ملخص كتاب (مَسْخُ الصُّورةِ … سَرِقة وتحريفُ تراثِ الأمّةِ)

ملخص كتاب

(مَسْخُ الصُّورةِ … سَرِقة وتحريفُ تراثِ الأمّةِ)

يعالج البحث عملية التحريف الضخمة التي تعرض لها التاريخ العربي القديم من قبل الغرب واليهود والحركة الصهيونيّة، وما رافقه من ابتداع نظريات عرقيّة لا تستند إلى أية أسس علميّة أظهرت الغرب الأوربي كجنس متفوق، والعرب كأمّة بدويّة بدائية متخلفة ميالة إلى العنف تعبد إلهًا غريبًا، لا تحب السلام وتميل إلى العنف والعدوان. كما قال برنالد لويس في كتابه “الأصوليّة الإسلاميّة”: “المسلمون خطر يتهدد الحضارة الغربيّة سياسيًا واجتماعيًا وسكانيًا وأنَّ نزاعًا وشيكًا سيقع بين الغرب والمسلمين”.

استشرى هذا التحريف الذي يزري بالعرب كالسرطان في أدبيات ومناهج وإعلام الغرب وصار من المسلمات لدى الشعوب الغربية. ثم انتقلت هذه الثقافة إلى الكتب ومناهج التعليم في الدول العربيّة على أيدي كتاب عرب. لقد أسس هذا التحريف لكل المظالم التي وقعت على الأمة العربيّة، كما جعل الغرب في مواجهة حضاريّة وسياسيّة واجتماعيّة ودينيّة مع العالم العربي والإسلامي.

كانت مدونات التوراة المحرفة وأسفارها هي الأداة التي استخدمت في هذا التحريف المشين، وتعاظم خطر التحريف عندما اعتمدت الكنيسة التوراة اليهوديّة ” العهد القديم” وضمتها إلى الإنجيل، فصار الكتاب الجامع للعهدين القديم والحديث يسمى ” بالكتاب المقدس”، فتسربت الثقافة التوراتيّة المحرفة إلى الفكر المسيحي الديني في الغرب. ومن هذه الثقافة المزورة صار الغرب يعتقد أنَّ لليهود حقًا إلهيًا في فلسطين، وبهذا التحريف أعطوا ـ اليهود والغرب ـ لأنفسهم حق اقتلاع شعب كامل من أرضه والتنكيل به. ومنذ بدأ تنفيذ التحريف التاريخي عمليًا على الأرض بقيام “إسرائيل” دخلت المنطقة في حروب وعنف وعدم استقرار.

اليوم بحمد الله كشف علم الآثار حقيقة التحريف وكذب مزاعم اليهود في فلسطين يقول المفكر الفرنسي (بيير روسي) في كتابه “التاريخ الحقيقي للعرب” ” إننا لم نعثر حتّى اليوم على أثر ولا على أقل إشارة تجبرنا على التحدث عن عاصمة عبرية أو عن ملوك عبريين، ولم يسجل في أي مكان ما اسم داود أو سليمان، ولم تسجل في أي مكان الفتوحات الكبرى التي يمجدها العهد القديم، إنَّ الديوان الفرعوني صامت في هذا الصدد، وهو الذي يحلو له أن يقصَّ أدنى الأحداث السياسيّة والعسكريّة للمنطقة”.

ويقف الإنسان مستغربًا كيف صار حال الأمّة العربيّة المهابة من أمم الأرض المعلِمة والملهِمة للحضارات الإنسانيّة محتقرة ذليلة مفككة ضعيفة فريسة يستبيحها كل غاشم ودخيل، فمنذ مؤتمر لندن سنة 1905 إلى اتفاقية سايكس بيكو والأمّة مستباحة قسّمت وهاهم يطمحون إلى تقسيم المقسّم. ويقف الإنسان مستغربًا كيف صارت الدولة اللقيطة المصطنعة دولة من دول المنطقة يراد لحكومات وشعوب المنطقة أن تعترف بها، تقبل بوجودها وتتعامل معها بل يراد لها أن تكون هي المتحكمة في السياسة الإقليمية.

يشرح الكتاب مصطلح “الأمة العربية”، فيقول أنَّه يعني به الأمة الموَحِدة التي تشمل عرب أفريقيا وعرب آسيا، والفرس والترك والكرد والبلوش، فهؤلاء كلّهم عرب كانوا في الأصل يتكلمون لغة عربيّة واحدة وإن اختلفت لهجاتهم، ويسكنون بلادًا واحدة هي جبال السراة في الجزيرة العربيّة، فلمّا تكاثروا تفرقوا في الأمصار وطال بهم الأمد اتسعت الفروق بين اللهجات حتى بدت أنّ كل لهجة لغة قائمة بذاتها. إذن الكتاب لا يقصد بالأمة العربيّة معناها الضيق المتعارف عليه اليوم والذي يعنى العرب فقط.

كان التقسيم العرقي بضاعة غربيّة قاست منها أوربا ما قاست من نزاعات وحروب، ثمَّ صدرتها إلى المنطقة لتفريقها وتمزيقها تمهيدًا لاستعمارها واستنزاف خيراتها ومواردها الاقتصادية. يقول (بيير روسي) في تعريفه للحضارة العربية “إنَّ الحضارة العربية بطبيعة الأمر شاملة، فقد ولدت في حيز جغرافي مترامي الأطراف، من بلاد الرافدين إلى مصر وشمال إفريقيا، بل إلى آسيا الصغرى حتى إندونيسيا”.

ويؤكد الكتاب أن غايته ليس نكأ الجراح ولا إثارة الخلاف وإنّما الوصول لحل جذري لرأب الصدع بين العرب والغرب، ولمّ شمل الأمّة التي فرقت بدعوى قوميّة وعرقيّة، ولا يكون ذلك إلا بكشف زيف وضرر الثقافة التوراتيّة المزورِة للحقائق، وإماطة اللثام عن الفلسفات والسياسيات الاستعماريّة الغربيّة التي تخفي وراءها أهدافًا وسياسات استعماريّة، فبانكشاف الزيف والتحريف والتزوير يتسنى للمصلحين وضع أسس ثقافة صحيحة تلم شمل أمم الأرض شرقيها وغربيها قاصيها ودانيها عربها وعجمها، لتزيل هذا الاحتقان والتقاتل والعداء المستحكم ليعم السلام كلَّ العالم.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول:

يتناول الفصل الأوّل: تنكر الغرب للحضارة العربيّة وردّ كلَّ ما أخذه من علوم إلى اليونان، وممارسته سياسة ضارة ترمي إلى إبقاء العالم العربي متخلفًا في كل العلوم ليبقى هو السيد المهيمن والعالم العربي التابع له يدور في فلكه ضمن دائرة نفوذه مستسلمًا لحضارته وثقافته، وسوقًا لبضائعه ومنتجاته، ضعيفًا ذليلاً لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة، بقرة حلوب تستنزف موارده الاقتصاديّة وهو في حالة عجز تام حتّى عن التحكم في أسعار سلعه الاستراتيجيّة.

ويناقش الفصل الثاني الأسس التي قامت عليها دولة “إسرائيل” شارحًا أسباب اضطهاد اليهود في أوربا، ورغبة الأوربيين في التخلص منهم، مستعرضًا المؤتمر الصهيوني الأوّل الذي عقد في بازل بسويسرا 1897، ومؤتمر لندن الاستعماري سنة 1905 الذي أوصى بإقامة الدولة الحاجزة ” إسرائيل” بين عرب آسيا وأفريقيا، ويشرح الكتاب ما رافق إقامة هذه الدولة من عمليات تزوير واسعة في التاريخ والجغرافيا واختلاق لغة عبرية كلّ ذلك ليقال أنَّ لليهود حقًا إلهيًا في فلسطين ليتقبل العالم غرس هذا الكيان الغريب في المنطقة.

أما الفصل الثالث: فيبحث في عملية منهجية التحريف والتزوير التي مارسها اليهود والصهيونيّة والغرب، كيف زورت مصادر التراث وكيف دست الكتب المزورة في المكاتب العربيّة والعالميّة، ودور الكنيسة في ترسيخ التزوير، ودور مناهج الغرب التعليميّة وهوليود في هذه السياسة الجهنميّة، ودور بعض المثقفين العرب في نقل الثقافة المزورة إلى عالمنا العربي ومناهجنا التعليميّة عندما قبلوا لأنفسهم أن يكونوا نقلة لا محققين وباحثين، ويدرس الكتاب الإسرائيليات التّي غزت كتب التراث، وخطورتها على الإسلام وعلى المسلمين، وما توفره لأعداء الإسلام من فرص لطعن الإسلام في الصميم، وما تلحقه من ضرر بمعركة الأمّة المصيريّة في تحرير فلسطين؛ لأنَّها تعطي لليهود وجودًا في فلسطين وبلاد الشام والعراق ومصر. وفيما يلي نستعرض هذه الفصول ملخصة.

الفصل الأوّل: أوجه التزوير

شهادة علماء الغرب المنصفين وهي شهادة حقّ نعتز بها

“أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة بواتييه (بلاط الشهداء) عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة، ألا ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي”.

المفكر الفرنسي أناتول فرانس

“أما الصليبيون فقد خرجوا من ديارهم لقتال العرب المسلمين فإذا هم جلوس عند أقدامهم يتعلّمون منهم أساليب العلم والمعرفة، لقد بُهت أشباه الهمج من المقاتلين الصليبيين عندما رأوا الكفّار (ويعنون بالكفار المسلمين) ذوي حضارة ترجح على حضارتهم رجحاناً لا تصحّ معه المقارنة فيما عندهم. “

جورج هرنشو

“العرب قد احتلوا فعلاً جزءًا من أوروبا هو الأندلس؟ ولكنَّهم لم يقضوا على المسيحية التي يزعمون أن شارل مارتل قد حماها، ولم يقضوا على المدنيّة الغربيّة التي لم يكن لها وجود!! لقد حولوا الأندلس في مائتي عام حكموها من بلد جدب فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقف مهذب يقدّس العلم والفن والأدب، قدم لأوروبا سبل الحضارة وقادها في طريق النور.”

“الواقع أنَّ روجر بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي..إنَّما السابقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين لجئوا ـ بعكس زملائهم المسيحيين ـ في بحثهم إلى العقل والملاحظة والتحقيق والبحث المستقيم، لقد قدّم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقة معرفة أسرار الطبيعة.”

“إنَّ كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنَّما هو في حقيقة الأمر نُصب تذكارية للعبقرية العربية، وقد بقي الطب الغربي قرونًا عديدة نسخة منسوخة عن الطب العربي، وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في ميدان بازل بحركة مسيحيّة عدائيّة، فإنَّ كتب التراث العربي لم تختفِ من رفوف المكتبات وجيوب الأطباء، بل ظلت محفوظة يسرق منها السارق ما شاء أن يسرق.”

“اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوربا التي كانت ترى أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية، فمعلم الكنيسة لأكتانتيوس يتساءل مستنكراً: أيعقل أن يُجنّ الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم؟!!”

المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه

“لقد كان الفتح العربي خيرًا لأسبانيا إذ أحدث ثورة اجتماعيّة هامة فعمل على إزالة قسم كبير من الآلام التي كانت تئن تحتها البلاد منذ عصور”.

المؤرخ دوزي

“إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربيّة الوحشيّة في عالم الإنسانيّة، فلقد كان العرب أساتذتنا، وإنَّ جامعات الغرب لم تعرف لها موردًا علميًا سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلاً وأخلاقًا، والتاريخ لا يعرف أمّة أنتجت ما أنتجوه… إنَّ أوربا مَدينة للعرب بحضارتها… والحقّ أن أتباع محمّد كانوا يذلوننا بأفضلية حضارتهم السابقة، وإننا لم نتحرر من عقدتنا بالأمس! وإن العرب هم أول من علّم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع الاستقامة في الدين، فهم الذين علموا الشعوب النصرانيّة وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان… ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيرًا من أخلاق أمم الأرض قاطبة.”

غوستاف لوبون

“ليس هناك فيلسوف إغريقي لم يكن يحدّث عن الشرق، ويقول إنه تلميذه، ليس هناك واحد منهم لم يولد في الشرق أو يسافر إليه طلبًا لاكتشاف الماضي.”

بيير روسي

“ذلك أن أكل اللحوم البشرية كان يومها شائعاً بين الناس جميعاً، فقد وجدناه في كل القبائل البدائية تقريباً، كما وجدناه بين الشعوب المتأخرة تاريخاً مثل سكان أيرلندة وإيبريا وجماعة البكت، بل بين أهل الدانمرك في القرن الحادي عشر كان اللحم البشري من لوازم العيش بين قبائل كثيرة ولم يكن الناس يعرفون الجنائز؛ وأما في جزيرة بريطانيا الجديدة فقد كان اللحم البشري يباع في دكاكين كما يبيع القصابون اللحم الحيواني اليوم”. كان ذلك في القرن الحادي عشر.”

وول ديورانت في قصة الحضارة

هذه أقوال علماء غربيين منصفين يعترفون فيها بفضل الحضارة العربيّة على الحضارة الغربيّة. درسوا التاريخ بموضوعية وابتعدوا عن الأهداف الاستعماريّة والصهيونيّة فرأوا الحقيقة ناصعة، وليت علماء الغرب الآخرين كانوا أحرارًا ونظروا نظرة هؤلاء العلماء الأفذاذ، ولكن مع بالغ الأسف منهم من سعى جاهدًا لإخفاء الحقيقة بل وتزويرها، يقول بيير روسي منتقدًا الغرب في تزويره لدور العرب:” إنَّنا نعرف عندما نتكلم عن الوطن العربي أننا في سبيلنا إلى معارضة نظرية مقدسة تجعل من العربي شخصية صحراوية انبثقت في التاريخ في عهد غير محدد أو معروف”. نعم لم يبقَ من دور العرب في نهضة أوربا أثر، إذ نسبت العلوم والاكتشافات على يد السّراق والمزورين إلى غيرهم، فمثلاً وليم هارفي هو مكتشف الدورة الدموية الصغرى وليس ابن النفيس الدمشقي المصري.

لقد تمَّ العبث بمصادر التراث العربي بعد خروج العرب المسلمين من الأندلس، فجرت عمليات نسخ وتزوير واسعة للمخطوطات الإسلامية، ثمَّ دست هذه المخطوطات المزورة في المكتبات العربية. وقد شاء الله سبحانه أن تفلت وثيقة تحكي قصّة هذا التزوير ألقى بها أحد النّساخ الذي حبسوا في إحدى قلاع الأديرة، وكلفوا بالنسخ التزويري بخطوط عربيّة للمخطوطات والكتب العربيّة، وكانوا من بعد انتهاء العملية يصفون جسديًا بالسم. حصل على هذه الوثيقة الأستاذ وليد الحجّار فضمّنها روايته المعروفة “رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين”.

نص الوثيقة:

“اعلم يا أخي أنّي عبدٌ مأمور لا حول له ولا قوة، وإنّي ما عدتُ إلى طليطلة من فاس إلا بأمر من الملك فيليب أحمل له كتبًا من خزانة السلطان، إنّ القادر الذي لا يعجزه شيء، قد شاء أن ينكشف أمر صاحبي وخليلي فأذاقه فيليب من السمّ الفاتك، الذين أتينا به من فاس حسب طلبه، وإنّي لا محالة هالك بالسمّ نفسه إنْ عاجلاً أو آجلاً، ولن أتركَ حرّاً طليقاً لأذيع خبر النسّاخ المائة والخمسين الذين أنا منهم، نعمل ليلاً نهاراً في إعادة كتابة ما لدينا من مخطوطات عربية، ولعلّ السلطان أدام الله عزّه هو الذي أمر بالقضاء علينا، بعد ما علمْنا ما أجراه النسّاخ من تعديل في مخطوطات كتاب العبر الذي حملناه معنا من خزائنه، والذي لا يحمل في الأصل كلمة بربر في عنوانه،.. اعلم يا أخي أنّ هذه شهادتي قبل أن أموت وإنّي أقسم بالله العظيم، القوي، الكريم، أنّي رأيت النسّاخ الموريسكاس يعيدون كتابة “كتاب العِبَر” وغيره فيبدّلون كلّ ذكرٍ لكلمة “إعرابي” بكلمة “عربي” في كتاب ابن خلدون، ويضيفون فصولاً بكاملها في مدح البربر حسب مشيئة السلطان وبذمّ العرب حسب ما بنفوس أصحاب الدير، ويحذفون فصولاً بكاملها في ذكر مآثر العرب مما كتبه ابن خلدون، اعلم يا أخي أنّ السمّ الذي أتينا به من فاس سيستر الحقيقة إلى الأبد عن أهل الدنيا قاطبة، واعلم أنّ هذه الورقة هي شهادتي أمام ربّي يوم الحشر، وأنّ هذا الفهرس الذي أدفن شهادتي فيه إنّما هو واحد من أربعة فهارس ضمّنتها أسماءَ ما جرى التعديل والتبديل عليه من كتب، وإنّ جميع ما يظنّ المسلمون إنّها أصولٌ محفوظة في خزائنهم إنّما هي نسخٌ زوّرت بخطّ مماثل لخطّ وتواقيع أصحابها، وأنا ومن معي من الموريسكاس الأسبان، أنا الذي أكتم إسلامي وعروبتي قد ساعدتُ في هذا العمل الكريه أسوةً بمن حولي من مسلمين غُلبوا على أمرهم نعمل سويّةً مع مولّدين يهود، وجميعنا في خدمة الإسكوريال والملك فيليب الثالث المأفون الذي قرّر طردنا جميعاً من الأندلس، ربّي اجعل من لدنك قوة تخرج هذا الفهرس من هذا الدير، سأقذف به من الفتحة هذه على أن يبقى سليمًا حتى أصل إليه أو ينقذه أحد من المؤمنين، ربّي هذه شهادتي يوم الدين، والآن أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً عبده ووليّه ورسوله”.

صورة الوثيقة

قال وليد الحجار معلقًا على هذه الوثيقة: “هكذا تحوّل كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر بمسحة قلم، وهكذا أصبحت مقدّمة ابن خلدون التي تحتوي على صفحات في هجاء العرب. لقد زوّرت أربع نسخ من كتاب العبر! إحداها، عادت إلى مكتبة البلاط، في فاس.. والثانية وجّهت إلى جامع القيروان في تونس، أما النسختان الأخيرتان فلقد دُسّتا في دار الكتب في القاهرة! أفلا يتساءل المرء لماذا لم تُنشر المقدمة في باريس إلا عام 1841م وفي بيروت 1879م؟، وأخيرا في مصر عام 1886م أي بعد أن أتيحت لمستشرقي نابليون خلال احتلاله لمصر فرصة دسّ نسختين مزوّرتين عنها في دار الكتب في القاهرة، هل هناك من يتساءل عن أصل النسخة الموجودة في جامع القرويين؟!. إذا فليعلم السائل أن واضع الفهرس في مكتبة ذلك الجامع ليس عربيًا، بل هو (إلفريد بِل)، وأن من ساعده وأيّده في جرد محتويات تلك المكتبة لم يكن إلا رجلاً يُدعى (ليفي بروفونساك) وهو يهودي الأصل”.

تزوير الأعراق والسلالات

“إن الحضارة العربية بطبيعة الأمر شاملة، فقد ولدت في حيز جغرافي مترامي الأطراف، من بلاد الرافدين إلى مصر وشمال إفريقيا، بل إلى آسيا الصغرى حتى إندونيسيا.”

بيير روسي

“يجمع علماء التاريخ والجغرافيا الأقدمون أن جزيرة العرب، أو بلاد العرب، كانت تشمل كل الرقعة الممتدة من البحر الأعلى (الأسود) شمالا إلى البحر الأدنى (بحر العرب) جنوبا، وقد تمتعت هذه المنطقة بوحدة سكانية ولغوية وحضارية منذ أقدم العصور”.

د.أحمد داوود

كان العرب الأوائل يتفاخرون بنسبهم، ولكنهم يحترمون الأجناس الأخرى، ولا يدعون لهم تميزًا عرقيًا عليهم، والقرآن الكريم أسس للوحدة الإنسانية في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) فكيف ظهرت نظريات التفوق العرقي؟

ظهرت العرقيّة بظهور الاستعمار إذ قسمت شعوب العالم إلى هندوجرمانية أو هندوأوروبية أو آريّة أو ساميّة، لقد جعلت هذه النظريات بعض القبائل الأوربيّة تشعر أنها تنتمي إلى جنس راقٍ، فصار الألمان مثلاً يشعرون بالتميز لانتمائهم للجنس الآري أو الجرماني، رغم أن ألمانيا لم تتحضر إلا في القرنين الأخيرين، ويذكر الباحثون الغربيون أن القبائل الجرمانية كانت حتى القرن الرابع الميلادي تتغذى على لحوم البشر، أي بعد زمان نوح (ع) بأكثر من ثلاثة آلاف من السنين!

تنبه مؤرخون منصفون للأخطار الناجمة عن هذا التفاضل العرقي وأطلقوا صرخات تحذيريّة عن هذا الفكر، فقال بيير روسي “وإنها لمرفوضة، نظرية عرقية اللغات هذه التي اخترعوها مقسمين العالم تعسفًا، إلى ساميين وآريين، أي إلى شعوب لم يستطع أي تحليل علمي أن يثبت وجودها. وإنه لمن الحمق كذلك، أن يعطي هؤلاء العلماء أنفسهم، انطلاقًا من وثائق لا وجود لها، أو مشكوك فيها، أو لا معنى لها، من الحمق أن يعطوا الحق لأنفسهم في إعادة الحياة لعصور كاملة مفقودة في ليل الزمان. إنه ادعاء وابتذال أو أحكام مسبقة من التشهير ضد الشرق، وإنها روح استعمار أبوي تحاول عرض نفسها.”.

ويضيف قائلاً: “والواقع أنه انطلاق من الوثائق والمصادر والمواد التي كانت تحت تصرف العالم، يبدو أن من المستحيل البرهان على وجود شعوب ساميّة وآريّة، وبالأحرى إعطاء الحدود و الفروق الخاصة بينها، كما أنه يبدو كذلك خاطئًا في منطلقاته مثلما هو خاطيء في عرضه ووقائعه. إن تعبيري (سامي وآري) ليسا شيئًا، ولا يدلان على شيء. ولكي يكتسبا حقيقة ما، أو لكي يصلحا نقطتي انطلاق تاريخيتين، ينبغي أن يكون هذان الشعبان قد امتلكا من قبل صفتي الآريّة والساميّة. وأنه ليس هناك إنسان ما، أو ثقافة ما، أو مجتمع ما، قد طالب بهذا الارتباط بالمصير السامي أو الآري”.

فكرة الساميّة، فكرة عنصريّة أوّل من ادعاها اليهودي النمساوي “شلوتزر” عام 1781، ليعيد لليهود ثقتهم بأنفسهم أمام اضطهاد الغرب لهم وحبسه لهم في مناطق سكنيّة معزولة عن النّاس عرفت بـ ” الغيتو”.

كانت لهذا التزوير دوافع سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تخدم مصالح اليهود والغرب؛ فأمّا مصلحة اليهود في التزوير فلأنّهم أرادوا أن يتحرروا من الشعور بالدونية والذلّة فأرادوا أن يغطوا على دونيتهم وذلتهم بأن أعطوا لأنفسهم أرقى الأجناس (سامي)، من سلالة إبراهيم (ع)، أمّا مصلحة الغرب فلأنّ الكنيسة لم تطق صبرًا أن ترى الرسالة المحمدية تنتشر في قارات بأكملها، وبما أنَّها مقدمة على حملات عسكريّة ضد المسلمين عرفت بالحروب الصليبيّة فلا بدَّ من ثقافة مزورة تستطيع بها تحريك العواطف الدينيّة وتحشد الجيوش، وسياسيو الغرب كانت لهم في الخلاص من الفائض السكاني “اليهود” بعد الثورة الصناعيّة، مصلحة.

لقد كان لهذا التزوير تداعيات خطيرة على الغرب والعرب معًا. أما الغرب فقد تمكن التزوير من العقلية الغربية تمكناً تاماً، حتّى ما عادت الصرخات التي تنطلق من مفكرين غربيين للتنبيه عن التلفيق والتضليل الذي مورس بحقه، وما التقسيم العنصري للشعوب والذي تبناه الحزب النازي في ألمانيا وذاق العالم مرارته في الحرب العالميّة الثانيّة إلا ثمرة من ثمار هذا التزوير.

لقد خلق التزوير حاجزاً نفسيا بين الشعوب الغربيّة والعالم العربي، فجعل الغرب في حالة عداء مصطنع مع العرب، وأسهم هذا التزوير لاحقاً في تأجيج نوازع التطرف لدى الطرفين. والعالم اليوم يكتوي بنار هذا التطرف بسقوط ضحايا أبرياء من كلا الطرفين.

لقد تمّ توظيف نعت “السامية” توظيفاً سياسيًا، فحولته الصهيونيّة إلى أداة قضائية لجرّ الكتاب والمفكرين الذين سعوا إلى كشف التزوير إلى المحاكم بدعوى معادة الساميّة، فما إن يقف كاتب حرّ في الغرب ليكذّب مزاعم الصهيونية حتى يتصدّى له بدعوى معاداة السامية ليساق إلى المحاكم، كما حدث للمفكر الفرنسي روجيه جارودي.

يقول روجيه غارودي “وليس أدل على ذلك من انحياز وسائل الإعلام بشكل كامل، عندما يتعلق الأمر بالحاجة إلى قلب الحقائق لمصلحة إسرائيل، فعندئذ توصف أعمال العنف التي يرتكبها الضعفاء بأنها نوع من “الإرهاب”، أما عنف الأقوياء فهو “نضال ضد الحرب”.

وأمّا أضراره على العرب فبعد أن وصلتهم الثقافة المزورة على أيدي بني جلدتهم الذين درسوا في الغرب جهلوا تاريخهم وحضارتهم الإنسانيّة السامية وصدقوا ما قاله الغرب عنهم أنَّهم شعوب مختلفة من آريين وساميين، فالفرس والكرد والبلوش آريون، والعرب ساميون، وبذلك دقّ الغرب واليهود إسفين الفرقة والحروب بين الشعب الواحد.

التاريخ يثبت بأدلة دامغة أنَّ الفرس جزء لا يتجزأ من أمة العرب، فابن إسحاق يقول : “إنَّ الفرس من ولد فارس بن لاود بن سام”. وابن الكلبي يقول‏:‏ إنَّ الفرس من ولد فارس بن طيراش بن آشور بن سام وقيل من ولد طيراش بن همدان بن يافث وقيل من بني أميم بن لاود بن سام. والطبري يقول: “إنهم من ولد رعوئيل بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (ع). ويقول ابن خلدون في تاريخه ” فلا خلاف بين المحققين أنهم من ولد سام بن نوح وأن جدهم الأعلى الذي ينتمون إليه هو فرس‏.‏ والمشهور أنهم من ولد إيران بن أشوذ بن سام بن نوح وأرض إيران هي بلاد الفرس‏.‏ ولما عربت قيل لها أعراق‏.‏ هذا عند المحققين‏.‏ وقيل‏:‏ أنهم منسوبون إلى إيران بن إيران بن أشوذ‏.‏ وقيل إلى غليم بن سام”.‏

فكل علماء التاريخ العرب يرجعون نسبهم إلى سام ابن النبي العربي السرياني نوح (ع) خلاف ما دسه المزورون في مصادرنا.

أما لغة أهل فارس فكانت العربية بلهجتها السريانية.

كان الفرس قبل البعثة النبويّة يأتون ويطوفون بالكعبة.. وكان آخر من حجّ منهم ساسان بن بابل وهو جدّ البشير بن بابل وهو أوّل ملوك الساسان.. وفي ذلك قيل شعراً:

زمزمت الفرس على زمزم وذاك من سالفها الأقدم

وقد افتخر شعراء الفرس اعتناقهم:

وما زلنا نحجّ البيت قدمـاً ونلقي بالأباطــح آمنينـا

وساسان بن بابل سار حتى أتى البيت العتيق يطوف دينا

فطاف به وزمزم عند بئـرٍ لإسماعيل تروي الشاربينـا

قال المسعودي: “وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالاً مع صدر الزمان وجواهر وقد كان ساسان بن بابل أهدى غزالين من ذهب وجوهراً وسيوفاً وحلياً كثيرة ألقاها في زمزم.”

وقال أبو الفداء: “وكانت عادة الفرس كعادات إخوانهم من قبائل الجزيرة العربية، وبعد الإسلام أصبحوا كأيّ عربي آخر ضمن العقيدة الواحدة والتراث الواحد وكان ليزدجر المذكور ولد اسمه بهرام جور قد أسلمه عند المنذر، ملك العرب ليربيه، بظهر الحيرة، فنشأ بهرام جور هناك وقدم على أبيه قبل هلاكه “.

فالفرس سلاليًا عرب ينتهي نسبهم إلى نوح عليه السلام، وإيران حضاريًا هي جزء لا يتجزأ من الأمة الواحدة، وأنّ عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم وكتابتهم بمجملها هي عربية. والتفريق الذي أراده أعداء الأمة جاء بسبب برامج الدول الاستعمارية ومخططاتها.

والأكراد أيضًا عرب يقول المسعودي في مروج الذهب: “وأما أجناس الأكراد وأنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم؛ فمنهم من رأى أنهم من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، دعتهم إلى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك من الأمم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية، ولكلِ نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردُوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعه ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للمياه والمراعي فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم”. ويضيف المسعودي “وما قلنا عن الأكراد فالأشهر عند الناس؛ والأصح من أنسابهم؛ أنهم من ولد ربيعه بن نزار”.

فالمصادر تؤكّد بأنّ الأكراد ترجع أصولهم إلى شبه الجزيرة العربية، وإنّهم عرب يقطنون شمال شرق الجزيرة العربية وهم من العرب الرعاة الذين كانوا يسكنون الجبال. كانت لغتهم هي العربية الشفوية أخذت تتحول مع اختلاطهم بقبائل مغولية وقوقازية وابتعادهم عن شبه الجزيرة العربية. وينقل لنا كتاب نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ما مفاده: “والكُرد من بني إيران بن أشور بن سام والى إيران هذا تنسب مملكة إيران التي كان فيها ملوك الفرس” ‏ .قال ابن كثير في تفسيره للآيات التالية (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)(الانبياء: 69/70) وجعلوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد”.

إذن فهم عرب، وما أثير ويثار حول الأكراد إنما هو لأهداف سياسية ترمي للتفريق بين أبناء الأمة الواحدة.

والبلوش أيضًا عرب ينقل الكاتب عبد الحكيم البلوشي عن ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان(عند بيان القفس) حيث قال: أن البلوش من العرب وقد ذكر بعض استدلالاته: فياقوت الحموي في معجم البلدان، وسلمة بن مسلم العوتبي في موضح الأنساب ذكرا بأن البلوش من أبناء سليمة بن مالك بن فهم الأزدي. ومما لا شكَّ فيه أن سليمة بن مالك كان رجلاً عربيًا من بني قحطان خرج من جزيرة العرب إلى كرمان فأقام هناك على جبال القفس وانسل في تلك الديار و استعجم لسان أبنائه، وأن 90% من عادات البلوش عادات عربيّة كما ذكر الشيخ محمّد شكري الآلوسي في كتاب بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب.

الفصل الثاني: التزوير يضرب جدارًا بين الأمة والغرب

بعد أن زور التاريخ أصبح الطريق ممهدًا للاتفاق بين الدول الاستعماريّة والصهيونيّة لاستعمار المنطقة، فانعقد المؤتمر الصهيوني في مدينة بازل بسويسرا في 29 أغسطس عام 1897 ووضع أسس المنظمة الصهيونيّة وأوصى بقيام إسرائيل، ثمَّ جاءت مقررات مؤتمر لندن الذي عقد عام 1905 ـ 1907، وحضرته نخبة من أساتذة الجامعات في مختلف التخصصات كالاقتصاد والتجارة والبترول والزراعة والتاريخ والاجتماع، ” واشتركت فيه لجنة تمثل كل الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة آنذاك. ومن أعضائها: البروفيسور جيمس مؤلف كتاب “زوال الإمبراطورية الرومانية” ولوى مادلين مؤلف كتاب “نشوء وزوال إمبراطورية نابليون” والبروفسور ليستر ولسنج، وسميت ودترتنج وزهروف”. رفع المؤتمر في 1907م توصية عاجلة في ختام أعماله إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت “كامبل بنرمان” نصت على: ” إقامة حاجز بشري وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها.”

ويضيف التقرير “إن الخطر المهدد يكمن في البحر المتوسط، صلة الوصل ما بين الشرق والغرب وفي حوضه مهد الديانات والحضارات، وفي شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه أخصّ، فعلى طول ساحله الجنوبي من الرباط إلى غزة، وعلى الساحل الشرقي من غزة حتى مرسين وأضنة، وعلى الجسر البحري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا، وتمر فيه قناة السويس شريان حياة أوروبا، وعلى جانب البحر الأحمر، وعلى طول ساحلي الهندي وبحر العرب وحتى خليج البصرة، حيث الطريق إلى الهند والإمبراطوريات الاستعمارية في الشرق. وفي هذه البقعة الشاسعة الحساسة يعيش شعب واحد، تتوفر له من وحدة تاريخه ودينه ووحدة لسانه وأصالته كلّ مقومات المجتمع والترابط والاتحاد، وتتوفر في نزعاته التحررية وفي ثرواته الطبيعية، ومن كثرة تناسله، كل أسباب القوة والتحرر والنهوض. ويضيف، كيف يمكن أن يكون وضع هذه المنطقة إذا توحدت فعلاً آمال شعبها وأهدافه، وإذا اتجهت هذه القوة كلها في اتجاه واحد؟ ماذا لو دخلت الوسائل الفنيّة الحديثة، ومكتسبات الثورة الصناعية الأوروبيّة إلى هذه المنطقة؟ ماذا يمكن لو انتشر التعليم وعمت الثقافة في أوساط هذا الشعب، وماذا سيكون إذا تحركت هذه المنطقة واستغلت ثرواتها الطبيعية من قبل أهلها… عند ذلك ستحل الضربة القاضية بالإمبراطوريّة الاستعماريّة، وعندها ستتبخر أحلام الاستعمار بالخلود، تقطع أوصاله، ثم يضمحل وينهار، كما انهارت إمبراطوريات الرومان والإغريق. إن الخطر على كيان الإمبراطوريات الاستعمارية كامن في الدرجة الأولى في هذه المنطقة في تجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة، وهدف واحد، فعلى كل الدول ذات المصلحة المشتركة أن تعمل على استمرار وضع المنطقة المجزأ المتأخر، وعلى إبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر وتناحر، وكوسيلة أساسية مستعجلة لدرء الخطر يجب العمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وذلك بإقامة حاجز قوي، غريب على الجسر البري الذي يربط آسيا بإفريقيا، ويربطهما معاً بالبحر المتوسط، بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار، وعدوة لسكان المنطقة”.

عندما احتاجوا لاختلاق مسمى أمة (الأمة اليهودية)، كان عليهم اختلاق مكوناتها، فالأمة بحاجة إلى تاريخ وجغرافيا ولغة، فقاموا بأدلجة إسقاطات كل أسماء القبائل والعشائر اليهودية التي عاشت في جزيرة العرب على المناطق الواقعة جنوب سوريا (فلسطين). ولكي تكتمل مكونات الأمة أوعزوا إلى الأديب اليهودي الروسي (يهوذا بن اليعازر) بتأليف لغة من اللهجات العربية القديمة لتكون لهم “اللغة العبرية”.

يفرق الكتاب بين الصهيونيّة الدينيّة اليهوديّة والصهيونيّة السياسيّة الغربيّة. الصهيونيّة الدينية اليهوديّة: انطلقت من عقائد يهودية تتعلق بأمل اليهود الأكبر بمجيء مسيح آخر الزمان، إلا أنها لم تمتلك مشروعًا استعماريًا لاحتلال فلسطين، كان هدف المؤمنين بهذه الفكرة استحداث مركز روحي في فلسطين يحجون إليه. يقول روجيه جارودي: “والملفت للنظر أن الصهيونية الدينية لم تنتشر إلا بين مجموعات يهودية محددة، لم تصطدم بمعارضة المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم منحدرين من ذرية إبراهيم، وينتمون لعقيدته. ثمَّ إن هذه الصهيونية الروحانية، البعيدة كل البعد عن أي برنامج سياسي يهدف إلى تكوين دولة، وعن فرض أي سيطرة على فلسطين، لم تثر مطلقاً مجابهات أو منازعات بين الطوائف اليهودية وبين السكان العرب.. المسلمين والمسيحيين”.

أمّا الصهيونية السياسية فهي مشروع استعماري غربي نشأ ابتداءً من الغرب المسيحي، ونابليون بونابرت هو أول من دعا اليهود للعودة إلى فلسطين وإقامة دولتهم التي “منحهم الله إياها”، ويعتبر نابليون هو المسيحي الصهيوني الأول الذي أراد تهجير اليهود إلى فلسطين ليستفيد من أموالهم، لتكون فلسطين دولة يهودية ترعى وتحمي مصالح فرنسا. وتلقفت بريطانيا فكرة نابليون، فعملت هي الأخرى على كسب اليهود إلى جانبها وتبني مشروع عودة اليهود إلى فلسطين قبل أن يفكر اليهود أنفسهم بهذه القضية، وبدأ رجال الاقتصاد والسياسة والفكر واللاهوت الأوروبيون ينظرون إلى الأهمية القصوى لزرع اليهود في فلسطين. وبدأ تضليل مسيحيي أوروبا بنشر معلومات لم يثبتها التاريخ من قبيل أن هجرة اليهود إلى فلسطين ستعجل بهدايتهم وأن هذه الهجرة تُعد شرطًا أساسيًا لعودة المسيح ليحكم الأرض.

تبنى يهود علمانيون ورجال أعمال هذا المشروع، وقاموا مجتمعين بأدلجة الروايات التاريخية ومدونات التوراة لخدمة هذا المشروع، فخدع يهود العالم من أن هجرتهم ستعجل بقدوم المسيح المنتظر. يقول روجيه جارودي: (إن الأب الروحي للصهيونية ثيودور هرتزل أشعل الرغبة الاستعمارية في خلق (إسرائيل) وقدم لها مسوِّغات إقامة هذه الدولة على أساس أنه إذا قامت إحدى الدول الاستعمارية بحماية هذه الدولة اليهودية فسوف تتمتع بميزة على خصومها؛ لأن هذه الدولة ستعتبر رأس حربة مزروعة في المنطقة من أجل التغلغل الاستعماري). تمت الصفقة بين هرتزل والاستعمار الغربي وتتلخص في عقد تحالف وشراكة وظيفية بينهما ضد وحدة العرب والمسلمين ونهضتهم.

جاء ثيودر هرتزل سنة 1895م في كتابه (الدولة اليهودية): “ستكون هذه الدولة بالنسبة إلى أوروبا متراساً ضد آسيا، وستكون بمثابة الحصن المتقدم للحضارة ضد البربرية ” أي العرب.” إلا أن هرتزل لم يكن متمسكا بفلسطين كموقع لهذه الدولة في بداية الأمر، فلقد ذكر في كتابه بل تساءل “هل يكون البلد فلسطين أم الأرجنتين؟ سنأخذ ما يعرض علينا وما يختاره الرأي العام اليهودي”. فالأمر إذن في النهاية كان راجعا للمصالح الغربية الاستعمارية.

وحصل ما كان يسوق له هرتزل، إذ اختيرت أرض جنوب سوريا (فلسطين)، نظراً للموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة بالنسبة للغرب من جهة، ونظراً لتعلق اليهود الروحي بها من جهة أخرى، حيث كانا أهم عاملين ساهما في اتخاذ قرار اغتصاب فلسطين، وأصبحت إسرائيل الأداة الرئيسية للغرب في استنزاف الأمة. يقول روجيه جارودي “إن إسرائيل ستلعب دوراً هاماً في المواجهة الحضارية بين العالم الغربي والعالم الإسلامي نظراً لموقعها الاستراتيجي في قلب العالم الإسلامي”.

عمل ثيودر هرتزل بكل إخلاص وتفاني للوصول إلى هدفه، ففي عام 1896 قابل الصدر الأعظم ليعرض عليه مختلف الإغراءات المادية، وعرض عليه وفاء ديون السلطنة العثمانيّة لقاء السماح بالهجرة اليهودية وإنشاء دولة مستقلة لهم في فلسطين، الأمر الذي رفضه السلطان عبد الحميد، لأنَّه كان مدركا الهدف البعيد الذي يرمي إليه هرتزل والغرب الاستعماري. فأثار رفضه غضب اليهود فعملوا للقضاء عليه شخصيًا على يد جمعية “تركيا الفتاة” والتي كانت خاضعة لنفوذ “يهود الدونمة”.

قال هرتزل: “إن حل مسألة اليهود في فلسطين يحل مسألة الشرق الأوسط، ويكون لهذا الحل تأثير على العالم المتحضر بكامله، وإذا أقمنا دولتنا في فلسطين نقيم حصناً للحضارة الأوروبيّة في مواجهة الهمجيّة”.

عندما تقرر اغتصاب فلسطين، احتاجوا لمبررات أيديولوجيّة تسوغ لهم اغتصاب فلسطين، فبرزت الحاجة لاختلاق مكونات أمّة يهوديّة؛ لأنَّ الأمة بحاجة إلى لغة وتاريخ وموقع جغرافي، ولتحقيق ذلك بدأت أكبر عملية تزوير عرفها التاريخ الإنساني. وبدأ مخطط التزوير بوصم العرب بالوثنيّة وأن التوحيد بدأ بموسى (ع)، في حين أنَّ بلاد السراة في الجزيرة العربيّة هي مركز التوحيد ففيها جنة آدم، وفيها انتشرت ذريته، وعلى أرضها بعث الأنبياء ومنها انتشر التوحيد. ثمَّ نقل المزورون إبراهيم (ع) من الجزيرة العربية إلى العراق وفلسطين ومصر، وموسى (ع) من قرية مصر في الجزيرة العربية إلى “مصر” وادي النيل. وتحولت الخيام ومراعي الأغنام إلى دول وممالك، ونقل المستشرقون أسماء الأماكن والآثار من الجزيرة العربيّة إلى المناطق التي تناسب وتتوافق مع مخططهم الرامي إلى اغتصاب فلسطين مستغلين تشابه الأسماء. وجعلوا من اللهجات العربيّة السريانيّة والفينيقيّة لغات منفصلة ليجعلوا الشعب العربي شعوبًا ليسهل عليهم تفرقتهم واحتلالهم، ثمَّ امتدت أيديهم للعبث باللغة العربية فسعوا لتشجيع اللهجات المحليّة لتكون مكتوبة وقد استمات أصحاب هذه الدعوة من المستشرقين وتلاميذهم (من أمثال سلامة موسى) في المطالبة بإحلال اللغة العاميّة محل اللغة العربيّة في الجرائد والكتب لتصبح اللهجات المحليّة ثانيّة لغات، ويصار إلى تقسيم الشعب العربي مرة أخرى شعوبًا.

ومقابل هذا السطو والتزوير الثقافي وضع لليهود قدمًا في المنطقة فأخذ اليهود يتخيرون كل ما كان مشرفًا فينسبونه لأنفسهم، يقول: بيير روسي”إن علينا أن نعرف قبل كل شيء، أن التاريخ المصنوع للعبرانيين خارج النصوص التوراتية وهو الصمت الكلي المطبق. فلا العمارة ولا الكتابات المنقوشة على الآثار، ولا القوانين والدساتير تكشف أثرا قليلا للعبرانيين، فعلى آلاف النصوص المسمارية أو المصرية التي تؤلف المكتبة المصرية، أو مكتبة رأس شمرا أو نينوى، و حتى في الروايات الآرامية، في ذلك كله لا تذكر كلمة (عبرية). وليس هناك أبدًا ذكر للملحمة وللوقائع الحربية المعزوة لعبور العبرانيين. إن التاريخ ليس لغزاً يختفي أو يعمد إلى إخفائه لمصالح تكمن خلف إخفاء الحقيقة، مما يضطر إلى مراعاتها، كلا فالحقائق التاريخية جلية وطريقها واضح.. وأن الكشف الجاد يقود إلى الحقيقة، واستبعاد الأكاذيب الخطيرة، ويقدم للمجتمعات الإنسانية، بالتالي، الحقائق الوثوقية الثابتة التي تلزم المجتمعات قاطبة”.

كل ما تقدم يبين أن علماء الغرب قد كتبوا تاريخنا مقلوبًا، ونحن بحاجة إلى إعادة كتابة هذا التاريخ الذي أُعيد تدويره وتدريسه لأبنائنا. ويقول “هرتسوغ: ” إن الغالبية العظمى من الباحثين العلميين في المسائل التوراتية وفي أركيولوجيا وتاريخ الشعب اليهودي، يعترفون الآن صراحة بأن الأحداث التاريخية المرتبطة بمسار اليهود مختلفة جذريا، ويضيف: “هناك شرخ كبير في رواية التوراة للتاريخ القديم، كشفته الحفريات والأبحاث الأثرية. والعلم الحديث كما تعلمون لا يعتمد الروايات المكتوبة بل الآثار في الأساس. وعلم الآثار بات علماً مستقلاً تماماً. وما يحدث لنا في إسرائيل هو أننا لا نريده علماً مستقلاً. نريد للآثار إن تثبت الرواية التاريخية، وهذا معاكس ليس فقط للعلم بل للحقيقة التاريخية أيضًا. وإذا كنا نريد أن يكون لنا مكان محترم في الأكاديميا الدولية، فعلينا أن نلتزم بأحكام العلم، لا بأحكام السياسة والأيدولوجيا. ويضيف يبدو وكأن كاتب التوراة، وزملاءه الذين قاموا بمراجعة ما كتب، لم يكونوا على معرفة بتلك الحقائق التاريخية التي لا تحتاج إلى دلائل”

ووصل التحريف مداه حينما ادّعوا “أنَّ الدبكة الفلسطينية رقصة شعبية يهودية، وتمثال أبي الهول يهوديًا، وفنون بدو سيناء فنون يهودية. وعندما أطلقوا مسميات يهودية على الأعشاب الطبية التي تزرع في المنطقة، وعلى الثوب النسائي في جنوب سيناء بعد أن أضافوا إليها نجمة داوود السداسية. وعندما اجتاحت القوات الإسرائيليّة لبنان عام 1982 داهمت “مركز الأبحاث الفلسطيني” في منطقة الحمراء، وكان يضم أكبر وأهم كنز من الوثائق والمخطوطات المتعلقة بفلسطين والعرب، إضافة إلى الآلاف الوثائق المصورة على ميكروفيلم، وقامت بسرقتها ونقلها إلى فلسطين المحتلة. ولم تفرج عن قسم منها إلا بعد حملة دولية واسعة منددة بهذا العمل.”.

ومن أبرز مظاهر التزوير ما حل بالآثار المكتشفة في المنطقة العربية والتي تعتبر جزءًا لا يتجزأ من ميراث الأمة المُعلِمة، فلم يدّخر جهداً إلا وبذلوه لتصفية ما تبقى من تاريخها، ومن شواهد ذلك الصرخة الشهيرة التي أطلقها بيير روسي قبل أيام من بدء قصف بغداد بالقنابل والصواريخ قبيل احتلال العراق قال: “انتبهوا إلى ما تلحقه الحرب من أذى في آثار بابل والرافدين احرصوا على متحف بغداد ومكتبتها كيلا تعاد صورة هولاكو إلى قرننا.”

ارتبط بيير روسي بالعالم العربي ارتباطا وثيقاً، بدأ هذا الارتباط منذ قرر الإعداد لرسالة الدكتوراة في حضارة الإغريق. ولكونه عالمًا غربيًا لم تكن الأبواب موصدة أمامه. فتكشفت له أمور لم تكن في حسبانه، اكتشف ماهية حضارة الإغريق وماهية حضارة الرومان، أخذ يوجه النداء تلو النداء للغرب وللعالم العربي “أفيقوا فأن العروبة تسري في دمائنا، وليس من حضارة وجدت في التاريخ إلا وهي تلميذة الحضارة الأولى. الحضارة العربية مُعلمة للبشرية قاطبة.” اكتشف بيير روسي خلال سنوات من البحث الصادق والجاد حجم التزوير، الذي صدمه من حيث الكم والنوع، كان واعياً بأن هناك مخططا قد تم تنفيذ الكثير من حلقاته، ولم يتبقَ إلا القليل، لم يكن بيير روسي عربيًا، بل كان ينظر إلى التراث العربي على أنه تراث الإنسانية جمعاء، وآثار تزويره قد طالت كافة المجتمعات الإنسانية ولم تقتصر على العرب فقط.

للأسف لم تصل صرخته الأخيرة عن أثار العراق إلى من يهمهم الأمر، فعاثت الصهيونية فسادًا في متاحف العراق، وتعرضت الآثار العراقية إلى الدمار والضياع والسلب والنهب في البصرة والنجف وكربلاء وبغداد وسامراء، على مرأى ومسمع من القوات الأمريكية. يقول مدير متحف بغداد عن السلب والنهب المنظم الذي طال متحف بغداد: “لكن هناك مجموعة ثانية دخلت إلى قاعات المتحف العراقي. ومجموعة ثالثة دخلت إلى مخازن المتحف العراقي. هاتان المجموعتان، بعد التدقيقات التي أجريناها، ثبت لنا أن لديهم معلومات دقيقة عن الأماكن التي دخلوها، إذ كانوا على دراية جيدة بالآثار. وهم مهيئون للدخول إلى هذا المكان، فالذين دخلوا قاعات المتحف كسروا شباكا نحن أغلقناه منذ سنين. وفي مكان لا يشاهد من الشارع العام، شباكا مبنيا بالطابوق الزجاجي، بنيناه منذ سنين.. كسروه.. ودخلوا إلى القاعات وكان معهم قاطعات الزجاج لقطع خزانات المتحف الزجاجي، لعلمهم أن الآثار ما زالت في الخزانات الزجاجية. دخلوا وعندهم دراية جيدة بالآثار الموجودة في المتحف العراقي، لأنهم مروا مرور الكرام على نسخ جبسية موجودة لدينا في المتحف.. لم يلمسوها أبدا. إذن عندهم دراية كبيرة بالآثار، ويعرفون جيدا أن القطع الأصلية موجودة في الداخل، وأن النسخ في الخارج)”.

يقول عالم الآثار “الإسرائيلي البرفسور زئيف هرتسوغ: إن الغالبية العظمى من الباحثين العلميين في المسائل التوراتية وفي أركيولوجيا وتاريخ الشعب اليهودي، يعترفون الآن صراحة بان الأحداث التاريخية المرتبطة بمسار اليهود مختلفة جذريا وفي العمق عن تلك الواردة في النصوص”. ويضيف “هرتسوغ” تبالغ التوراة كثيرا في تصوير قوة تحصينات المدن الكنعانية التي يقال بأن بني “إسرائيل” قد غزوها: ” ويؤكد “بأن الوصف التوراتي لا يتطابق إطلاقًا مع الواقع الجيوسياسي للمنطقة. ذلك أن فلسطين كانت في الواقع تحت السيطرة المصرية وقد ظلت كذلك حتى منتصف القرن الثاني عشر بعد الميلاد. إضافة إلى أن المراكز الإدارية المصرية كانت واقعة في غزة ويافا وبيت شيئان، ومن المستغرب أن التوراة لم تذكر إطلاقًا ذلك الوجود المصري في نصوصها المزعومة. ويضيف: يبدو وكأن كاتب التوراة، وزملاءه الذين قاموا بمراجعة ما كتب، لم يكونوا على معرفة بتلك الحقائق التاريخية التي لا تحتاج إلى دلائل. ويشير: إلى أن المكتشفات الأثرية أظهرت بطلان ما تضمنته النصوص التوراتية حول وجود أية مملكة متحدة يهودية بين داوود وسليمان كي تسمي التوراة هذه المرحلة عصرا ذهبيا لانتعاش القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لبني “إسرائيل” آنذاك. وبحسب النصوص التوراتية، فقد امتدت مملكة داوود/ سليمان “الإسرائيلية” المتحدة من الفرات إلى غزة.. غير أن المكتشفات الأثرية في تلك المنطقة دلت على أن حركة العمارة المدنية والعسكرية كانت ضئيلة العدد ومتواضعة الحجم آنذاك”.

ثمَّ قامت الحركة الصهيونية العالمية بتكليف أديب يهودي روسي كان من أوائل المهاجرين إلى فلسطين يدعى اليعازر بن يهودا بتأليف معجمٍ لغويٍ من إحدى اللهجات العربية القديمة تم تطيعمه بلهجة الايديش، وهي إحدى اللهجات الألمانية الخاصة باليهود الألمان. يقول بيير روسي ” أما اللغة العبرية الحديثة، فاختراع أملاه اليعازر بن يهودا الذي نشر بين عامي 1910 و 1922 معجما طلبته الحركة الصهيونية العالمية، وخصصته لإيجاد نوع من (الإسبيرانتو) ليهود العالم الموعودين بالهجرة إلى فلسطين، إنه إذا أداة سياسية”.

كان اختراع اللغة العبرية الحديثة أحد أهم إنجازات الحركة الصهيونية، فهذه اللغة التي لم يوجد لها أثر، في أيٍ من الآثار والكتابات المصرية القديمة، والأدبيات القديمة، أصبحت واقعاً وحقيقة، كما لم يأتِ ذكرها على آلاف النصوص المسمارية أو المصرية التي تؤلف المكتبة المصرية أو مكتبة راس شمراً أو نينوى، وحتى في الروايات الآرامية، في ذلك كله لا تذكر كلمة (عبرية).

دعا “اليعازر” إلى جعل العبرية لغة الحديث في أفواه الناشئة في البيت والشارع، ولغة التعليم في المدرسة التي أدخلت إليها تدريجيًا وفق خطة محكمة لخلق هذا الُمكّون الحضاري، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد القادر فارس في دراسته (العنصرية الصهيونية وفلسفة التربية اليهودية) “أصبحت اللغة العبرية هي اللغة الرسمية حتى أن الآباء الذين هاجروا إلى فلسطين، تعلموا اللغة العبرية عن طريق أبنائهم.”

الفصل الثالث: منهجة التزوير: اعتماده، دسّه، تسويقه

بعد جمع العهد القديم بالعهد الجديد في كتاب واحد هو: “الكتاب المقدس”، تمَّ الربط بين معتقدات اليهود في الرب والأنبياء ومعتقدات الكنيسة الكاثوليكيّة، وكان هذا مقدمة لتبرئة اليهود من دم المسيح (ع). بعد ذلك احتضنت أوربا اليهود بعد أن كانت تضطهدهم، واعتبر الساسة الغربيون أنَّ على الغرب أن يمارس دورًا أخلاقيًا في حماية اليهود من بطش “الفلسطينيين”، قال جيمي كارتر في معبد إليزابيث اليهودي في نيوجرسي، وهو يرتدي رداء القضاة المخملي: “إنني أقدس الإله الذي تقدسونه، ونحن كمسيحيين ندرس التوراة التي تدرسونها. إن الحفاظ على بقاء إسرائيل لا يدخل في نطاق السياسة. إنه واجب أخلاقي”. كما نشأ تيار قوي عرف بـ “المسيحية الصهيونية” في الولايات المتحدة يتبنى أفكار إسرائيل بالكامل، وصار الدعم اللامحدود هي سياسة الحزبين الحاكمين الجمهوري والديمقراطي. قال جيري فالويل زعيم إحدى أهم منظمات “المسيحية الصهيونية: “إن اليهودي هو بؤبؤ عيني الله، ومن يؤذي اليهودي كأنه يضع إصبعه في عين الله، لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود، والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهود، إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم..”. ويقول القس الأصولي المسيحي الصهيوني مايك إيفانز: “إن إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في المصير الروحي والسياسي لأمريكا‏”!!!.

وكما فرض الفكر الصهيوني إرادته على الكنيسة الكاثوليكيّة وعلى السياسيين فرضها على مناهج الجغرافيا والتاريخ في أوربا وأمريكا.

فكتاب التاريخ للصف الثاني للمرحلة الثانوية في بريطانيا تم فيه تخصيص فصل للصراع العربي الإسرائيلي، فيعرض الكتاب صورة لقاء بين وايزمان وبلفور في القدس سنة 1925م وخريطة تبين تاريخ اليهود في أوروبا بصفتهم أقليات تناضل من أجل العودة إلى وطنها فلسطين، وعرض سيرة ذاتية لتيودور هرتزل وجهوده في الحركة الصهيونية وأهداف وأصول وفلسفة الحركة الصهيونية، كما ذكرها هرتزل في إعلان مؤتمر بازل بسويسرا سنة 1897م، وعرض صفحات مطولة من كتاب هرتزل «دولة يهودية» وأغفل الكتاب عرض موقف الفلسطينيين وحقوقهم، ولم يورد اسم فلسطين في الخريطة، وذهب إلى أن المشكلة ترجع في أساسها إلى أن اليهود والفلسطينيين لهم الحق في أرض فلسطين، ولم يذكر الكتاب دليلاً تاريخياً واحداً لإثبات الحقائق المتعلقة بجذور المشكلة، بينما شرح بتفصيل مضلل أحقية اليهود في المنطقة واكتفى ببعض التلميحات للموقف العربي والإسلامي الرافض لإعادة الحق اليهودي إلى أصحابه!! وألحق بالكتاب فيلماً لا يتعرض لاغتصاب الأراضي الفلسطينية بالقوة ولا إلى إقامة المستوطنات، ولا إلى الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل والتي تقر ببعض حقوق الفلسطينيين، واكتفى الفيلم بعرض لمدينة القدس وأحقية اليهود في سعيهم لتوحيدها. وأن وعد بلفور كان أمراً ضرورياً لإنقاذ اليهود من الاضطهاد. وأن الفلسطينيين من بداية صراعهم مع اليهود هم المعتدون لا الإسرائيليون وأن هجرات اليهود إلى فلسطين هي عودة أصحاب الحق إلى أرضهم.

وكتاب التاريخ للصف الثالث من المرحلة الثانوية في المدارس البريطانية، يذكر أنَّ إسرائيل قامت في أرض اليهود وموطنهم الأصلي، ووضع صورة لنقل الكنيست الإسرائيلي من تل أبيب إلى القدس وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل سنة 1949م وشرح بعد ذلك «قانون العودة» الإسرائيلي الذي صدر سنة 1950م والذي يعطي لكل يهودي في العالم الحق في الهجرة إلى الوطن الجديد مع صورة لتطوير الزراعة في الأرض الصحراوية والمستعمرات والتطورات الاقتصادية في إسرائيل وصور القرى الجديدة التي أنشأها الإسرائيليون وتطوّر القوات المسلحة الإسرائيليّة من دون إشارة إلى تدهور الأوضاع في الجانب الفلسطيني وما تعرضوا له من الضغط والإرهاب والتشرد، وتدمير مئات القرى تدميراً كاملاً والمذابح والمحارق في أهلها كدير ياسين وكفر قاسم وخان يونس وغيرها على أيدي الجيش وعصابات الهاغاناه والشتيرن والأرغون، ويعرض الكتاب أسباب انتصار إسرائيل على العرب في حرب 1948م بالاضطهاد الذي تعرض له اليهود والمساعدات الأمريكية ودعم اليهود الأمريكيين وقوة الجيش الإسرائيلي وتنظيمه وتدريبه على الرغم من أنه كان جيشاً صغيراً. وبرر تغيير إسرائيل للحدود عقب كل حرب بأن ذلك هدفه توفير الحدود الآمنة لإسرائيل لحمايتها من اعتداءات جيرانها العرب المغتصبين. ويعرض صورة لمعلم إسرائيلي يدرس تلاميذ من عرب فلسطين وتحتها تعليق «الإسرائيليون يتعاملون مع الفلسطينيين ويساعدون أبناءهم».

أما كتاب التاريخ للصف الثاني من المدارس الثانوية البريطانية فقد تناول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ويتهم القادة العرب بأنهم من أشار على الفلسطينيين بترك أراضيهم سنة 1948م وأن الدول العربية تنصلت من مسؤوليتها تجاه اللاجئين. ولم يشر الكتاب إلى الأوضاع المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي أو في المخيمات والمنافي.

وكتاب التاريخ للصف الثاني الثانوي البريطاني يتناول العمليات الفدائية وأنَّ المعاملة السيئة التي يلقونها في الدول العربية هي الباعث الحقيقي لهذه العمليات، ويعرض خطاباً من شاب فلسطيني إلى أمه يشرح فيه آلامه ورفضه البقاء لاجئاً في الدول العربيّة وقراره الانضمام إلى إحدى المنظمات الفدائية، وتلي هذه الرسالة صورة لمجموعة من الأطفال الإسرائيليين بدون أب أو أم بعد هجوم الفدائيين الفلسطينيين عليهم عام 1970م!!.

أما المناهج الفرنسيّة فلا تفرق بين «البدو» و«العرب» و«المورو» وتستخدم هذه المفردات من دون تمييز للدلالة على الشخصيات، وتتسم شخصيات العربي أو البدو في القصص بطابع الدونيّة، إذا كانوا تابعين، أو بطابع العدائية إذا نجحوا في الهروب من نطاق نفوذ الشخصية الفرنسية، وتبلور المناهج شخصية العربي في مفهوم، النقص الخلقي والاقتصادي والعقلي والاجتماعي والمهني حينما تقارن بأدوار أو بصفات لشخصيات فرنسية في هذه الكتب أو النصوص.

أمّا المناهج الأمريكيّة فتصور العرب شعبًا بدويًا مغرمًا بالغزو والنساء، وأن الإسلام ديانة غير متسامحة انتشرت بحد السيف..!! وأنَّ أثرياء العرب يريدون شراء أمريكا، ويتسببون في ارتفاع الأسعار ولاسيما أسعار العقارات. يكرهون الغرب ويشكلون خطرًا عليه بل على العالم أجمع. قال نيكولاس فون هوفمان الكاتب بجريدة «واشنطن بوست ” لم تشوه سمعة جماعة دينية أو ثقافية أو قومية، ويحط من قدرها بشكل مركز ومنظم كما حدث للعرب”!.

أمّا أفلام هوليود فأثارت التساؤلات عن دور الإسلام الحضاري، وعلاقة الإسلام بالعنف، وتشكك في مفهوم الجهاد وترسخ صورة أن الإسلام انتشر بالسيف.. وتورد الأستاذة غادة سليم نتائج بحث قام به الأستاذ جاك شاهين وهو أمريكي من أصل عربي قام بدراسة شملت 900 فيلم أمريكي، جاء فيها: “أن هناك صناعة مغرضة تعمل على أسس علمية ونفسية وسياسية دقيقة ولديها من يعلم جيداً الثقافة العربية واللغة والتاريخ والرموز الدينية فصورة العربي على الشاشة الفضية لهوليوود لن تخرج عن واحدة من هذه الصور النمطية: صورة أعرابي من البدو الرحل وبجواره ناقة وخيمة ومن حوله الصحراء الجرداء، منغمس في اللهو والملذات والمجون وتعاطي الخمر. متجرد من الحضارة وآداب السلوك في الطريق العام وفي معاملة الآخرين لا يراعي آداب الطعام والنظافة. متطرف متشدد يسوق خلفه زمرة من الحريم المتشحات بالسواد. أبله منبهر بالحضارة الغربية. إرهابي مجرم مختطف الطائرات والحافلات ومفجر للمباني وقاتل الأبرياء.”

يقول المفكر الفرنسي بيير روسي “المذنب هو التعليم الجامعي المضلل منذ النهضة، والذي كان وحده في صالح أثينا وروما… فمنذ القرن الخامس عشر توقفت البلدان الأوروبية عن الاهتمام بالعرب لكي ينهاروا في الرمل، ولكي ينسحبوا شيئا فشيئا إلى حيث يغدون من قبل الغرب في القرن العشرين مختصين بالجمل والقبيلة والثأر والبداوة”.

أمّا المناهج الإسرائيليّة فتشير دراسة للباحث اليهودي “إيلي فودا” حول الخلفية العنصرية للمناهج المدرسية الإسرائيلية المعتمدة، والتي غطى فيها البحث ستين كتابا مدرسيًا على مدار أربعين سنة، مدعمة بنصوص وصور ورسوم للكاريكاتير تظهر كيفية إخضاع التاريخ للسياسة الإسرائيلية، ويقول ” أن الفتاة الإسرائيلية (ناتيانا سوسكين) التي أساءت في العام 1997 عبر رسومات بذيئة إلى النبي محمد(ص)، ليست حالة استثنائية أو هامشية في المجتمع الإسرائيلي، بل هي إفراز طبيعي للحقن العنصري الذي قامت عليه المناهج الإسرائيلية. وينقل عن د. إسحق الفرحان قوله: أن صورة العربي والمسلم في المناهج الإسرائيلية صورة البدوي الفقير المتسّول، والعرب هم محتلون لأرض إسرائيل، وأن أرض إسرائيل تمتد إلى شرق الأردن وإلى الفرات ونهر الأردن.

أمّا المناهج العربيّة فقد بذلت الإدارة الأمريكيّة جهودًا في تغييرها فإدارة الرئيس جورج بوش خصصت 145 مليون دولار لعام 2004 لتشجيع التعليم العلماني في الوطن العربي!”. وتمَّ شطب شخصيات كصلاح الدين ومعارك عربية كالقادسية واليرموك ونبوخذ نصر وحمورابي من المناهج الدراسية في العراق.

وأمّا الكتّاب العرب فقد استسلموا للكم الهائل من التزوير، وقلما شهدنا مؤسسة ثقافية أو إعلامية عربية كشفت وفضحت هذا التزوير، لقد تعامل الكثير من المثقفين العرب مع الصراع العربي – الصهيوني على أنه صراع سياسي عسكري، غافلين عن البعد الحضاري لهذه المعركة، وغافلين عن الارتباط المباشر بين التاريخ والأمن القومي. التاريخ يحتاج لرعاية لا تقل أهمية عن رعاية الحدود القومية لبلادنا. يقول الدكتور أحمد داوود: ” إن جميع دول العالم تنظر إلى تاريخها القومي نظرتها إلى أمنها القومي، والعرب هم الوحيدون في هذا العالم الذين يرسلون أبناءهم إلى خصومهم والطامعين فيهم ليتعلموا على أيديهم تاريخهم. لقد جعلوا من أنفسهم وسطاء دون أجرة لنقل كل ما يصنع من تزوير إلى الداخل، فيرسخونه عن طريق التعليم في أذهان أبناء شعبهم وأمتهم جيلا بعد جيل، وتحولت معظم مؤسسات التعليم والثقافة والسياحة في الوطن العربي إلى امتدادات للخارج تمسك بعقول الناشئة لتجمدها عند الحدود المرسومة.”

الإسرائيليات

تعرّف الإسرائيليات بأنها روايات أهل الكتاب (يهود ونصارى) منسوبة إلى النبي (ص) أو أحد الصحابة والتابعين أو أحد العلماء. يبلغ عددها كما قال د. أحمد نجيب بن عبد الله صالح: “في تفسير الطبري بلغت 1132 رواية حتّى سورة الإسراء، ما يوافق شرعنا 36 رواية، وما يخالفه 222 رواية. وما سكت عنها الشرع 874 رواية. ومعظمها رويات بأسانيد ضعيفة”

خطورة الإسرائيليات تكمن في أنها أصبحت أداة لضرب الإسلام فهي تنسب كلّ شين للنبي (ص) وصحابته، لقد تركت الإسرائيليات أثرًا سيئاً على عقائد المسلمين، لأنَّها تتعارض مع العقل وفتحت الباب لينفذ منه المستعمرون والحاقدون للطعن في عقيدة التوحيد وفي الأنبياء (ع) مثال ذلك إن داود (ع) قد أعجب بزوجة أحد قادته العسكريين فأرسل داوود (ع) هذا القائد إلى الحرب ودبر له مؤامرة لقتله ليستأثر بزوجته، وأن موسى (ع) ذهب ليستحم في النهر فوضع ملابسه على حجر، فما كان من الحجر إلا أن انطلق بملابس موسى، فركض موسى وراءه عارياً؛ ليثبت الخالق تعالى لهم أنه بريء من التهمة التي نسبوها إليه من أنه مصاب بمرض (الإدرة) وهو تورم في الخصية.

أغلقت الإسرائيليات الباب أمام الباحثين والعلماء للولوج إلى عمق القرآن واستخراج كنوزه.

يذكر الكتاب أنَّه في منتصف الستينيات كلف الشيخ عبد الحليم محمود الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد أبو شهبة أستاذ علوم القرآن والحديث في جامعة الأزهر بتأليف كتاب حول الإسرائيليات في كتب التفاسير القرآنية والأحاديث النبوية‏!!‏ عام ‏1971‏ انتهي د. أبو شهبة من أول كتاب إسلامي يتعرض للروايات الإسرائيلية المدسوسة علي الإسلام منذ نحو أربعة عشر قرنا من الزمان، وجرت محاولات أخرى من علماء آخرين ولكن مع الأسف لم تستمر.

يناقش الكتاب ما نسب إلى رسول الله (ص) أنّه قال: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” فيقول: إنَّ هذه الرواية لم تُشر إلى اليهود، بل قالت حدثوا عن بني إسرائيل، واليهود شيء وبنو إسرائيل شيء آخر. ثمَّ أنَّ “حدثوا” لا تعني نقل القصص التي تتهم الأنبياء (ع) وتخالف القرآن، فالقرآن الكريم قد أوضح بجلاء أن اليهود قد حرفوا التوراة، ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) (المائدة:13)، ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) (المائدة:41) فكيف يمكن أن يرّخص خير البشرية الصادق الأمين ويناقض القرآن؟ فيقول للمسلمين حيناً أنها محرفة، ثم يطلب منهم لاحقاُ النقل من التوراة.

يناقش الحديث المروي عن أبي هريرة “كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله (ص): “لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) ” فيناقش قائلاً: أنَّه (ص) لم يجّوز النقل، بل قال “لا تصدقوهم ولا تكذبوهم”، ولم يقل انقلوا عنهم وانسبوه لي، وقول أبو هريرة “كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية”، يجعل صدقية الرواية محل تساؤل، بعد أن علمنا فيما سبق أنه لم تكن هناك لغة قديمة غير العربية السريانية أو ما أطلق عليه المستشرقون الآرامية. كما أنَّه (ص) قد حسم القضية في سؤال أهل الكتاب في رواية جابر بن عبد الله، إذ قال: “والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى (ع) كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني”.

ويرد الكتاب على الممانعين من تنقية كتب التراث من الإسرائيليات بأنَّ هذه التنقية قد تمس بالصحابة والمفسرين والعلماء السابقين، فيقول: إنَّ الحق أحق أن يتبع، وحفظ كرامة الدين لا يكون بالإصرار على إبقاء الأحاديث المشبوهة في كتب المسلمين، وإنَّما بتنقية كتبهم مما نُسب إليهم زورًا. إنّ بقاء هذه الروايات في تفاسير القرآن الكريم يلحق بالمسلمين أبلغ الأذى، فالإسرائيليات تذكر ضمناً أن لليهود علاقة بفلسطين، وأنَّه كان لهم وجود في مصر وادي النيل، وأنَّ الإسلام أخذ من روايات توراتية.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

طوفان نوح
-sadfdsafdsafasfsdfsdafdafsdaf -fdsgfdsgfdsgfdsgfdgfdgdsgfdsgfds -sfdgdfsgdfsgfdsgsdfgdfgdfsgfdsgfdsgds -fdsgfdsgfdsgfdsgbdfgb vxcgfdsgresgffdsar arsgf
221, Mount Olimpus, Rheasilvia, Mars
Solar System, Milky Way Galaxy
+1 (999) 999-99-99
عصى آدم..الحقيقة دون قناع
  • معصية آدم، نموذج لمفردة في البناء المعرفي! وحلها سيعيد لإنساننا خارطة نفسه وهويته الضائعة وهدف وجوده
  • معرفة هذه الحقيقة صدمة تعيد الوعي، نعقد بها مصالحة بين التراث والمستقبل لنعيش لحظة الحاضر بيقظة أننا على جسر التحول الإنساني، الذي بدأ في الأرض بالإنسان الهمج ليختتم بالخليفة "الإنسان الإنسان"
مسخ الصورة..سرقة وتحريف تراث الأمة
  • أخذت الحركة الصهيونية على عاتقها غرس دولة لليهود في خاصرة الأمة فزوروا التاريخ العربي ونسبوه لليهود
  • اختلقوا لغة بسرقة إحدى اللهجات القبلية العربية البائدة وأسموها اللغة العبرية
  • أقحم الدين والتاريخ للسيطرة على عقول الناس ونقلت رحلات الأنبياء من مواقعها ليأسسو لاحتلال فلسطين فساهم هذا التزوير في مسخ صورة العربي والمسلم في الثقافة الغربية
مفاتيح القرآن و العقل
  • إذا كان كلام الله واحداً ودقيقاً، كيف حصل له مائة تفسير؟
  • ماذا لو كانت أمتنا تقرأه وتترجمه معكوساً، كلبسها إسلامها مقلوباً؟
  • أصحيح هذا "المجاز" و"التقديرات"،و"النسخ" و"التأويل" و"القراءات"؟
  • هل نحن أحرار في قراءة القرآن وتدبره أم على عقولنا أقفال؟
نداء السراة..اختطاف جغرافيا الأنبياء
  • ماذا يحدث عندما تغيب حضارة عريقة
  • هل تموت الحقيقة أم تتوارى عن الأنظار لتعود .. ولو بعد حين؟
  • هل تقبل بلاد وادي النيل بعودة حضارة القبط الغريبة؟
  • هل تقبل نجد بعودة موطن آباء الخليل إبراهيم وبنيه إسحاق ويعقوب؟
الخلق الأول..كما بدأكم تعودون
  • إن البشر الأوائل خرجوا قبل مئات آلاف السنين من "قوالب" الطين كباراً بالغين تماماً كالبعث
  • جاء آدم في مرحلة متأخرة جداً من سلالة أولئك البشر اللاواعي، فتم إعادة تخليقه في الجنة الأرضية ونفخ الروح فيه
  • آدم أبو الناس ليس هو آدم الرسول الذي أعقبه بمئات القرون
الأسطورة..توثيق حضاري
  • الأساطير وقائع أحداث حصلت إما من صنع الإنسان، أو من صنع الطبيعة، أو من صنع السماء
  • لكل اسطورة قيمة ودلالة وجوهراً وتكمن فيها أسرار ومعاني بحاجة إلى إدراك وفهم
  • من الضروري العودة إلى اللغة العربية القديمة بلهجاتها المختلفة لفك رموز الأساطير التي غيب الكثير من مرادها ومغازيها
التوحيد..عقيدة الأمة منذ آدم
  • لو أنا أعدنا قراءة تراثنا بتجرد لأدركنا حقيقة اليد الربانية التي امتدت لإعداة الانسان منذ خطواته الأولى على الأرض بما خطت له من الهدى
  • التوحيد منذ أن بدأ بآدم استمر في بنيه يخبو حيناً ويزهو حيناً آخر، ولكنه لم ينطفئ
بين آدمين..آدم الإنسان وآدم الرسول
  • هل هما (آدمان) أم (آدم) واحد؟
  • من هو (آدم الانسان) الأول الذي عصى؟
  • من (آدم الرسول) الذي لا يعصي؟
  • ماهي شريعة (عشتار) وارتباطها بسقوط آدم الأول حين قارب شجرة المعصية؟
طوفان نوح..بين الحقيقة و الأوهام
  • ما قاله رجال الدين والمفسرون أعاجيب لا يقبلها المنطق ولا العقل السليم في محاولتهم لإثبات عالمية الطوفان
  • استثمر المستنفعون من اليهود هذه القضية ليبتدعوا القضية السامية ويرجعوا نسبهم إلى سام بن نوح (ع)
  • قضية طوفان نوح (ع) لا تكشف التزوير اليهودي فحسب، بل تضع يدها على موضع الداء في ثقافة هذه الأمة
طوفان نوح
-sadfdsafdsafasfsdfsdafdafsdaf -fdsgfdsgfdsgfdsgfdgfdgdsgfdsgfds -sfdgdfsgdfsgfdsgsdfgdfgdfsgfdsgfdsgds -fdsgfdsgfdsgfdsgbdfgb vxcgfdsgresgffdsar arsgf
221, Mount Olimpus, Rheasilvia, Mars
Solar System, Milky Way Galaxy
+1 (999) 999-99-99