في عام 1955، اتخذت روزا باركس قراراً بأن تتحدى قانوناً مجحفاً يشرّع التفرقة العنصرية ضدها بسبب لونها. فقد رفضت أن تتخلى عن مقعدها في العربة (الأوتوبيس) لرجل أبيض في أحد الولايات الأمريكية إبان احتجاجات الحقوق المدنية الشهيرة. ولم يخطر ببالها العواقب الوخيمة التي تنتظرها من سجن ومساءلة بسبب قيامها بهذا الرفض، ولكنها مضت في قرارها رغم أنه لم يكن في نيتها أو مخططها أن تكون حركتها هذه أحد الأسباب في تغيير هيكل المجتمع كلّه ونظامه.

بصرف النظر عن دوافع السيدة باركس، ولكن النقطة الجوهرية في حركتها هي أنها تعلّقت بمعايير أفضل للحياة، هذا التعلّق دفعها إلى الرفض ثم التحرّك ثم مواصلة مشوار التحدّي والألم، وبعد ذلك تحقيق الانتصار لقضيتها ولو بعد حين. إذن نقطة الانطلاق هي أن يبحث الواحد منا عن معايير أفضل لحياته يمكنه من خلالها أن يصل إلى منتهى آماله وطموحه دون الالتفات للمعوّقات أو الموانع التي تحدّ من وصوله. ونحن نتساءل اليوم حين نتلمّس واقعنا: ترى أمقتنع الرجل بموقعه؟ أراضية المرأة بحالها؟ لا يختلف عاقلان أنه لا الرجل السليم مقتنع ولا المرأة الواعية راضية، فكلاهما يبحث عن واقع أفضل يحقّق من خلاله الراحة والسعادة والتكامل. ولكن السؤال المترتّب هو: إذا كان هذا هو الحال فأين يكمن الموقع الأكثر ضعفا؟ أهو الرجل؟ أم هي المرأة؟ في رأيي أن الضعف كامن في كليهما. فالكل خاضعٌ لهيمنة موروثات انعكست بآثارها السلبية على حياة الجميع، فالرجل يدّعي التسلّطية والقوامة والأفضلية باستحقاق أو بدونه، والمرأة أسيرة لتلك النظرة الخاطئة المستبدة القاتلة لطاقاتها وقوتها. مجتمعنا بشقيه بحاجة ماسّة إلى التفكير في معايير أفضل للحياة، الرجال والنساء بحاجة إلى أن يتحرّروا من قيود الموروثات الخاطئة بكافة أنواعها التربوية والثقافية والاجتماعية. والمرأة بالتحديد عاشت في ظروف هيمنة محكمة جعلتها تابعاً للرجل ووضعتها في الدرجة الثالثة أو الثانية في أفضل الأحوال. لقد نشأت المرأة في مجتمعاتنا حاملة للشعور بالدونية والتبعية والخوف، وترسّخ في ذهنها أنها مخلوق ينتهي منحنى أدائه إلى حدّ، بينما لا يقف منحنى أداء الرجل عند أي حد، فهي خلقت لوظائف معينة ولا يجوز لها أن تتطلع لوظائف الرجل ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً. وعزّز ذلك أمران أولهما التنشئة التي تكرّسها الأم غير الواعية في أبنائها بحكم انطباعها بهذه المفاهيم المغلوطة والتي تترجم إلى ممارسات وأساليب تربوية تؤدي إلى تلك النتيجة، وثانيهما سلوك الرجل تجاهها في جميع مواقعه أباً أو أخاً أو زوجاً أو زميلاً أو مسؤولاً أو غريباً.

عاشت المرأة في مجتمعاتنا وكلّها ولاء لهذا الاستعباد الذكوري، وصار الشعور بأسبقية وأحقية الرجل عليها كامناً في لاوعيها بل وأصبح جزءاً من حركتها وأنشطتها، لا يمكنها أبداً أن تتغافله أو تغض الطرف عنه، ولا تستطيع أن تنفك عنه لأنه جزء من تفكيرها وعقلها ووعيها وكوامنها، كما لا يمكنها الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال لأنها لم تكن تعي غيره. هذا كلّه أدى وللأسف إلى أن تكون المرأة عدوّة نفسها راضية بحالها السيء الذي لا تجده خاطئاً في الأصل لتبحث له عن بدائل، فنراها بالنتيجة ابتعدت عن تحقيق واقع أفضل لحياتها، فضيّعت الكثير من طاقتها التي هيأها الله تعالى فيها دونما حد، وانعكس ذلك بالضرورة على أدائها ورسالتها فصارت تابعة كزوجة وموصلة جيدة لتلك المفاهيم السقيمة لأبنائها كأم، فكانت هي سبباً رئيسياً لاستمرار موجة العداء لذاتها عبر تكريسها لتلك الموروثات الخاطئة جيلا بعد جيل.

لذا إذا أردنا لمجتمعنا أن يسير نحو معايير أفضل للحياة كما فعلت روزا باركس، فإنه يجب على كل من الرجل والمرأة أولاً أن يعيدا بناء شخصيتهما من جديد، ويقوما بفرز الموروثات الثقافية والاجتماعية الكامنة في أعماقهما وتصفيتها. والمسئولية تقع بدرجة أكبر على المرأة أسيرة هذا الواقع المرير، إذ عليها أن تعمل بإصرار على تحرير نفسها من الاستعباد الذكوري على عقلها وكوامنها ولتبدأ بنقد واقعها وذاتها ثم تسلّط الأضواء على ممارساتها وأعمالها وتصفّيها من هيمنة الآخر وتنطلق وهي مؤمنة بأن ما تملكه من إمكانيات وطاقات ليس محدوداً، ولا يختلف عما يمتلكه الرجل مع الحفاظ على تميّزهما، وأنها شقيقة الرجل تماما ومعه في مرتبة واحدة، هو وليّها بإيمانه وهي وليّته بإيمانها، وأنّ الأكرم منهما عند الله أتقاهما، والأحسن أجودهما عملاً، كما ينبغي لها ألا تنسى أنها الجزء الأهم في المجتمع لأنها هي بانيته ومربيته، والمجتمع كالطائر لا يمكنه أن ينهض إلا بجناحيه وأن أي علّة في أحد الجناحين تعني تعثر الطائر في نهوضه وطيرانه، وإن تمكن من الطيران فرضاً فلن يطير بطاقته القصوى وإنما بحدّه الأدنى. هكذا الرجل والمرأة في المجتمع فبهما ينهض ويتطوّر أي مجتمع من المجتمعات ليصبح مجتمعاً راقياً متحضراً معافىً. هذه النظرة الواعية ستؤدي إلى نتائج قد تظن المرأة كما الرجل أنها بعيدة المنال إلا أنه يمكنها الحصول عليها، وذلك إذا اتخذت قراراً صادقاً وحازماً بالارتقاء بنوعية حياتها، ثم عاهدت نفسها على أن تعيش حياتها وما بعدها وفقا لهذا القرار.