الحسين.. نحو منهج إصلاحي سلمي

في عالم يفرض علينا اختيارات قاسية بين إما معنا أو ضدنا!! يأتي نهج الإمام الحسين (ع) ليُظهر لنا طريقًا ثالثًا هو الإصلاح “إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ” نهج يجمع بين القوة الأخلاقية من جهة والحكمة والمرونة من جهة أخرى. هذا النهج يكشف لنا كيف يمكن تحويل نهج الحسين إلى نموذج تاريخي عملي لإدارة تحدياتنا المعاصرة. وعليه نبدأ بالسؤال: هل خرج الحسين ثائرا بالسيف أم مصلحا بالكلمة؟ 

“إنما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي” كلمات منتقاة بعناية حدد فيها الإمام نهجه الذي اقتصر (إنما) على الإصلاح فقط، في أمة جده. وهو تعبير ليس شحنا عاطفياً قيل في لحظة انفعال، بل خطاب سياسي اجتماعي ديني مُحكم يحمل رسائل للناس في ذلك الزمان، ويذكّرهم بأنّ النهج الذي خرج من أجله هو ذاته نهج جده رسول الله (ص) وهو الإصلاح في الناس.. أي إعادة لتأصيل الشرعية الأصلية للإسلام، وهكذا جاءت جميع أقواله لتؤكد هذا النهج منذ ساعة خروجه، وحتى محنته في كربلاء أثناء المواجهة، كلمات إصلاحية داعمة وموضّحة لغايته، تحمل الوعظ والتنبيه والتذكير، بدليل دعوته أعداءه بأن يكونوا أحراراً في دنياهم، وهم الذين وقفوا بكل صلافة طالبين قتله؟!

كان خروج الإمام الحسين (ع) حركة إصلاحية متكاملة، ابتدأت بالكلمة والموقف، من خلال إصراره على ممارسة حقّه السلمي في رفض البيعة، واعتماده أسلوب البيان بالحجة، كما تجلّى في رسائله التي يوضح فيها موقفه، وقراره الواعي بالهجرة وتجنّب الصدام. وقد اتسمت حركته بسلسلة من المواعظ والكلمات الصادقة في مختلف محطاتها، ثم ما أبداه من مستوى رفيع في الصبر والثبات، رغم تعرّضه المتكرر للخذلان وغياب الناصر.

وبرغم أن حركته انتهت بمأساة تراجيدية دامية، إلا أنها حقّقت تحولًا جذريًا في وعي الأمة، ورسّخت مبدأ المقاومة الأخلاقية السلمية وتكريس حرية التعبير عن الرأي في وجه الانحراف السياسي.

ونتساءل.. لماذا اصطحب الحسين النساء والأطفال إلى ساحة المعركة؟ خرج الحسين كمُعارض سياسي، انتقل من المكان المُحرم فيه حرية الكلمة إلى الأرض التي تسمح له بذلك ويحصل فيها على مؤيدين له في مسيرة الإصلاح. ومن الطبيعي وكما نرى اليوم منّ يطلب اللجوء السياسي من بلد لا يشعر فيها بالآمن على نفسه وأهله، وليس لديه المساحة الحرة للتعبير عن رأيه، يهاجر ويأخذ أهله معه. وهذا بالضبط ما فعله الإمام. 

لقد بيّن الإمام الحسين(ع) غايته من خروجه وهو الإصلاح بالكلمة والموقف، ولم يسع أبدا لإشعال حرب أو قيادة ثورة دموية. ومنذ لحظة خروجه وحتى استشهاده، تعكس كلماته المتتالية نهج السلم والنصح والحوار، وطلبه الواضح بأن يُترك وشأنه ليواصل طريقه دون صدام. لقد كان خروجه هجـرة من الظلم وموقفًا معارضًا واعيًا، وما صحبة الأهل إلا دليل على نيّته السلمية.  إلا أن السلطة حالت دون وصوله إلى مأمن، فحاصرته ومنعت عنه الماء، ثم انقضّت عليه وحوّلت تلك الهجرة والاحتجاج السلمي إلى حرب غير متكافئة الأطراف اضطر فيها الحسين هو ومن معه للدفاع عن نفسه وعِرضه، ودين جده، والنهج الإصلاحي. والتي انتهت بمجزرة وغلبة النظام الذي انتهك كل القيم الأخلاقية التي أسس لها الرسول (ص) ومما دعا لها كتاب الله.

كربلاء تعلّمنا.. أن نهج الإصلاح هو ما ترشدنا له الآية الكريمة ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..﴾ أي علينا أن نكون مصلحين في دوائرنا الخاصة بتقديم الكلمة الحسنة والنصح والحوار للأبناء والزملاء والمسؤولين والمخالفين..الخ. وكذلك رفض انتهاك الحقوق مثل التمييز والفساد بكل أنواعه. والموازنة بين الحكمة ومرونة في الأسلوب حين محاورة المختلف. والتحلي بالصبر والشجاعة في الثبات على المبدأ وعدم الانعطاف إلى المغريات أو الانشغال بالملهيات التي تحرف الإنسان عن غاياته. وضرورة عدم اليأس عند الفشل المؤقت، لأن تأثير الإصلاح قد يتأخر لكنه حتماً سيظهر. والعمل على تحويل التضحيات إلى مشاريع إصلاحية عملية. 

وختاماً.. قبل 1400 عام، قدم الحسين (ع) درسًا للإنسانية: أن الإصلاح الحقيقي ليس مسارًا واحدًا، بل منهجاً يجمع بين الإيجابية والحكمة، بين المبادرة والصبر. وفي عالمنا المعقد اليوم، يمكننا أن نستلهم من هذا النهج طريقة لمواجهة التحديات دون أن نفقد إنسانيتنا أو مبادئنا. وإذا نجحنا سنكون قد حوّلنا كربلاء من ذكرى دامية إلى منهج حياة.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *