في المدن الحديثة يكاد الزمن يتبخر في الهواء، فالشوارع مزدحمة والسيارات تتلاحق كأنها تتسابق على آخر أنفاس الضوء، والوجوه المتعبة تندفع للحاق بالمواعيد، تحمل فناجين القهوة بيدٍ والهواتف باليد الأخرى، وقلوبها معلّقة بنقطة بعيدة لا تعرفها، فالكلّ مستعجل والكلّ يركض والكلّ يظن أن الوصول هو الخلاص، غير أن السؤال الذي لا أحد يريد أن يطرحه هو: إلى أين؟
حين تسأل أحدهم عن وجهته يسرد سلسلةً من المهام المؤجلة التي يريد إنجازها حتى يقول في النهاية: “ثم أرتاح”، ولكن الراحة ستظل مطلوبا لا يأتي أبداً لأنها مؤجلة إلى محطةٍ لا نصلها، فنحن نعيش في دائرةٍ مغلقة من الركض نعيد إنتاج التعب نفسه بأسماءٍ مختلفة ونظن أننا نتحرك بينما نحن ندور في المكان ذاته.
العجلة التي تحكم إيقاع حياتنا ليست عادةً اجتماعية فحسب، إنما عرضٌ نفسيّ لقلقٍ وجوديّ يسكن الإنسان المعاصر، إذ يسميه علم النفس الحديث قلق الإنجاز المستمر، وهي حالة يشعر فيها الفرد بأن قيمته تُقاس بما ينجزه لا بما يعيشه، فالسرعة ليست دوماً بحثاً عن التقدّم إنما هروبٌ من الصمت الذي يُجبرنا على مواجهة ذواتنا، فنملأ أيامنا بالمهام كي لا نصغي إلى ضجيج الأسئلة في داخلنا، ونركض من مهمةٍ إلى أخرى كمن يهرب من مرآةٍ يخشى النظر فيها، وقد صرنا كائناتٍ تخاف الفراغ لأن الفراغ يفضح هشاشتنا، فنغطي خوفنا بالكدّ والشغل وأحيانا بالترفيه ونقيس قيمتنا بالإنجاز لا بالوعي.
ولعل أخطر ما تصنعه السرعة أنها تسلبنا عمق اللحظة الراهنة، فنحن لا نحيا الآن لأن عقولنا مشغولة بما بعد الآن، نفكر في الخطوة التالية وفي الغد الذي لم يأتِ بعد، فنفقد القدرة على ملامسة اللحظة التي بين أيدينا، وهكذا تتحول كل لحظةٍ إلى ممرٍ للتي تليها وكل تجربةٍ إلى جسرٍ نعبره دون أن نقف عليه، فنعيش على حافة الزمن لا في قلبه وكأننا في سباقٍ نحو النهاية.
وقد لخّص صاحب كتاب الإشارات الإلهية هذا المعنى فقال: “لا ترحل من كون الى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحَل من الأكوان الى المكون“.
فالإنسان يدور في دوامة الإنجاز كما تدور الرحى في مكانها، يبدّل المشروعات والعلاقات لكنه لا يبرح الدائرة ذاتها لأنه لم يخرج بعد من عالم المظاهر إلى الغاية التي تمثل جوهر وجودنا، فالعجلة التي نعيشها ليست حركةً إلى الأمام إنما دورانٌ في المكان ما لم تصحبها يقظةٌ روحية داخلية تعيدنا إلى المكوّن (الله) الذي منه ابتدأنا، وتؤكد دراسات اليقظة الذهنية (Mindfulness) أن الانغماس في التفكير بالمستقبل يقلل من الرضا ويزيد القلق لأن الدماغ يظل في حالة “تأهب دائم” فيعيش الإنسان كأنه يطارد ظلّ اللحظة التالية.
وفي هذا السياق تتجلى كلمات الله تعالى ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا۩﴾ الإنسان 29، فالآية لا تتحدث عن وصول لنجاحات أو إنجازات دنيوية وإنما عن السبيل (ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا)، أي الطريق الذي نسلكه بإرادتنا، وفي المنظور القرآني الطريق هو ميدان الوعي حيث يُختبر صدق الإرادة ونقاء البصيرة، فالله لا يسألنا كم أنجزنا، وإنما كيف سرنا، لأن السبيل هو مساحة التكوين الداخلي التي تتشكل فيها سريرة الإنسان وظاهره في لحظات سيره، وما لحظة الوصول إلى نقطة تتويج لمسار طويل، ولذلك فالقيمة ليست في النهاية إنما في الوعي بالذات والوجود وغايات الوجود الكبرى الذي نحمله وننميه ونحن نقطع الطريق.
غير أن المجتمع الحديث أعاد تعريف الطريق والغاية معاً، فتحوّل الزمن إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى وصار التأني وصمة وتهمةً تُلصق بمن لا يواكب لُهاث السوق، فنحن نعيش في حضارةٍ لا تنتظر أحداً وتقيس قيمة الإنسان بعدد ما ينجزه في أقل وقتٍ ممكن، وحتى الراحة أُفرغت من معناها وصارت وسيلةً لزيادة الإنتاج، وفي هذا العالم الجاف أعيد تعريف الإنسان “كمورد بشري” قابلاً للتوظيف والاستهلاك متجاهلين كينونته الروحية التي تبحث عن اكتمالها، فتسارع إيقاع حياتنا بالتكنولوجيا بينما انكمش زمن التأمل الداخلي، فصرنا نعيش أسرع مما نستوعب ونستهلك أكثر مما نحسّ، ونمرّ على الأيام كما يمرّ الضوء على الزجاج دون أن يترك أثراً. هذه الحالة يصفها علماء النفس بـتسارع الزمن الإدراكي، حيث يشعر الإنسان بأن الوقت يمرّ أسرع مما كان نتيجة التكرار الآلي وغياب التجارب الجديدة التي تثبّت الذاكرة، فيبدو العمر أقصر لأن وعينا واحساسنا بالزمن يتناقص.
وهذا التسارع يولّد قلقًا وجوديًا متواصلاً يتمثل في الخوف من الفوات والرغبة في اللحاق بما لا يُلحق، فنعيش في سباقٍ بلا خط نهاية يستهلكنا من الداخل ونحن نظنه طريق النجاح، وتفقد النفس التي لا تعرف الانتظار ذائقتها للحياة لأنها لا تمنح نفسها فرصة أن تلمس الجوهر الكامن في التفاصيل الصغيرة، إننا نركض لنثبت أننا موجودون دون إيلاء أهمية لوعي مغزى وجودنا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ نبحث عن الحياة ونحن نقتلها في طريقنا إليها، ويشير علم النفس الوجودي إلى أن هذا القلق ليس مرضاً بل رسالة تدعونا إلى إعادة تعريف الغاية، أي إلى أن نعيش بتأنٍ كافٍ لنفهم ما نفعله ولماذا نفعله.
لقد فقدنا علاقتنا بالزمن الإنساني، فلم تعد هناك فواصل بين الليل والنهار، ولا بين سكون التأمل وضجيج العمل، إذ أصبح كل وقتٍ وقت عمل وكل سكونٍ يُدان بحجة الإنتاجية، فتحوّل الزمن من وعاءٍ للخبرة إلى مادةٍ للقياس والإحصاء وفقد وجهه الروحي الذي كان يمنحنا إحساسا بالانتماء لما هي أسمى والامتداد فيما هو أبعد من وجودنا القصير في هذه الحياة، ففي الماضي كان الصباح وعداً والمساء تأملاً، أما اليوم فقد أصبح الصباح والليل سواء لأن كليهما محكوم بمنطق السرعة، وفي هذا العالم لم يعد الإنسان سيد وقته إنما صار الوقت سيده، فانقلبت المعادلة فلم نعد نستخدم الزمن إنما الزمن هو من يستخدمنا ويستهلكنا.
ومع ذلك لا تزال في داخلنا تلك الحاجة القديمة للتوقف والسكون وإلى التأنّي والإصغاء، فالمسير الحقيقي لا يُقاس بمدى سرعته وإنما بقدرته على إعادة تكويننا، والإنجاز الحقيقي لا يحدث عند الوصول بل أثناء الرحلة، فكل عثرةٍ أو تأخرٍ على الطريق ليست عائقاً إنما مساحة تعلمٍ جديدة تذكّرنا أن القيمة في التحول لا في العبور السريع، وأن التأنّي لا يعني التراجع إنما هو فرصة لنرى ما كنا نعبره دون انتباه، وتؤكد أبحاث علم النفس الإيجابي أن ممارسة التأمل الواعي — كالمشي المتأني أو الإصغاء العميق — تخفّض مستويات التوتر وتزيد الإحساس بالرضا لأن الإنسان يستعيد من خلالها سيطرته على زمنه الداخلي.
فلنجرّب أن نتمهّل ولو قليلاً، فنسمع وقع خطواتنا ونتذوق قهوتنا ونصمت دون خوفٍ من الفراغ، فالسكون ليس خواءً وإنّما امتلاءٌ خفيّ يعيدنا إلى أنفسنا، ومن يتأنّى يدرك أن الزمن لم يكن عدواً إذ هو مرآةٌ تكشف مَن نحن. إن القيمة لا تكمن في السرعة وإنما في الوعي الذي يجعل اللحظة جديرة بأن تُعاش، فهذا يحوّل الطريق من سباقٍ إلى رحلةٍ تُنضجنا.
الحياة لا تُقاس بما نصل إليه لأن جوهرها في قدرتنا على أن نحيا ونحن نسير، وإن التأني في زمن العجلة ليس ترفاً بل مقاومةٌ هادئةٌ لاستعادة إنسانيتنا واختيارٌ بسيطٌ لأن نعيش لا أن نُستهلك.
استجابات
جميل احسنت استاذه