لم تعد الحروب في عالمنا تبدأ بإطلاق الرصاص، ولا تحتاج دائمًا إلى بيان عسكري أو إنذار رسمي. كثير من الحروب الحديثة بدأت بخبر صغير، أو منشور عابر، أو مقطع قصير ألقي في الفضاء الرقمي ثم ُترك ليعمل بصمت داخل العقول. كلمة واحدة قد تسبق دبابة، وصورة قد تمهد لصاروخ، ورواية ناقصة قد تفعل ما لا تفعله الجيوش. نحن نعيش زمنًا يُدار فيه الصراع على مستوى الإدراك قبل الأرض، وعلى مستوى الوعي قبل الحدود، حيث تتحول المعلومة إلى أداة ضغط، والخبر إلى سلاح، والانفعال إلى وقود دائم.
في هذا الواقع المزدحم بالأطماع والمصالح، لا يكمن الخطر في غياب الحقيقة فحسب، وإنما في طريقة توظيفها، والزواية التي تُرى منها، والتوقيت الذي تُلقى فيه. فالحقيقة اليوم نادرًا ما تُقدَّم كذبًا صريحًا ومباشرا؛ لأن الكذب الفجّ يثير الريبة ويُكشف سريعًا. ولكن الخطورة تبدأ حين تُنتزع الحقيقة من سياقها: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾(المائدة – 13)، أو تُشبع بتأويل موجَّه، أو تُصاغ بلغة تستفز المشاعر قبل أن تخاطب العقل. هنا لا يشعر المتلقي أنه خُدع، بل يظن أنه توصّل بنفسه إلى موقف واعٍ، وأن غضبه نابع من بصيرة لا من تحريض.
هذا المعنى يقترب كثيرًا من التحذير القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾(الحجرات – 6). فالآية لا تتحدث عن عالم مثالي يخلو من الأخطاء والانفعالات، بل تخاطب طبيعة بشرية قد يجرّها الخوف أو الهوى أو التحيز إلى قراءة منحرفة للواقع. واللافت أن القرآن لم يقل (إن جاءكم كاذب)، وإنما قال (فاسق)، لأن الخلل لا يكون دائمًا في اختلاق الخبر، بل قد يكون في طريقة نقله، أو زاوية عرضه، أو الأثر المقصود منه.
وتتجلّى هذه الحقيقة في حادثة النبي (ص) حين أُرسل أحد الصحابة لقبض الصدقات من قبيلة مسلمة، والتي ما إن سمعت بقدومه حتى خرجت لاستقباله حبًا في النبي وصحابته. لكن الصحابي، المثقل بخلافات قديمة مع تلك القبيلة من أيام الجاهلية، قرأ المشهد بعين الخوف والارتياب، فحين رأى القوم مقبلين نحوه ظن أنهم خرجوا لأذيته، فعاد إلى المدينة مسرعًا حاملًا خبر امتناع القبيلة عن دفع الصدقات، وأضاف أنهم همّوا بالاعتداء عليه. لم يكن الرجل كاذبًا متعمّدًا، لكنه أسقط ما في داخله على الواقع، فتحولت مخاوفه الشخصية إلى رواية كادت أن تشعل مواجهة دموية بين المسلمين.
هنا تتجلّى خطورة الإنسان حين يتحول، ولو بحسن نية، إلى ناقلٍ للفتنة من حيث لا يشعر. فقد يكون صادقًا في إحساسه، مخلصًا في قصده، لكنه يرى الواقع من خلال خوفه أو انفعاله أو ذاكرته المثقلة، فينقل للناس صورة لا الحقيقة كاملة. ولهذا لم يربط القرآن سلامة الأخبار بحسن النية وحده، بل ربطها بأثرها ونتائجها، فجاء التوجيه حاسمًا ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. أي تمهّلوا، وافحصوا، ولا تستسلموا لوقع الخبر الأول أو لصدمة اللحظة، لأن الكلمة حين تُشعل فتنة قد تعجز النوايا الطيبة عن إخمادها، والدم إذا سُفك لا تعيده الأعذار، ولا يرمم الندم ما خلّفه الخراب والدمار.
لكن القرآن لا يقف عند هذا النوع من الخطأ البشري العفوي، بل يعرض نموذجًا أكثر تعقيدًا ودهاءً في قصة سليمان (ع) مع الهدهد. فالهدهد لم يأتِ بكذب، وإنما جاء بخبر صحيح عن قوم سبأ، غير أن طريقة افتتاحه للخبر لم تكن بريئة حين قال ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (النمل – 22). فالجملة لا تنقل معلومة مجردة فحسب، بل تحمل إيحاءً نفسيًا بالغ الحساسية، خصوصًا حين تُقال أمام ملأٍ فيه المطيع، وفيه المتربص، وفيه من يبحث عن ثغرة تهز صورة القيادة أو تُضعف هيبتها.
فالكلمات لا تُقاس دائمًا بظاهرها اللغوي، بل بما تتركه من أثر داخل العقول. ولذلك لم تكن الإشكالية في محدودية المعرفة البشرية للنبي، فذلك أمر محسوم، وإنما في طريقة بناء الخبر وتوقيته وما قد يفتحه من ظلال الشك والاضطراب داخل الجماعة. فبعض أخطر الفتن لا تبدأ بكذبة صريحة، بل بحقيقة تُنتزع من سياقها، أو تُلقى بصياغة تستفز المخاوف وتوقظ الهواجس، فتتحول من وسيلة بيان إلى أداة تشكيك وتمزيق.
وقد رأى العالم نماذج معاصرة لذلك. ففي رواندا Rwanda، كانت هناك توترات وخلافات بين الهوتو والتوتسي، لكن الكارثة لم تولد من وجود الخلاف وحده، وإنما من الطريقة التي جرى بها تضخيمه وتوجيهه. فقد لعب الإعلام المحلي دورًا خطيرًا حين أخذ وقائع حقيقية وأعاد تقديمها بلغة مشحونة بالخوف والكراهية، حتى صار الجار يرى في جاره خطرًا وجوديًا يهدد بقاءه. لم تكن الكلمات التي تُبث عبر الإذاعات مجرد أخبار عابرة، بل رسائل نفسية متواصلة تعيد تشكيل الوعي الجماعي، وتغذي الرعب والتحريض، حتى ساهمت في إشعال واحدة من أبشع المجازر في العصر الحديث.
رجوعًا إلى سليمان (ع)، فإن رده على الهدهد كان فيه درس بليغ في إدارة الأخبار والفتن. لم ينفعل، ولم يقمع الخبر، ولم يسلّم به مباشرة، وإنما قال بهدوء ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النمل – 27). بكلمات قليلة نقل الموقف من ساحة الانفعال إلى ساحة التثبّت، وعطّل مفعول الفتنة قبل أن تتضخم. فلم يسمح للحقيقة أن تُستثمر ضد العدالة، ولم يسمح للانفعال أن يقود القرار، بل جعل التبيّن سابقًا للحكم، والعقل سابقًا لردة الفعل.
نحن نعيش في زمن تُدار فيه الحروب النفسية والإدراكية باحتراف شديد. هناك وحدات متخصصة، ومنصات إعلامية، وجيوش إلكترونية، تعمل على إعادة تشكيل وعي الناس، لا عبر اختلاق الأكاذيب فقط، بل عبر سوء إدارة الحقيقة: ماذا يُعرض؟ ماذا يُخفى؟ متى يُنشر؟ ولمن؟ تُؤخذ وقائع حقيقية، ثم يُعاد ترتيبها بطريقة تدفع الناس نحو استنتاجات تبدو حتمية، والغاية في النهاية إنهاك العقل ودفعه إلى التفاعل والانفعال السريع.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن كثيرًا من هذه الرسائل لا تأتي من جهات هامشية أو مجهولة، وإنما من مؤسسات تبدو محترمة وموثوقة، لكل واحدة منها مصالحها وزاويتها الخاصة. وهنا تكمن الفتنة الكبرى، حين يمنح الناس ثقتهم الكاملة للرواية الأولى والانطباع الأول، دون تمهل أو فحص.
مشكلتنا اليوم ليست قلة المعلومات، وإنما الطريقة التي تُدار بها وتُقدَّم للناس. ومع غياب التبيّن، تتحول المجتمعات إلى كتل انفعالية تنتقل من غضب إلى غضب، ومن فتنة إلى أخرى، دون أن تنتبه إلى أنماط الاستهداف المتكررة.
ولهذا فإن استدعاء القصص القرآنية هنا ليس مجرد وعظ أخلاقي، بل محاولة لإعادة تأسيس منهج نجاة. فالفاسق ليس دائمًا شخصًا شريرًا ظاهرًا، وقد يكون قريبًا منا، يشبهنا، ويتحدث بلغتنا، ويخاطب مخاوفنا ذاتها. والخطر لا يُقاس بالنوايا وحدها، بل بالأثر الذي يتركه الخبر حين ينفلت من ميزان التبيّن.
في عالم تتكاثر فيه الروايات وتشتبك فيه المصالح، يصبح التبيّن ضرورة لحماية العقل والعدالة والسلم الأهلي. فالحقيقة لم تعد غائبة عن الناس، وإنما صار الخلاف في طريقة عرضها، وتوقيت بثّها، والغاية من دفعها إلى الوعي العام. ومن لا يتعلم التريث أمام الخبر، وتهدئة انفعاله قبل الحكم، قد يجد نفسه — من حيث لا يشعر — جزءًا من فتنة كان يظن أنه يقاومها.
استجابات
يُشكر الكاتب على هذا الطرح الجزل، غير أنّ هنالك إشكال مركزي لم يُجب عليه وهو: إذا كانت الفتنة تُصنع من اقتطاع جزء من الحقيقة، فمن الذي يملك معيار تحديد “تمام الحقيقة” أصلًا؟ وهل يكفي التثبّت من المصدر، أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببنية التأويل نفسها؟ فقد يختلف الناس في فهم الوقائع حتى مع اكتمال المعطيات.
بتعبير آخر: هل الخطر في “نقص المعلومة” فقط، أم في الأطر الذهنية المسبقة التي نستقبل بها أي معلومة مهما كانت كاملة؟
سرد جميل و قصص تاريخية و قرآنية جميلة .. السؤال هل لفظة (فتبينوا) كافية لتحمي الشخص من الوقوع في الفتن؟