الدهشة للبيع

تفاجئنا شركات الأزياء الكبرى بين الحين والآخر بتقليعات جديدة، قد نتقبل بعضها ونرى بعضها الآخر بعيدًا عن ذوقنا أو ثقافتنا.

رغم أن الاختلاف في الأذواق مساحة طبيعية في حياة الناس، إلا إنه تعدّى الاختلاف ليصبح تحولا في المعنى، فصرنا نرى أساور تشبه مفركة القدور، حقائب يد تحاكي أكياس البقالة، وأخرى تبدو كأدوات مطبخ أو معدات سباكة وكلها تُعرض بأسعار فلكية.

فيأتي السؤال المهم: هل هذا جميل حقا؟ أم هناك قيمة مفقودة؟ 

الأمر لم يعد مجرد جرأة فنية، لكنه انعكاس لتحوّل أعمق؛ حيث أصبح لفت الانتباه غاية بحد ذاته، وأصبحت الصدمة وسيلة للتفرّد، ولو كان الثمن تجريد الأشياء من معناها.

في زمن “اقتصاد التريند”، كل ما هو غريب يُباع، وكل ما يثير الجدل يُسوَّق، وكل ما يُصدم يُعاد إنتاجه، فلم نعد نسأل لماذا تنتج دور الأزياء تلك الأشياء بل لماذا هناك من يشتريها؟ 

ربما يتجاوز الأمر مجرد التميز أو الفراغ، ليكشف عن قلقٍ أعمق يسكن الإنسان المعاصر؛ الخوف من أن يكون عاديًا في عالم مزدحم بالصور وتتشابه فيه الوجوه والأنماط، فيصبح التفرد حاجة نفسية ملحّة، لمحاولة إثبات الوجود.  

وهنا تتحول القطعة الغريبة إلى وسيلة إعلان صامتة تقول: “أنا مختلف… إذن أنا موجود”!

المفارقة أن الأدوات التي تُحوَّلت إلى زينة استعراضية كأدوات النجارة والسباكة والطبخ، هي في أصلها أدوات كسب شريف، ووسائل إعالة وبناء أسر، وعلامات على العمل والإنتاج، وقيمتها الحقيقية فيما تصنعه من حياة كريمة.

وعندما تحوّلت هذه الأدوات إلى “إكسسوارات صادمة”، فقدت معناها ودخلت في عالم الرموز الفارغة بلا هدف ولا رسالة.

الموضة والأزياء كانت دائمًا مساحة للتعبير والتجديد، ولكن المشكلة حين يُستبدل الجوهر بالمظهر، ويصبح كل شيء مادة للعرض والجدل.

المشكلة ليست في الحقيبة التي تشبه الطنجرة، إنما حين يتحول كل شيء إلى عرض، ولا يُترك شيئا للجوهر. 

في نهاية المطاف قد نقف أمام واجهة متجر لامعة، نحدّق في قطعةٍ غريبة تخطف أبصارنا، ثم نغادر دون أن يبقى في داخلنا شيء.  

فالضوء الساطع قد يُبهر العين، لكنه لا يمنح الدفء، ولا يستحق الاحترام.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *