الإيمان بين الخوف والمحبة

من طقسٍ معتاد إلى حضورٍ حيّ

الإيمان: لقاءٌ حي أم طقسٌ مكرر؟

يحدث أحيانًا أن يجد المرء نفسه يكرّر إيمانه بدل أن يعيشه. يقف للصلاة مطمئنًا بالعادة وليس بالحضور. كأن صوته يصل إلى الجدار أكثر مما يصل إلى السماء. ومع أنه لا يزال مؤمنًا، يشعر أن شيئًا من المعنى غاب. الإيمان لم يمت، بل ينتظر أن يُستعاد بروحه الأولى: روح القرب والمحبة، لا الخوف.

منذ البداية، لم يكن الدين جدارًا يقيّد الإنسان، ولكنه كان نافذة يرى منها الإنسان ذاته والله في آنٍ واحد. كانت العقيدة وعدًا بالأمان الداخلي، طمأنينةً تولد من الثقة في الله، لا من الخوف والوجل منه. ومع طول الزمن أصبح الخطاب الديني في السياقات التربوية والدعوية أقرب إلى دائرة من الإجابات الجاهزة، وصار الإيمان في بعض الأحيان يُقاس بما نحفظ ونكرر أكثر مما يُقاس بما نحيا ونشعر.

هل يخاف اليقين من السؤال؟

القرآن يدعونا إلى الإصغاء بوصفه فعل وعيٍ وتجاوب وطريق للهداية. قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]؛ لكننا – وللأسف – كثيرًا ما نغلق الباب أمام السؤال خوفًا من أن يهدّد ما نعرفه من طمأنينة؛ وهكذا يفقد الإيمان حرارته عندما يتحوّل من حوارٍ صادق إلى طقسٍ مكرَّر وواجب فقط.

الخوف من السؤال، حين يتحول إلى منعٍ دائم للتفكر، قد يطفئ نور الإيمان الأول؛ لأن المشكلة ليست في السؤال نفسه، وإنما في الخوف منه. كل يقينٍ حيٍّ وُلد من رحم التساؤل. والأنبياء (عليهم السلام) أنفسهم لم يلغوا الأسئلة، ولكن وجّهوها نحو الحقيقة وسألوا أقوامهم قبل أن يقدموا الجواب. السؤال شرارة تُوقظ العقل، غير أن الإنسان حين يخاف أن يخطئ أكثر مما يرغب أن يفهم، يغلق على نفسه الباب الذي يدخل منه الضوء. فالخوف يُطفئ تلك الشرارة ويترك المؤمن يكرّر إيمانه بملامحٍ باهتة.

الطمأنينة الزائفة: حماية الصورة وفقدان الجوهر

قد يرى بعض المؤمنين أن هذا الخوف فضيلة، وأن كبح الأسئلة نوعٌ من الورع يحمي القلب ويحمي الإيمان من فتنة الشكّ، وأن فتح الباب للأسئلة بلا قيود قد يقود إلى الانحراف أو الاضطراب، وأن الأمان في الصمت خير من الضياع في البحث.

وهذا اعتراض مفهوم ومشروع؛ لأن الرغبة في حماية الإيمان فطرةٌ صادقة. لكن التجربة تُظهر أن الخوف لا يصون الإيمان بقدر ما يجمّده ويحمي صورته. فالإيمان الذي يُمنع عنه الهواء يفقد حياته رويدًا رويدًا، مثل نارٍ تُغطّى بالرماد ظنًّا أن هذه الحماية ستمنعها من الانطفاء. إنّه لا يحافظ على النار بل يطفئها تحت رماد الطمأنينة الزائفة.

وربما لم يأتِ هذا الميل إلى التخويف من سوء نية، بل من تصوّر تربوي يرى أن ضبط السلوك أولى من إنضاج الفهم؛ فالخوف أداة سريعة التأثير، تُحدث انضباطًا ظاهرًا حتى وإن لم تُنشئ اقتناعًا داخليًا. كما أن النفس البشرية تستجيب للتهديد أسرع من استجابتها للحب. فيبدو التخويف وسيلة ناجحة في المدى القريب، لكنه قد يترك فراغًا في المدى البعيد. وحين يتحول الدين إلى أداة ضبط أكثر من كونه دعوة معنى، يختل التوازن بين الطاعة والحضور.

إن المحبة هي ما يمنح الإيمان حيويته، بينما المنع وحده قد يجمّده؛ لأن المحبّ حين يسأل لا يشكّ بل يقترب. هذه المحبة تجعل من السؤال فعل يقينٍ ومحاولة فهم وليس من باب التمرد والشك. لذلك قال الغزالي في أزمته الشهيرة: “من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والجهالة”. فالسؤال الصادق عبادة، لأنه يقود إلى يقينٍ حيّ لا هشّ.  

عبادةٌ تؤدى أم لقاءٌ يُعاش؟

في أحد المقاهي، حدّثني رجلٌ مسنّ قائلاً: “كنتُ حين أصلي وأنا شاب أشعر أنني أتكلم مع الله، أناجيه، ولست أؤدي فرضًا؛ ولكن مع السنين صارت الصلاة عادةً آلية، أصلي فقط لأتأكد أني لم أتأخر، وأخاف أن أنساها أكثر مما أشتاق إليها”. كلمات هذا المسن المحترم تختصر لنا ما يحدث حين يتحوّل الإيمان من محبةٍ إلى خوف، ومن لقاءٍ إلى عادة. إنها ليست خسارة العقيدة، ولكنها خسارة حرارة اللقاء.

وفي مدرسةٍ ريفية، وبّخ معلّمٌ طفلًا دخل الصف وثيابه مبللة بالطين، ظنه مهملًا؛ لكنه حين علم أنه سار عدة كيلومترات تحت المطر ليصل إلى الدرس، بكى وقال: “كنت أرى الخطأ، لا الإنسان”. هذه الحكاية الصغيرة ترسم مشهدًا واسعًا لحالنا اليوم مع الإيمان، وتختصر ما حدث لنا؛ فقد صرنا نرى الانضباط قبل الرحمة، غافلين أو متغافلين أن الرحمة هي قلب الدين وجوهر الإيمان، وننسى أن النبي ﷺ قال: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

الإيمان الموروث… والإيمان الذي نكتشفه

تشير بعض الدراسات الاجتماعية إلى تحوّلٍ من الإيمان الحي إلى الممارسة الشكلية، وتؤكّد هذا التعطش إلى المعنى. فمثلاً، تشير تقارير حديثة إلى تزايد بحث الشباب عن فهم شخصي للدين يتجاوز القوالب الموروثة، كما أظهرت دراسة عربية أن نسبة معتبرة من الشباب يؤدون الشعائر دون أن يشعروا بطمأنينتها. ليست أزمة عقيدة، وإنما عطش إلى تجربةٍ حية.

لذلك يروى عن المفكر الجزائري مالك بن نبي في سياق حديثه عن تجربته: “تديني لم يبدأ حين تعلمت الصلاة، بل حين شعرت بأنها حوار، لا تكرار”. كما أكد الدكتور مصطفى محمود المعنى نفسه في كتابه (رحلتي من الشك إلى الإيمان) حين قال: “كنت أقرأ لأفهم الله، فإذا بي أتعلم أن أراه في نفسي وفي الناس”. فكلاهما عرف أن الإيمان يعيش بالسؤال المتفتح وليس بالخوف المغلق.

العطش إلى المعنى في زمن الإجابات الجاهزة

الإيمان الحيّ لا يخاصم ولا يخاف من السؤال، وإنما يخاف غيابه؛ لأن روح الإنسان تذبل حين تُطفئ فضولها بحثًا عن طمأنينةٍ مصطنعة؛ وتفقد الدهشة التي جعلتها تؤمن أول مرة. أما حين يُختزل الدين في خطابٍ يركّز على الخوف وحده، فيتحول إلى درعٍ للقلق بدل أن يكون دواءه. فالدين ذاته لا يزرع الخوف، بل بعض الخطابات. وقد رأى عالم النفس فيكتور فرانكل في كتابه (Man’s Search for Meaning)، أن الإنسان لا يحتاج إلى مزيد من الراحة بقدر حاجته إلى معنى يعيش من أجله.

وفي زمنٍ يكثر فيه الضجيج وتتنافس المنابر والمواعظ المكررة، وتُقاس قيمة الإيمان بعدد المتابعين، يغيب الصمت الذي تُزهر فيه المعرفة. ويفقد الدين شيئًا من عمقه الأصيل. فالله لا يُختزل في الصور ولا يُقاس بمنطق الأرقام وحده؛ لكنه يسكن تلك الومضة التي تمرّ في قلب إنسان حين يختار الرحمة بدل القسوة، واللطف بدل الإدانة.

استعادة الدهشة الأولى

الإيمان يشبه الشجرة: لا يعيش بالجمود، ويعرف كيف ينحني أمام الريح والعواصف، لكنه لا يكسر جذره، وإنما يعود أكثر رسوخًا. كذلك إحياء الإيمان اليوم لا يكون بالمزيد من الأوامر، وإنما بإعادة وصله بالإنسان. أن نتذكّر أن الله لم يخلقنا لنتوجّس منه، الله خلقنا لنعرفه بالحبّ والثقة. فمن يسلك هذا الطريق يصبح أكثر طمأنينة، لأن المعرفة التي تولد من المحبة لا تهدم الإيمان ولكنها تُنعشه وتقويه.

الله الذي أمرنا بالتفكر أراد إيمانًا واعيًا؛ فالطقوس التي لا تبعث سكينة ليست إلا صدى بلا روح. حين نثق بدل أن نخاف، نرى أن الله لم يبتعد عنا يومًا، ولكن نحن الذين ابتعدنا عن الدهشة الأولى.

والإيمان الذي يعيدنا إلى أنفسنا هو الذي يسمح لنا بأن نسأل دون وجل، ونحبّ دون شرط، ونكتشف أن أقصر طريقٍ إلى الله يبدأ بسؤالٍ صادقٍ لا نخاف أن نطرحه.

وربما لا تكمن أزمة الإيمان في كثرة الأسئلة، بل في الطريقة التي نستقبلها بها. فالإيمان الذي يخشى الضوء يظلّ قلقًا من كل نافذة تُفتح، أما الإيمان الذي يعرف جذوره، فلا يخاف الريح. ليس المطلوب أن نلغي الخوف، ولا أن نُقدّس الشك، بل أن نعيد ترتيب المسافة بينهما؛ فلا يكون الخوف قيدًا على الفهم، ولا يكون السؤال تمردًا على المعنى.

فهل نبحث عن إيمانٍ يحمينا من القلق، أم عن إيمانٍ يمنحنا القدرة على مواجهته؟

لعل الطريق إلى الله لا يبدأ بالصمت، بل بجرأة السؤال، ولا ينتهي بالخوف، بل يستقر في الثقة التي تُعيد إلى القلب دهشته الأولى.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *