يحكى أن عالماً عظيماً سُئل في آخر أيامه: “ما أعظم اكتشاف توصلت إليه؟”
فأجاب بصوت خافت: “اكتشفت أنني لا أعرف شيئاً عن نفسي.”
توجز هذه العبارة جانبا من مأساة الإنسان المعاصر؛ علماء يفتحون أبواب السماء ويغوصون في أسرار الذرّة والجين، لكنّهم عاجزون عن اكتشاف ذواتهم أو الإصغاء إلى ضمائرهم.
ما الذي يجعل العالِم عالِماً حقاً؟ هل هو كم المعلومات التي يحفظها، أم عمق المسؤولية التي يحملها؟
إن كل من يحمل لقب “عالِم” – سواء انكب على المعادلات في مختبره، أو تدبر النصوص في خلوته – إنما يحمل على عاتقه مسؤولية تشكيل وعي البشرية ومصيرها. فهناك فرق شاسع بين من يحمل العلم ومن يحمله العلم، الأول يجعل من المعرفة أداة لخدمة ذاته، والثاني يجعل من ذاته أداة لخدمة المعرفة. العالِم الحقيقي يدرك أن علمه أمانة في عنقه، ممنوع احتكاره أو طمسه، وأنّ كل اكتشاف يحمل معه مسؤولية تتجاوز حدود المختبر أو المكتبة إلى آفاق الإنسانية الرحبة.
فكيف لمن ملك مفاتيح أسرار الكون أن يتوه عن جوهر وجوده؟ وكيف لمن تولّى مهمة تفسير كلام الله للناس أن يعجز عن فهم صوت ضميره؟ ما أعجب أن نرى من يقدر على شق الذرة عاجزاً عن شق قلبه للرحمة! وما أغرب أن نجد من يستظهر كتب التراث غافلاً عن قراءة كتاب نفسه!
إن استعادة الروح للعلم ضرورةٌ لا ترف، والعودة بالعالِم إلى دوره الحقيقي – خادماً للحقيقة لا متاجراً بها – هي السبيل الوحيد لإنقاذ العلم من أن يصبح لعنة على البشر بدلاً من أن يكون نعمة لهم. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر-28)، فثمة ربط بين العلم والخشية، الخشية حالة شعورية يفرزها الإدراك المبنيّ على الوعي، فتُثمر في صاحبها تواضعًا، وضميرا يقظا، ورحمة مرهفة، وكلما اتسع علم الإنسان بالله وبالخلق والكون، ازداد حذرًا من أن يسيء أو يظلم باسم العلم أو سلطته، وأصبح أكثر يقظة من أن يجعل المعرفة سببًا للغرور أو العدوان. الخشية هي علامة العلم الحقيقي ومعياره الأصيل، والعلم الذي لا يورث خشية الله، ولا يستشعر عظم أمانة حمله، ولا يدرك خطر التلاعب بمصائر البشر، ليس علماً حقيقياً، ويبقى مجرد معلومات متراكمة في عقول خاوية من الحكمة وحسّ المسئولية.
لعل أوضح مثال على هذه المعضلة ما عاشه ألبرت أينشتاين حين اكتشف أن نظريته النسبية قد مهدت الطريق للقنبلة النووية. فالرجل الذي أراد أن يفهم أسرار الكون، وجد نفسه شريكاً -بلا إرادة منه- في صنع أداة الدمار الشامل. وقد عبّر عن ندمه قائلاً: “لو كنت أعلم أنّهم لن يتمكنوا من صنع القنبلة الألمانية، لما رفعت إصبعاً واحداً.”
وفي المجال الطبي، تصدمنا مأساة غياب الضمير العلمي. فكم من طبيب تحول من “حارس الحياة” إلى “تاجر المرض”، يصف الأدوية غير الضرورية لزيادة أرباحه، أو يطيل فترة العلاج لاستنزاف المريض مالياً. وكم من شركة أدوية تخفي الآثار الجانبية الخطيرة لمنتجاتها، أو تحتكر الأدوية المنقذة للحياة لترفع أسعارها إلى مستويات فلكية، ولتجعل الشفاء متعسّرا، دون أي اكتراث لمعاناة المرضى وآلامهم.
إن الطبيب الذي يستغل ألم المريض لملء جيبه، والباحث الذي يزور نتائج الأبحاث لصالح الشركات الممولة، والصيدلي الذي يروج للأدوية الأغلى بدلاً من الأنسب، كلهم يخونون القسم الذي أقسموه: “أولاً، لا تضر”، ويتحوّلون إلى سماسرة غلاظ القلوب، فاقدين للرحمة والتعاطف الإنساني.
واليوم، نشهد معضلة مشابهة مع علماء الذكاء الاصطناعي الذين يطورون تقنيات قد تحل محل الإنسان في وظائفه، أو تُستخدم في أنظمة مراقبة تنتهك خصوصيته. وفي مجال الهندسة الوراثية، نجد علماء يلعبون بالجينات البشرية دون اعتبار كافٍ للعواقب الأخلاقية والاجتماعية.
لا يقع اللوم بطبيعة الحال على العلم في ذاته؛ فحبّ المعرفة جزء من الفطرة الإنسانية، لكنّ الخطر في غياب الإطار الأخلاقي الذي يوجّهها. وحين يكتفي العالِم بسؤال «هل أستطيع أن أكتشف؟» دون أن يسأل «لأيّ غاية؟» يتحول من باحث إلى مجرّد صانع أدوات. ولذلك فالعلم النافع هو الذي يجمع بين “المعرفة والضمير”، يكون فيه العالم منتجا للمعرفة وحارسًا لها على حدّ سواء.
وإذا كان هذا واجب علماء الطبيعة، فإنّ المسؤولية على علماء الدين أشدّ وأخطر؛ لأنهم يؤثّرون على العقول والنفوس. وما أكثر ما شهد التاريخ من فتاوى حرّفت النصوص لتبرير ظلمٍ أو تسويغ حرب أو خنق حرية أو بثّ تفرقة ونشر كراهية. العالم الذي يبيع ضميره، أو يجعل الدين شعارًا للمصلحة، يفقد صفة العالِم ويصبح مجرّد متحدث بلسان الجهة التي يخدمها.
من أخطر مظاهر غياب ضمير بعض علماء الدين انغلاق الفكر وضيق الأفق؛ فتراهم يخشون كل جديد يهدد ما اعتادوه من وجاهة اجتماعية ومكانة رمزية. يتمسكون بما درسوه كأنه الكلمة الأخيرة في العلم الديني، ويهاجمون كل اجتهادٍ ورأي آخر، ربّما لأنّه يفتح باب المراجعة الذي يربك ثقتهم في أنفسهم. هؤلاء يخضعون لسلطان الصورة التي صنعوها لأنفسهم، فيغدو الدفاع عن القوالب القديمة دفاعًا عن الذات لا عن الدين، وبذلك يتحوّلون إلى سلطة أشد استبدادا أحيانا من استبداد السلطة السياسية. فكم من عالم دين مارس الظلم ضد مخالفيه، وكم من فقيه حرم الناس من حق التفكير والاجتهاد، وكم من شيخ جعل من نفسه إلهاً صغيراً لا يُسأل عما يفعل!
وهكذا يتحوّل العلم الشرعي إلى جمود يخاصم الأسئلة ويخاف التغيير، ويفقد مثل هؤلاء العلماء صدق نيّاتهم حين يفضّلون مكانتهم على واجبهم في إحياء الفكر، فالتجديد مساحة مستحقّة يجب حفظها وفاء لجوهر الدين وصيانة لبريقه.
إنّ الأمة تحتاج إلى علماء ربّانيين؛ يُرى في سلوكهم أثر خشيتهم، يقولون الحقّ ولو على أنفسهم، ويعلمون أنّ العلم تكليف قبل أن يكون تشريفًا، ومسؤولية قبل أن يكون منصبًا.
إنّ استعادة الضمير ضرورة حيوية لكل إنسان لبقاء النبض في جسد البشرية، فما بالك بحاملي رايات العلم، وهذا يتطلب من العالم أولا أن يدرك أن علمه أمانة في عنقه، وأن معارفه قوة يجب أن تُستخدم لخير الإنسانية لا لضررها، وأنّ العلم لا يقاس بالمعلومات والاكتشافات، وإنما بتحمّل المسئولية الأخلاقية الذي تتبعها، والتي تحتم على صاحبها أن يسأل نفسه دائماً: “كيف سيؤثر علمي واكتشافي على الإنسان والمجتمع؟”
ثانياً، عليه أن يرفض أن يكون أداة في يد أيّ سلطة تسعى لاستغلال علمه في الظلم أو العدوان، أو لجمع الأموال وكسب الوجاهات. فالعالم الحقيقي مستقل في ضميره، حرّ في قراره، لا يخضع إلا للحقيقة ولا يخدم إلا الإنسانية، ولا تدغدغه النوازع ولا تعصف به المطامع.
ثالثاً، يجب أن يكون العالم شجاعاً في قول الحق، سواء كان ضد السلطة السياسية أو ضد السلطة الدينية، بل وضد نفسه أولاً. فالصمت عن الحق خيانة للعلم، والسكوت عن الباطل تواطؤ معه، سواء صدر الباطل من حاكم أو من عالم دين آخر.
رابعاً، على العالم أن يتذكر أن علمه ليس ملكاً له وحده، وهو أمانة وجزء من التراث الإنساني المشترك. لذا عليه أن يسعى لنشر المعرفة وتبسيطها للناس، لا أن يحتكرها أو يستخدمها لتعزيز نفوذه الشخصي.
العالَم يحتاج إلى عالم الفيزياء الذي يرفض أن تستخدم اكتشافاته في صنع أسلحة الدمار، وإلى عالم الدين الذي يقول “لا” للظلم ولسلب حقوق الناس حتى لو كلفه ذلك حياته، وإلى المفكر الذي يختار الحقيقة على المصلحة، والمبدأ على المنفعة. إن الضمير هو البوصلة التي توجه العلم نحو الخير، والخشية هي المجسّ الذي يضمن سلامة المعرفة من الضلال. وبدونهما، يصبح العالِم – مهما بلغ علمه – مجرد تقني ماهر أو حافظ متقن، لكنه ليس العالِم الذي تحتاجه البشرية في زمن الأزمات والتحديات. العالم اليوم أكثر ما يحتاج إلى ضمير العالِم، ضمير يحرس الهدى ويصون الرشد، وينتج الحكمة التي تنير دروب البشرية نحو الخير والحق والجمال.
استجابات