الرحمة.. اللغة الإنسانية المشتركة

في عام 2023، عندما ضرب أحد الزلازل العنيفة منطقة الحدود التركية السورية، تدفّق متطوّعون من دول وثقافات وديانات مختلفة إلى مواقع الأنقاض.

في أحد الأحياء المدمّرة، شوهدت شابة يابانية تعمل جنبًا إلى جنب مع مسعفٍ مسلمٍ وعامل إغاثة مسيحي، وهم يحفرون بأيديهم لإنقاذ طفلٍ صغير يسمعون صوته الخافت تحت الركام. وبعد ساعاتٍ طويلة من التعب والتراب والدموع، تمكنوا من انتشال الطفل حيًّا.

لم يسأل أحدهم عن اسمه أو دينه أو جنسيته؛ عانقوه جميعًا وهم يبكون. وفي تلك اللحظة قال المسعف المسلم للمترجمة اليابانية: “الرحمة لا تحتاج إلى لغة” “فأجابت وهي تبتسم وسط الدموع: “ولا إلى دين… يكفي أن تكون إنسانًا”.

هذا المشهد الإنساني يُجسّد بوضوح مفهوم الرحمة، فعند لحظات الخطر أو الألم تنتفي الحواجز بين البشر وتتوحّد القلوب وتغيب الهويات ويظهر أنَّ الرحمة هي اللغة الأصلية التي تَعرفها الأرواح قبل الأقوال. ويبقى الإنسان بوصفه إنسانًا.

الرحمة حين تلامس فطرة الإنسان تذيب كل الفروق التي صنعها التاريخ أو الجغرافيا، وتكشف أنَّ الإنسان في جوهره كائن رحيم، يحمل في أعماقه البذرة التي تربطه بكل حيّ. فالرحمة حين ترتقي من مجرد عاطفة إلى رؤية إنسانية كونية، تغدو لغة يتقاسمها البشر مهما اختلفت ألسنتهم ومشاربهم. 

حين يقرّر شاب أو مجموعة من الشباب إنشاء منصّة تطوعية لخدمة الفقراء أو تعليم المحتاجين مجانًا، فهم يؤسّسون منطقًا إنسانيًا بديلًا لمنطق السوق القائم على المصلحة الباردة. إنَّهم يعيدون تعريف القيمة بوصفها خيرًا مشتركًا، لا سلعة قابلة للتداول.

وفي بعض المؤسسات الحديثة، بدأ يتبلور مفهوم «القيادة بالرحمة» (Compassionate Leadership) حيث يتحوّل المدير من مجرّد مراقب للأداء إلى راعٍ لقدرات الموظفين وتُبنى القرارات هنا على سؤال جوهري: كيف يخدم هذا القرار الموظف قبل أن يخدم أرباح الشركة؟ في هذا النموذج، تُستثمر الكفاءات وتتعمّق العلاقات الإنسانية. 

وكلما اتخذ شخص في موقع إداري قراراته بناءً على أثرها الإنساني على العاملين، لا لمجرّد الالتزام الحرفي بالقوانين، تتحوّل الرحمة من فكرة إلى ممارسة.

وفي اللحظة التي تكتشف فيها مديرة مدرسة أنَّ إحدى الطالبات تكرّر غيابها خوفًا من العقاب. تختار الحوار والفهم، بدل اللجوء إلى العقوبة الفورية فتكتشف أنَّ الطالبة تتحمّل مسؤولية رعاية إخوتها بسبب مرض الأم. عندها لم تُلغِ المديرة النظام، وإنّما فعّلته بعين الرحمة، عدّلت جدول الطالبة وربطتها ببرنامج دعم اجتماعي، فكانت النتيجة عدالة أعمق وفرصة جديدة للفتاة بدل الإقصاء.

وتتجاوز الرحمة العلاقات البشرية إلى علاقة الانسان بالأرض التي تؤويه، فكلّ مبادرة تهدف إلى حماية البيئة، كمشاريع الزراعة العضوية أو تنظيف المدن والسواحل أو إعادة التدوير المجتمعي، هي إعلان رحمة تجاه الوجود ذاته، واعتراف بحق الطبيعة في التوازن والحياة.

وفي أبسط المشاهد، تتجلّى الرحمة حين يضع إنسان آنية ماء لطيورٍ هائمة تبحث عن قطرة حياة، أو حين تُطلق مبادرة مثل «بيوت من رحمة» لترميم بيوت العائلات المتعفّفة قبل حلول الشتاء. هذه الأفعال الإنسانية تحمل في جوهرها معنى كبيرًا: أنَّ الحياة لا تخلو من أصحابها الطيبين.

وفي المجال الشخصي، تبدو الرحمة حين يختار الإنسان أن يُنصت بصدق لمن جُرح أو تعب، دون أحكام مسبقة أو تصنيفات قائمة على الأصل أو اللون أو الانتماء. فالرحمة هنا اعتراف بإنسانية الآخر وحقّه في أن يُرى ويُفهَم.

وتجلّت الرحمة في سيرة النبي ﷺ بوصفها أسلوب حياة، ومن ذلك ما رُوي عن جارٍ يهودي كان يؤذي النبي ﷺ، فلما مرض زاره النبي ليطمئن عليه، فقال الرجل متعجبًا: «أتزورني وأنا الذي كنت أؤذيك؟» فأجابه النبي ﷺ: «إنَّ لجارك عليك حقًا».

بهذا السلوك، تحوّلت الرحمة من خُلُق يُقال إلى فعلٍ يُمارس، ومن شعارٍ أخلاقي إلى ممارسة يومية تُخاطب الفطرة الإنسانية.

عندما تتحوّل الرحمة من شعور عابر إلى طريقة نعيش بها، تصبح أوسع من كلّ الحدود السياسية والدينية والثقافية. عندها لا تبقى محصورة بمن يشبهنا، بل تمتدّ لتشمل كلّ من يتنفس ويشعر ويتألم. 

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *