العنف ضد المرأة ليس مقدّساً إلهياً – تونس

“العنف ضد المرأة ليس مقدّساً إلهياً”

ورقة جمعية التجديد الثقافيّة الاجتماعيّة- البحرين

مقدمة للندوة العلمية الثانية “المرأة والعنف المشروع”

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة سوسة

الجمهورية التونسية

وحدة البحث: التشريع في الأحوال الشخصية

17- 19/أبريل/2008م

إعداد: الشيخ أحمد العريبي

2008

المدخل:

العنف ليس طارئا على البشرية، فقد ضجّت الملائكة حين أراد الربّ تأسيس مشروع الإنسان المهيأ لخلافة الربّ، وقَالُوا حينها: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟) لفداحة ما فعله البشر في البشر نفسه، مما جعل الملائكة يستبعدون أهليته لدور الخلافة وهو على هذه الحال، لكن الربّ اختار بشريْن ذكراً وأنثى وأخذهما للمحضن الخاصّ (الجنة) وأحاطتهما الملائكة المدبّرون لتعديل جيناتهما ونفخ روح الإنسانيّة فيهما ليتحولا إنسانين بعيدين عن خصائص الهمجية البشرية، وهما آدم وحوّاء، هذه النفخة الربانية أهّلتهما وذريتهما وفي جوّ حرية الاختيار لأن يكونوا أقدس المقدّسين أو أبعد الخلق عن النزاهة والقداسة، وما إن حطّت أقدامهما الأرض ليكوّنا أسرة وقبيلة وعشيرة حتى تلوثت الأرض من عنف طغى على السموّ الإنساني والتعليم الرباني، يوم قتل قابيل أخاه هابيل وهما أخوان ابنا آدم دونما مبرّر سوى عودة القاتل للنفس الهمجية والتنكّر للسلم وحبّ الآخر، ليظلّ نادما بفعل تعذيب الضمير.

لكن الأخطر مما حصل يوم شُرّع للعنف وأُلبس ثوب القداسة، حينها مارس الإنسان ألوانا من العنف دون أدنى شعور بعذاب الضمير، والأدهى من ذلك انقلاب عذاب الضمير إلى فخر واعتزاز بالمقدّسات وتطبيقاتها، فلا غرابة وهو يألف أعراف وسطه الاجتماعي وموروثاته ويستأنس بها وتظلّ تتحكم في لاشعوره، وكأنّ هذه الحالة بسبب انقلاب الموازين فيها يصحّ تسميتها بالوصف النبويّ لتغير عقليّات الزمان حين “يتبدل فيها المعروف منكرا والمنكر معروفا”، فمهما التفت المرء الحرّ يمنة ويسرة رأى فقه الرجال يشرّعون لمظاهر كثيرة من العنف ويقدّسونها بحسب فهوماتهم للدين، وكأنّهم لا يدركون مواطن الجمال والقبح، ولا الخير والشر، ولا العدل والظلم، مع أنّ هذه الثنائيات أساس دين الله ومعيار العقل الإنساني وإدراكاته.

ومن منّة الله تعالى ولأجل حفظ الدين والقيام على حراسته تستفزّ بعض العقول للرجوع إلى كلّ الموروثات والمقدّسات المزعومة التي استقرت باسم الدين، وأوّل المبادرين هم الأنبياء والمصلحون يفكّرون عكس التيار الاجتماعي في مناهج ترجع إلى محاكمة الموروثات والمقدسات؛ لتجادل كلّ وسط غابت عنه عيون النواقد، كما قال تعالى:(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(الزخرف:24). فليس أمامنا حجة بعد هذا المنهج القرآني حتى يبقى العنف مشروعا مقدسا أبد الآبدين دون أن تستقرفه الآذان والأقلام والعقول.

أولاً- العنف والإكراه:

أ- تعريف العنف

في معجم مقاييس اللغة: [العنف] ضدّ الرفق، اعتنفت الشئ: إذا كرهتِه ووجدت له عنفا عليك ومشقة، والتعنيف: التشديد في اللوم1.

ويعرف العنف تعريفا إجرائيا مؤداه أن العنف هو كل سلوك فعلي أو قولي يتضمن استخداما للقوة أو التهديد لإلحاق الأذى والضرر بالذات أو بالآخرين, وإتلاف الممتلكات لتحقيق أهداف معينة.

إن مفهوم العنف تشكل تدريجيا في المعاجم اللغوية، وأيضا في الدراسات والاختصاصات الفكرية والميدانية التي تناولته فمن الزاوية السيكولوجية: يبدو العنف كتعبير عن انفعال، أو انفجار للقوة, يتخذ صيغة لا تخضع للعقل، فيظهر في شكل سلوك عدواني، حيث يعرفه العديد من علماء النفس بأنه نمط من السلوك الذي ينتج عن حالة إحباط يكون مصحوبا بعلامات توتر، ويحتوي على قصد إلحاق الضرر بكائن حي أو شيء بديل عن كائن حي، إنه يتحدد كاستجابة لمثير خارجي تتجلى في شكل فعل يكون مشحونا بانفعالات الغضب والهياج والمعاداة ويرتبط بتحكم غريزة الموت والعدوانية لدى الفرد2.

ومن هذا المنظور يمكن القول إن القوة – بمختلف معانيها- تصبح عنفا عندما ترتبط بالإكراه، مما يفترض أننا لا نستعمل مفهوم العنف إلا عندما نكون أمام وضعية صراع/ نزاع تمارس فيها بشكل إرادي واع أفعالا “قوية” من طرف أو أطراف تمس أمن و سلامة طرف أو أطراف أخرى، إن العنف كمفهوم معاصر يتحدد إذن ً كسلوك قسري غايته الحد أو الوقوف في وجه حرية الآخر3.

 ب- تعريف الإكراه، وفعله (كره)

[الكره] وهو على خلاف الرضا والمحبة، يقال كرهت الشئ أكرهه كرها، الكُره: المشقة، والكَره (بفتح الكاف) أن تكلف الشئ فتعمله كارها، والكريهة: الشدة في الحرب، ويقال: الكره: الجمل الشديد الرأس كأنه يكره الانقياد4.

لم يرد في القرآن الكريم ذكر بالنص للعنف مع أنّ القرآن الكريم مملوء بأحداث العنف بين الأنبياء وأقوامهم، إنما لفظة (الإكراه) موجودة كمصطلح قرآني، وتعني أنّ الإكراه فعل يفعله المرء بغيره، فينفي به رضاه أو يفسد به اختياره، والرأي الغالب لدى الفقهاء: أن الإكراه قد يكون مادياً عندما يكون الوعيد والتهديد منتظر الوقوع، وعليه فإنّ التهديد يعدّ عنفاً إذا سبب ضرراً جسمانياً للمجني عليه، بخلاف ما يقف عند حد الضغط على إرادة المجني عليه، فإنه يكون إكراهاً فحسب.

بين مادتي العنف والكره تقارب كبير حتى قال البعض بالترادف بينهما، إلا أنني أرى أنّ الإكراه هي الحالة التي يحتاج فيها المكره (بكسر الراء) إلى وسيلة العنف لإكراه الطرف الآخر المكره(بفتح الراء)، فإن العنف في حدّ ذاته هي قساوة وغلظة في النفس غير الرحيمة، وقد يتعامل بها المرء حتى مع نفسه أو غيره بداعي القسوة المنطوية في النفس، وقد يحدث العنف لا لأجل غرض معين بسبب طبيعة النفس الخشنة القاسية.

أما الإكراه فهو عنف من أجل حمل الطرف الآخر على الإذعان والرضوخ إلى الطرف المكره (بكسر الراء) لهذا فهو يحتاج إلى أدوات العنف الفعلية ليتحقق الإكراه بمعنى إذعان الطرف الآخر، فلو كان ضعيفا لا يملك أدوات العنف والقوة، فهو فاقد لآليات الإكراه.

ومن التطبيقات القرآنية يتضح المعنى، ففي قوله تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(النور:33)، فهؤلاء السادة يمارسون تهديدا فعليا وضغطا ماديا لحمل الفتيات على البغاء من أجل بعض متع الدنيا، أو تعويضا عن حالات الفقر كالذي يحدث في زماننا في البلاد الفقيرة، فيدفع الواحد منهم بمن يلي أمرهاّ إلى الرذيلة فيقوم بإذلالها، ويحرمها عن الكثير مما تحتاجه، ويتعمد تجويعها لتأتي بالمال أينما اتفق، اتجاراً بالجنس وبكرامة وحرّيات البشر، وفي بلدان أخرى تتحكم فيها العادات القبلية، فلا يسمح للفتاة بزواج من تحبّ وإن كان المتقدم لها كفوا، إلا أن تتزوج من أقاربها كما ترغب العشيرة، وقد تبقى عانسا أو تتزوج من تجبر عليه، وقد تضطر البعض منهن إلى الخيانة الزوجية في هذه الحالة، إنّ هذا الإكراه قد يصدر لا من قلوب قاسية، وإنما الدافع كما عللت الآية: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ)(النحل: من الآية106)، إنّ مناسبة تنزيل هذه الآية القرآنية أنّ من أصحاب محمد(ص) من مارس معهم أهاليهم وأسيادهم ألوانا من التعذيب الجسدي والنفسي، لا لأنّ هؤلاء الأسياد والأهالي بالضرورة جفاة قساة، فقد كانوا من قبل يحبون ويعطفون على غلمانهم وأولادهم، ولكن بعد أن دخلوا الإسلام أرادوا إجبارهم وإكراههم للتخلي عن دين التوحيد، دين محمد(ص) فهذا العنف إنما هو أداة ووسيلة لتحقيق الإكراه، فالحالة حالة إكراه ليفسد عليه اختياره ويصادر عليه رأيه، والوسيلة والأداة عنيفة وشديدة.

ثانياً- مشروعيّة العنف

حينما حُدّد مفهوم العنف بأنه: استخدام القوة استخداما غير مشروع، غير مطابق للقانون5، يعني بمفهومه أنّ من مظاهر العنف ما هو مشروع ومطابق للقانون، وهو الذي يعنينا أمره في موضوعنا هذا، ولكن أي جهة لها الحق في تحديد مصدر المشروعية؟ أهي القانون المحلي، أم الدولي؟ أم الأعراف والتقاليد؟ أم الدين والتشريعات؟ ثم كيف يتأتى لهذه الجهة أن تضع معيارا لوصف العنف المبرر المشروع من العنف المتعدي على المشروعية؟ وبتعبير آخر هل هناك ما يُدعى عنف مقدّس؟ وآخر مدنّس؟

 من بين مصادر الشرعية ما وضعها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو من قاعدة (العقد الاجتماعي) حيث بموجب هذا المبدأ يتأسّس للدولة الحق في استعمال العنف ضد الخارجين على القانون، وذلك بحكم رضاهم الإرادي في الانصياع للدستور وتطبيق بنوده على أفراد الشعب، وما دام وجود الدولة وأنظمتها يعتبر أمرا قانونيا وليس تعدّيا على إرادة الشعب، فعنف الدولة في هذا الإطار هو عنف مبرّر ومشروع، ومصدره (العقد الاجتماعي).

على أنّ هذه المشروعية ليست بالضرورة ثابتة، فقد تخضع للتطور مع الزمن من دون حاجة إلى الثورة عليها، أو تحدي قداستها، ولتمثيل التغير في المجتمع من جيل إلى جيل، نتذكر يوم كنا صغارا في المدارس، فلا نعامل تلك السنين إلا بالغلظة والقسوة والعقاب البدني المبارك من آبائنا، إنه عنف مشروع سائد في عقلية المجتمع، لا يشذّ منهم أحد في الرضا به واستخدامه.

لكن اليوم لم تعد هذه المشروعية قائمة، تبدّل تصنيف هذا العنف من مقدس إلى مدنس، فلا مبررات لوجوده اليوم لا في قاموس التربية ولا عند أولياء أمور التلاميذ ولا في المجتمع نفسه، لأن الوعي أوجد منظومة أخرى تستنكر العنف وتبدع في اختيار أساليب التشجيع والمكافآت والتحبيب وفي ظلّ كرامة الإنسان.

تلك المساحات لم يحتج التربويون من أجل تغيير القناعات إلى مزيد عناء، فتقديس العنف ومشروعيته ورؤيته حلا وحيدا لتأديب التلميذ وحسن تربيته واستقامته تبدلت إلى قناعة أخرى نتيجة الوعي والتجربة ببدائل أكثر نجاعة مع الاحتفاظ بكرامة الإنسان، ومع تصاعد سقف الحريات والديمقراطيات في دول العالم، تحولت القداسة إلى ضدها، وما تلك السهولة إلا لأن الدين لم يضع ثقله فيها، ولم تعد من موضوعات التشريع إلا بشكل باهت، ولو أنها استقرت بكل ثقلها واستفتوا فيها فقهاء الشريعة لتكرست قداستها أبد الآبدين.

إنّ من بين مصادر المبررات المشروعة في تشريع العنف، مصدراً يُعد أقوى أثرا من غيره من المصادر، وهو المصدر المختوم بتوقيع الدين وتشريعاته، وهو يقارب في وجهه القانوني قانون (العقد الاجتماعي) باعتبار أن لا أحد أُجبر على دينه وعقيدته، بل آمن بها عن طوع ورغبة وإرادة كما يبدو، فما يلحق أفراده مما يتصور فيه قساوة وخشونة وعنف مبرر شرعا.

إلا أنّ العنف والإكراه المشروع ليس بالضرورة عنفا ماديا مباشرا يقع بالفعل على المكره (بفتح الراء) وإنما هو أحيانا وعيد وتخويف بنار جهنم وبالعزلة الاجتماعية وسقوط المرتبة الإيمانية والفسق والتكفير إن لم يلتزم ما تأمر به الفتوى الشرعية، أو من خلال نص مزعوم أو مفسّر خطأً رُوي عن النبي المعصوم، أو آية قرآنية فسرت خطأً في هذا المجال.

لكن الإشكالية في صحة نسبة بعض العقائد والتشريعات إلى الدين، هل بالفعل هذه التشريعات العنيفة في حق الإنسان التي لا يختلف أحد على عنفها هي من جوهر دين الله تعالى؟ أم من عقلية الفقهاء واستنتاجاتهم، ومن امتداد الفقه الذكوري؟ هذا ما نحتاج فيه إلى وقفات ومحاكمات عمليّة لتبيّن الأمر.

ثالثاً- الله ينفي الإكراه/ العنف عن دينه

قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(يونس:99)، هذه الآية القرآنية تصف طبيعة الإيمان ومدى اقتناع الناس به، ينقسم فيه الناس بين مصدّق بالعقيدة وكافر بها ما داموا مختارين، وتستنكر على أي محاولة لإجبار الناس وإكراههم على اختيار الإيمان وتصديقه، فالإيمان اختياري فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، والله سبحانه بيده أدوات القوة والعنف – إن صحّ التعبير – لكنه نزّه نفسه عنها في مجال حمل الناس على الإيمان، ونهى نبيه (ص) أن يستخدمها لهذا الغرض، فلا يريد إيمانا بالعصا، ولو كان هذا هو المراد لما كان الإنسان حرّا ومريدا ومختارا، والاختيار ضد الإكراه/ العنف، فالإنسان في دين الله تعالى حرّ غير مكره، فإن اجتمع الضدان فليس من دين الله ومقدساته، بل هو فهومات قاصرة عن فهم الدين، فهومات ومقدسات بشرية غير ربانية.

أما الآية الثانية: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة: من الآية256) فهي تنصبّ على نفي الإكراه في الدين نفسه، بمعنى أن الدين لا يحتوي على أي مبدأ من مبادئه أو أي قيمة من قيمه وقواعده فيها إكراه/وعنف، فتشريعاته ومقاصده بعيدة عن الإكراه، هو دين مبني على احترام الإنسان وعقله وقناعاته، لا يتعاكس مع المنطق والعقلانية، ولا حاجة إلى العنف فيه، فالرشد بيّن والغي بيّن، فأي حاجة إلى العنف والإكراه، ولعل بعض الآيات توهم القارئ غير المتأمل، لاحتواء تشريعات الدين على ما فيه إكراه، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة:216) هذه الآية لا تُعرف إلا في سياقها، فإن أصحاب النبي محمد(ص) قد أوذوا في بداية الدعوة من صناديد مكة وتمنوا أن يدافعوا عن أنفسهم وكيانهم، خصوصا وأنّ العرب أهل شجاعة وحرب، ولكن لم يأذن لهم النبي(ص)، وكان يأمرهم بالصبر وعدم القتال؛ ليعتادوا على ثقافة السلم، وهو مبدأ من مبادئ الدين، فهو دين السلام والسلم، ومنه اشتق اسم الإسلام، فبقي أصحاب النبي(ص) سنين على هذا الحال صابرين مسالمين، حتى أُخرجوا من مكة، وهناك في المدينة أُذن لهم بالقتال، كشئ طارئ بعد أن قرر صناديد قريش محو دعوة الإسلام وكيانه رغم بعدها الجغرافي عنهم، وعدم التسبيب في محو وجودهم، وبعبارة أخرى أُجيز لهم عنف المقاتلة بعد أن اعتادوا على الصبر وكف الأذى، فكان القتال لهم مكروها حينئذ، بعد تعودهم على ثقافة السلم سنين طويلة وعدم الإذن لهم بالقتال في وقته، لا أن العنف باب مفتوح لهم من البداية دون أن يضطروا إليه اضطرارا وفي حدود ردّ العدوان والحفاظ على كيانهم ووجودهم، حتى آية: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة:46) فالتثبيط وفسخ العزائم في نفوس المنافقين حتى لا يسجلوا للتاريخ أنّ النبي أجبرهم وأكرههم على الدفاع عن دين الله، فهم لا يريدون الدفاع عن دين الله، فلم تُتح لهم الفرصة في الدفاع أو بالأحرى ردّ العنف بالعنف، لا لعدم جوازه والاضطرار إليه في نفسه، وإنما تمّ تثبيطهم حتى لا يفعلوا بإسم الدين أمرا مكرهين عليه، علما بأنّ الظرف ظرف تقنين لقواعد الدين وأصوله، ومن أهم قواعده تثبيت حرية اختيار الإنسان ونفي الإكراه عن مقاصد الدين وتشريعاته؛ لهذا فقد كره الله اشتراكهم في كتيبة المقاتلين، فلا إكراه في دين الله، وبتعبير آخر أنّ الإكراه والعنف ليس مشروعا ربانيا ولا قداسة في تشريعه، بل هو بشري بحت.

رابعاً- العنف ضدّ المرأة ليس مقدسا إلهيا

مفاهيم فلسفية، تدور حول أصل وجود الإنسان، هذه المفاهيم حين تبرع بالإجابة عنها الإنسان قبل آماد في أساطيره، شكّلت أساس فلسفة العنف ضدّ المرأة وشرّعت للعنف، بل وأضفت عليه القداسة والشرافة ليبقى ثابتا لا يتزحزح، ودون أن يُخترق بفهم آخر مغاير له، تلك هي أساس إشكالية البحث، والسؤال: هل خُلقت الأنثى تابعاً للرجل؟ وهل خُلقت حواء المرأة من ضلع أعوج من أضلاع آدم الرجل؟ وهل بالفعل هي التي أغوت آدم الأب في الجنة، وجنت عليه بطرده منها ومن نعيمها؟

لا يمكن أن ننفي بأنّ الموروث الثقافي في العالَم أحد أسباب العنف الموجه للمرأة، بسبب الأحاديث التي وضعوها وضعاً على فم الدين، تقول أنّ المرأة إذا خرجت من بيتها (محبسها) بدون إذن زوجها (فإنّ الملائكة تلعنها وعليها غضب الله وملائكته)، وأنّه (من حقّ الزوج على الزوجة، أنْ لو سالت منخراه دما، وقيحًا، وصديدًا، فلحسته بلسانها ما أدّت حقّه، ولو كان ينبغي لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها، إذا دخل عليها، لما فضّله الله عليها)، فهو المفضّل عليها، وعليها أن تسجد له، وتلحس صديد أنفِه!

بل لقد أُحبِك الطوق منذ دُسّت لنا مرويّات بني إسرائيل، فأنتجتْ لنا أنّ المرأة عضوٌ اجتماعيّ قاصر، من الدرجة الثانية، ينبغي أن يُحبَس ويُراقب ويُقمع ويُتّقى شرّه ويرضى بقسمة ربّه ويُحسن التبعّل.

فجاءت التفاسير الدينيّة البشريّة الكهنوتيّة ترسم التصوّر الدينيّ الكامل للمرأة، في معزوفةٍ نشاز موازية ومضادّة لعزف الدين الحقّ في الحقيقة، لكنّ هذه المعزوفة النشاز هي التي سادت مع الأسف وصخّت الآذان عن سماع المعزوفة الجميلة الحقّ وأذهبت نضارة الدين.

بدأت المعزوفة، بأنّ آدم خُلِق قبل حوّاء لأنّه أفضل، ولأنّ الذكر هو الأصل، وهو الذي كلّمه الله لا هي، وجُعلتْ تابعة له، لأنّها خُلِقت من ضلعه الأيسر، والأعوج بالخصوص، تبعاً للنصّ التوراتيّ في سِفر التكوين (فَأوْقَعَ الرَّبُّ الالَهُ سُبَاتا عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أضْلاعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْما، وَبَنَى الرَّبُّ الإلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَاةً).

واستمرّت المعزوفة، لتتّهم المرأة (حوّاء) بأنّها سبب معصية آدم، بعد أنْ خدعتها الحيّة، وأكّلتْ آدمَ التفاحة، وسبّبت لأجيالنا الشقاء بإخراج نوعنا الإنسانيّ من الجنّة، تلك المحكيّة التوراتيّة بكلّ تفاصيلها، خلافاً لصريح النصّ القرآني الذي جاء ليقصّ الحقّ ولا يأتيه الباطل، بأنّ الذي عصى وغوى وتاب إنّما هو آدم وحده (وعصى آدمُ ربَّه فغوى).

وبعد هذا التأسيس المزري لموقع المرأة تأتي النتائج تباعاً كحصاد بغيضٍ ولابدّ، فالمرأة التي أُنشئتْ من ضلع أعوج، لا يُمكن أن تقيمها، وباعتبارها ثانويّةً وتابعاً، وسبباً للخطيئة والانخداع والمعصية فـ (اتّقوا شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذَر) و(شاوروهنّ وخالفوهنّ)، فهنّ (ناقصاتُ عقل، ناقصاتُ دين)، وواحدتهنّ نصف إنسان، ميراثُها نصف الرجل، وديتُها نصفُ الرجل، وشهادتُها نصفُ الرجل، لذلك لا يُمكننا بحال – والخطاب والتنظير وأصالة الكلام كما نرى هو دائماً للرجال- لا يُمكننا تركها لتتولّى على الرجال، فرُشقتْ بحديث (ما أفلح قومٌ ولّوا أمرَهم امرأةٌ) كأحد هراوات تقزيمها وتهميشها، والذي ابتُنيت إلزامات فقهيّة عليه من حرمة ولاية النساء في المرافق العامّة وعدم مشاركتها السياسية وأهليّتها الانتخابية والترشّحيّة لتبوّأ المواقع، فجاءت ولايتها لا نصف الرجل بحسب القسمة الضيزى، بل صفراً بالنسبة للرجل، والمطّلع حول العالَم يرى أنّ كلّ المقادير ومواقع القرار هي بيد الرجال حصراً، وإن أخرجوها وحرّروها فقد أخرجوها للزينة وكسلعة وألعوبة بشريّة بيد الرجل، إنّ موروثنا بحاجة إلى إعادة نظر، وعرض هذه المفاهيم والتصوّرات على بساط البحث، وقد تصل الحاجة إلى نسف تفسيراتها الفجّة، لتعيد للنصوص الصحيحة رونقها ومواقعها التنزيليّة الحكيمة.

خامساً- الحقيقة في خلق البشر

ليس هناك كائن بشري أول، بل مجموعة كائنات بشرية، نشأت بتدبير القوة الربانية من طين الأرض وعناصرها في أجواء مرّ بها كوكب الأرض من ضغط وحرارة ومغناطيسية وكيمياء لا تمرّ به ولن تمرّ، فهم البشر الأوّل الذين خرجوا في بدء الخلْق من بذرة فما خرج غيرهم بعدها، تماماً كما الكائنات الأخرى الحيوانية بأنواعها والنباتية كذلك، كلٌّ من بذرته ، وقد تكوّنت خلايا كلّ كائن حيّ بتدبيرٍ ربوبيّ في الطمْي الطيني على شواطئ المسطّحات المائيّة، كما قال سبحانه: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)(النور:45)، وقوله (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)(الأنبياء:30)

وفي ملحمة الخليقة البابلية قبل 4000 عام إشارةٌ إلى أنّ القوّة الربّانية المضطلعة بالإنسان قامت بعد تذليل الأرض بسمائها، بخلق البشر، لكنْ كيف؟ :(فحفر -أي الربّ- شقًّا في الأرض، ووضع بدايات البشرية في الشقّ، وعندها بدأ البشر يظهر كالحشيش في الأرض)، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً)(نوح:17) أي أنّ الأرض هي الأم الأولى الحاضنة، الأم الكونية للبشر الأوائل، لذلك احتفظ تراثنا الدينيّ منذ القدم بطرائق دفن تعي هذه البداية، فكما نشأ البشر في قوالب الطين، وحواضن الطين، فهكذا يجب أنْ يُدفن ليُعاد تصنيعه يوم البعث إنباتاً مرّةً أخرى (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً* ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً)(نوح:17، 18)،

والخلايا الأولى المتولّدة على ضفاف الأنهار كانت بدايةً “خنثى” (xx-xy) أي تختزن جنس ذكر ( y x ) وأنثى( xx )، كما عبّر القرآن عنها (منْ نفْسٍ واحدة)، وتفيد الميثولوجيا الفارسية أن البشر الأوّل (هو نصفُ ذكَر ونصف أنثى) فهي البويضات/الخلايا الأولى إذاً.

وفي التراث السومري والبابلي وصفوا الكائن الحيّ الأوّل “بالمخلوق الخنثى”، وهذا بالذّات ما فات على مفسّري القرآن معرفتُه في سرّ تولّد الرجال والنساء من الخلايا الحيّة الأولى التي أطلق عليها القرآن: (النفس الواحدة)، وهي الخلايا الحاملة للجينة البشرية الأولى، ثم خلق منها زوجها، بانقسامها إلى خلايا ذكرية وخلايا أنثوية التي انقسمت إلى خلايا أنثويّة مخصَّبة، وخلايا ذكريّة مخصَّبة، ثمّ نمت في المستنقعات كما تنمو الخلية الملقحة تماما في الرحم، لتشكل كائنات بشرية، الخلايا الأنثوية كونت إناثا، والخلايا الذكرية كونت ذكورا، نموا في البيوض حتى خرجوا بالغين، رجالا ونساء، ثمّ بعد دهور جاءتْ مرحلة التزاوج والاستيلاد من “الأرحام” بدلاً من الرحم الأوّل وهو الأرض، فقال تعالى في كتابه المبين في أوّل سورة النساء حصراً (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)(النساء:1).

وبعد أحقاب انتقل التكاثر عن طريق النطفة الذكرية والبويضة الأنثوية بتلاقح الجنسيْن، كما قال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (السجدة: 7، 8).

فالبشر لم يتولدوا من أب واحد، ولا من أم واحدة، ولا الأنثى تولّدت من الرجل، أو تم الاستنساخ من خلية من خلاياه؛ لتكون الأسبقية والأفضلية للرجل على المرأة، أما آدم وحواء فحقيقة نشأتهما، وكونهما أبوين إنسانيين فتحتاج إلى بسط وتوقف.

سادساً- الحقيقة في خلق الإنسان

من المهم التفريق بين البشر والإنسان، فالبشرية مظهر بيولوجي مكونها الأنا السفلى وحياة الغرائز وحفظ الذات لا غير، أما الإنسانية فهي جوهر معرفي، بسبب ولوج نفخة الروح الربانية فيه، ومكونها الوعي والعلم والدين والأخلاق والحضارة واللغة والتفكير والإبداع والفنّ، فالبشرية قالب والإنسانية روح.

فالكائن البشري البهائميّ موجود قبْل الإنسان، وهذه الكائنات البشرية لم تكن لتعقل الكون ولا لتدرك الدين، ولا تعي العلوم والمعارف الربانية، وغير قابلة لا لفهم الحضارة ولا لبنائها، موصوفة بالإفساد وسفك الدماء، مرت عليها دهور غير مذكورة في الملف الربّاني حتى تثاب أو تعاقب كما البهائم، ولما شاءت المشيئة الربانية إيجاد الكائن الإنساني المذكور من تلك السلالة البشرية الهمجية، انتقى بشرين منها، ذكراً وأنثى، وحُسّنا جينيا، وعُدّلا، وسُوّيا، ونُفخ فيهما الروح الربّاني، ليُعرفا فيما سمّي بعدئذٍ بـ “آدم وحواء”، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر:28، 29)، وهذا النفخ ليس نفخ النفس كما تزعمه التوراة، بل نفخ الرّوح هو الذي ميّز الإنسان من سائر الذوات الحيّة ذات النفس، وأُكملتْ مدارك الإنسان الأوّل (آدم وحوّاء) وعقله بالتأكيد على جينات العقل ليكون عقلُه فوق الغريزة لا خاضعاً لها كالبشر الهمج، ثمّ مًدّ بكينونة أخرى فوق العقل هي هبةُ الرّوح لتكون وسيلة اتّصاله بمبدئه بالخالق العليّ. ثُمّ تمّ إفراد آدم لحوّاء فقط، وحوّاء لآدم وحسب، وإسكانهما الجنّة الأرضيّة كما قال تعالى (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة:35)، تدشيناً لشريعة الأسرة الواحدة وقدسيّتها بوجود الأب (وهي شريعة إيل/الله) لينسلا نسلاً إنسانياً غير همجيّ، ولينسخ ويُزيح عمليًّا على مستوى الكائن الإنساني الإلهيّ نظام الطبيعة الغرائزي السائد، نظام الإخصاب والإباحة والأمومة والنسل فقط (شريعة عشتار)6.

سابعاً- حكاية الضلع الأعوج وخلق حواء

تسربت إلى تفاسير القرآن من أساطير الكهّان اليهود خصوصا فيما يتعلق بالأحداث المرتبطة بالأنبياء، ومنها خلق آدم وحواء، فقد ورد في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً)(النساء: من الآية1)، ففي تفسير الكشاف للزمخشري: “شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه من أنشأها من تراب وخلق زوجها حواء من ضلع من أضلاعها”7 ، وفي تفسير الرازي: “المراد من هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان: الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أنه لمّا خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها لأنها كانت مخلوقة من أجزائه…”8، وهذا الرأي التفسيري مأخوذ برمته من كهنة اليهود: ففي سفر التكوين( 2 ،21- 24 ): (فأوقع الربّ الإله سباتا على آدم فنام فأخذ من أضلاعه وملأ مكانها لحما، وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها منه امرأةً وأحضرها إلى آدم، فقال آدم: “هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أُخذَت، لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا).

فبسبب تقديس الأمّة للأحاديث المزعومة على لسان النبي(ص)، أو الواهية التي جُعلت شارحة للنصّ القرآني المقدس، بسبب هذه القداسة تعطلت الأفهام وسكتت النقودات، ودُسّت الآراء المغايرة للحقائق القرآنية، ولما يصادم العلم، كما مرّ علينا وما يستتبعه من آراء من أمثال حواء وعلاقتها بأصل الغواية.

هل حواء أساس خطيئة آدم؟

جاء في سفر التكوين الإصحاح الثالث: (وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله فقالت للمرأة: ” أحقّا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله، لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا! بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت و أعطت رجلها أيضا معها فأكل. .. فنادى الرب الإله آدم: هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت، فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني فأكلت: فقال الرب الإله .. للمرأة: تكثيرا أًكثّر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك……) ومن العجيب أن ابن قتيبة في كتابه المعارف ص11 ينقل هذا النص التوراتي عن قصة آدم حرفيا من دون نسبته إلى التوراة، أو التعليق عليه ونقده وتنقيحه، بل ورد في صحيح مسلم (2673) ومسند أحمد (8236) عن أبي هريرة أنّ رسول الله(ص) قال: ” لولا حواء لم تكن تخن أنثى زوجها الدهر” فلنرجع إلى صريح القرآن، هل نفهم منه غواية حواء لآدم ليستقر في الموروث أنها أساس الخطيئة، ولتستحق مكانة دونية دون الرجل وسيادة الرجل عليها.

قال تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى* فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طـه:121-120)وقوله تعالى:(فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (الأعراف:22). وقوله: (فأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:36-37).

من هذه الآيات تتضح صورة معصية آدم وخطيئة حواء، فهما قد اشتركا في كون الشيطان قد وسوس لهما، وجذبهما ودلاهما شيئا فشيئا خارج الجنة ليقربا من شجرة المعصية، وبدت لهما سوأتهما، وأخرجهما مما كانا فيه، واعترفا بظلم نفسيهما، إلا أن أدم اختص بالمعصية دونها فعصى وغوى، ثم تلّقى كلمات من ربه وتاب عليه، فالعصيان صدر منه (آدم) وحده لا من (حواء) إلا أن ما في التوراة نسبت الغواية لحواء، فهي أكلت أولا بإغواء الحية وأغوت آدم بعدها، وهذا تناقض بيّن لا يحتاج كشفه سوى إلى روح نقديّة وبحث مزيل للقداسة الوهميّة على كلّ مأثور من أجل تمحيصه وعرضه على القرآن9.

هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟

وهل يدل هذا على نقص في عقل المرأة؟

قال تعالى:(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى)(البقرة: من الآية282).

* هناك مساحات لا تقبل فيها إلاّ شهادة المرأة وهي الأمور المتّصلة بقضاياها كالرضاع والعذريّة، أما الرجل فلا، فهل الرجل يُعدّ ناقص عقلٍ هنا؟

* وكذلك الفاسق والكاذب لا تُقبل شهادتهما بالمرّة، ولمْ يقل أحدٌ عنهما أنّه بسبب نقص عقل الفاسق والكاذب لا تعتبر شهادتهما.

* ولماذا في الآية (شهيديْن مِنْ رجالكم) فلماذا شهيدان؟ هل رجلٌ واحد ناقصُ العقل؟ طبعا لا، وفي الزنا أربعة شهداء، ولمْ يقل أحدٌ بنقصان عقل أحد الأربعة، وإنّما إساءة فهم تعويض الرجل المفقود بالمرأتين في الشهادة الماليّة التاريخيّة المناسبة لبيئة ذلك الزمان (آية الديْن)، هو الذي أوهم هذا الفهم مع معونة مركّب العقلية الذكورية السائدة وظرف المرأة الأمّية غير المخالطة للأمور التبادلية والماليّة آنذاك، كلّه كرّس هذا الفهم، وإلاّ فإنّ اشتراطات هذه الكيفية إنّما لكمال الشهادة وعدم ضياع الحقيقة، ومع تطور الحياة ودخول المرأة هذه المساحات المالية وغيرها في المجتمعات، وخصوصا بعد وجود التقنيات التي تثبت الوقائع أو تعين عليها هل يوجد مانع من اعتبار شهادة المرأة كشهادة الرجل سواء بسواء؟ إنّ التعليل الوارد في الآية (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)(البقرة:28).

والضلال ليس النسيان لقوله تعالى على لسان موسى (لا يضلّ ربّي ولا ينسى)، فالضلال ذهاب الشيء إلى غير وجهته، والنسيان ذهاب الشيء بالمرّة، فلو قالت المرأة الشاهدة المبلغ كان 130 ديناراً وهو كان 180 ديناراً فهذا ضلال، ولو قالت لا أذكر مبلغاً بالمرّة فهذا النسيان، فلذلك تذكيرها يفيد في المسألة الأولى لأنّ أصل الشهادة موجودة لديها، ولا ينفع مع النسيان لأنّه بمثابة تلقين شاهد أو اختراعه.

وهذه الشهادة لها علاقة بأزمنة كانت فيها المرأة غير متعلّمة، لا تعرف الحساب ولا شئون المتاجرة بالأموال ولا الاقتصاد ولا تحضر موارد شئون الرجال، بل ولا تُسافر إلاّ مخفورة ومحمولة، في بيئة متخلّفة مدنيّاً وتقنيّاً حيث السفر بالأشهر، وحيث معالم المعلومات توشك أن تضيع لبعد الزمن بين شهادة الحدَث الماليّ في السفر وبين احتمال طلبها بعد أشهر أو سنين فيما لو جحد المدين حقّ الدائن، وهي شهادة وآليّة ليست لائقة في عصور العلم وأزمنة توقّد ذهن المرأة وتعلّمها ودخولها كلّ المجالات، بل ولا تمنع هذه الآلية القديمة، من إيجاد آليّات أخرى أوثق منها تقوم مقامها حال السفر بتوثيق الديون من آليّات عصريّة كثيرة، فحتى حفظ القرآن وتعلّم العلوم كان شفويّا آنئذٍ ويعتمد على آليّة الذاكرة والتذكّر، واليوم تُوجد وسائط أفضل حيث مليارات الكتب والأشرطة والصوتيّات والأفلام الوثائقيّة ووسائط التخزين الإلكترونية، فلكلّ زمن أحكامه.

والعلم أثبت أن لا فرق في ذاكرة المرأة والرجل، والواقع أثبت أيضاً أنّ المرأة المتعلّمة لا تختلف عن الرجل المتعلّم، عموماً هذه شهادة غير دينية بل مالية مدنيّة تاريخيّة قد يشهد بها اثنان ولو من غير ملّة الإسلام بشرط العدل في الشهادة ونقل الحقيقة كما هي وهذا هو معنى الشهادة أي الحضور ومعاينة الحدث وضبطه، والشهادة إنما هي لتوثيق الحقوق وليس أمرا تعبديا ومتى توفرت المرأة على الخبرة والوثاقة فإنّ الدين يستحيل أن يقف منها موقف الاستنقاص والازدراء بعلمها وشهادتها.

ثامناً- حبس المرأة في البيت ودعوى شرعيته

ما زال العقل الديني يرسف في أغلال تصوّر كهنة اليهود للمرأة، العقل الذي أجاز في توراته أن يكون لنبيّ حضاريّ مصلح كسليمان الزاهد المقتدر 300 امرأة زوجة، و700 سريّة، يتراود عليهنّ وهنّ عكفٌ له في البيوت، واندسّ هذا حتّى في تفاسيرنا، إنّها الصورة النمطيّة في خيال الرجل البعيد عن روح التديّن الحقيقي وعدالته ونزاهته، بحبس المرأة يطأها كالفراش والبساط متى شاء وأنّى شاء وعليها أن تكون حاضرةً له كجنّي الخاتَم! إنّها خيال ساذج لصورة الحور الـ (مقصوراتٌ في الخيام)، ومقتضيات ومخلّفات الفقه السلطاني، الذي جوّز للسلاطين باسم الدين أن يُكدِّسوا مئات المحظيّات والجواري في قصور حكمهم الاستبدادي الماجن.

لقد نفذت فينا الإسرائيليّات اليهوديّة وطرائق تفكيرها حتّى النُّخاع، وإن كذّبناها عقلاً فإنّنا -ممارسةً وشعوراً- نعيشها بإيمانٍ وتسليم تامّين، ففي أعمق أذهاننا (كرجال) نرى أنّ البيت مقرّ المرأة، صلاحُها فيه، وعدم خروجها أليق وأولى وأعفّ وأشرف، وأنّها فعلاً دون الرجل -عقلاً وقدرات- بفراسخ، وأنّها فتنةٌ ومصيبةٌ و”أذى” و”رأيها لا يُعتبَر”..الخ، وأنّ أيّ خروجٍ لها مهما تذرّع بأولويّة فخروجٌ مآلُه الفساد، حتى بالغ البعض (في عدم جواز خروجها من بيتها إلا مرتين، من بيت أبيها إلى بيت زوجها ، والثانية من منزلها إلى القبر حينما تموت).

فالغاية من كلّ هذا المسلسل المأساوي للمرأة هو (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) والعلّة (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)(الأحزاب)، فهذه هي آخر محطّات المرأة بعد أن مهّدوا لاستضعافها، بجعلها شرّاً كاملاً حينا وعورةً وفتنةً، وناقصة عقل، وعديمة ولاية وإدارة، هذه المتتاليّة المتلاحقة لا تُنتج إلاّ (اجلسي في بيتك) خيراً، وإلاّ فأيّ خروج هو تبرّج وهو جالبٌ للعنات الله والملائكة وألسنة الناس.

طبعاً لم تفهم خيرةُ نساء الرعيل الأوّل هذه المعادلة المُعطِّلة للمرأة-الإنسان ولدورها الرسالي، فخرجت خديجة من بيتها تُجاهد، وخرجت فاطمة تُجاهد، وخرجت عائشة تُجاهد، لأنّ مُعلِّم تلك النساء كان محمّد (ص) وليس الأشباه.

لقد وُظِّفت آية القرار في البيوت أيّما توظيف، فقهياً، وتشريعاً، ومواعظ، حتّى أنّه يندر أن تسمع خطيباً يعظ النساء ولا يأتي بها كالسيف الشاهر، والصواعق المحرقة.

قُلنا أنّ القرآن كذّب هذا التعطيل والحبس لطاقة المرأة عن تنمية مجتمعها وتغييره، فأمر بحبس الذاعرات، وأنّ خيرة نساء النبيّ خرجن وجاهدن وعلَّمن وعارضن وغيّرن، فلا يُمكن أن يُناقض القرآن نفسه ولا أن يُخالفُه النبيّ (ص) تربيةً لنسائه المصونات الزاكيات.

إنّها المدرسة التي تجتزئ الآيات وتوظّفها لغاياتها من تُجازف بالقرآن لينقض بعضه بعضا بتفسيراتها الفجّة والاستبدادية، وإلاّ فالآية جاءت خاصّة بنساء النبيّ(ص) في سياق سورة الأحزاب، والتي من حيثيّاتها الآتي:

  • سورة الأحزاب تُعنى بمواجهة إرجاف المنافقين ومكائدهم الداخليّة، وتكالبِ الكافرين وتحزّبِهم من الخارج.
  • بدأت بالتمهيد لمواطن إرجاف المنافقين للطعن في مبدئيّة النبيّ وشرف مقامه، بزواجه من طليقة ابنه بالتبنّي زيد، ثمّ بتقرير قاعدة أنّ زوجات النبي هنّ بمثابة أمّهات للمؤمنين (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فلا يجوز التزوج بهنّ بعد النبيّ (ص) ردّاً وإخراساً لمنافقين يرمقون زوجات النبيّ بعينٍ خليعةٍ ويُروّجون أنّهم سيتزوّجون نساءه إن أصابه الهلاك المتوقَّع من هجوم حشود الكافرين في الأحزاب.
  • السياق يُبيّن إذاً أنّ نساء النبيّ (ص) عرضة لخائنة الأعين، وأنّ بعضهنّ قد يكون له تسبيبٌ قولي أو سلوكيّ في إثارة مرضى النفوس ولغطهم، وكونهنّ يتطلّعن لما في أيدي الناس ويصيبهنّ لغط الغيرة ونيرانها، فجاءت الوصايا التحذيريّة لنساء النبيّ (ص) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا).
  • وتُبيّن أنّ القضيّة قضيّة احتشام وتعفّف جنسيّ وأخلاقيّ، فأكّدت (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) و(وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) والقنوت هنا كما هو في (آية النشوز) هو قنوت للزوج أي قنوط من غيره، وعدم التبرّج بمظاهر العلوّ وللرجال الآخرين بقولٍ أو بفعل، وهي العفّة والإحصان والاحتشام والزهد.
  • أكّدها بقوله مباشرةً (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) فالتنبيه بعدم الخضوع بالقول، مثل التغنّج والدلال والتميّع والخفّة وترك الكلفة مع الأهل من الأقارب الذكور، هو لحسم شهوات مرضى النفوس وعديمي الحياء، وهذه الوصايا كلّها تُبيّن أنّ نساءه (ص) يُمارسن حياتهنّ بصورة طبيعيّة ويخرجن ويلتقين بالناس ويدخلوا عليهنّ، ومنهم المنافقون المتلهّفون لأوطارهم.
  • لتعقبها مباشرةً الآية مثار الجدل: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فالبيت المقصود هنا بيت النبي(ص)، وأهله هم قطانه وسكانه، فزوجات النبي طلب منهنّ بملازمة بيوتهنّ بدل التسكّع المُفتن الجالب للأذى، وليس بدل الخروج الهادف، منعاً للألسن، وتوفيراً لأوقات الجدّ من التبعثر، أي تطهيراً لأنفسهنّ من كلّ السلوكيّات والعلائق والتطلّعات التي قد تزري بأهليّتهنّ كبيتٍ للنبوّة، حيث كان بيت النبي مقر الوحي ومنار العلم والأخلاق، ومكان ذوي الحاجات في مسائل النبي عن أمور الدين وحلّ مشكلات المجتمع ومقضي الحوائج، فبيته مدرسة التذاكر والعلم، إنّه كما نقول للطالب اليوم (لا تتسرّب من المدرسة لتتسكّع فتتأذّى بأصحاب السوء بل لازمها وتعلّم دروسك)، لذلك عقّبت الآية:
  • (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)، وعقّبت:
  • (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .. وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، والمغزى في (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ) هي علّة القرار في البيت وهي تفسير كامل لـ (لا تبرّجن)، أي لا تخْرجنَ للفتنة والإغراء ولإطماع الذي في قلبه مرض، قليل الحياء، سليط اللسان، متطاول النّظر، وليس لا تخرجنَ بالمرّة، و(الذاكرات) علّة أخرى للبقاء في البيوت التي كانت أيّامها معاهد تربية وتعليم دعويّة، حتّى أنّ الحوزات بدأت في البيوت.
  • ثمّ نصحت الآيات النبيّ (ص) بتجاوز أذى المنافقين في زوجاته (وَدَعْ أَذَاهُمْ)، وبعد أن أعطى الوحيُ لزوجات النبيّ (ص) خيار البقاء العفيف معه أو التسريح لطلب زينة الدنيا وإغراءتها، أعطى للنبيّ (ص) خيار التصرّف الحكيم بمحاسبة زوجاته في هذا الشأن المهمّ جدّاً بإبعاد من شاء، لقطع بذور هذا التصرّف غير اللائق من (قلب) أيّ من زوجاته (تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء) ولكنْ لم يأذن له بتبديلهنّ بغيرهنّ (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ).
  • ثمّ عادتْ الآيات لتذكّر بما قد آذى النبي (ص) من استملاح البعض الحديث مع نسائه (ص)، كمن يأمل بجهالته أنْ يكون له نصيبٌ فيهنّ بعد رحيله (ص)، وحدّدت معايير التواصل الإنسانيّ بين ذكور المجتمع ونساء الرسالة، القائم على الهدفيّة والاحترام وزكاة القلب، لا الشهواني القائم على العبثيّة والتسليّ وهتك الحجاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا)، وعبارة (أطهر) لـ(قلوبهنّ) تبيّن ما نحن يصدده من زوايا، وتبرّر وصايا الوحي لنساء النبيّ (لتطهيرهنّ) قلباً وسلوكاً، وهو نفسُه (التطهير) المذكور قبلاً في آية (الأمر بالاستقرار البيتي).
  • ثمّ تطرّقتْ لنسائه (ص) بعدم ممانعة الوحي إظهار مباهجهنّ وإسقاط الكلفة مع محارمهنّ (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ ..الخ)، لكن ليس مع التافهين والمهووسين جنسياً والذين لا يتخيّلون المرأة إلاّ أنثى لإشباع الرغائب: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) و (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
  • وهذه كلّها تبيّن أنّ نساءه يخرجن، وللتدليل أكثر عقّبت بـ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ)، فالجلباب كان لمنع افتراس أعين المنحطّين ومرضى النفوس الشبقة، وهو لامرأة تخرج من بيتها آنئذٍ، وإلاّ لا معنى له.

هذا غاية ما أرادته الآيات، وكان لنساء النبيّ (ص) خاصّة، لكن روحه لكلّ امرأة هادفة، أن:

  1. تُحافظ على بيت زوجها وموقعه في قلبها، ذهنيّاً وعاطفيّاً وسلوكاً، ولا تتبرّج لغيره كجاهليّة “عشتار”.
  2. أن تتدارس العلم والحكمة الذي يُنميّها ويُسهم في تعزيز قدراتها لمهامها الدعويّة والمجتمعيّة والقيام برسالتها في الحياة ولا تهتمّ بملذّات الدنيا المادّية على حساب القيم.
  3. أن تتصرّف خارج بيتها كإنسان يقظ لا كأنثى جاهلة تُغري وتُغرَى.

هذا هو التحرّر الحقيقي للمرأة الإنسان، بالقرآن، وبجوهر قيَم دين الرحمن، من موروثات تلبّست بالدين، وهذا نموذج لغيضٍ من فيض، لو أراد المؤمن أن يتسلّح بالوعي ويُعيد النظر في موروثاته وعالجها بالحكمة وفق مقاصد الشريعة وغايات الدين العليا لتحرّر من كثيرٍ من إسارها، ونهضت المرأة من كبوتها المصطنعة لها لتُبدع في مجالاتها العديدة وتكون كاملة العقل بعد إطلاق وظائفه كما أطلقها النبيّ وأثار فيها دفائن عقولها وقدراتها، فالسياق التاريخي للآيات هم أهل بيت النبي وعمدتهم زوجات النبي يريد تطهيرهم من الرجس لا منعهم من الخروج حتى يتم توظيف الآية وسلخها عن سياقها لمنع المرأة من الخروج عن منزلها ومنعها عن معاهد العلم والتربية وقضاء حاجياتها النافعة كالرجال سواء بسواء.

————————————

  1. أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مج2، ص184.
  2. www.meshkat.net
  3. http://www.nesasy.org
  4. أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مجلد2، ص441.
  5. جميل صليبا، المعجم الفلسفي،ج2، ص112.
  6. للمزيد انظر بحث: الخلق الأول، جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.
  7. الزمخشري، تفسير الكشاف، سورة النساء، آية1.
  8. الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج2، سورة النساء، آية1.
  9. للمزيد انظر بحث: وعصى آدم، الحقيقة دون قناع، جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.