التعليم السلطوي وموت السؤال: لماذا فشلنا تربويًا؟

كان يمكن للعالم أن يبدأ من جديد، لو أنَّ الطفل لم يُسكت في تلك اللحظة.

رفع يده الصغيرة وسأل: لماذا؟

لكن الصفّ كان صامتًا، والمعلّم عبس، فالعرفُ أقوى من البراءة.

وبهذا الأسلوب تم وأد السؤال، فانطفأت معه الروح التي كانت تُغذّي جسد الحضارة.

منذ تلك اللحظة، صرنا نحفظ أكثر مما نفهم، ونكرّر أكثر مما نجرّب.

وكم مرةٍ دُفن سؤال فينا باسم الاحترام، وباسم النظام، وباسم الأدب، حتى لم نعد نعرف ماذا يعني أن نتعجّب ونتساءل؟

ما مات السؤال إلا حين اعتقدنا أنّنا نملك الجواب الأخير وأنَّ الحفظ والتكرار يضمن الخلاص.

التعليم السلطوي: تحويل المعرفة إلى أداة طاعة:

التعليم السلطوي هو ذلك النمط الذي يُقصي الحرية الفكرية ويجعل من المعلّم مركز الحقيقة المطلقة، ومن الطالب متلقيًا خاضعًا. في هذا النمط يصبح الصمت فضيلة، والسؤال وقاحة، والخطأ عيبًا، تختزل المعرفة في حفظ المقررات، ويتحوّل الصف من مساحة للنمو إلى منظومة ضبط هدفها إنتاج الطاعة واهمال الفهم. هكذا تُربّى الأجيال على معرفة القواعد دون امتلاك القدرة على إعادة النظر فيها، وعلى تكرار الإجابات، وتجاهل توليد الأسئلة.

يُظهر مؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي (2020) أنَّ الطفل العربي عند بلوغه سن الثامنة عشرة، لا يحقق سوى 56٪ من إمكاناته التعليمية الممكنة أي نصف ما يمكن أن يبلغه في نظامٍ يُحفّزه على التفكير الحرّ والانفتاح.[1]

السبب الجوهري ليس في ضعف المناهج وحدها، وإنما في هيمنة أنماطٍ تقليدية من التلقين، وغياب الحرية الأكاديمية، وانعدام مهارات النقد والتساؤل داخل العملية التعليمية نفسها. إنّ التجديد التربوي الحقيقي يكمن في تغيير الفلسفة التي تحكم العلاقة بين المعلّم والمتعلّم، وفي تسليم جميع الأطراف بأنّ التعليم الحيّ يبدأ فقط حين يتحوّل الصف إلى فضاء حوار، وحين يُسمح للسؤال أن يعيش.

لن ننهض تربويًا ما لم نحرّر “المعلّم والطالب” من الخوف: خوف المعلم من فقد سلطته وكلمته العليا، وخوف الطالب من الخطأ وعواقبه، فما نحتاجه هو تعليمٌ يُعيد للدرس دفئه الإنساني التربوي المؤسّس على الحب والتسامح، ويحوّل الخطأ إلى فرصةٍ للتعلّم ومساحة للاكتشاف والإبداع. تعليمٌ يرى في المعرفة طريقًا للحياة، متجاوزا كونه وسيلة للامتحان، ويجعل من السؤال بداية الرحلة في مشوار الحياة الطويل.

الفشل التربوي كمأزق إنساني قبل أن يكون مؤسسيًا:

إنَّ التصوّر الذي نحمله عن المتعلّم هو في غاية الأهمية، فمهما طوّرنا الوسائل ستظل النتائج هشّة، إذا بقي المتعلّم في نظرنا “موضوعًا للتشكيل” متناسين أنه ذاتٌ قادرة على الخلق والنقد والاعتراض والإبداع. وتنعكس هذه الرؤية في تفاصيل الحياة الصفّية اليومية:

معلم يشرح أربعين دقيقة كاملة دون أن يسأل طالبًا عن رأيه أو فهمه، مكتفيًا بالسؤال التقليدي: «واضح؟». وكتاب دراسي لا يقدّم إلا الأسئلة المغلقة: صح أو خطأ، اختر، أكمل… بينما تكاد تغيب مساحات السؤال المفتوح أو ربط المعرفة بالحياة. وحتى حين يطرح طالب سؤالًا خارج المقرر، يُوبّخ بأنه “يضيّع الوقت”، وإن قدّم آخر فكرة مبتكرة قيل له: «هذا ليس في الكتاب». وفي المقابل، يحصل الطالب الحافظ على أعلى الدرجات، بينما يُوصف من يطرح الأسئلة العميقة بأنه «معقّد» أو «يثير الجدل». هكذا نصنع جيلًا يجيد الامتثال لكنه يفتقر إلى المبادرة والمحاورة وإبداء الرأي.

وأزمة المعرفة امتدت إلى القيم أيضًا، فنحن ندرّس الصدق والاحترام كتعريفات محفوظة ونرفع الشعارات في حصص الأنشطة، لكننا ننسى أنَّ القيم حياة تُعاش. يروي طه حسين في «الأيام» كيف كان يسمع الوعّاظ في الأزهر يكرّرون المواعظ، لكنَّه لم يشعر بحقيقتها إلا حين شاهد صدق الناس البسطاء في حياتهم.

وفي المقابل، لا تخصّص المدارس الفنلندية حصصًا مستقلة للقيم؛ فالقيم موزّعة في كل نشاط يومي: في طريقة النقاش، وفي إدارة الصف، وفي إتاحة الاختيار، وفي احترام صوت الطالب، وهكذا يصبح التعليم ذاته ممارسة أخلاقية، وسلوكا يوميا.

إنَّ تغيير أدوات التعليم أمر مهم، لكن الأهم هو تغيير نظرتنا إلى المتعلّم، أن نراه ذاتًا تسأل وتشارك وتختار، عندها فقط يبدأ التعليم في إنتاج إنسان جديد، لا مجرد حافظ للمقرر وحامل للمعلومات.

موت السؤال هو أخطر ما يصيب التعليم:

إنَّ موت السؤال هو أخطر ما يمكن أن يصيب التعليم، لأنَّه يعني غياب الفضول، واندثار التفكير النقدي، وانطفاء شغف البحث الحرّ، وحين يُستبعَد السؤال، يفقد الدرس روحه، ويتحوّل التعلم إلى تكرارٍ آليٍّ لا يضيف وعيًا ولا يفتح أفقًا.

لن تنهض أمة بمناهج جديدة ما لم تنهض أولًا بعلاقةٍ جديدة مع السؤال، فالنهضة ليست في عدد الكتب أو تقنيات التعلّم، وإنما في كيفية التعامل معها، وكل إصلاحٍ شكلي سيبقى بلا أثر، ما دام يُكرّس العلاقة القديمة بين المعلّم المتحدث والطالب الصامت.

يناقش أدونيس في الثابت والمتحوّل مأزق الفكر العربي الذي يكمن في إعادة تدوير النص القديم، بينما يتسم بالعجز عن إعادة اكتشاف المعنى، لأننا فقدنا القدرة على طرح السؤال الحرّ، وهذا بالضبط ما يعيق أي نهضة، أن نفقد الجرأة على أن نسأل.[2]

فالسؤال في جوهره ليس تمرّدًا على المعلّم، إنه تعبيرٌ عن حياة العقل، وحين يصبح السؤال قيمة تربوية لا خطأً يجب تبريره، نكون قد بدأنا التعليم الحقيقي.

إنّ “لماذا؟” و”كيف؟” و”ماذا لو؟” علامات على اليقظة؛ فالعقل الذي يسأل هو عقل يتحرّك، والسؤال الذي لا يبحث عن إجابة سريعة، بل عن فهمٍ أعمق، هو بذرة التفكير ذاته.

ولأن الفضول يُزهر بالفعل لا بالحديث عنه، يمكن للمعلم أن يجعل الصفّ فضاءً تُولد فيه الأسئلة عبر ممارسات يومية بسيطة، مثلا يمكن أن يبدأ الدرس بسؤالٍ مفتوح:

مثلا: ماذا سيحدث لو اختفت الجاذبية ليومٍ واحد؟

لماذا اندلعت الحروب عبر التاريخ؟

ما الذي يجعل قصيدة ما حيّةً بعد قرون؟

فالسؤال الكبير يفتح باب التعجب والدهشة قبل أن يُقدّم المعلومة.

كرسي السؤال: في نهاية كل درس، يُخصَّص مقعد للطالب الذي يطرح أي سؤالٍ يخطر بباله ـ مهما كان بسيطًا أو غريبًا ـ ليصبح السؤال لحظةً يوميةً من حرية التفكير، لا استثناءً نادرًا.

قلب الأدوار: في جزء من الدرس، يُسمَح للطلاب بتوجيه الأسئلة إلى المعلّم، ويتحوّل الصف إلى ورشة تفكيرٍ جماعي يناقش فيها الجميع السؤال بعيونٍ مختلفة وبهذه الطريقة يتحوّل المتعلّم من “متلقٍّ صامت” إلى منتج ومشارك ومتفاعل مع الدرس.

من موت السؤال إلى ولادته من جديد

لقد بدأنا الحكاية بمشهد ذلك الطفل الصغير الذي رفع يده وسأل، فقيل له «اصمت».

واليوم، فإنّ ما نشهده من تعثّرٍ تربوي يفرض علينا الجزم بأنّ الحلّ لن يكون بتغيير الكتب، وإنما ببعث العقل من سباته، وتعليم الجيل كيف يسأل وكيف يُفكّر وكيف ينتقد.

ولعل بداية الطريق أن نتعلم كيف نصغي إلى أسئلة أطفالنا قبل أن نطلب منهم الإجابات.

فلننهض إذًا بعلاقة جديدة مع السؤال؛ علاقة ترى في الجواب عتبة عبور إلى أفق أعلى، وفي كل معرفةٍ بدايةً لرحلة تعلّمٍ لا تنتهي.

وحين يتعلّم جيلٌ بأكمله أن يحبّ سؤاله كما يحبّ الحياة نفسها، سيكتشف أنَّ التعليم لم يكن يومًا فصلًا دراسيًا فحسب، وإنّما هو طريق إلى أن نُعيد لأنفسنا معنى الإبداع والابتكار وتوّقد الحافز الداخلي للتعلّم والثورة الفكرية.


[1] البنك الدولي. (2020). مؤشر رأس المال البشري 2020: تشكيل مستقبل رأس المال البشري في عالم متغير.

World Bank. The Human Capital Index 2020 Update: Human Capital in the Time of COVID‑19. Washington, DC: World Bank, 2020.

‏(‎DOI: 10.1596/978‑1‑4648‑1640‑3‎)

[2] كيف يتحول «النصّ» إلى مرجعية تكرّس الثابت وتمنع الانفتاح؛ النصُّ إذًا لا يبقى مادةً حيّةً تُستدعى للفعل، بل يصبح «ثابتًا» يقمع السؤال ويحوّل القارئ إلى تابعٍ لا مفكّر.

الأصول من الثابت والمتحوّل (الجزء 1)

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *