ملخص كتاب (مَفاتِحُ القُرآنِ والعقلِ)

ملخص كتاب

(مَفاتِحُ القُرآنِ والعقلِ)

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(فصلت:26)

حين تعلو أصوات أمّتنا اللاغية فوق صوت القرآن، صوت الحقّ، صوت العلم، “صوت الله”، فلا رجاءَ لغلبةٍ لها على الأمم، بعد الإيمان بأنّ أيَّ قيامةٍ غالبةٍ لابدّ أن تنطلق مِنْ بطْنِ “كتاب الله” بالسمْع له، وأنّها لنْ تكون إلاّ مع تجرّد الدّاعي لله، أي داعي النزاهة والإخلاص، ذلك أنّ الله قد صاغ كتابه وضمّنه جميع أسباب القوّة والغلبة والتمكّن، فمن تمكّن من هذا الكتاب وكشف علومه تمكّن من العالَم، وتحاشياً من أنْ يقع “علمُ الكتاب” في يدِ مَن ليس أهله، صاغه اللهُ مقفلاً عن القلوبِ المريضة، ومفتوحاً على القلوب الواعية فقط (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً)(فصلت:44)، لماذا؟ لأنّه كتبَ فيه قوانين العلم، وإكسير الحضارات، ونُظم الكون، ومناهج الحياة، وأسباب الغلبة، وتسخير القوى، ليكون الصالحون فقط قادرين على استنباطه والإنتفاع بذلك، فيكون التمكين الإلهيّ لهم، فأسبابُ الرقيّ، وكيفيّة وراثة الأرض والتمكّن، كُتبتْ فيه، وسُطّرتْ في ثناياه، وحُتِم التمكّن لهم فقط (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(الأنبياء:105)

بعد هذا، فإنّ أهمّ ما ينطلق به المرء الصالح (والأمّة الصالحة) أنْ يصوغ قواعده ونظمه، فإنّها أهمّ من النتائج، وخطرها وخطأها أفدح وأعظم. القواعد التي نرنو إليها ينبغي أن تنحو تجاه فتح القرآن والعقل وتثويرهما، لا إغلاقهما والتضييق عليهما.

إنّ المنهجيّة التي نبحث عنها منهجيّة همّها فتْح الفهم وضبطه، لا التحكّم بالقرآن وحبْسه، تجعل فهْمَنا متّسقاً، وخارطة آيات الله منتظمة في أنساق منسجمة. نُدركُ أنّ أيّ عجلةٍ في إيجاد نسق (نظام) يحكم كتاب الله قدْ يقود إلى ليّ آياته بتعسّف، ويُولّد نظاماً نمطياًّ قمعيّاً للفكر وللكتاب أكثر مِنْ كونه اطّرادياً مُقنعاً ومحرِّراً. وأخو العجلة الهوى، ولو لصالح العقيدة والفكرة المسبقة، الهوى الذي يلتوي بالباحث عن الآية إلى تصوّره عنها، فبدلاً من أنْ يجعل الآية ناطقةً، يكون قدْ أخْرسها ونطق عنها، وهذا ما يفعله -مع الأسف- الكثيرون، رُبّما بحُسْن نيّة مِن كثيرٍ. لذا، ليس لنا أنْ نُبحر في كتاب الله الخالد مِنْ دون قواعد نحكم بها أنفسنا، هي بمثابة ضوابط أو ثوابت قبْليّة صحيحة ترشدُنا، وتُرَشِّد طريقة تعاملنا مع هذا “الجهاز” المصباح المنير، القرآن المبين، لنستضيء بنوره، ومصدر هذه القواعد والثوابت اثنان:

أولّها: كتاب الله نفسه، بالإلتزام بمحكماته مِنْ جهة، وباستقراء آياته لاستكشاف نظامه مِنْ جهةٍ أخرى.

ثانيها: الإلتزام بنظام “اللسان العربيّ المبين” الذي نزل القرآن به ميسّراً، وجعله مدخلاً وعلّةً لفهمه.

وسنقوم باستعراض بعض من هذه القواعد بشكل موجز ومختصر، أمّا الراغبون في الإستزادة فيمكنهمدراسة بحث جمعية التجديد الموسّع في هذا الشأن وهو بعنوان “مفاتح القرآن والعقل”، يحوي البحثجميع القواعد مع شرح موسّع لهذه القواعد مدعّم بالكثير من الأمثلة والبراهين.

القاعدة الأولى: التخلّي عن معوّقات فهم كتاب الله من تحكّمات وضعها بعضُ المفسّرين والمتكلّمين، قبعتْ في أذهاننا كعراقيل للتفكير السليم والفهم المنفتح.

إنّ كلّ كتاب علميّ تاريخيّ سلوكيّ اعتقاديّ، ينبغي أنْ يتوخّى الدقّة والحقيقة في مصطلحاته، فلو كانت كتب الفيزياء والرياضيات والكيمياء تستخدم مصطلحات الشعراء والأدباء وخيالاتهم ومجازاتهم لسقطت هذه الكتب ولاختلف في فهمها ولعسر تطبيق قوانينها، كاختلافنا في القرآن وعسر فهمه علينا. لذلك رفضَ القرآن أنْ يكون فيه عوج، أو ريب، أو سحر، أو شعر، بل قد أُحكمت آياته على مواضيعها إحكاماً، وفُصّلت لها تفصيلاً بعناية تامّة، فنزل الكتاب بالحقّ لا بالأوهام المحتملة. لقد كان سابقاً من يلوون ألسنتهم بألفاظ الكتاب ليحسبه الناس من الكتاب، ولكنّا لوينا بقواعدنا ألفاظ الكتاب ليكون قولنا هو تفسير الكتاب، فالأمر في الحالتين سواء، تضييع الكتاب وعدم الإستماع له والإنصات.

فمثلاً، قاعدة الحقيقة والمجاز وقاعدة الحذف والتقدير والإبدال من القواعد التي تهرب بنا بعيداً عن فهم القرآن وتقزِّمه إلى تكليفٍ شرعيّ لإبراء الذمّة، في حين أنّ القرآن كلّه حقيقة، لا كناية فيه، ولا خيال، ولا مجاز، فإذا أراد سبحانه التشبيه والتمثيل فإنّه يقول صريحاً (مثل) (كمثل) (كاف التشبيه)، ولو خلط لنا الأمور لأوهمنا ولسقط الإحكام في كتابه ولاشتبه علينا، وهذا لا ينفي أنّ الكلمة المُعجزة في القرآن فيّاضةٌ تقصد معنى وتُومئ إلى معنى وتستبطن معنى وتثير معنى. ولكنّهم -رحمهم الله- توسّعوا جدّاً فجعلوا ألفاظاً تروقهم هي الحقيقة، بها قاسوا الأشياء والكلمات، ثمّ دبّ النزاع بينهم حول أصالة اللفظ وما وُضِع له، وهذه النزاعات لن تُطوى، حتّى يحسموا أموراً كثيرة، منها مسألة معنى “كلام الله” القضية التاريخية التي لعبت عقيدة السياسة دوراً في افتعالها، وأزليّته أو حادثيّته، ومنها أصل اللغة هل هو وحي أم تواضع، وهل الألفاظ قصدية أم اعتباطية، وكلّما أردنا أن نخرج من غمّ نعود فيه.

وقد دخلت العقائد في تسيير ماكينة الخلاف بين الحقيقة والمجاز، فإنّ سابقَ فهْم (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(الفتح:10)، و (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)(القصص:88)، و (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)(القلم:42)، و (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(صّ:75)، و (قَالَ لَنْ تَرَانِي)(الأعراف:143)، و (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(القيامة:23)، و (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)(الفجر:22)، و (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(النساء:164)، وغيرها من آيات اليد والحركة والحدوث على الله، كانت تُحكَم في ذهن المفسّر أوّلاً، لتنبثق على ضوء اعتقاده قواعدُه، التي بها يُلوى كتاب الله بعدئذ، أي أنّ الأمر جرى معكوساً هكذا: الإعتقاد –> القواعد –> قراءة القرآن. بينما كان ينبغي أنْ يكون الأمر من اليسار إلى اليمين.

فكان “الكشف عن ساق” كناية عن هول الشدّة في عرف مدرسة المجاز، وكشفاً لساق الرحمن في فهم مدرسة الحقيقة! والقرآن لا يقرّ لا لهذا ولا لذاك.

وصارت “خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ” بقدرتي، و”يَدُ اللَّهِ” قوّة الله/معونة الله/نصر الله، وجرتْ العادة أن يُقدَّر محذوفٌ متغيّر من مفسّر لآخر ليُضيف كلمته في كلام الله، بين فراغات الآيات المتوهّمة وبين سطورها وكلّما زاد التقدير وتُفنّن فيه زاد الحذق في الصناعة؛ فـ “إِلَى رَبِّهَا” صارتْ إلى رحمة ربّها ناظرة، إلى جنّة ربّها/ إلى ثواب ربّها/ إلى عطاء ربّها . …الخ، و “وَجَاءَ رَبُّكَ” جاء أمر ربّك، ولعلّه: عذاب ربّك / مبعوث ربّك / حسابُ ربّك، وهكذا يُفكّك المفسّر حسب اعتقاده بناء الآيات ويهتك الحدود اللغوية للنصّ ليُضيف من لبناته ما يشاء ويُعيد نسجه حسب تقديره، فبدلاً منْ أنْ يُمارس “اكتشاف” المعنى الثاوي في النصّ، مارس “اختراع” معنىً ليس فيه، ليُخرج قرآناً نصفه كلام الله ونصفه كلام البشر، فيُنتج أنّ الله الذي لمْ يُفرّط في الكتاب من شيء قدْ فرّط في نصفه، سبحانه، و”الكتاب المسطور” أضحى الكتاب المشطور، وبتْنا كحال “المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين”!

ومثال آخر، (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(الإنسان:1) يقولُ البعضُ وما أكثر ما يقولون: “هل” هنا هي بمعنى “قد”. والحال أنّه ما من عربيّ يستعمل أو يفهم “هل” بمعنى “قد”، والله سبحانه قد استعمل الحرف “قد” في مئات المواضع، فما كان أيسر استخدامه هنا!

إنّ مجرّد الظنّ بالإبدال يُلغي فكرة إحكام القرآن، ويجعل كلام الناس فوق كلام الله، ويجعل القرآن محكوماً لا حاكما، ويجعل فكرة الإتيان بمثله بل بأحسن منه أمراً مستساغاً ووارداً جدّاً، ويجعل القرآن احتمالياً ومبهماً بل وتعميةً لا بياناً، ويصيّرنا -بعدَ أنْ كنّا سلَماً للقرآن فقط- رهناءَ في أمسّ الحاجة لطبقةٍ من المفسّرين المتنازعين المتشاكسين يعلّمونا أيُّ “هلْ” في القرآن هي بمعنى “قدْ” وأيّها بمعنى شيءٍ آخر، وفي النهاية تحويل آيات القرآن إلى لغزٍ لا يُدرك حلّه أحدُ المتدبّرين بل نهباً للآراء، وفي الأخير يُفضي بعدم قابليته للإستخدام بالمرّة لأنّنا سنسير إذّاك على أرض ملغومة لا ندري أيُّ “هلْ” قد تنفجر في وجهنا بـ “قدْ”، لينقلب السؤال المُصدّر بـ(هل) إلى إثبات وتحقيق استهلّ بـ(قد). ربّما عُذرُ بعض المفسّرين الكرام أنّه ركن إلى رواية في هذا الشأن، لكنّه بدلاً من التفكّر في الحقيقة وفي السرّ وفي مغزى الرواية، مسح حرفين من كتاب الله وأخلّ بنظامه الصارم المحكم بجرّة قلم.

القاعدة الثانية: التحقّق بأنّه لا ترادف في كلام الله ولا تكرار ولا لغو ولا زيادة ولا حشو ولا سجع ولا ضرورة لغويّة، لا على مستوى الحروف، ولا الكلمات، ولا التراكيب.

الأخذ بهذه القاعدة يُلزمنا الإعتناء بالمفردة القرآنية وتركيبها واستعمالها في اللّسان العربي بما يُشرّف السياق ويجلو الحكمة لا حسبما يُقال دائما أنّه جرى على ألسنة العرب من شواذّ ومن تخريجات وتقديرات، فالرحيم ليس الرحمن، والكافر ليس المشرك، بل “الذي كفر” ليس هو “الكافر”، و”الذين أشركوا” ليسوا “المشركين”، وفي قوله سبحانه (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)(المدثر: 33/34) ينبغي ألاّ تتساوى “إذْ” في التفسير لدينا مع “إذا”، فإنّهما لحكمة وُضعا ومُيّزا ليصفا حادثة بكيفيّتها. و (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)(طـه:70)، لا تُساوي (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)(الأعراف:122) في الأعراف والشعراء، وغيرها من أمثلة التي تختزل كلام الله بأيّ كلام فيهترئ النظام المحكم المخبوء فيه. بل قد تذهب دلالات الألفاظ إلى أبعد من ذلك، فيأتي اللفظ في سياق بغير دلالته الأولى في سياقٍ آخر، هذا غير أنّ القالب اللفظي للكلمة يُعطي معانٍ مختلفة أو إضافيّة حيث: “اسْتَطَاعُوا” لا تُساوي المخفّفة “اسْطَاعُوا” (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً)(الكهف:97)، و”الذكْر” ليس “الذكرى” وليست “التذكرة”، و”كَرْهاً” مغايرة لـ”كُرْهاً”، و”عباد” و”عبيد” يختلفان مع أنّهما جمع “عبد”، و”شاهد” يختلف عن “شهيد” وكذلك جمعهما بالتوالي “شاهدين”، “شهداء” و”شهودًا”، و”عالمون” غير “علماء”، و”نبيّون” غير “أنبياء”.. إلخ، فهي مفاصل بفهمها والتفريق بينها يُوضع الكلم في مواضعه، “فالدين كلّه فرْق” والقرآن فرقان، والتفريق بين الألفاظ هو تصنيف للعلْم، وهو من مهامّ قلم الفكْر الإنسانيّ وتعليمه الأسماء كلّها والقدرة على تمييز الموجودات بتجريد أسماء لها.

إنّها ألفاظ محسوبة بدقّة حسابية وبلاغية ومعنوية وهندسيّة وعلميّة وبيانيّة ولا يُمكن استبدال حرف واحد منها فضلاً عن كلمة أو عبارة، فكيف صار “غفورٌ رحيم” مساوياً “عزيزٌ حكيم”، وكيف أصبحتْ (هلمّ، أقبلْ، تعال) بمعنى واحد؟ والقرآنُ القوْلُ الفصْل يرفضُ هذا ويقول أوّلاً:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْايَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ)(المنافقون:5)، ويقول ثانياً: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا)(الأنعام:150)، وثالثاً:(يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)(القصص:31). فهلاّ حاوَل مَنْ له ذائقة لُغويّة أنْ يستبدل (هلمّ، أقبلْ، تعال) ببعضها في المواقع الثلاثة الآنفة، ليرى كمْ يُفْحش في كلام الله وكم تَبْعُد النجْعة في المعنى النزيه العالي! هذا إنّما فيما نقْدِر أنْ نُبصره مِن فساد في شأن نظم القرآن الظاهر، فما بالك بما لا نُبصره.

وإنّ مقولة مولانا المصطفى (ص) في صفة القرآن الكريم: (يصدّق بعضه بعضا)، وكذا كلام سيّدنا عليّ (ع) بشأنه “وينطقُ بعضه ببعض ويشهد بعضُه على بعض” تفضي بحقيقة لا بدّ مِنْ جلائها، وأمّا المقولة المشهورة (القرآن يُفسّر بعضه بعضاً) فهي صحيحة إن كانت بمعنى ما سلف وبمعنى أنّ تحديد مفاهيم القرآن وتفسيرها ينبغي أنْ تُؤخذ منه لا مِنْ خارجه، وندّعي أنّ القرآن – لِوحدة بنائيّته – يُساعد بعضُه في تفسير بعض لا أنّه يُفسّره.

فما مِنْ كلمة تٌفسّرها كلمة أخرى، وإلاّ أفضى بالترادف في كلام الله، بل وما من حرف يُفسّر حرفاً آخر، ومن نافلة القول أنه ما من آية تٌفسّرها آية ثانية، وإلاّ صار هنالك حشوٌ ولغو وزيادة، حتّى ولو كانت الآيتان بنفس المفردات فالدلالة الموضعيّة للآية في سياقها تُؤتي غير دلالة الثانية، حيثُ لا أقلّ أنّ هناك معنى كلَِميّاً، وآخر جُمَليًا، وثالثاً سياقيًا، فآية مثل (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً)، وردت بثلاث صيغ في يوسف والنّحل والأنبياء، ففيها ثلاث معارف لا واحدة وليست هذه هي هذه ولا هي تلك، فتفسير بعضه بعضاً هو بجمع المتماثل من كلماته لمعرفة المجهول منها، وبالإستنباط، وبالربط والإلحاق وجمع مواضيعه لاستكمال الصورة وغيره، مثال تبسيطي نقرأ (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ)(التكوير:3)، فنتحيّر في معناها، فقد ينفتح لنا أفقٌ إنْ نضّدناها مع (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً)(النبأ:20)، و (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً)(المزمل:14) و (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً)(الطور:10)، (وَيَوْمَنُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(الكهف:47) و (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْبِهِ الْجِبَالُ)(الرعد:31)، ثمّ بالرجوع للسان العربيّ لمعرفة ما هو “جبل” وما “سيّر”، وهذا إنّما لمعرفة ماهيّة التسْيير وكيفيّته “والجبل” وماهيّته، أيْ تفسير المفردات فحسب، لا أنْ نُساوي بين تلك الآيات ونجعل معناها واحداً وظرفها واحداً ودلالاتها واحدة، فهذا القصور بعيْنه.

فما مِن تكرار – كما أشرْنا – ولا لغو في آياته سبحانه ولا إعادة في المعلومات نفسها من كلّ الجهات (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)(الليل:2) لا تُساوي (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)(المدثر:34)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(الانشقاق:1) ليست هي (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)(الانفطار:1) ليس فقط لأنّ الإنفطار غيره الإنشقاق بل لأنّ السياق غير السياق، فإذا كانت المفردة تعني أمراً في آية فربّما تعني غيره في آية أخرى كلفظ “السماء” في قوله (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)(البقرة:22)، فالأولى الغلاف الجوّي والثانية السحاب، فكذلك التركيب (العبارة أو الجملة) هو وحدة بناء الفقرات، كالتركيب (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) مع أنّها تتكرّر ستّة مرّات إلاّ أنّها تفيد أمراً آخر في كلّ مرّة من سياقاتها القرآنيّة الستّة. و (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ)(الانفطار:3) غيرُها (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)(التكوير:6) و (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)(الصافات:5) ذات مدلولٍ يختلف كلّياً عن (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) و (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) و (رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)، وآية (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ)(الرحمن: 26/27) تختلف جذريّاً عن (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)(القصص:88).

ومثالٌ آخر، نلحظ منه التنوّع في البيان وظهور ما أُبهم في آية من آية أخرى، حيث قال عزّ وجل: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)(البقرة:185) ولم يظهر به أفي ليلٍ هو أو نهار، وبان بقوله عزّ وجلّ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) (الدخان:3) لكنْ لم يظهر به أيّ ليلة، فظهر بقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(القدر:1) فهذه ثلاث معارف لا واحدة كلّ منها تتكلّم في شأنها وموضوعها وغيرُ قاصرةٍ فيه.

القاعدة الثالثة: التعامل مع ضمائر كلام القرآن كما هي في اللسان العربيّ بلا تبديل لكلام الله، المفردُ مفرد، والمثنّى مثنّى، والجمْعُ جمع، وضمير المتكلّم متكلّم وهو غير ضمير الغائب وغير ضمير السامع، لا بالتخريجات والإبدالات والإحالات البلاغيّة الموهومة، بهذا التصوّر فقط نستطيع أنْ نقرأ القرآن كما نزل، ببساطة التلقّي، ونعرف القرآن كيف نزل، وبماذا نزل.

هذه أهمّ قاعدةٍ مستقرأةٍ مِن كتاب الله وموافقة للسان العربيّ المبين، التي أخلّ بها المفسّرون قاطبةً وهتكوا بها نظام اللسان العربيّ فلمْ يعُدْ النصّ يشفّ عن معنىً أكيد، تلك التي لو أُعيد النّظر فيها فقطّ لتغيّر النّظر إلى كثيرٍ مِنْ العقائد ولسقط نصفُ التفسير الموجود بين أيدينا، ولحسمت أمورٌ كانت محلّ نزاع تاريخيّ في مسائل: ماهيّة الوحي، خلق القرآن، قصّة الخلْق الأوّل، دور الملائكة وإبليس، فلسفة الوجود ونظامه، ومعنى خلافة الإنسان.

فلو قرأنا: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) .. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) .. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) .. يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)(سورة هود).

وسألنا: رسلُ مَن التي جاءت لإبراهيم (ع)؟ لقال المفسّر: رسل الله! قُلنا: لماذا لمْ يقل: “رسلي” كما قال “لأغلبنّ أنا ورسلي” ؟! قالوا تعظيماً وتفخيماً لنفسه!! قلنا: “لأغلبنّ أنا ورسليّ”، أولى بالتفخيم والتعظيم.

وسألنا: مَنْ قائل هذه القصّة كلّها للنبيّ (ص)؟ لقال المفسّر: الله سبحانه! قُلنا: الله يقول: “يُجادلنا في قوم لوط” فهل الله العليّ يُجادَل؟ وهل الله الواحد “جمْع” مع عدم اعترافنا بالتفخيم المزعوم الذي لا ضابط له؟ وكيف يقول الله لإبراهيم “إنّه قدْ جاء أمرُ ربّك” متكلّماً عن غائب؟

ثمّ نقرأ بغصّتنا بعدها قصّة لوط: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)، والسؤال يتكرّر مِنْ القارئ العربيّ: مَنْ المتكلّم (الجمع) الذي يقول: “فلمّا جاء أمرُنا جعلنا”؟ يُجيب المفسِّر: هو الله تعالى المفخِّم نفسَه! قلنا: كيف يكون هو الله ثمّ يقول: “مسوّمةً عند ربّك”، يتكلّم عن نفسه جمعاً ثمّ بضمير الغائب أيضاً، لِمَ لا يقول “مسوّمةً عندي”، وعلى الزعم بالتفخيم “مسوّمةً عندنا”؟!

ثمّ نواصل القراءة: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِمِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)، ونسأل مجدَّداً السؤال نفسه: المتكلّم يقول (بضمير المتكلّم الجمع): “وما ظلمناهم”، لكنّه يتكلّم عن “الله” وعن “أمْر الربّ” بضمير الغائب المفرَد، فإذا كان اللهُ المتكلّمَ والضمائرُ كلُّها راجعةً إليه لَمَ لمْ يقلْ: (وما ظلمتُهم- مِنْ دوني – جاء أمري)؟!

للمفسّرين إجابات ومناورات وتخريجات وأقوال، خُلاصتها تقول أنّهم لا يملكون جواباً، لأنّهم ببساطة خرجوا عن نظام اللّغة بأثرٍ من العقيدة. ولو راجعتَ القرآن كلّه لرأيته بهذا النسق ولقام ألفُ إشكال وسؤال في وجْهِك، افتحْهُ مِنْ أيّ صفحةٍ فيه واقرأ، ستجد السؤال مستعرضاً: لماذا أسقطنا الدلالة العربيّة لضمير الجمع، وضمير الغائب، منْ تفكيرنا، فقط حين نقرأ القرآن؟! بهذا الوعي فقط يستطيع المفسّر أنْ يعرف ماهيّة وكيفيّة “كلام الله”، وأنْ يفرّق بين “كلام الله” و”قول الله”.

فنحن نرى أنّ القرآن دقيق وعميق، والله ـ كما يقول العقل وتقولُ اللغة ـ لا يتكلّم عن نفسه بضمير الجمع، ولا بضمير الغائب أبداً، لدينا آيةٌ محكمة تقول: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(الشورى:51)، هذه الآية لا تقبل التأويل ولا الإستثناء لأنّها مِنْ أصول الكتاب (أمّ الكتاب) ومحكماتِ آياته وثوابت الإعتقاد، وهذه الآية نفسها ليست مِنْ الله مباشرة بل مِنْ الرسول الملكيّ المُوحي بإذن الله يتكلّم فيها عن الله (بضمير الغائب) بإذنه سبحانه. أمّا الزّعم بأنّ الله يتكلّم عن نفسه أحياناً بصيغة الغائب تنزيهًا، وبضمير الجمع تعظيماً وتفخيماً، على عادة بعض الملوك، فهذا من التخريجات واللّف على النصّ العربيّ الذي لا يأتيه الباطل، وهي لا ضابط لها ولا معيار يُقاس، ومنْ يستقرئ كتاب الله كلّه، سيرى أنّ العكس في الإثنيْن هو الصحيح، فآياتُ المفرَد كانت أولى بالتعظيم والتفخيم والمهابة والعزّة، وآيات التنزيه ما جرتْ إلاّ على لسان غير الله، ولمْ يقل سبحانه مرّةً واحدة “سبحاني” أو “سبحاننا”. بل والأدهى أنّ استقراءنا لكتاب الله يرينا بعين الحقيقة أنّ الله سبحانه حين يكون مدعوّاً، معبوداً، فالصيغة مفردة دائماً .. وأبداً، فلماذا لا يُفخِّم العبدُ ربّه ويعظّمه قائلاً: (لا إله إلاّ أنتم) و(سبحانكم) و(الحمد لكم) و(ربّنا عليكم توكّلنا وإليكم أنبنا)، (إيّاكم نعبُد وإيّاكم نستعين) .. لماذا؟ لماذا الخطاب مِن أسفل لأعلى يتّخذ طابع التفريد المحض، والخطاب مِنْ أعلى يتّخذ النوعين، لكنّه في خصوص العبادة والدعاء والتأليه يصرّ على التفريد أيضاً ودائماً؟

ما يزال مفسّرونا الكرام يعتقدون أنّ المتكلِّم هو الله مباشرة، لَمْ يرونه أساساً كلاماً مِنْ ملائكة الوحيالموكّلين بمسيرة الإنسان خَلْقاً وتعليماً وإماتةً وبعْثاً وحساباً، أي ليس أنّ كلام الله كان إخباراً عن ملائكته، بل العكس هو الصحيح أنّ كلام الملائكة المُوحين هو المعدود كلاماً لله، هذه هي الكيفيّة المتاحة لنا كبشر من ثلاث كيفيّات، للحصول على ما نسمّيه “كلام الله”، فالله صريحاً يُخبر أنّ ملَك الموت موكَّلٌ بنا، فكذلك هناك الحفَظة وهناك ملَكُ الوحي، وحين نقول الله يُخبر، والله يقول، فبالكيفيّة التي بيّنها القرآن، لا بالكيفيّة التي تصوّرناها، أيْ الله يقول عبر وسائطه وعلى ألسنتهم، وهذا ما بيّنته الآية التي يدعو بها الدّاعون: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)(آل عمران:194)، فالوعْدُ من الله لكنْ على الرسل الملائكيّة أوّلاً والبشريّة ثانياً، فوعْدهم وعد الله، وكلامهم كلامه.

وخطاب الملائكة ذلك، الذي وثّقه القرآن بضمائره لنُدرك الحقيقة، هو كأخته الآية الخطابيّة: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)(الصافات:165-166) فالذين يقولون أنّهم الصافّون والمسبّحون ليس الله تعالى بل عباده المكرمون هم الذين تكلّموا بسورة الصافّات كلّها من ألِفها ليائها، بل والقرآن كلّه، لقولهم لنبيّ الأمّة (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)(الحجر:87)، وأخبروا بحقل تدبيراتهم ووظائفهم الكونيّة فيما يتّصل بنا من بداية سورة الصافّات التي سُمّيتْ بهم لآخرها، هم الذين كانوا الأعين الربّانية التي حرستْ نوحاً (ع) وأوحت إليه صنع السفينة (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَاوَوَحْيِنَا)(المؤمنون: 27)، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)(القمر:14)، تلك الملائكة الكرام التي كان نوح (ع) على اتّصالٍ معها وطلب من الله معونتها وحراستها (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ)(الصافات:75) لاحظ أنّها سورة “الصافّات” نفسها، والله الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيئ ليس “المجيبون” بل “قريبٌ مجيبٌ”، فقطّ لنؤكّد أنّ المتكلّم في سورة الصافّات هم هم، فليراجعْها مراجعٌ ليتأكّد.

وكثيرة هي الآيات التي تستوقفنا كمحطّاتِ مراجَعة لكنّا نمرّ عليها معرضين، كقوله: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)(القيامة:18)، فيفسّرونها أنّ المراد به قراءةُ جبريلٍ القرآنَ على رسول الله (ص)، فنقول: هو جبريلُ (ع) فعلاً الذي قرأ، بغضّ النظر كيف قرأ، لكنّه أيضاً جبريل صاحب العبارة القرآنيّة كلّها مِن ألِفِها ليائِها، هو الذي يقول: “فإذا قرأناه” لا أنّ “الله” سبحانه قالها ومراده “جبريل”، والقرآن ككلّ هو من عند الله حتماً، لكنْ كيف؟ فكمضمون هو من الرّوح واللّوح المحفوظ والملأ الأعلى، وكصياغة ونظْم هو مِن قراءة ملائكة الوحي وجمْعهم (ع)، هذا تماماً ما أوضحتْه هذه الآية ذات الأربع كلمات (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)، فجبريل (ع) هو أحد الرسُل الملكيّة التي أرسلها الله لتُوحي بإذنه ما تشاء إلى نبيّه العظيم محمّد (ص)، وعلى عاتقه جبريل تمّ ذلك، (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)(التكوير:19).

كان علينا أنْ نكتشف تبعاً للتغاير في الضمائر حقائق معيّنة، ولكنّا بدّلنا فيها ولويناها فكيف سنكتشف ذلك إذا صار “نحن”=”هو”، “هو” = “أنا”، “نحن” = “أنا”، الواحد = أربعة؟ كان أمامنا لوحةٌ لرسّامٍ شهير وفي أعيننا ما يُشاغب رؤيتها بجمالها، فبدلاً من تعديل رؤيتنا ومسح أعيننا وتنظيفها، أخذْنا الفرشاة (مع أنّا لا نُجيد الرّسم) وأجرينا التعديلات اللازمة في اللّوحة التُّحفة، والمؤسف أنّه ما مِن تعديلات كانت لازمةً على لوحة الفنان القدير!

لقدْ نصّ “فرانسيس بيكون” على فكرة أنّ الإنسان لن يستطيع السيطرة على الطبيعة إلا عن طريق اكتشافها بالعلم، ولكن لكي يفعل ذلك ينبغي أن يخضع لها! بمعنى آخر: لكي نفهم القوانين التي تتحكّم بالطبيعة ينبغي أن ندع الطبيعة تتكلّم لا أنْ نتكلّم بدلاً عنها، هذا هو الدرس الكبير الذي وعته أوروبا بعدئذٍ واستطاعت عن طريقه أن تفهم قوانين الطبيعة وتسيطر على العالم عن طريق التكنولوجيا المدنيّة والعسكريّة.

القرآن والطبيعة والأنفس، أمرٌ واحد، آياتٌ ينبغي الخضوع لها لاكتشافِها لا اختراعُها ولا تأليفُها. وإنْ كان ثمّة معاناة في اكتشاف البناء القرآني، فهذا طبيعيّ، وهي معاناةٌ كأختها معاناةِ أيّ مكتشفٍ آخرَ لقانونٍ كونيّ أو طبيعيّ، تتطوّع بعد تجلّدٍ وصبرٍ منهجيّ، ونزاهةٍ، وترويض النفس والعقل لدقّة الملاحظة والتعلّم.

القاعدة الرابعة: دلالة اللامذكور، أمرٌ آخر يُوازي في أهمّيته أهميّة المذكور

فلاعتبار أنّ الله سبحانه ما فرّط في الكتاب من شيء (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)(طـه:52) فلا يُمكن أنْ نعزو فقدان ما ينبغي وجوده على الإختصار والحذف والفائدة اللغوية المحضة أو تكلّفها واختراع بديلها، فكما أنّ كلّ موجود لحكمة بالغة فكلّ مفقود أيضاً لحكمة بالغة، و”اللامذكور” ليس المفهوم المصطلح عليه أحياناً “دليل الخطاب”، أو “فحوى الخطاب” و”لحن الخطاب”، كما أنّه ليس “المحذوف” الذي يقدّرونه دائماً، بل ما يُمكن للظنّ “الوهم” أنْ يتصوّره محذوفاً، مع أنّه لا داعي له ويستقيم الكلام (بل لا يصحّ إلاّ بدون تقديره).

على أنّا إنْ سلّمنا أنّ العقل واللغة يحكمان بتصوّر محذوف مثل مفردات “لسان”، “أهل”، “حبّ أو تقديس” في النصوص القرآنيّة التالية: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)(آل عمران:194) أيْ على “لسان” رُسلك، و (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)(يوسف:82) يعني اسْأل أهل القرية وإنْ كان معنى القرية هو “التجمّع” السكّانيّ فلا داعي لتصوّر لفظة “أهل” مقدّرة هنا، و(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)(البقرة:93) أيْ تقديس العجْل، فهو تسليمٌ فيه نظر، ذلك أنّا بإمكاننا عدم تقديرها أصلاً لأنّ الكلام لدى السامع الفاهم متأدٍّ بدونها، بل صار تقديرها أشبه باللغو والعبث أو احترازاً من وهم الساذج فقط وكتاب الله ليس للساذج والمختلّ، فجملة “اقتل فلانا” هي تامّة ومفهومة من دون داع لتحويلها إلى “اقتل نفس فلان” فهذا بديهي، فبديهي أيضاً أنّ الذي أُشرب في قلوبهم (وهي بواطنهم المعنويّة لا المادّية) هو صورة العجل والتولّع به والاعتقاد فيه، ولن يذهب أحد حتّى الساذج إلى تصوّر آخر، كما نقول أنّ “الله في قلب المؤمن”، فمثلَ تلك الموارد يُدركها العربيّ بذائقته، لأنّها إيجازٌ معقول، ووضعها إطالة بلا داعٍ، وركاكةٌ، وإزراءٌ بفصاحة اللّسان العربيّ بتحويلها إلى لغة ميكانيكيّة تُخاطب كائناً ضحلاً لا مفكِّراً سويّا. فالتقديرات لا داعي لها من أصل، فكيف بالتقديرات الجزافية التي ملأت كتب التفسير وفتحت المجال لتحريف معنى الآيات، وصار القرآن بالتقديرات المضافة والتقديم والتأخير وتفكيك الآية وإعادة تركيبها بلبنات ليست منها، جعل آيات القرآن المحبكة، فضفاضة جدّا لتكون شاهداً على حقّ وباطل مدارس اللغويّين ومذاهب الفقهاء والكلاميّين، ما يُعدّ عينه التفسير بالرأي الذي نُهي عنه، حتّى أنّك لا تجد تفسيراً لا يخلو من عبارة “والتقدير كذا وكذا” يعقب أكثر شرح آيات كتاب الله العزيز!.

القاعدة الخامسة: تداخل المنظومات المعرفيّة القرآنيّة

فمِن الممكن أنْ تعمل الآية كما الترْسٍ في عدّة آلات وعدّة أنظمة، فآيات القرآن ليست ذات بُعدٍ واحد ولا بعدين بل ولا ثلاثة، فبعضها قابلٌ للجمع وفْق أنساق معرفية مغايرة للنسق الأوّل والثاني وغيره، فآية مثل: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)(الاسراء:44) ومثل: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ)(القيامة:26) ومثل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)(لأعراف:189) كُلّها قابلة للتحرّك وفق أنساق ومستويات مختلفة تتراوح صغراً وكبراً، مكاناً وزماناً، حسّاً ومعنىً، فمن الخطأ قصْر الآية كلبنةٍ في بناء واحد فحسب أو نظام معرفي أو علميّ واحد، حتّى الآيات الواضحة التي تصف حقيقة معيّنة تحتاج تأويلاً واحداً قد تكون صيغتْ لتعطي مشهديْن أو أكثر، كقوله سبحانه (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)(البقرة:29)، فالفعل واحد لكنّه وقع في مشاهد متعدّدة، سواءً على مستوى الوجود، أو المجاميع المجرّية، أو كواكب المجموعة الشمسية، أو طبقات الغلاف الجوّي، الصورة نفسها تنطبق، وكقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)(الحج:5)، فهي آية تتحدّث عن مراحل خلق الجنين الإنسانيّ، وهي في نفس الوقت تتحدّث عن مراحل خلق البشر الأوائل على هذا الكوكب ما قبْل مرحلة تناسل الأرحام، لذلك وضعتْ الآية الاحتمالين “المخلّقة” إنسانياً و”غير المخلّقة” إنسانياً، وهي القديمة. خُذ مثلاً “دولة خليجيّة كالبحرين” هي وحدة في نسيج (مجلس التعاون الخليجي) وهي في الوقت نفسه وحدة عاملة في بناء (الجامعة العربية) وهي أيضاً عنصر مهمّ في (منظمّة الدول الإسلاميّة) وكذلك منضوية كمكوّن في (منظمة الأمم المتّحدة) عدا الهيئات العالميّة وغيرها ولا من تعارض في هذه الوجودات والتنزّلات، هذا غير كونها وحدةً في وجود بُعديّ آخر هو علم الحضارات حيث لها وجود فيه. وقد تجد إنساناً له موقع حيوي وانتماء في تشكيل أسرة، ومؤسّسة، وهيئة، ومجلس، ودولة، بوجودٍ وبعنوان يختلف عن الآخر، ولو كان ثمّة عضو في الإنسان ينتمي للجهاز الهضمي والعصبي والدموي والتناسلي والعظمي أيضاً، لقُلنا أنّها الآية القرآنية، لكنْ أهمّ ما في الأمر أنْ تكون الآية في مواقع تعمل فيها، لا مقحمة عليها، وإلاّ عاد كتحريف “الكلِم عن مواضعه”.

القاعدة السادسة: المدلول التاريخي للمفردة القرآنية

أدقّ ما سنقع فيه، ولا يُمكننا الفرارُ أو التخلّص منه، هو عدم يقظتنا للفارق بين الدّالّ اللّفظي للنصّ (المفردة القرآنية)، وبين مدلولها التاريخي (معناها المستعمل المتعارف)، التبادرُ سيخوننا، وسنحسبها جامدةً؛ لفظةً واحدةً لمعنىً واحد، ذهنُنا سينطلق مُبادراً مِن تلْقاء نفسه كالرصاصة، إلى المعنى الموروث المتعارف الذي ألَفْناه ولمْ يطرقْنا غيرُه. ستضيق بذلك عنّا القراءاتْ، وسيتعسّر علينا الوصول إلى اقتناص مراد الله إلينا في زماننا هذا عبْر رسائل نصّه القرآنيّة، ما لَم نُحرّر بيقظةٍ تلك المفردة مِن معناها العُرفيّ؛ إذْ المفردة القرآنية قدْ يكون لها معنىً شرعيٌّ (كالقرآن، والصلاة، والجهاد، والزكاة، والحجّ، والنّذر، والكفّارة، والإيمان ..) إذا أتَتْ في سياقات لا تحتمل غيره، فهذه غير قابلة للمسّ. أو يكون لها معنىً لُغويٌّ فقطّ كحال معظم كلمات القرآن، وأكثر الكلمات التي تقرأها هنا الآن، فهي ما يجعل النصّ مفتوحاً على معاني رسائل وخطابات الإله الأزمانيّة التنزيليّة المناسبة، وهذا هو المعينُ في فكّ شفرة الآيات المحتاجة إلى تأويل. أو يكون لها معنىً عرفيٌّ أفرزته بيئةٌ تاريخيّة محدّدة، إلاّ أنّه “لبطَ” واستحوذ على المفردة وكأنّها ملكُ يمينه لا فكاك لها منه، وكأنّه المعنى الوضعيّ المحدود للنصّ القرآني! هي مفردات تنسربُ خفيةً في غفلة منّا وبالكاد نميّزها، لكنّها تُشكّل لنا ثروةً معرفيّة لو قبضْنا عليها، لو اكتشفناها وحرّرناها ثُمّ حلَّلْناها وحرّكناها، وتعْتقُنا – لوْ أعدْنا بناء مداليلها الحقيقيّة لُغةً- مِن أسْر الكثير من الأخطاء الاجتهاديّة والعلميّة (مثال: “في الرّقاب”، “ملك اليمين”، “رجال”، “كتاب”..)، عندها سوف تشرق آياتها بما يتناسب وهُدى بيانِ الله العظيم اليوم والأمس وأبداً.

القاعدة السابعة: الإصغاء بالقلب يُدْني فهْمَ القرآن

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)(ق:37). لُغةُ القرآن لُغةٌ حيّة نابضة محتفّة بالإيحاءات مليئة بالإشارات، إنّ أيّ لغةٍ تُصوّر حدثاً يلزمها أنْ تجمع في طيّ نصوصها أو شرحاً معها حركاتِ شخصيّاتها وإيماءاتِهم وانفعالاتهم وما يرتسم عليهم من تعابير ويستبطنون مِنْ مشاعر، هذا ما يفتقده كلّ نصّ ميّتٍ جامد. أمّا القُرآن فهو الزخّار بهذه الحيويّة التصويريّة، ولك أنْ تنظر إلى قوله تعالى (قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ: مَاذَا تَفْقِدُونَ؟)(يوسف:71)، لمْ يقلْ (قالوا مُقبلين) ولا (أقبلوا عليهم وقالوا) بل (قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ)، لِتلْفى علْماً آخرَ يفترس المشهد، مليّاً بالحركات الناطقة بنفسها ولو خفّضتَ الصّوت، تشهد انفعال المطعون في أمانته، الشجاع، العارف بصدْقه، الغضِب لكرامته، كيف يتحرّك مقبلاً مبارزاً بسؤاله عن التهمة الباطلة، ذاك الغضَبُ للكرامة الذي يدفعهم يُطلقونها مُغمَضةً، واثقين، في لحظة اشتعالٍ وانفعال، ولْيكُنْ ما يكون: (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)(يوسف:75)، فيتورّطون، في كيْدٍ متين. وطالِعْ أيضاً (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ)(الكهف:42)، لترى مشهداً فيّاضاً لا كلماتٍ. وكذلك (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ؟ مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ؟ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ)(الصافات91-93).وانظر إلى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)(سـبأ:7)، سترى عجباً. فينبغي للباحث والمتدبّر أنْ ينظر إلى الآيات بقلبه أيضاً لا فقط بعقله، اهْفُ إليها، اسْتمعْ لها، احْضُرْ فيها، اركبْ معها، كُنْ أحدَ شاهديها، تنفّسْها، لتشهد حركة موجاتها وإرسالاتها الخفيّة، تفاعلْ معها وتأثّر بها لتنطق لك وتسمع منها.

القاعدة الثامنة: لا نهاية ولا كمال للمعرفة

ينبغي أن نضع في اعتبارنا دائمًا عدمَ اعتبارِ مستوىً معرفيّ معيّن في عصرٍ من العصور قديمٍ أو حديثٍ، أنّه مستوى الكمال والنهاية، لأنّ المعرفة تتّسع وتزداد عبر الأجيال المتعاقبة، وكل جيل يستفيد ممن سبقه – حتى ولو بالتغيير في المعلومات- ويضيف جديداً في معْمار المعرفة الذي يبنيه الإنسان، ولذلك لا يمكن أن نعتبر المستوى الحالي ـ مثلا ـ للمعرفة بأنه مستقلّ تماماً عن المستويات التي سبقته، لأن المعرفة الإنسانية سلسلة متصلة الحلقات، لذلك ففي الوقت الذي نعترف فيه بفضل القدامى وأنّهم لولا هم لما كنّا نحن، فينبغي الإعتراف بقصورنا أيضاً تجاه ما سيأتي به الزمان غداً، فإنْ بدا ثباتٌ ومنطقٌ لنا فإنّما هو نسبيّ ورهينُ مستوانا الضيّق الذي نطلّ به على الأمور اليوم، فينبغي ترك الباب لنا مفتوحاً لتغييرها من قبلنا أو غيرنا ممن يعقبنا عند مستوى معرفي أرقى ونظرة أشمل وأثقب. ونتيجةً لذلك، فعلى الباحث أنْ لا يستزّلُه الرضا بمستوى معيّن، ومعرفةٍ واحدة، بل عليه التشكيك في المتعارَف والمسلّم، بل وإثارة التساؤل المشروع في الأصول المتوارثة والقواعد المعرفيّة المتسالم عليها، ما كانت من عند غير الله، وما بدا منها تكلّفٌ وليٌّ وتعنيتٌ وقصورٌ في تناولها لآيات الله، فقد يكسرها الباحث ويعيد تأسيس غيرها أو يُفكّكها ويطوّرها، ليصوغ قواعد ألْيق كحاويات أكثر إبداعاً واتّساعاً وإبرازاً لكلام الحكيم وجلاله.

القاعدة التاسعة: حاكمية القرآن على المرويّات

مسألة شائكة تبرز لدى الباحث، هي وجود كمٍّ متضاربٍ من المرويّات المأثورة التي تُحاول تفسير الآية، إمّا بنقاء وإمّا بطمس معالم الآية الشريفة، هنا ينبغي إعطاء القدسيّة الأولى لكلام الله سبحانه لأنّه ثبتَ بأنّه ليس “قوْل البشر”، أمّا كلام المعصوم والصحابيّ والتّابع فمع قدسيّة الثابت منه والصحيح فلا يُوازي أبداً كلام الله تعالى ولا يُدانيه، حيث أنّ مدوّني “السنّة” دوّنوها بعد وفاةِ النبيّ (ص) بعشرات ومئات السنين، بلا رقابةٍ حافظةٍ، فلو تجاهلنا دور بصمات السياسة والحكم الأمويّ والعبّاسيّ والمذاهب والطوائف في توجيه واختراع الأحاديث النبويّة، فليس بمقدورنا أنْ نتجاهل أنّ الرواة كانوا بشرًا بالدرجة الأولى، يميِّز أغلبهم إيمانهم بالرسالة أو المذهب وغيرتهم عليها واندفاعهم إلى نشرها، لاسيما بما يتوافق مع منظورهم واعتقادهم وولائهم وقطعاً ظرفهم؛ فهُم لم يكونوا معصومين عنْ قلّة الفهم أو النسيان أو عن الأهواء والإستقطاب الذي هو أصيلةٌ بشرية. أمّا المرويّات المعارِضة للقرآن صريحاً فتُضرب كما أخبر المعصوم (ص) عرْض الحائط ولا ضيْر، ومخالفتُها أولى من مخالفة كلام الله سبحانه، فأوصى رسول الله (ص): (إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كل صوابٍ نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)، فكلّ أحاديث عرض الحديث على القرآن تبيّن أنّ القرآن معياريّ، قياسيّ، له نظامٌ محكم، واحد، ثابت، لا أنّه متعدّد ومحتمل ومبهم وغير قطعيّ الدلالة (كما يقولون)، وإلاّ لما أصبح ميزاناً للعرض والقياس ولاحتاج للتقويم بدلاً من أنْ يكون هو المقوِّم، مخالفاً قول القرآن عن نفسه (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(الإسراء:9)، وقول الآتي به إلى الناس (ص) (إنّ هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمةُ مَنْ تمسّك به، ونجاة مَنْ اتّبعه، لا يعوجّفيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب)!

وفي الختام؛ إنّ الاسترشاد بتلك القواعد والمعطيات التّي سطّرناها، هي محاولة تقريب لا أكثر، وبتطبيقها سيكتشف الفرد (والأمّة) حسْب اجتهاده الصادق فرقاً واضحاً بين ما درج على فهمه واعتقاده وراثةً، وما يقوله القرآن العظيم من جهة، في كثير من الحقائق الصادمة هي لبّ العقيدة اليوم، سواءً فيما يتعلّق بمفاهيم القرآن نفسها، من خاصّ وعامّ، وناسخ ومنسوخ، ومعنى “الوحي” و”القرآن” و”الفرقان” و”الترتيل” و”المحكم والمتشابه”، أو ما يتعلّق بتفسير آياته وأحكامه، وإدراك قصصه، وفكّ رموزه، وسيتطهّر الفكرُ في مغتسَلٍ نقيٍّ مِن أدران تزويرات التاريخ وكدورات الأفهام وأوضارِ الإضافات، ليفهم حقائق التاريخ والكون بعقلٍ أنظف، وصدرٍ أرحب، وإشراقة روح، ضمن منهجيّةٍ واضحةٍ شاملة، تقيه مشاكساته مع ألفاظِ كتابِ ربّه وآياته ونظامه، وتقيه إيّاها مع نفسه، ومع نظام اللغة، ومع نظام الكون، وسيصبح له القرآن نوراُ يمشي به في النّاس، كما هو على الحقيقة، وكما كان يُراد.

إنّ الغاية من هذا التطهّر الفكريّ، أنْ تعود الأمّة في سلم مع ربّها، مع كلامه، مع الكون، مع التاريخ، ومع نفسها، في سلمٍ مع الحقائق والمفاهيم الصحيحة. تصطلح مع تراثها الصحيح وتُقاطع الفاسد منه، فإنّ أمّتنا صارتْ شيَعاً وأحزاباً حينما حكّمنا غير القرآن، حينما نطّق الرجالُ القرآن بغير صوته، فوجد كلّ فريق بغيته من القرآن أنّه الفرقة النّاجية، والقرآن لا يقرّ بالفرقة أساساً لقولِه (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)(المؤمنون:52) فكيف بالنّاجية! لكنّنا حين نسكت .. جميعاً، ونعود لنصغي، ننصت، نكتشف، ما يقوله كتاب الله، فقدْ يُهيّأ لنا فتْحُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)(البقرة:208) فيسكتُ الصراع والتشرذم.

نحنُ لا ندّعي القدرة على تفسير آيات القرآن على الحقيقة بما عجز عنه المفسّرون، فهذا ادّعاءٌ عظيم، إنّما ندّعي أنّ القرآن العظيم لمْ يُفسَّر بعد، لأنّه قُدِّس كميّتٍ لا كحيّ، وأنّ النّظام الحاليّ الموجود المستنسخ جيلاً وراء جيل لنْ يُفضي إلى تفسيره أبداً. فما لمْ تتغيّر عقيدتُنا تجاه القرآن العظيم أوّلاً فلنْ يُتاح لنا أنْ نستلم عقائدَنا الصحيحة منه أبداً، هذا أوّلاً وهو آخراً.