التحرّر
من أسر فهم السالفين
التحرّر بكتاب الله منْ أسْر فهم السالفين
رضوان الله عليهم، فقد يُخالف المشتغلُ بالقرآن المفسّرين الأجلاّء مخالفةً بيّنة ولا
ضيْر مِن ذلك، وقد يتّفق معهم، فكتاب ربّنا هو إلى النّاس كافّة؛ إلينا كما كان إليهم،
علينا أن نقوم بواجبنا حياله كما قاموا أثابهم الله بواجبهم فيه وفْقَ ما بلغوا، مقرّين
مع اختلافنا معهم بفضل جهودهم، ولولاهم لما وصلنا إلى ما نحن فيه ولما تراكمت المعارف
لدينا، فأجرهم أبلغ وأجزل مِنْ أجرنا لو قُبلَتْ لنا الأعمال، فإنّهم اجتهدوا وسْعهم
وسافروا البلدان وقطعوا الفيافي لطلب العلم مع بُعد الشقّة وشظف العيش وعوز الأداة
وقلّة توفّر العلوم، والأجر يُعطى على قدر المشقّة؛ لا يُؤتى الأجر على الوصول للحقّ
بقدر ما يُجزل على ما بُذِل من أجل الوصول إليه، فلا يستريب عاقل أنّ جهود المخلصين
منهم وضناهم وبذْلهم هي أضعاف أضعاف ما يُمكن أن نبذله، ولو أولدتْنا الأقدار في زمانهم
لما وَسِعَنا أن نقوم بما قاموا به ولا بلوغ ما وصلوا إليه، فأجزل الله أجورهم ورضي
عنهم.
ومع احتفاظنا لعظيم مقامهم فعلينا أيضاً
ألاّ نُحكّم شيئاً فوق كلام الله تعالى، وأدلّة ذلك من العقْل والقرآن ومن السنّة الصحيحة
فوق أن نستقصيها هنا ونُحصيها، ونستأنس بشاهدٍ تاريخي للفائدة: (حيث استدلّ الإمام
جعفر الصادق (ع) على حرمة الخمر مع صراحة أنّه مجرّد منهيٌّ عنه في العبارة القرآنيّة،
استدلّ لا من السنّة الشريفة "بلعن شاربها وعاصرها و.."، بل من القرآن، بتسميتها "إثماً"
(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)(البقرة:219)،
والله قد حرّم الإثم، في قوله (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ)(الأعراف:33)، ودون هذا الاستدلال
يُجعل قولُ السنّة المرويّة ثُمّ آراء الشارحين فوق كتاب الله. فلسنا في غنى عن مراجعة
أصيلة لتراثنا، وإلى حركة نقديّة صارمة لكن أخلاقيّة مهذّبة مُصلِحة غير مُتطاوِلة،
إذْ النقد عمليّة تنموية تُعمّق الوعي الإنساني وتُراكم معارفه في مدارج السيْر الحضاري.
لقراءة المزيد
راجع بحث "مفاتح
القرآن والعقل"