(مريم كنموذج تحرري لأنوثة مُصطفاة)
لم تكن ولادة مريم مجرد حدثٍ بيولوجي يدون في التاريخ، بل زلزلةٌ رمزية لمنظومة اجتماعية دينية كهنوتية أقصت المرأة، واحتكرت التعلم ومسؤولية الخدمة في المعبد والقداسة على الذكر دونها.
إن مريم، كما يعرضها القرآن، ليست أنثى اصطفاها الله لحسبها ونسبها، ودون جهد منها لتكون آية، بل أن ما قامت به هو تجلٍّ نادر لفكرة أنّ الكرامة لا تُمنح بالجنس، بل بالوعي، ولا تُقاس بالشكل بل بالاحتمال الروحي والتأهيلي العميق، قصة مريم في القرآن ليست قصة طهرٍ بيولوجي، بل بناءٌ تحرريٌّ متصاعد، يبدأ من خيبة الأم وينتهي باستنارة البشرية.
إن الجملة المفصلية في القصة، والتي يبدأ التحوّل فيها هي كلام امرأة عمران ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: 36]، وهي ليست حكمًا إلهيًا بالتفاضل، بل كلامها التي نطقت به في لحظة عاطفية بناء على ما هو متعارف عليه من داخل الموروث، لا من خارج الرحمة الربانية حيث ظنّت وفق الثقافة المجتمعية حولها، أن أملها قد خاب بالمولودة الأنثى، حيث أن العبادة والخدمة والمجد الروحي حكر على الذكور، فجاء الجواب من السماء (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ)، يتضمن مشروعا نهضويا سينطلق من حالة الصمت والسكوت على ذلك الواقع، لتأتي منها “كلمة الله” لا كلمة الكهنة.
ومن وسط هذه المعاناة، والحصار الكهنوتي المضروب على مريم داخل جدران المعبد، والضغوط النفسية التي تمارس ضدها كأنثى والتجويع، أوجدت فرصة الاصطفاء بتطهرها وتزكيتها الداخلية، وبتلك القوة الروحانية الداخلية المنبثقة منها واجهت الثقافة الدينية السائدة التي تحتقر المرأة، وتتعامل معها وكأنها لعنة من اللعنات، ومن نماذج تلك التعاليم التي تزدري المرأة وتحقر من شأنها، بعض مما جاء في كتبهم من قبيل:
1- التمييز ضد المرأة ومنعها من الحج مثلا، ومن دخول المعبد، فالمرأة ناقصة دين من وجهة نظر التوراة، والتي جاء فيها (ثلاث مرات في السنة يحضر جميع ذكورك أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره: في عيد الفطير، وفي عيد الأسابيع، وفي عيد الأكواخ. ولا يحضروا أمام الرب فارغين- تثنية 16/16)[1].
2- لقد امتدت ظاهر التمييز بين الذكر والأنثى، حتى في حال الولادة، كما جاء في التوراة حيث تكرم الأولى وينتقص من قيمة الثانية التي تعتبر نجسة ضعف المدة الزمنية، مع أن الموضوع واحد وهو الولادة، حيث تقول التوراة في هذا الصدد (وخاطب الإله موسى قائلا: كلم بني إسرائيل وقل لهم: أية امرأة حبلت فولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام… وثلاثة وثلاثين يوما تظل في تطهير دمها، لا تمس شيئا من الأقداس، ولا تدخل الأقداس، حتى تتم أيام طهرها. فإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها، وستة وستين يوما تظل في تطهير دمها- اللاويين 12/1-5)[2].
3- ومن مظاهر التمييز أيضا ضد المرأة، التعاليم التوراتية التي تمنعها من الكلام داخل المعبد، ويجب عليها أن تلتزم الصمت، بينما يحق للذكور أن يتكلموا بحرية كما جاء (34 “لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُوناً لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضاً. 35 وَلَكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئاً فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ. (1كورنثوس 14: 26-36)[3].
وسط هذا الركام، جاءت الرواية القرآنية لتعصف بهذا التصور من داخله، فكانت مريم “آية للعالمين”، لا لأنها ولدَت بإعجاز، بل لأنها قاومت، وعبرت، وارتقت في معراجٍ داخلي لا يمكن لأي سلطة دينية أن تدركه أو تتحكم به.
من ظُلمةِ هذا الواقعِ، ومن خَيبَةِ الأُمِّ، انطلقتِ المسيرةُ الإنسانيةُ المُتحرِّرةُ لابنتِها مريم، تِلك الذاتُ التي قادت ذلك التحوُّلَ العظيمَ في مسيرةِ الأنثى؛ والتي أصبحتْ آيةً لمثيلاتِها كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً﴾ (سورة المؤمنون، الآية 50)، لا لامتيازٍ شخصي، ولا لكونها معجزةً أسطوريةً، بل هو تتويجٌ لمرُوءةٍ داخليةٍ، وصبرٍ في مواجهةِ المحنِ والتحدياتِ.
فمريمُ لم تقتحمِ المعبدَ خُلسةً، بل نُذِرَتْ للهِ، وواجهتْ بقوة الإرادة مقاومةً قاسيةً، ولم تنهزم، لأن نورها جاء من داخلها، لا من رضى السلطات الدينية عليها، هي لم تغير الواقع بقوة الصراع الخارجية، بل بقوة التزكية الداخلية، تقول الكاتبة لمى الأخرس (في سريرة كلِّ امرأةٍ مقدّسةٍ ذاتُ قدرةٍ كامنةٍ هائلة على أهبة الظهور، وحين تكتشف النساء كيفية الغوص في أعماق كيانهنّ، فتُزلنَ كلَّ ما يعرقل التعبير عن ذواتهن، فإنهن يتواصلن مع جوهرهن الحقيقي أو قدرتهن الكاملة الخالصة، فحين تتم إزالة العقبات التي تحول دون انطلاق هذه القدرة، تتدفّق هذه في غزارةٍ وإبداع كالنهر الفيّاض)[4].
وهذا جوهر الرسالة، أننا لا نتحدث عن امرأة من الماضي، بل عن نموذج روحي لكل زمن، فكل امرأة تُمنَح مساحةً من العدالة والحرية والتعبير الذاتي، يمكن أن تُفعِّل في داخلها هذا البُعد القدسي الذي يتجلّى لا في الشكل، بل في المعنى، القداسة ليست لبوسًا خارجيًا، بل إشراق داخلي يحتاج إلى:
1- العدالة: أي إزالة أشكال التمييز (ذكوريا، دينيا، اجتماعيا، اقتصاديا) وإذا كُفَّ عنها الظلم، وأتيح لها النهوض بذاتها وكرامتها واختيارها وطاقتها الكونية على الإحياء والتكوين.
2- الحرية التربوية، وتمكينها من المعرفة، ومن النقد، ومن الاصغاء لذاتها، من خلال التأمل في أحاسيسها وفي حقيقة مشاعرها، وأن تنظر فيما يؤلمها من الواقع، وما الذي ينقصها، وأن تميز بين صوتها وصوت الآخرين، وهل أن قرار التغيير نابع من رغبتها، أم من إرضاء الآخرين؟ وأن تعود من خلال الاصغاء للقيم العليا، من أنا؟ وما هي رسالتي في الحياة؟
3- التحرر من الصورة النمطية، وتوقف المجتمع عن اختزالها في الجسد، أو في العورة، أو في عبء (الفتنة) ويبدأ برؤية طاقتها كروح تحمل رسالة، لا جسد يثير خوف السلطة الذكورية.
ختاما: مريم لم تكن امرأة عابرة، كما لم تكن إنسانة خارقة، بل كانت صورةً حيّة لما يمكن أن تُظهره كلُّ امرأةٍ حين تؤمن أن اختلافها ليس ضعفًا، بل طريقٌ آخر للعطاء وتحمل المسؤولية.
[1] – موقع ايلاف – المرأة في التوراة 2/2. سعد الله خليل.
[2] – المصدر السابق
[3] – العنف ضدّ المرأة في النصوص المقدّسة / نبال زيتونة / موقع شبكة المرأة السورية.
[4] -لمى الأخرس – النساء والروحاني – موقع معابر.
استجابات
احسنت استاذ