التحرر من الجمود والحرفية بالمقاصد

قيل في مقاصد الشريعة أنها “توفر منهجًا لفهم النصوص بما يتجاوز ظاهر الألفاظ إلى الغايات الكامنة وراءها“، والغايات الكامنة وراء الأحكام عديدة، ومن أهمها العدالة، والكرامة، والمصلحة، وغير ذلك.

منذ وفاة الرسول ﷺ إلى مقتل الإمام الحسين عليه السلام، شهدت تلك السنوات مواقف مختلفة لأئمتنا الأوائل عليهم السلام. فقد رأى الإمام علي أن سلامة أمور المسلمين في مبايعته أبا بكر، بينما امتنع الإمام الحسن عن مبايعة معاوية، لكنه رأى أن مصلحة الأمة تفرض عليه الصلح معه، وبعد أن قضى معاوية وخلفه يزيد، رأى الإمام الحسين أن إصلاح أمة جده تكمن في المعارضة وعدم القبول به خليفةً للمسلمين، الأمر الذي وافقه فيه قامات وازنة من رجالات المسلمين في وقته، وقد رأى أنه لا بيعة تحت سيوف القهر، حتى لو أدى ذلك إلى شهادته عليه السلام. هذه ثلاثة مواقف مختلفة أمام قضية واحدة وهي ولاية أمر المسلمين.

لم تتفق مواقف أئمتنا عليهم السلام من أبي بكر ومعاوية ويزيد، لا على مبايعتهم، ولا على مصالحتهم، ولا على مواجهتهم، بل كان لكلٍ منهم موقفه الخاص في سياقه الزمني والمكاني، فهل نسوغ لأنفسنا ما سوغه الشيعة آنذاك لأنفسهم؟ فقد راح الشيعة بعد شهادة الإمام الحسين يتساءلون: من هو المحق؟ الحسن الذي صالح، أم الحسين الذي قاتل؟ فإن كان الموقف الشرعي هو المواجهة، فقد أصاب الحسين وأخطأ الحسن، وإن كان الصواب هو الصلح، فقد أصاب الحسن وأخطأ الحسين.

هذه هي الحرفية القاتلة التي نحشر أنفسنا عادة في زاويتها حشرًا، فلا نجد متسعًا لنميل يمينًا ولا شمالًا، فنضطر حينها لاختيار أحد الخيارين المتنافرين، وبالتالي فإن النتيجة هي تخطئة أحد الإمامين. فما هو منشأ هذا الخطأ القاتل؟

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. هذا نهي عن هذا النوع من مشاكلنا مع دين الله تعالى؛ حينما نقلص من سعة الإسلام ونقدمه على ضيق أفقنا، وحينما نلغي صوابه ونقدم عليه تقديراتنا الخاطئة، فلا نرى في الإسلام سعة ما دمنا لا نعيش هذه السعة، لا نظريًا ولا عمليًا، فكأننا نحن الموجّه والمرجع للدين، وليس العكس.

لو استقرأنا حالات جمود الأحكام الشرعية، وهي كثيرة ودائرتها واسعة، لرأينا أن سبب الكثير منها تضييقنا لدائرة التيسير والسعة في الدين. فالتساهل في التشريع المحرم قرآنياً لا يعني أن نتحول إلى الطرف النقيض فنلغي يسر الدين وسعته ومراعاته لمصالح الحياة، سواء في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو أي ناحية من نواحي الحياة.

إن ضيق الأفق والعسر هما من دفع أولئك الذين عاصروا أئمتنا الأوائل لحصر الصواب في موقف واحد، بينما رأى أئمتنا أن المصلحة تتسع لتعدد المواقف. وفي هذه الحالة، لو وحّد الأئمة عليهم السلام مواقفهم، لكان ذلك مخالفًا لمصلحة المسلمين. من أجل ذلك بايع الإمام علي الخليفة الأول، وصالح الإمام الحسن معاوية ولم يبايعه، واتخذ الإمام الحسين (ع) قراره برفض استخدام القهر على مبايعة يزيد وتحرك طلبا للإصلاح.

حين ننظر إلى هذه المواقف الثلاثة في ضوء مقاصد الشريعة، نجد أنها لا تتناقض، بل تعبر عن تنوع في الوسائل لتحقيق أهداف واحدة: حفظ الدين، وحماية الأمة، وتكريس القيم. نرى الإمام علي سعى إلى حفظ وحدة الأمة، والإمام الحسن إلى تجنب فتنة عظيمة، والإمام الحسين إلى إعادة الأمة إلى مسارها الرسالي.

إن محاولة تقييم المواقف المختلفة للأئمة على أساس معيار واحد، كما فعل بعض الشيعة بعد كربلاء بالتساؤل من المحق؟ الحسن أم الحسين؟ هو اختزال مخل لطبيعة الشريعة، فمواقفهم لم تكن اجتهادات شخصية بل تعبير عن تكليف متغير بحسب الظرف تجمعها وحدة في المقصد وصدق في الغاية. 

إن من سمات الدين الحي أن يكون قادرًا على الاستجابة لتحديات الواقع دون أن يفقد جوهره، وقد جسّد الأئمة هذا الدين الحي، فكانت مواقفهم استجابة واعية للمتغيرات، دون تفريط في المبادئ. وأما الجمود الذي يصيب بعض قراءاتنا للقرآن وللدين وللتكليف اليوم، فهو نتيجة إسقاط مفاهيمنا الضيقة على تاريخ ناصع اتسع لرحابه للمقاصد والغايات.

خروج الإمام الحسين عليه السلام طلبا للإصلاح ليس حراكا منبتّا عن سيرة من سبقه من الأئمة، بل يمثل تتويجًا لتجربة نضجت فيها الرؤية الرسالية وبرز فيها مفهوم التضحية في سبيل إحياء مقاصد الدين (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، إن كان دين محمد لا يستقيم…)، ومتى ما قرأناها بهذا البعد الروحي والوعي المقاصدي، ابتعدنا عن الحرفية العقيمة واقتربنا من روح الدين وجوهر المشروع الحسيني الذي أعاد تعريف الدين كرسالة حياة.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *