أيُّ إنسانٍ نصبح حين تضيق الدوائر؟

في أحد الأيام التي أصبح فيها صوتُ صفّاراتِ الإنذار جزءًا من الروتين اليومي، كانت الحياة تسير بإيقاعٍ متناقض. في الصباح خوفٌ حقيقيٌّ يهزّ النوافذ، وبعده بقليل صورةُ مولودٍ جديدٍ في العائلة، وشجرةُ فاكهةٍ تُثمر بعد انتظارٍ طويل، وفي المساء رسالةُ تهنئةٍ بزواجِ قريبةٍ. بين هذه اللحظات اجتماعُ عملٍ عن بُعدٍ، وابنةٌ تحاول التركيزَ في واجبِ الرياضيات، والكبارُ يُراقبون الأخبارَ بقلق. قالت إحداهنّ وهي تصف ذلك اليوم:  

“لا أستطيع وصف حالي… كنتُ خائفةً وغاضبةً ومتوترةً وممتنّةً في الوقت نفسه، لأنّ الحياة ما زالت تُمكّننا من الإنجاب والاحتفال والسعي، فهل من الطبيعي أن أشعر بكلّ هذا معًا؟”

تداخل المشاعر في زمن الأزمات

في أوقاتِ الحروب والأزمات، لا تسير مشاعرُنا في خطٍّ مستقيم. قد يتجاور الخوفُ مع الفرح، والغضبُ مع الامتنان، والتوتّرُ مع لحظاتٍ عاديةٍ جدًّا. نستقبل خبرًا مقلقًا، ثم نبتسم لنجاحِ ابنٍ أو لولادةِ قريب، فنرتبك: كيف أحتمل كلَّ هذه المشاعر معًا؟ تشيرُ بعضُ الدراسات في علم النفس إلى أن اختبارَ مشاعرَ متناقضةً في الوقت نفسه — وهو ما يُعرف بـ”المشاعر المختلطة” — يرتبط بمرونةٍ نفسيّةٍ أعلى وقدرةٍ أفضل على التكيّف مع الضغوط.  فالمشكلة ليست في هذا التداخل، بل في اعتقادِنا أن علينا اختيارَ شعورٍ واحدٍ فقط، وكأنّ القلب لا يحتمل التناقض. في الحقيقة، المشاعر لا تعمل بمنطق “إمّا/أو”، بل تتراكم طبقةً فوق طبقةٍ.  

ليس مطلوبًا مِنّا أن نُطفئ فرحًا مشروعًا لأنّ غيرَنا يتألّم، ولا أن نُقلّل من خوفٍ حقيقيٍّ لأنّ هناك من يعاني أكثر؛ فالمشاعر ليست مسابقةً يفوز فيها من يتألّم أو يفرح أكثر، بل هي استجابةٌ إنسانيّة. يمكننا أن نخاف من الحرب ونشعر بالامتنان لأنّ عائلتَنا بخير، ونحزن على الضحايا ونفرح بولادةِ طفلٍ جديد، ونشعر بالغضب من الظلم ونشعر بالعجز في اللحظة نفسها.  حين نقبل هذا التداخل، نتوقّف عن محاكمة أنفسنا، ونبدأ بفهمِ ما يحدث في داخلنا بدلَ مقاومتِه.  

ولعلّ في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ﴾(البقرة: 155) تذكيرًا بأنّ الخوفَ جزءٌ من التجربة الإنسانية حين تضطرب الحياة، لا خللًا فيها. المهم أن ندرك أنّ هذه المشاعر ليست ضعفًا، ولا أوامرَ ينبغي تنفيذها فورًا، إنما هي إشارات تساعدنا على فهم أنفسنا.  كثيرون يشعرون بالذنب لأنهم ضحكوا في يومٍ حزين، أو شعروا بالامتنان وسط مأساة، لكن إنكارَ مشاعرنا أو كبتَها لا يُلغيها، بل يدفعها إلى الظهور بأشكالٍ أكثر حدّة. أمّا حين نُصغي إليها، فإنها تكشف لنا ما الذي نخافُ فقدانَه، وما الذي نعتبرُه عادلًا، وما الصورةُ التي لا نريد أن نصبحَها.  في زمن الأزمات، ليس المطلوب أن نتخلّص من مشاعرنا، بل أن نتعلّم ترجمتَها ترجمةً صحيحة: ما الذي يُخبرني به هذا الشعور عنّي الآن؟ وكيف أستجيب له بطريقةٍ تحفظ سلامي الداخلي وسلامَ مَن حولي؟

حين يهتزّ وهم السيطرة

خلف هذا التداخل في المشاعر، قد يكمن سؤالٌ أعمق: هل أخاف من الحرب نفسها، أم من فكرة أن حياتي قد تتوقّف قبل أن أعيشها كما أردت؟  الأزماتُ تهزّ وَهْم السيطرة، وتذكّرنا بأنّ “الوقت المفتوح” ليس حقًّا مكتسبًا. فجأةً نرى كم من الأمور أجّلناها لأننا افترضنا أنّ الغد مضمون. في علمِ النفس يُشار إلى هذا الميل البشري بـ”وهم السيطرة” (Illusion of Control)، حيث نُبالغ في تقدير قدرتنا على التحكّم في أحداثٍ غير مؤكّدة.  وحين تهتزّ هذه القناعة، نشعر بالقلق لا فقط بسبب الحدث، بل بسبب سقوط الشعور بالأمان الذي اعتدناه.  

هنا يتفرّع الطريق: إمّا أن نغرق في الندم، أو أن نبدأ — ولو بخطوةٍ صغيرة — بما نستطيع الآن بدلَ البحث عن إنجازاتٍ بطوليةٍ. البدء يعني وضوحًا أكبر: مَن أُريد أن أكون في هذا الظرف؟ وما الذي يستحقّ أن أضع له وقتًا حقيقيًّا؟

الحفاظ على إنسانيّتنا في الأزمات

فهمُ مشاعرِنا لا يحمينا فقط من الارتباك، بل من أن نتحوّل — دون أن ننتبه — إلى نُسَخٍ أكثر قسوةً أو أكثر تبلّدًا من أنفسنا. تشيرُ بعضُ أبحاثِ السلوك الإنساني إلى أن التعرّض المطوّل للضغط قد يؤدي إلى ما يُسمّى “التبلّدَ الانفعالي”، حيث تتراجع حساسيةُ الإنسان تجاه الألم أو الظلم كآليةِ دفاعٍ نفسيّة. فالمشاعر التي لا نفهمها قد تتحوّل إلى ردودِ فعلٍ تُؤذي من حولنا أو تُغيّر صورتَنا عن ذواتنا.  من هنا يصبح الحديثُ عن الحفاظ على إنسانيّتنا ضرورةً لا شعارًا.  حين نتحدث عن إنسانيتِنا، فنحن لا نبحث عن مثاليّةٍ مستحيلة، وإنما عن بقاء تلك الأسس التي تجعلنا نتصرف بوعيٍ بدلَ الانجراف: أن نحافظ على وضوح تفكيرنا فلا ننجرف مع كلِّ إشاعة، وأن نحمي قلوبنا من التبلّد أو التوحّش، وأن نصون علاقاتِنا القريبة من انتقال التوتر غير المفهوم، وأن نتمسّك ببوصلةٍ أخلاقيةٍ واضحةٍ فلا نفقد اتجاهَنا تحت الضغط.  

ما لم يتحوّل فهمُنا لمشاعرنا وما يجري داخلَنا إلى سلوكٍ متّزن، سيظلّ فهمًا ناقصًا. وأوضحُ موضعٍ يتكشّف فيه ذلك هو في تعاملنا مع الآخر، وبالأخصّ المختلفِ عنّا، حين يشتدّ الضغط.  في لحظات الخوف، حين تضيق الدوائر سريعًا، يصبح العالم منقسمًا إلى “نحن” و”هم”، وهنا يُختبر اتّزانُنا الأخلاقي.  قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۖ وَاتَّقُوا اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة: 8). فالآية لا تُنكر وجودَ الغضب، لكنها ترفض أن يتحوّل إلى ظلم.  وكما في حديث الإمام عليٍّ عليه السلام: “الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخَلْق”، يُعيد توسيعَ الدائرة، ويذكّرنا بأنّ الاختلاف لا يُلغي الإنسانيّة.  

لكن الحفاظَ على هذا الاتّزان الأخلاقي يتحقّق بممارساتٍ يوميّةٍ صغيرةٍ؛ قد يتمثّل في منح النفسِ مسافةً من سَيْل الأخبار، عبر تنظيم وقت متابعة الأخبار بدلَ الاستغراق في التحديث المستمرّ الذي يُبقي الأعصابَ في حالة استنفارٍ، أو التمهّل قبل إعادة نشر خبرٍ مثيرٍ، أو طرحِ سؤالٍ بسيطٍ عن مصدر المعلومة.  إغلاقُ بعض التنبيهات، أو اختيارُ أوقاتٍ محدّدة للمتابعة، هو حمايةٌ لوعينا من التشويش. فحين ننظّم علاقتَنا بالمعلومة، ننظّم أيضًا علاقتَنا بانفعالاتِنا، ونمنعها من أن تتحوّل إلى مواقفَ متصلّبةٍ أو كلماتٍ جارحةٍ.  وهذه الممارسات الصغيرة، وإن بدت بسيطةً، هي ما يُرسّخ في داخلنا اتّزانًا أعمق مع الوقت. فالأزمات لا تُغيّرنا دفعةً واحدة، لكنها تكشف لنا كيف نستجيبُ لها، وما إذا كنا نسمحُ لها بإعادة تشكيلنا على صورتها، أم نختارُ أن نتشكّل بوعيٍ أكبر.

بداية وعيٍ جديد

حين نحافظ على وضوحِ التفكير، ونحمي قلوبَنا من التبلّد، ونصون علاقاتِنا، ونتمسّك بقيمِنا رغم الضغوط، فإننا نُهيّئ الأرضيّة لتحوّلٍ أعمقَ يسمّيه علمُ النفس “النموَّ بعد الصدمة” (Post-Traumatic Growth).  فقد أظهرت أبحاثُ ريتشارد تيديتشي ولورنس كالهون أن بعض الأفراد يخرجون من التجارب القاسية بزيادةٍ في التعاطف، ووضوحٍ في الأولويّات، وإحساسٍ أعمق بمعنى الحياة.  

ففي الحروب مثلًا، نجد أنَّ شخصًا عاشَ خوفَ صفّارات الإنذار يصبح أكثرَ فهمًا لارتباكِ طفلٍ أو قلقِ صديق، بدل أن يسخر منه. ومن اختبَر هشاشةَ الأمان يصبح أكثرَ تفهّمًا لمن ينهار أو يتوتّر. ومن ذاقَ الشعورَ بالعجز يصبح أكثرَ لُطفًا مع ضَعف الآخرين… فذلك الاتّساع لا يُولد فجأة، إنما يبدأ من لحظاتِ الوعي الصغيرةِ التي نختار فيها كيف نستجيب، لا ماذا نشعر.  

الابتلاء قد يكون جماعيًّا في سياقه، لكنه فرديٌّ في تفاصيله.  لكلّ إنسانٍ طاقته ووُسعه، كما يُذكّرنا قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾(البقرة: 286). هذه الآية لا تُعفينا من المسؤولية، لكنها تُعيدنا إلى واقعِنا وطاقاتِنا. فنحن وإن كنّا لا نستطيع اختيارَ الظروف التي نعيشها، نستطيع أن نختار أن نحوّل تعاطفَنا مع ألمِ الآخرين إلى وعيٍ أرحم، وأفعالٍ أصدق.  

ففي ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه الصفّاراتُ مع التهاني، لم تكن المسألة كيف نُسكت الخوفَ أو نُخفي الفرح، إنما كيف نحمل كلَّ ذلك بوعيٍ.  فالقلبُ الذي يتّسع لمشاعره المتداخلة هو نفسه القادر على أن يحفظ إنسانيّتَه.  وحين نقبل تعقيدَ ما نشعر به، نُصبح أقلَّ ميلًا إلى القسوة، وأقدرَ على أن نختارَ العدلَ بدلَ الانفعال، والوعيَ بدلَ التبلّد.  

قد لا نختار زمنَ الأزمة، لكنّنا نختار — كلَّ يومٍ — كيف نتشكّل بداخلها، وهذا يفتح الأفقَ على سؤالٍ مهمٍّ يتجاوز ما أشعر به إلى سؤال: ماذا أفعل بما أشعر؟ وأيُّ إنسانٍ أُصبح حين تضيق الدوائرُ ويشتدّ الضغط؟

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *