يروى أن جحا ذهب يوما الى السوق ليشتري حمارا وهو يحمل ما يكفي من المال فمر على رجل وأخبره نيته فطلب منه الرجل أن يسأل الله التوفيق أولا ولكنه تفاجأ من ردة فعل جحا بأنه لا يحتاج لذلك، فالمال حاضر والسوق قريب، ولكن حدث ما لم يحسب له حساب، فقد تعرض لسرقة ماله قبل أن يصل للسوق!
وفي مشهد آخر، أذكر بأنني طلبت التوفيق – لأحد أبنائي – في امتحان يهم بتقديمه فانصدمت من جوابه المقتضب في كلمة واحدة بأنه ببساطة “لا يحتاجه” ويكفيه استعداده الجيد وذكائه وجهده، فأثار ذلك في نفسي مجموعة لا تتوقف من التساؤلات العميقة عن ماهية التوفيق وحقيقة حاجتنا له، أسئلة من مثل:
– ما هو التوفيق؟
– أليس التوفيق هو النجاح أم ثمة فرق بينهما وما هو؟
– هل التوفيق بالضرورة يعني النجاح والفوز والتيسير دائما، أم أن له أشكالا وصور أخرى قد يأتي عليها؟
– ماذا عن من لم يعرف أو يؤمن بالتوفيق، فهل يحرم منه؟
وغيرها من التساؤلات التي تتداعى تباعا، كلما أجبنا على سؤال انصرف الذهن وفتحت نافذة الى غيره
التوفيق… تلك الكلمة التي نرددها على ألسنتنا كثيرًا ولكننا قد لا نعي حقيقتها وكيف تعمل فينا وتأثر علينا وغالبا ما تلتبس علينا فنخلط بينها وبين مفاهيم أخرى كالنجاح والإنجاز بل قد يرجعها البعض للحظ أحيانا.
التوفيق حالة خفية لا تُرى، بل تُحَسّ في أعماق النفس حين تتسق خطى قلب الإنسان مع تدبير وحكمة الغيب. فليس التوفيق حظًا عابرًا، ولا نجاحًا حسابيًّا ناتجًا عن تخطيطٍ بارع أو عقلٍ حاذق ومنظّم، إنّما هو تناغم بين نية الإنسان وما خُطّ له في سرّ السماء، وهو لحظةٌ تمتد فيها يد الرحمة الإلهية – كما هي دائما – لتُعين من يجتهد، فيثمر الكدّ نورًا وبركة، لا مجرد نتيجة.
وقد لخّص القرآن هذا المعنى العميق على لسان نبيّ الله شُعيب عليه السلام حين قال:
(وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (هود: 88
إنه تصريح بأن كل نجاحٍ، إن لم يكن مسنودًا بنورٍ من الله، يبقى ناقصًا في جوهره مهما أُتقن في ظاهرُه، فالتوفيق لا يتحقق إلا حين يلتقي الجهد البشري بالتسديد الإلهي.
كثيرون يبلغون درجاتٍ من النجاح قد تُدهش الأعين، ولكنهم رغم ذلك يشعرون في الداخل بجفافٍ لا يعرفون مصدره، وما ذلك إلا لأن النجاح يتولّد من الأسباب، أما التوفيق فيُولَد من الصدق، في أن تزرع فيُبارك الله زرعك، وأن تمضي فتجد الطريق يُمهَّد لك مهما كان وعَرا، وأن تصل إلى ما كنت ترجوه بطريقةٍ لا تخطر على بالك وفي وقتٍ لم تخطط له ولم يكن في حسابك. هنا بالضبط وفي هذه الحالة يتجلّى التوفيق كإشارةٍ وعلامة تعكس نيتك الصادقة ومسعاك الطاهر.
وقد عبّر النبي ﷺ عن هذا المعنى في دعائه المشهور: ) اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وهو سؤال بالعون وطلب التوفيق في النية والعمل، كما قال أيضًا: ) يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك) والثبات والتسديد هنا هما لبُّ التوفيق.
التوفيق لا يأتي بالضرورة على هيئة فتحٍ وتيسير في الأمور ونجاح في المسعى المراد وأن نحصل على ما نريد، ولكنه أحيانا قد يأتي على النقيض من ذلك تماما، فقد يأتي على هيئة قفلٍ أو منع يُنقذك من السيرٍ في طريقٍ خاطئ، فالأبواب المؤصدة والطرق المغلقة ليست دائمًا خيبات وفشل ونهاية مطاف، فقد تكون أحيانًا هي منتهى الرفق والرحمة. تصور فقط بأن الله سبحانه جل شأنه، يحميك مما يغيِّبه عنك، فنحظى بالمنع المناسب في الوقت المناسب، وهو في الحقيقة نعمة وعطاءٌ من الله مستتر يرتّب لك ما هو أوفى وأصفى.
هذا المعنى هو ما أدركه العارفون، فقال أحدهم: ( إنما يُفتح لك الباب إذا صدقت في الطَّرق، أما مفتاحه فبيد الله)
وقال آخر: ( من ظنّ أن الوصول بجهده فقد جهل الطريق، ومن ترك السعي اتكالًا فقد أغلق الباب)
وقال الشافعي (ت 204هـ):
إذا لم يكن عونٌ من اللهِ للفتى فأوّلُ ما يجني عليه اجتهادُه
وهو بيت من أشهر ما قيل في التوفيق صراحة، فهو يأسس لقاعدة أن الجهد بلا توفيق قد ينقلب على صاحبه، وأن العون الإلهي هو أصل الجدوى.
إذن فالعارفون يعلمون أن التوفيق يقوم على توازنٍ دقيق بين السعي البشري والتسليم الإلهي، فيبذل الإنسان كل ما يملك ويقوى عليه، ثم يضع جهده بطمأنينةٍ في يد من لا تضيع عنده المقاصد وهو الله سبحانه، وهو لا يتحقق بالدعاء وحده، وإنما يحتاج الى صدق وصفاء، فهو أثرٌ ينزل في القلوب المستقيمة التي تحب الخير وتقصده بصدق. فمن يطلب التوفيق عن وعيٍ وشوق، يجد أثره مضاعفًا، لأن الطلب الصادق يفتح مساحةً في الروح تستقبل النور والفيض الإلهي حين يمر. ومع ذلك، فالله لا يُحرم أحد من رحمته، فكم من إنسانٍ معرضٍ عنه في الظاهر، ومع ذلك تظله ألطاف الله الخفية، لأن نيته كانت نقية خيره وإن لم يعرف كيف يعبّر عنها.
أما حين يغيب التوفيق، فليس ذلك بعقوبة أكثر مما هو تنبيه للإنسان، حتى لا يكرر نفس الخطأ، ويدور في ذات الدائرة، ويرى بأنه يبذل الجهد ولكنه لا يُثمر! كل ذلك ليس رفضًا، وإنما دعوة للعودة إلى الصدق الأول، فغياب التوفيق يذكّر الإنسان أن بفقدان الانسجام مع الذات، وأنه بحاجة لإعادة النظر في النية وضبط بوصلته واتجاه حياته، فالنية منوطة بالإنسان، فإذا انتبه وعاد إلى صفاء القلب، عاد إليه التوفيق، فالله لا يمنع عن الصادقين يد العون، مهما ابتعدوا.
قد يسأل سائل هل عدم الإيمان بالتوفيق أو عدم طلبه من الأساس يمنع بالضرورة أن يدرك الإنسان رحمة الله؟
والإجابة هي قطعا لا، فالعطاء الإلهي لا يُقاس بمقدار الوعي به أو النطق باسمه، فرحمة الله شاملة وواسعة وتُفيض حيث تشاء. لكن، حين يغيب الإيمان بالتوفيق ويستقر في القلب اعتقاد الاكتفاء بالذات، يصبح الإنسان كمن يُغلق نوافذ بيته في وجه الضوء، فلا يأتيه النهار إلا منعكسًا من بعيد. فالله لا يحجب نعمة التوفيق عن عبدٍ لأنه لم يطلبه أو يسأله لفظًا، أما من لم يطلبه أو لم يتوجه إليه قلبه معنًى فذلك أمر مختلف. الإعراض الداخلي عن الحاجة لتسديد الله وتوفيقه هو الذي يحجب، لا الجهل باسم التوفيق. فمن ظنّ أنه مكتفٍ بذاته، أغلق على نفسه باب العون، ومن تواضع وسلّم بأن حوله محدود، انفتحت له الأبواب بغير طلب.
فالله – من رحمته ولطفه ومحبته لعباده – لا يمنح التوفيق كمكافأة، ولا يمنعه كعقوبة، فهو سبحانه يُجريه حيث يكون في القلب استعداد لتلقّي النور. وحين يظن الإنسان أنه استغنى، تكون تلك لحظة الافتقار الخفي التي تُعيده إلى ربه عن طريق التجربة والتعب، فالتوفيق علاقة بين “اللين أمام الله” و”الوعي بالذات”، فمن أقرّ بحاجته، كان قريبًا من المدد والفيض الإلهي، وأما من أغلق قلبه عن معنى الاعتماد، فقد اعتمد على نفسه وحدها وتعثر تحت ثقلها.
ولذلك يجسّد الحديث القدسي التالي معنى التوفيق بأبلغ بيان: ) وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به)، فبهذا التوفيق تُساق الأفعال والنوايا بلُطفٍ خفيّ حتى تصير كل حركات الإنسان منسجمة مع الخير الذي يُريده الله له.
ومن عاش لحظات ذلك اللطف، يعلم أنّ التوفيق حضورٌ إلهي في التفاصيل الصغيرة: في لحظة انفتاحٍ لباب لم تتوقعه، أو في انصرافٍ عن طريقٍ كاد يُرهق أو يردي، أو في لقاءٍ يُغيّرنا للأفضل دون سبب ظاهر نعرفه‘ فمن ذاق طعم التوفيق يعلم أن كمال الحياة لا يكون بما نخططه فحسب، بل بما يُضيف الله سبحانه إلينا حين نُخلص في النية ونسير بثقةٍ لا تعرف إلى اليأس والقنوط طريقًا.
التوفيق إذا هو أن تشعر بأنك لم تكن وحدك أبدًا، وأن كل خطوةٍ صعبةٍ كانت تمهيدًا لك، وأن كل تعثرٍ كان تلويحا وتوجيها نحو الطريق الأصدق، وهو البركة الربانية الخفية خلف مشهد كل سعي وحراك بشري.
استجابات