هل عبد العرب الأولون الأولياء؟!
لقد كان للمربي والمعلّم مكانة خاصة
عند العرب، كانوا ينظرون إليه بعين القداسة، وكانت مقولتهم المشهورة: "من علمني حرفا
كنت له عبدا" تكشف عن المقام السامي الذي تبوأه المعلّم في النفوس، وذلك لما كان يضطلع
به من مسؤولية تعليم الناس العلوم المختلفة التي تنفعهم في معاشهم ومعادهم، ودعوتهم
للتحلي بالأخلاق الفاضلة، وتحرير النفس من أسر الشهوات والطواغيت، والعمل على إرساء
قواعد العدالة الاجتماعية ومساعدة الفقراء والمحتاجين والدفاع عن المظلومين حسبما تقتضيه
حالة كل مجتمع آنذاك، تلك كانت مهمة الأنبياء والرسل والصالحين المصلحين من أتباعهم
طوال التاريخ الإنساني يؤدونها انطلاقاً من شعورهم بالواجب لا يبتغون من وراء ذلك جزاء
ولا شكورا، ولهذا نالوا كل ذلك التقدير لما أنجزوه من تغيير للواقع وساهموا به في بناء
الحضارة، فلولا وجود المعلّمين لأسنت الحياة ولكان الناس مجرد قطيع وهمج يهيمون كالبهائم،
فالمعلّمون هم أعمدة الضياء التي قام عليها صرح الحضارة الإنسانية، فالحضارة خلقٌ وإبداع،
وتعطيلُ العقل هو عودة إلى البهائمية والتخلف.
وكان من شأن هذا التعظيم وهذه النظرة
القدسية للمعلّم أن يبقى أثرها ممتداً عبر التاريخ لأحقاب طويلة بعد رحيل هؤلاء المعلّمين،
وأن يعمد الناس إلى ابتكار الأساليب التي تحفظ ذكراهم حيةً في النفوس لتبقى تعاليمهم
في منطقة الشعور والممارسة، وكان منها أنْ جعلوا من صورهم مُذكِّرةً لهم بهم، فعملوا
لهم تصاوير مجسّمة وثبّتوها في الأماكن المرتفعة كنصب تذكاري، ومنها أيضاً تسمية المواقع
الجديدة التي كانوا ينتقلون إليها شرقاً وغرباً بأسمائهم لنفس الغرض، ولم يكن صنع التماثيل
محظوراً في شرائعهم، فقد كان الجن يعملون لسليمان(ع) ما يشاء من محاريب وتماثيل، قيل
إنها صور السباع والطيور الجارحة يجعلونها على كرسيه ليكون أهيب له، "وقال ابن عباس:
كانوا يعملون صور الأنبياء والعبّاد في المساجد ليُقتدى بهم"1 وقد كان في
الكعبة صور وتماثيل، منها تمثال إبراهيم وإسماعيل، ومنها صورتا العذراء والمسيح2
وقد ارتبطت هذه التماثيل والصور على الدوام بدور العبادة سواء بوضعها فيها أو بالاستفادة
من مقابر أولئك المعلّمين المصلحين وتحويلها إلى أماكن للعبادة.
وإذا ما قمنا بوضع الصورة في إطارها
الصحيح فإنّا نجد أنّ ما كان يفعله السابقون لا يخرج عمّا يفعله المؤمنون اليوم من
زيارةٍ لمساجد الأولياء والأضرحة لتقديم التحية، والصلاة والدعاء، وللتعبير عمّا يكنّونه
لهم من عظيم الولاء والتقدير والتبجيل والذي قد يحسبه الناظر إليه من خارج الدائرة
أنّه عبادةٌ لهم، وإذا كان ثمة تبرير لهؤلاء الناظرين غير المبصرين في اتهام السابقين
بعبادة الأولياء لوجود التماثيل، فلا عذر لهم اليوم في ذلك لعدم وجودها، بعد أن حرّمت
الشريعة صنعها وشدّدت عليه خصوصا في بدايتها لقرب عهدهم بالوثنية خشية استصحاب الحالة
السابقة أو حصولها في المستقبل، كما حصل في بعض مراحل التاريخ حين طغت قداسة المعلّمين
على عقيدة التوحيد فعبدوهم، في هذه المرحلة يأتي من يذكّر الناس بالتوحيد، كما جاء
نوح(ع) إلى قومه منذراً إياهم لمّا انحرفوا عن التوحيد (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (نوح:23)،
وما كانت هذه الخمسة إلا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا نصبوا إلى مجالسهم
التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم حتى هلك أولئك القوم وجاء من بعدهم قوم
آخرون فعبدوها3.
__________________________
1.الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان
ج8، ص204.
2. السيد الطباطبائي، تفسير الميزان
ج3، ص362.
3. السيد الطباطبائي، المرجع السابق
ج20، ص35.
لقراءة المزيد
راجع بحث "التوحيد..
عقيدة الأمة منذ أدم"