد إصابته بالتهاب السحايا أو بإصابة شديدة في رأسه، ومن الممكن أن يبقى حيًّا باستعمال منفِّسة (جهاز إنعاش)، ويعتقد الطبيب بعدم وجود أي أمل بشفائه، والمنفِّسة تضخّ الهواء للرئتين، وتديم تنفسه “أوتوماتيكيا”، فإذا ما أوقف المنفسة فلن يتمكن المريض من إدامة تنفسه، فمن الممكن إبقاء هذا المريض حيًّا بواسطة هذه المنفسة الصناعية التي تديم فعالياته الحيوية، ولكن لكل الاعتبارات الأخرى يعتبر مثل هذا المريض “ميتًا” وغير قادر على السيطرة على وظائفه وإيقاف هذه المنفسة يعتبر تيسيرًا فعالاً للموت.
  3. مريض نهائي بالسرطان أو الإغماء من إصابة بالرأس أو التهاب سحائي ولا يرجى شفاؤه منه، ومصاب بالتهاب الرئة التي إن لم تعالج – وهي ممكنة العلاج- يمكن أن تقتل المريض، وإيقاف العلاج من الممكن أن يعجل بموت المريض.
  4. طفل مشوه تشويها شديدًا بتصلب أشرم – شوكة مشقوقة- أو بشلل مخي، يمكن أن يترك من دون علاج إذا أصيب بالتهاب الرئتين أو بالتهاب السحايا، ويمكن أن يموت الطفل من هذه الالتهابات22.

فكان جوابه في الحالة الثانية والثالثة والرابعة: قد أجاز إيقاف العلاج واعتبرها نوعا من أنواع تيسير الموت المنفعل، إذ إنّه يقلل معاناة المريض وأهله الذين يظلون في قلق وألم ما دام على هذه الحالة التي قد تطول إلى عشر سنوات أو أكثر، وإنّ إبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة يحتاج إليها غيره ممن يجدي معه العلاج.

أما في الحالة الأولى اعتبرها قتلا، حتى إن كان بهدف التخفيف عن المريض، إذ أن الطبيب على علم أن إعطاء مثل هذه الجرعة العالية من غير مساعدة جهاز تنفس ستؤدي إلى وفاة المريض.

الإشكالية هنا، هي في الحالات التي اعتبرت أنّها قتل متعمد: لماذا يعدّونه قتل عمد وكأنّه مقدّمة لتجريمه؟! فالعمد هو في النية الشرّيرة، ألا يُوجد تقسيم آخر، مثلاً (قتل بحقّ، وقتل بغير حقّ) كالتقسيم القرآني؟! وإلاّ فقد ذكرنا حالات نبيلة كلّها تُعدّ من أصناف (القتل العمد) بحسبهم، لكنّهم يجعلونها من القتل المشروع أي (قتلاً بحقّ)، سواء كانت دفاعا عن النفس أو لصالح الغير أو ضمن أهداف نبيلة، ألا يُوجد لدى الإسلام مع وسعه حلّ لهذا؟ إذا كانوا يعتبرون قتل المريض بالتخفيف عنه بأدوية تجعله لا يشعر بالألم وخاصة أنه في الحالات السرطانية المتأخرة أن العلاج الناجع الذي يخفف هذه الآلام يتطلب بلوغ جرعات كبيرة توقف التنفس، فهل من المعقول أن نضعه على جهاز التنفس لنستطيع السيطرة عليه أم نجعله يعاني؟ أليس في هذا امتهان لكرامته؟! ألا نخشى أن يؤدي ذلك بأن يصاب إنسانٌ ما باليأس من رحمة الله؟ وقد يخرجه أو يخرج ذويه من دائرة الإيمان؟ قد يقال أنّ الصبر من علامات الإيمان ويجب أن نساعده وأهله بأن نواسيهم ونذكّرهم بالثواب العظيم الذي ينتظرهم، ونتذكر أنه أصيب بعض الصحابة الكرام، في بعض الغزوات، بإصابات قاتلة، وظلوا أياماً وأسابيع يعانون من الآلام المبرحة قبل أن يتوفاهم الله تعالى لأنّهم كانوا يرجون الشفاء وبعض منهم قد شفي، ولكن في هذه الحالات ذكرنا سابقا أن لا أمل فيها، فعلينا ألا نحجّم رحمة الله وكأنه ضرورة خاصة من خصائص هذا العالَم فقط، وتغيير نظرتنا للموت أنّه كرحمة وراحة لا أنّه كإهانة للحياة وإفناء لها، فإن كان للحياة قدسية أليس للموت وكيفيّته قدسية وكرامة أيضا؟!

5- رأي المرجع السيد محمد حسين فضل الله

عندما سئل عن إيقاف العلاج عن الحالات المستعصية والتي لا يرجى شفاؤها، أجاب: أنّه لا يجوز ترك التداوي بل العلاج واجب، إذ أنّ توقيف العلاج معناه أن تترك الإنسان يموت دون إنقاذه، وهو بالنسبة إليه يرى أنها تصطدم بنظرية احترام حياة الإنسان، إذ على الإنسان أن يترك الحياة تدافع عن نفسها أو أن تنهي ذاتها، واحد.

ويرى أنّ الأخلاق لا تتجزأ، فعندما يكفّ الطبيب عن معالجة المريض المبتلى بالمرض المستعصي، فهو يقتله سلبياً، ولا فرق بين القتل السلبي والقتل الإيجابي، وأما عن إجازة الموت الرحيم لمن يعاني من الآلام الجسدية فقال إن أجزناه فيعني كذلك أن نجيز لمن يصاب بآلام نفسية!! فكيف نشرِّع ونقنن ما يهلك حياة الإنسان ويفقده قيمة وجوده؟!”.

ثم لماذا نحاصر الطبّ أن يقف عاجزاً أمام الشفاء؟ ألا يحتمل بعد ساعة من موت إنسان ما، أن يكتشف الطبّ علاجاً لهذا المرض؟ حيث إنّ كل المكتشفات الطبية كانت في لحظة مما يحتاجه الكثيرون من الناس! إذاً فلنبقِ الحياة تدافع عن نفسها، وإذا كان الإنسان يعيش الألم، فهناك القيم الروحية التي يمكن للإنسان أن يدعم فيها الجانب الجسدي ويخفف من ألمه”23.

إن السيد فضل الله يقرّ بعجز العلم وقصوره ويرى أنّ المعاناة قد تساعد على اكتشاف دوائها، إذ أن قتل الموجوعين اليائسين يسلب داعي اكتشاف الدواء لفض هذه المعاناة أو ربّما لعلاجهم أيضاً؟ لذا يجب أن نترك الحياة تقوم بدورتها، وهو وجه وجيه، ولكن ماذا عن المعاناة الخاصة بالمريض وأهله؟! ماذا عن حقّ المجتمع والمصلحة العليا؟ فلو افترضنا أنّ هناك أسرّة محدودة وقد امتلأ المستشفى بالحالات المزمنة الميؤوسة والتي يطلب المريض والأطبّاء وأهله إراحة المريض منها، وهناك الحالات الحادة والتي يمكن علاجها لو توفّرت أسرّة واعتناء لازم، ولكن لا يوجد مكان، ولا توفّر اعتناء، وكذلك قد صرفت الميزانية لحالات لا يرجى شفاؤها فيتضرّر المجتمع، ثمّ أنّ مساواة الآلام العاطفية بالجسدية ليس صحيحاً، لأن الآلام العاطفية يمكن معالجتها نفسياً وبالعقاقير، ويمكن تعليم الإنسان بعض المهارات التي تساعده على التغلب عليها.

لقد رأيت من خلال قراءتي ومتابعاتي أنّ الكثير من الفقهاء يعتبر أن من أصيب بمرض عضال مثل المريض المصاب بالسرطان الذي لا يرجى شفاؤه ويطلب أن ينهي حياته أنه انتحار، ويعتبر أنه يأس من رحمة الله، ويتم الاستشهاد بالحادثة التالية: أن أحدهم كان يقاتل في إحدى المعارك في زمن الرسول (ص) وأصيب فلم يتحمّل آلامه، فغرز نصل السيف في بطنه ومات، فقال رسول الله (ص) أنه في النار. وكذلك من أقواله عليه الصلاة والسلام:((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى)). ومهما اشتد به المرض والألم، فلا يجوز للمريض شرعاً، كما ذكرنا سابقاً، أن يتمنى الموت، وهذا لحديث أم الفضل (رض): أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهم، والعباس عمّ الرسول (ص) يشتكي، فتمنى العباس الموت، فقال له رسول الله (ص):  ((يا عم لا تتمنّ الموت، فإنك إن كنت محسناً فأن تؤخر تزداد إحساناً إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئاً فإن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنّ الموت).

فحادثة قتل الرجل بسيفه جزعاً لعدم قدرته على احتمال الألم – وهو لو انتظر لمات طبيعيا- للتخلّص من آلامه، هي قياس خاطئ، ومسألة لا تحسم الأمر، ولا علاقة لها بما نحن فيه، لكنّها مع ذلك تصلح كقيد، أي هي غير مساوية لموضوع القضيّة لكنّها تصلح لتهذيب القضيّة، أي جعلها في البال لنستثني حالات ناتجة أو تنمّ عن هذه العقليّة والنفسية الكافرة بالله والتي تعيش لشخصها، فيكون انتحارها جزعاً شخصيا وقلّة إيمان بالله.

6- الموت الرحيم عند المسيحيّة

تذكر الكنيسة دوماً أن كلّ شيء، إنما هو عطية من الله تعالى، والحياة هي تلك الهبة الكبرى التي منحها الله للإنسان، وهي وديعة على الإنسان أن يؤدّي حساباً عنها، ولهذه الحياة كرامتها سواء أكان ذلك في مراحلها الأولى أم في مراحلها الأخيرة.

ولقد ندّد قداسة البابا بيوس الثاني عشر في رسالته “الجسد السرّي” بأولئك الذين يعتبرون القتل الرحيم اكتشافاً في التقدم البشري ويبرِّرونه بحجّة الخير العام. كتب يقول: “أي رجل عاقل يعترف أن هذا لا يُعارض القانون الطبيعي والإلهي المكتوب في قلب كل إنسان وحسب بل إنه يُخالِف بوجه كل إنسانيّة حسّاسة ومتحضّرة” (عدد 104).

وقد أكد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني من جديد معارضة الكنيسة للقتل الرحيم عندما عدّد مجموعة من المخالفات للكرامة الإنسانية بما في ذلك أيضاً القتل، الإبادة الجماعية، الإجهاض، والانتحار المتعمّد. وقال آباء المجمع:” إن كل هذه التصرفات والعادات التي ذكرناها وما يشبهها هي في الواقع مشينة، فبينما تُفسِد الحضارة، تُلحق العار بالذين يتعاطونها أكثر مما تلحقه بضحاياها، كما وأنها وصمة عار أيضاً فظيعة لشرف الخالق” (الكنيسة في عالم اليوم، 27)24.

إلا أن الكنيسة لا تعارض استعمال العلاجات التي تهدف إلى تخفيف الألم بصورة مباشرة، وحتى لو كان لها نتيجة ثانوية، وهو تجريد المريض من استعماله عقله أو حتى تقصير عمره، إذ إن التأثير الجيد أي تسكين الألم هو المقصود وليس القتل أو تقصير الحياة، إذ أنّ الإنسان ملزم بالاهتمام بالصحة والاعتناء بها والمحافظة عليها ولكن بالطرق العادية التي تساعده أن يعيش بمرضه ولكن ليس بطرق فوق عادية كاستخدام أجهزة التنفس الاصطناعي وبعض الأدوية التي تمدد حياته لساعات أو أيام25.

وتعارض الكنيسة اعتبار حياة المحتضرين أو المعاقين أنواعاً منخفضة من الحياة، وتنادي بأن لكل حياة بشرية قيمة ذاتية في كل لحظة من لحظات الحياة، كما وتشجب الكنيسة تلك القوانين المدنية التي تُجيز القتل الرحيم في بعض البلدان.

وبدل الموت الرحيم، تعلّم الكنيسة المغزى الخلاصي للألم، لأنّ بإمكان كلّ إنسان، على مثال السيد المسيح، أن يحوِّل آلامه إلى فداء وإلى خلاص، إذا ما حَمَل صليبه مع معلمه الإلهي الذي عرف الألم واختبر الموت، كما أن الكنيسة تدعو الكهنة وذوي المحتضرين إلى مرافقتهم بالإصغاء والتفهُّم والصمت والصلاة.

د- وضع المريض الميت دماغيا :

1- فتوى المجمع الفقهي

حول رفع أجهزة الإنعاش الاصطناعي عن المريض المتوفى دماغيًّا صدرت فتاوى عن المجامع الفقهية، منها: الفتوى الصادرة من المجلس الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة في 24/2/1408هـ، ومفادها:

أنّ المجلس قد نظر في موضوع تقرير حصول الوفاة بالعلامات الطبية القاطعة، وفي جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض الموضوعة عليه في حالة العناية المركزة، واستعرض المجلس الآراء والبيانات الطبية المقدمة شفهيا وخطيا من وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، ومن الأطباء الاختصاصيين، واطلع المجلس كذلك على قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في مدينة عمان العاصمة الأردنية رقم (5) في3/7/1986م، وبعد المداولة في هذا الموضوع من جميع جوانبه وملابساته انتهى المجلس إلى القرار التالي:

“المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه نهائيا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أنّ التعطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليا بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعاً إلا إذا توقف التنفس والقلب توقفاً تاماً بعد رفع هذه الأجهزة26.

2- رأي العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

وعن رأي الشرع بالمصطلح الطبي الموت الدماغي، حيث يعتبر الأطباء موت الدماغ هو الموت الحقيقي، يقول: “نحن نفتي بأنّه إذا تحقق موت الدماغ طبياً بشكل قطعي، فلا يجب وضع الجهاز المشجِّع لنبضات القلب، ولا يحرم رفع ذلك الجهاز عن المريض لو وضع له وتبيَّن بعد ذلك أنه في حالة موت دماغي قطعاً.

3- رأي آية الله محمد إسحاق الفياض

قد سئل هل يعتبر الإنسان ميتا إذا مات دماغيا؟ وهل يجوز رفع الأجهزة عنه؟ فأجاب: يعتبر الإنسان عند موت الدماغ ميتا طبيعياً، ولا أمل في حياته بموجبالقانون الطبي ويجوز رفع الأجهزة الطبية28.

ولكن يوجد بعض من الفقهاء لا يعتبر الميت دماغيا ميتا حتى يتوقف نفسه وقلبه ويعزون ذلك لوجود بعض الحالات التي شخصت أنها موت دماغي ولكن بعد ذلك يستعيدون وعيهم، فنرد على هؤلاء غالبا ما يكون هناك خطأ في التشخيص لذلك نرى أنه تم تحديد مجموعة من العلامات التي ذكرت سابقا التي يجب تحققها لدى المريض.

الخلاصة

فبعد أن استعرضنا بعض المفاهيم والآراء نرى أنّه وعلى المستوى الاعتقادي، سواء الإسلامي، أو الديني العالمي عموماً، من المحال توحيد الناس حول نتيجة فقهية واحدة، باعتبار أنّ مفاهيم الأديان تجاه مسألة (الحياة) و(الموت) تختلف لدرجة أنّ البعض يعتقد بالتناسخ وأننا في دورات حياة ينبغي أن نستوفيها، والبعض يعتقد أن حالات الإعاقة عقوبات قدرية تكفيرية إلهية ينبغي تركها حتى تأخذ مداها أو أنّها من أجل الخلاص وما شابه، ولاختلافهم في تفسير النصوص وقواعدها، وأيهما أولى، وتباينهم في تطبيق القواعد الدينية ومقاصده، ولاختلافهم في تفسير معنى (النفس) و(الروح) ومتى تكون ومتى تفارق، ولاختلاف مناظيرهم تجاه العالَم الآخر…الخ، فمن المحال جمع العالم على فهم واحد.

فعلينا توفير خيارات مقبولة دينيا ومشرعة إنسانيا للحالات المستعصية، ليس بالضرورة ترضي الجميع لكنها قد توفّر حلاّ إيمانيا وواقعياً كمخرج رحماني للبعض، أن تكون خيارات لممارسات إنسانية نبيلة، وليس فقط بأن نمارس تفسيراتنا للدين وتضييق حلوله، ونفرض نمط اختلافنا في الفلسفات الكونية والحقوق الذاتية والطبيعية والإلهية، بل يجب أن نقوم بالشيء الصائب لأنه أكثر إنسانية ورحمة وشفقة من وجهة نظرنا للميت والحي والآخرين المتضررين على السواء.

أرى أن مفهوم الموت الرحيم يجب أن يدرس تحت مفهوم حرمة قتل النفس إلا بالحق و مسألة موازنة الأولويّات،و إنشاء قضيّة ناجحة ضميريا وقانونيّا يرتضيها بعض العقلاء، لا ذات دافع مادي ومصلحي.. تمثّل نظرة دينية روحية موازية لنظرات دينية أخرى تتكئ على فهمها المختلف للنصوص والحوادث، نظرة تأخذ كلّ الأسئلة والإشكالات بعد أن تجمعها بعين الاعتبار، وكل الأديان بعين الاعتبار، وكل التجارب وقصص المعاناة بعين الاعتبار، وكل الأرقام والإحصائيات للأمراض والعلاجات والاستكشافات وحتى الكرامات الربّانية العلاجية بعين الاعتبار، نظرة لا تلغي مواقف الرحمة، ولا محفّزات العلم بترك المعاناة، وتتدخّل في أضيق المواقف كخيار متاح يلمّه الدين، ولا يُؤثّمه ويُجرّم صاحبه، ويرضي الضمير، ويُقال بعده “الحمد لله ربّ العالمين” من كلّ الأطراف، حتى من الميّت نفسه في عالمه الآخر الذي لا فناء فيه ولا آلام.

التوصيات:

  • ينبغي على المنظّرين وفقهاء الشريعة والباحثين في هذه المسألة، من أجل صيانة اجتهادهم وموافقته للحقّ والاحتياط بعدم التقوّل باسم الدين ما ليس في الدين، أن يقوموا أوّلاً بضبط المفاهيم وتحديد حدودها، وضبط الأحكام المنصوصة أيضاً داخل سياقاتها الخاصّة، وعدم استخدام واجترار ما كان لشيء آخر كقياس مع الفارق، أي عليهم أوّلا فك الارتباط بين ما يُعرف دينيا بالانتحار، (أو كذلك قتل النفس)، الموجب لدخول صاحبه النار، أي الموجب لتأثيمه لأنه يأس من رحمة الله، وجزع شيطاني ومضاد للصبر والأمل بالله، وبين الموت الرحيم إن كان من نوع (قتل بحقّ).
  • كما علينا إذا أردنا أن نناقش الأمر من ناحية دينية أن نكون منفتحين، لنستخدم قواعد الدين ونناقشها، فاحترام الحياة كقاعدة، وحرمة القتل/قتل النفس المحترمة كقاعدة، لها استثناءات وتخضع لقواعد أكبر منها، كالدين والوطن والشرف، والأهداف النبيلة، وإنقاذ الآخرين وإسعادهم، ودرءاً عن مفسدة أعظم، فليس كل قتل هو غير جائز، والذي ينبغي أن نسير عليه هو (لا تقتلوا النفس إلا بالحقّ) أي يجب أن يكون هناك مسوّغ للقتل حقيقي، وحقّه مقدّم على حقّ حياة النفس، أي أنّ شرائط الموت الرحيم ينبغي أن تكون وفق قاعدة أكبر من الحياة نفسها سيّما إذا كانت أتفه وأسفل حياة، قاعدة تسمح بهذه التضحية، ولا تخدش بمسألة الأمل بالله، والإيمان به، واحتساب التصبّر، وترك حوافز المعاناة لممارسة الإنسانية، والأخلاق، وتحفيز العلم لاكتشاف الدواء والعلاج والمسكنّات.
  1. كما علينا أن نُفرّق بين واجب الإنقاذ، أي إطالة الحياة ، وبين القتل، فعدم إنقاذ المحتضر لا يعني قتلاً، وإنما عدم محاولة إنقاذ من بالمقدور إنقاذه هو القتل كما في حالة أم حامل ميتة سريريا ولكن الجنين حيا فهنا يجب المحافظة على حياتها واطالة حياة الاحتضار من أجل هذا المولود ، وليس الميؤوس منه بحسب العلم المتوفّر، ووفق الأدوات المتاحة.
  2. يجب تحديد و توحيد مفهوم الحالات الميؤوس منها المشرفة على الموت والتي تُؤكّد بشهادات المختصّين الموثوقة، ولا يدخل كل ما له أمل في المنظور العلمي، (لا الإعجازي)، كما لا يدخل كل من سيموت قريبا لكن بمعاناة، متى كان بالإمكان تخفيف معاناته.
  3. عند توحيد مفهوم الموت الرحيم يجب أن لا يدخل فيه المنتحرون، وكلّ من لديه داعي آخر تستقيم معه الحياة، فهؤلاء يحتاجون طبيبا نفسيا وروحيا وتأهيلا نفسيا وتصحيح مسار أخلاقي، لا تسهيل انتحارهم وتقليل فرص إيمانهم وإفادتهم للمجتمع وجهادهم وترقية إنسانية المجتمع بوجودهم، لأنهم -أي المرضى الميؤوس منهم- ترمومتر إنسانية المجتمع الذي يُنصر ويُرحم بضعافه، وهم أدوات قياس ضميره وتحضّره.
  • وينبغي التعويل على الإحصاء، وهو علم منفصل، تعول عليه كل العلوم لمدّها بخامات البحث الأولية، لدراسة كل الحالات، واستقراء آراء العوائل، والمرضى المزمنين، والأطباء المباشرين، وأطباء علم النفس المختصّين، وأنواع الأمراض الميئوس منها، بل وإدخال الإيمان وتجاربه في الشفاء واستقصاء الحالات التي عُولجت روحيا أو بكرامات لوضعها كخيار أيضاً للناس قابل للطرق.
  • يجب أن يجعل له ضوابط قانونية حتى لا يكون قرارا شخصيا، كمن قُطعت أطرافه فقرّر الموت، بل هو قرار طبي، وأهلي، وشخصي، وقضائي أي مجتمعي متكامل، وله ضوابط مناسبة تحترم حياة الإنسان وكرامته وخياره وموته، وقد تكون كرامته في الموت أيضاً، ولا يدخل في هذا رغبة الأهل في التخلص من مريضهم نتيجة طمع مادي ولعدم اكتراث إنساني وضمور في الضمير، ولا قصور الدولة في توفير أسرّة معيّنة، لأنّ واجبها توفير هذا وكفالة مرضاها.
  • يجب تناقش كل قضية على حدة وأخذ القرار فيها كما التجربة السعودية التي شهدتها في مستشفى الملك فيصل التخصصي إذ كانت هذه الحالات تدرس من قبل المتخصصين في المستشفي ثم ترفع إلى رئيس المجلس الإسلامي الفقهي الذي يصدر قراره بعد دراسة الحالة من جميع أبعادها .
  • ينبغي ونحن نناقش الدين، أن لا نجعل الدين مجتزأ في تشريعات فقهية وأقوال تخص المسألة فقط، بل نُدخل الرؤية الروحية للدين أيضا، رؤية الدين السامية وتصوّره تجاه الحياة وامتدادها ومعناها، ورؤية الدين للعالم والكون والإنسان وهدف وجوده، وأن الموت ليس نهاية المطاف، المسألة تتعقّد لدى من يظن أنّ الموت هو إعدام وإفناء، أما من يتصوره نقلة لعالم آخر، فهذا سيؤثّر في النتيجة، أي نتيجة حكمه بقدسية الحياة مهما كانت غير مهمّة وضارّة، في قبال قداسة الموت مهما كان شريفاً وسامياً وذا أهداف راجحة ونبيلة.

————————-

  1. ليون فهدي، الموت الرحيم، alepporthodox.org/01-ar/90-news/90-news-2005/may05
  2. محمد بن محمود الهواري، قتل الرحمة في ميزان الأخلاق والقانون،islamonline.net/arabic/contemporary/2003/08
  3. السيد سلامة السقا، الحياة والموت في منظور طبي إسلامي، 55a.net/firas/arabic
  4. عبد الباسط محمد سيد، النفس والروح، quranworld.com/files/soul.ppt
  5. سمر الأشقر، المركز القانوني للميت دماغيا، nashiri.net
  6. ندى الدقر، موت الدماغ بين الطب والإسلام، دمشق: دار الفكر، ص 125.
  7. قضايا طبية معاصرة، المجلد الأول، ص 125
  8. جلال القصاب، الجنين المشوّة، جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.
  9. ابن منظور، لسان العرب، ص
  10. بلحاج العربي بن أحمد، الأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقة الإسلامي، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد 42، السنة 11، ص8-160
  11. بلحاج العربي بن أحمد، المرجع نفسه.
  12. موسى البسيط، تيسير الموت للمريض ” قتل الرحمة ” بين الحكم الشرعي و الموقف الطبي،passia.org/meetings/2004
  13. محمد بن محمود الهواري، المصدر السابق.
  14. بلحاج العربي بن أحمد، المصدر السابق.
  15. محمد بن محمود الهواري، الجدل القانوني والأخلاقي حول قتل الرحمة،islamonline.net/arabic/contemporary/2003/08
  16. Critical Care Medicine. 33(6):1266-1271, June 2005
  17. cja-jca.org/cgi/reprint/42/3/192.pdf
  18. ابن منظور، المصدر السابق، ص
  19. جمال الغيلاني، جوخة الريامية في مفهوم القتل وإشكالياته الطبية، nizwa.com
  20. أبو داوود, كتاب الطب, رقم 3357؛ الترمذي، كتاب الطب، 1961؛ ابن ماجة, الطب, 3427.
  21. موسى البسيط ، المصدر السابق.
  22. محمد بن محمود الهواري، رأي بعض فقهاء المسلمين في القتل الرحيم، islamonline.net/arabic/contemporary/2003/08
  23. السيد محمد حسين فضل الله، الموت الرحيم، arabic.bayynat.org.lb/marjaa/mout.htm
  24. الموقع السوري للإستشارات القانونية، موقف الشرائع والتشريعات من القتل بدافع الشفقة، barasy.com
  25. أخلاقيات طب الحياة، منشورات المعهد الإكليريكي -latinseminary.org/6/1.doc
  26. بلحاج العربي بن أحمد، المصدر السابق.
  27. السيد محمد حسين فضل الله، المصدر السابق.
  28. محمد اسحاق الفياض، موت الدماغ،  alfayadh.com/ar/estefta

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.