إنسانٌ يُؤنَسُ به

حين نلتقي إنسانًا للمرّة الأولى، هل تكون المحبّة هي الشعور الذي يسبق نظرتنا إليه، أم سلسلةٌ من الأسئلة التي تتسلّل إلى وعينا دون أن نشعر؟ هل هو من ديني؟ من مذهبي؟ هل يشبهني في عبادته وسلوكه؟ ماذا عن أفكاره وقناعاته؟ كأنّنا نبحث عن مبرّرٍ لنحبّ، وعن إذنٍ نمنحه لقلوبنا كي يقترب! ومع مرور الوقت، تتحوّل هذه الأسئلة إلى جدارٍ غير مرئيٍّ يفصل بين القلوب، حتى تغدو المحبّة مشروطةً بالتطابق، منغلقةً على إنسانيّةٍ ضيّقةٍ بعد أن كانت منطلقةً من إنسانيّةٍ جامعة. إنّنا نعيش في زمنٍ صار فيه الانتماء مقدَّمًا على الإنسان، والاختلاف سببًا للريبة قبل أن يكون بابًا للتعارف.

ومع ذلك، يبقى في داخل كلّ واحدٍ منّا حنينٌ إلى محبّةٍ أوسع من حدود المذهب والهوية، محبّةٍ تعيدنا إلى أصلنا الأوّل: أن نحبّ الإنسان لأنّه إنسان، لا لأنّه يشبهنا، فلقد خلقنا الله مختلفين لنتعارف لا لنصنف وفق هوياتنا الدينية أو العرقية، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، فالتعارف هو الأصل في الخلق، والمحبّة هي الثمرة التي تنبت حين يُفهم هذا الأصل على وجهه الصحيح. ومن هنا، يصبح سؤال المحبّة في الإسلام سؤالًا عن جوهر علاقتنا بالإنسان قبل أن يكون عن اختلافنا في العقيدة، وعن مدى قدرتنا على استعادة ذلك الأنس الإنساني الذي كان يومًا مقياسًا للإيمان ذاته، فكما جاء في الحديث النبوي الشريف: «وهل الدين إلا الحب؟» و «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»، ففيهما تأكيدٌ أن حبَّ الله وحبَّ عيال الله هو جوهرُ الإيمان وشرطُه.

كيف هي المحبّة في جوهر الرسالة؟

حين نفتح المصحف لنقرأه بعيونٍ متأمّلة، نرى أن المحبّة هي النغمة الخفية التي تسري في بنية الوحي. يقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90]، وفي هذا الجمع بين الرحمة والودّ تتجلّى العلاقة الأصلية بين الخالق وخلقه: علاقة قربٍ وطمأنينة. الرحمة في النصّ القرآني مبدأٌ ينساب في الوجود، والودّ هو أثرها الإنساني حين يتحوّل الشعور الإلهي بالرعاية إلى قدرةٍ بشريةٍ على العطاء. من هذا المنبع تتفرّع كلّ علاقةٍ في الحياة، لأنّ الإنسان لا يكتمل وعيه إلا حين يرى في الآخر انعكاسًا لرحمة الله فيه. فهل لنا أن نتخيّل عالمًا خاليًا من إنسانٍ آخر، سواء أكان يشبهنا أم لا؟ وكيف سيكون حالُنا لو أنّ كلَّ واحدٍ منّا يكنّ المحبّة للآخر لكونه إنسانًا، وخُلقنا لنأنسَ ببعض؟

تتجلّى هذه الحقيقة في أبهى صورها في السيرة النبوية، إذ كان النبي ﷺ يمشي بين الناس بقلبٍ مفتوح، يراهم بعين الرحمة قبل أن ينظر إلى أفعالهم. حين صافح الصغير، أو أكرم المرأة، أو وقف لجنازة غير مسلم، كان يعلّمنا أن المحبّة نظامُ حياةٍ يُعيد للإنسان توازنه مع نفسه ومع الآخرين. وفي كلماته القصيرة تتجلّى التربية بأكملها: «أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس»، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». هذه الأحاديث ترسم ملامح إنسانٍ متوازنٍ يعيش في انسجامٍ مع الناس والكون، إنسانٍ يعرف أن الإيمان لا يكتمل ما لم يتّسع القلب للآخر.

كما نجد المحبّة في التراث الإسلامي وفي فكر عددٍ من أعلام المسلمين، من أمثال الإمام موسى الصدر، فنجد تأكيدًا على أن المحبّة ليست ترفًا أخلاقيًا بل قوّةً بنيويةً في الاجتماع الإسلامي، إذ يقول في كتاب الكلمات القصار للسيد موسى الصدر: «يجب أن يكون سلوكنا منطلقًا من الوعي والمحبّة، فيؤتي الثّمار الجيّدة في الحياة ونكون قد أدّينا الدّور الذي يرضاه الله». فالتعامل مع الآخرين بالمحبّة يقتضي التعامل بالرحمة والتعاطف، مشفوعًا بنبذ الصراع والرغبة في الخير والسلام. وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: «ما آمن بالله واليوم الآخر من بات مسرورًا وجاره حزين، من بات صحيحًا وجاره مريض، من بات تحت سقفٍ وجاره بلا سقفٍ». فمجتمعٌ متشرّبٌ بهذه الثقافة ويطبّقها حتمًا سيكون أفراده مستأنسين ببعض.

المحبّة في هذا السياق تُعدّ من المقاصد الكبرى للشريعة التي تهدف إلى حفظ النفس والكرامة الإنسانية وعمارة الأرض. وحين تغيب المحبّة، تتعطّل هذه المقاصد، لأنّها البنية التي تجعل العدالة ممكنة وتمنحها معناها الإنساني.

من مجتمع المدينة المنوّرة الى يومنا هذا

فلننظر ما الذي حدث منذ تأسيس مجتمع المدينة الإسلامي إلى يومنا هذا. في المدينة المنوّرة بُني المجتمع الأول على الأخوّة والمعرفة المتبادلة. كانت وثيقة المدينة مشروعًا لبناء وعيٍ جديدٍ بالآخر، حيث يكون التعارف سبيلًا إلى التفاهم، والتعاون لغة الحياة اليومية. في تلك التجربة تشكّلت ملامح الإنسان المؤنس، من يفتح بابه قبل أن يُسأل، ويشارك دون أن يُدعى، ويشعر أنّ للآخرين عليه حقًّا في المحبّة والرعاية. فقد نصّت وثيقة المدينة التي تعاقدت عليها مكونات المجتمع على أنّه «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». كما جاء فيها «أنّ المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمةٌ واحدةٌ من دون الناس». فكانت المؤاخاةُ بين المهاجرين والأنصار، وما تبعها من بنودِ الوثيقة، كفيلتين بتجسيدِ المحبّةِ كجوهرٍ أصيلٍ في الدين، ومعيارٍ للتعاملِ مع المختلفِ والآخر.

لقد كان ذلك المجتمع الناشئ في المدينة نموذجًا فريدًا في تحويل القيم إلى واقعٍ معاش؛ إذ أصبحت الأخوّة ممارسةً يوميةً تُقاس بها صدقية الإيمان. ومع مرور الزمن تبدّل الإيقاع، وتقدّمت الهُويّات على الإنسان، واشتدّ حضور الشكل على حساب الجوهر. تراجعت التربية القلبية وغلبت لغة التلقين على لغة الرفق، فنشأت أجيالٌ تعرف الدين معرفةً ذهنيةً دقيقة، لكنها تفتقد حرارة التجربة الوجدانية؛ فكم من مسلمٍ يحفظ آيات الرحمة ولا يختبر معناها في سلوكه، وكم من شابٍّ يتقن أحكام الطهارة ولم يتعلّم بعدُ تطهير القلب من القسوة! غابت عن خطابنا الديني نغمة الودّ الصادق، وحلّ محلّها الجدل والتصنيف الباعث على خلق المسافات. وفي ظلّ هذا التحوّل أصبحت العلاقة مع الله محكومةً بالخوف أكثر مما هي مشبعة بالحبّ، والعلاقة بالناس مؤطّرةً بالشكّ أكثر مما هي ممتلئة بالثقة. ومع الوقت، صار الإنسان يشعر بالوحدة حتى في الزحام، لأنّ العلاقات فقدت معناها العميق، وتحوّلت إلى تبادلٍ للمصالح لا للمشاعر.

كما تشير دراساتٌ في علم النفس الاجتماعي — منها دراسةٌ أُجريت في جامعة هارفارد عام 2017 حول تطوّر ونموّ البالغين — إلى أنّ جودة العلاقات الإنسانية القائمة على التعاطف والثقة هي العامل الأهم في سعادة الإنسان وصحّته النفسية، متقدّمةً على الثروة أو المكانة.

هل يمكننا استعادة المحبّة كمنهجٍ تربويٍّ ونفسيٍّ واجتماعيّ؟

إنّ استعادة المحبّة في وعينا الجمعي تبدأ من إعادة بناء التربية على أساسٍ وجدانيٍّ رحيم، يُنمّي في الطفل والمراهق والبالغ القدرة على التعاطف والإصغاء والإصلاح قبل الحكم والردّ والإدانة. فالمحبّة مهارةٌ تُكتسب كما تُكتسب القراءة والكتابة، تحتاج إلى تدريبٍ وصبرٍ وبيئةٍ تسمح للإنسان بأن يكون صادقًا دون خوفٍ من الرفض أو التقييم.

ولعلّنا نرى ملامح هذا الوعي في بعض المدارس الغربية والعربية التي بدأت تُدرّب طلابها على “التعلّم العاطفي والاجتماعي” (SEL)، حيث يتعلّم الأطفال التعبير عن مشاعرهم، وكتابة رسائل امتنانٍ لزملائهم ومعلميهم، وتنظيم “حلقاتٍ حواريةٍ” يُصغي فيها كلّ واحدٍ للآخر دون مقاطعة. هذه الأنشطة البسيطة تُعيد إلى المدرسة دفءَ العلاقات، وتُعلّم الصغار أن الاحترام لا يُفرض بالقوانين بل يُبنى بالمحبّة. حين نربّي أبناءنا على هذا النوع من الوعي، نمنحهم مناعةً ضد القسوة، ونفتح أمامهم طريقًا نحو إنسانيةٍ أكثر اتزانًا.

المحبّة أيضًا علاجٌ نفسيٌّ واجتماعيّ، فهي تعيد للإنسان ثقته بالعالم، وتمنحه القدرة على التوازن بين الذات والآخر. في البيئات التي تُدار بالمحبّة، تقلّ مشاعر القلق والعزلة، ويزداد الإحساس بالانتماء. والمجتمع الذي يتعلّم كيف يحبّ هو مجتمعٌ يعرف كيف يختلف دون أن يتنافر، وكيف يتنافس دون أن يتناحر.

ولكي تتحوّل هذه القيم إلى واقعٍ ملموس، يمكن أن تُدرج المحبّة ضمن المناهج التربوية والبرامج التدريبية بوصفها “مهارة حياة”. يمكن للمدارس أن تُخصّص حصصًا أسبوعيةً للتربية العاطفية، يتعلّم فيها الطلاب كيف يعبّرون عن مشاعرهم، ويستمعون إلى الآخرين، ويشاركون في مبادرات خدمةٍ مجتمعيةٍ تُنمّي فيهم روح العطاء؛ كما يمكن للمؤسسات أن تتبنّى مبادراتٍ مثل “يوم الأنس الإنساني” لتعزيز ثقافة الودّ في المدارس وفي بيئات العمل، فالمحبّة حين تُمارس تتحوّل إلى ثقافةٍ جماعيةٍ تُعيد للإنسان ثقته بالإنسان.

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب عالميةٍ ملهمة، مثل مؤسسة “لمسات الإحسان العفوية” (Random Acts of Kindness Foundation)، وهي مؤسسةٌ غير ربحيةٍ تهدف إلى جعل الإحسان قاعدةً في الحياة اليومية، من خلال إلهام الأفراد وتعزيز روح المبادرة عبر أدواتٍ ووسائل مجانيةٍ تركّز على المدارس وبيئات العمل والمنزل. فمثل هذه المبادرات، إذا ما أُعيد توطينها في بيئتنا العربية بروحها التربوية والإنسانية، يمكن أن تخلق ثقافةً جديدةً تُعيد إلى مجتمعاتنا حرارة التعاطف وبهجة العطاء.

ربما لا يحتاج العالم اليوم إلى مزيدٍ من المواعظ، بل إلى مزيدٍ من القلوب التي تعرف كيف تُحبّ. فالإيمان بلا محبّة يتحوّل إلى يقينٍ جافّ، والمعرفة بلا رحمةٍ تصبح وسيلةً للسيطرة لا وسيلةً للفهم. كلّ ما نبحث عنه من خلاصٍ وسكينةٍ يبدأ من هذه النقطة البسيطة: أن نحبّ الله فنعرفه، وأن نحبّ الناس فنرى الله فيهم. وعندما نُعيد للمحبّة مكانها في التربية والخطاب والوعي، سنكتشف أنّنا نحن من ابتعدنا عن روح الإسلام. فالمحبّة ممارسةٌ يوميةٌ تُبنى بها الأوطان وتُشفى بها النفوس، والإنسان الذي يُؤنس به ليس استثناءً في هذا العالم، بل هو النموذج الذي يمكن أن يبدأ منه الإصلاح الحقيقي: إنسانٌ صادقٌ مع نفسه، رحيمٌ بضعف غيره، يترك في القلوب أثرًا يشبه الضوء الهادئ بعد عاصفةٍ طويلة. ففي لقائك الإنساني القادم، هل ستُثير في نفسك مواطنَ الاختلاف وربما الكراهية تجاه الآخر، أم ستستدعي مواطنَ الرحمة والمحبّة؟!

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *