العقل المدجّن من قفص الطاعة إلى أفق الحكمة

مّن يربط الحبل حول عقل الخروف؟

في قرية نائية، كان هناك راعي أغنام يملك قطيعًا كبيرًا، وكان لديه خروف صغير مختلف عن البقية. بينما كانت الخراف تسير حيث يُوجهها الراعي دون تفكير، كان هذا الخروف يتساءل دائمًا:

  • لماذا نذهب إلى هذا المرعى بالذات؟
  • لماذا لا نجرب الطريق الآخر؟
  • من قرر أن هذا العشب هو الأفضل؟

وكلما سأل، كانت الخراف الكبيرة توبخه: هكذا دائما نفعل! لا تُكثر الأسئلة!

حتى الراعي بدأ يربط الخروف الصغير بحبل قصير كي لا يُفكر كثيرًا.

ذات يوم، هجم ذئب على القطيع، فهرعت الخراف إلى نفس الطريق كما اعتادت، ولكن قابلها هناك عدد من الذئاب، في حين أن الخروف الصغير اتخذ طريق آخر ونجا بنفسه.

تلك هي العقلية المدجنة تُعلّمك الطاعة دون سؤال، وتُعاقبك إذا فكرت خارج القطيع، لتخدم أهداف وأغراض مروضها، لكن الأسئلة قد تنقذك يومًا ما!

فهل نجا الخروف لأنه عصى؟ أم لأنه استعاد فطرته التي خُنقت منذ الصغر؟

وهل كل تساؤل يُعتبر تحررًا؟ أم أن بعض التساؤلات قد تُبنى على تصورات مدجّنة أيضًا؟

العقلية المدجّنة ليست مجرّد عقل تابع، بل عقل استسلم لترويض تراكمي لقبول الأفكار المُهيمنة دون نقد أو تمحيص، مما أفقده الشك، وزرع فيه الخوف من السؤال، والرضا برأي الجمع.

من دون الانتباه “ربما هذا الإيمان الذي تظنّ أنّك عليه ليس سوى إيمان المحيط، أخذته عن محيطك… ولم تقف لتفحص وتختبر. أمؤمن أنت أم مستضعف؟ [1] 

وكم من الناس يعيشون الترويض العقلي والنفسي منذ التنشئة الأولى مع السلطة الوالدية المتحكمة. والنظام التعليمي الذي يعتمد الحفظ دون الشك أو التحليل. والتلقين الاجتماعي وتقديم الموروث والأعراف على أنها معتقدات صحيحة وغير قابلة للمساءلة.  ولا يخفى علينا دور السلطة الدينية في ترويض المشاعر والعقول على التفسير الأوحد وعصى الجزاء. وبالتأكيد غير متناسين الإعلام الموجه لتخدير الناس وتشتيت انتباههم بالترويج للترفيه وثقافة الاستهلاك، وإلهائهم عن التفكير في قضاياهم الاجتماعية والجوهرية.    

ومن أبرز سمات العقلية المُدجَّنة الامتثال الأعمى بتقبل الأفكار والممارسات السائدة دون تحليل أو شك. مثل: “هكذا تعودنا وهذه تربيتنا”، “الكل يفعل ذلك”، هل من فارق ما بين هذه الكلمات وكلمات الأولين التي جاء بها كتابُ الله ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾[2]  هل كانت في محل مدح أم ذم؟!

ذلك الامتثال الذي يتسبب في اغتراب الإنسان عن ذاته، فيعمل ضد رغبته الطبيعية بإرادته ويرفض حقوقه التي يجب أن يمتلكها بكل عداء دون أن يعلم خيانته لذاته!! وهو يظن أنه يحقق الحرية والإخلاص لنفسه ولمعتقده!! وهذا ما وصّفه أحد المفكرين بقوله: [سنبدو كما أن أرواحنا حبيسة عقولنا المدجنة، وعقولنا موقوفة على ما يملئ تلك الأواني والأوعية الفارغة على أن هذا هو الكمال الإنساني] والنتيجة تشويه الفكر بفقدان الفضول المعرفي وعدم التساؤل عن الأسباب أو تحدي الوضع الخاطئ، وغياب النقد الفكري وتجنب الأسئلة الجذرية أو التحدي للأنماط التقليدية. ومن بعدها تبدأ تلك العقول في منعك من رؤية الحقيقة، وتجعلك تكره أو تحارب من يراها! مما له من تأثير مجتمعي في انتشار اللامبالاة والتفاهة.

رغم أن الأديان حذرت من ذلك كما جاء عن رسول الله (ص)[3]: “ لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن لا تظلموا”. وفي المسيحية “اختبروا كل شيء، تمسكوا بالحسنتسالونيكي الأولى 5: 21.

وقد أعرب غوتاما بوذا[4] عن ذلك بوضوح في قوله: “لا تؤمن بأي شيءٍ فقط لأنك سمعته، أو لأن الكثير من الناس يتحدثون به ويشيعونه بينهم، لا تؤمن بالتقاليد لأنها قد تناقلتها الأجيال واحد تلو الآخر، وانما على أثر الملاحظة والتحليل، وعندما تجد أي شيءٍ متفقاً مع عقلك ومساهماً في تحقيق خير الفرد وخير الكل على حدٍ سواء، تقبله إذاً وامض حياتك وفياً له.”

وكما نرى أن جميع الأديان تدعو إلى عقلية التحرر والرشد والحكمة التي تمتاز بالوعي والتحليل والشك المنهجي، والمرونة واتخاذ القرارات المستقلة بناءً على المعرفة والتجربة، مرتكزا على المبادئ والقيم الأخلاقية، وذلك كي يعيش الإنسان ذاته، ويتحمل مسؤولية وجوده الإنساني على هذه الأرض.


[1] . مرايا اكتشاف الذات المؤمنة- “الأخوة الآدمية وموقعها في الإيمان”- الحلقة 2- جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.

[2] . سورة الزخرف 22

[3] . ميزان الحكمة- محمد ريشهري- ج3- صفحة 2620

[4] . https://www.hekams.com/?id=11850

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. فعلا اذا عدنا لوعينا وتفكرنا .. سنجد الكثير من المعتقدات والافكار المُدجنة قد سيرتنا سنين .. وقد اعطبت الكثير من الحياة..
    احسنت استاذه