القصص المتوازية

جميعنا نعيش قصتين متوازيتين، وأنت كذلك.. ولكن كيف نحقق هذا التوازن بين متطلبات الحياة اليومية وتطلعات الروح؟ الإجابة تكمن في فهم طبيعة القصتين المتوازيتين اللتين نعيشهما.

قصتك الأولى هي حياتك كما تعرفها، إنها القصة الواضحة الماثلة أمامك. بدأت يوم رأت عيناك النور، فقد وُلِدتَ في مكان ما وفي أحد الأزمنة، مضيت على هذه الأرض، تعيش أيامًا مريحة وتكابد أخرى صعبة حتى وصلت إلى هنا، حيث أنت اليوم. 

إنها قصتك الصغرى التي تحتضن يومياتك على هذا الكوكب: طعامك وشرابك، دراساتك وهواياتك، علاقاتك وإنجازاتك، الأماكن التي زرتها وتلك التي تركت فيك أثرًا. باختصار، هي خلاصة ما أخذت وما أعطيت ومن أصبحت وأنت في جلبابك البشري.

القصة الصغرى هي جزء من قصة أكبر، هي قصتك الحقيقية حيث تمضي فيها روحًا خلقها الله وأخذ منها عهدًا، جاءت تحمل الأمانة، لتقدم امتحانًا وتؤدي رسالةً يرتضيها الله في وقت قصير.. قصير جدًا يصفه الذكر الحكيم في قوله: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) (سورة المؤمنون – 113) وتغادر.

قصتك الصغرى تشبه في ماهيتها قصصًا أخرى يخوضها إخوتك في الآدمية، فهي دنيوية بشرية، محكومة بمسيرة النفس التي لها صُممت، فلو كنا أرواحًا لا تخالطها أنفس بشرية، لما انشغلنا بشيء من شؤون الدنيا ولم نسعَ فيها كما ينبغي. بينما قصتك الكبرى هي قصة روح لطيفة، مسافرة عابرة، لا تنتمي لهذا الكوكب بل حُشرت حشرًا في عالم الماديات لغرض واضح.

عليك أن توائم القصة الأولى مع الثانية، فقدَرُك أن تعيش إنسانيتك في أردية بشرية، تخوض عوالم متناقضة، وتعبر منها في إطارٍ من التقوى يضبط علاقتك بنفسك وبالآخر. 

التالي يساعدك على إحداث تلك الموائمة، تذكر:

أولًا: الحياة الدنيا هدية عظيمة من رب العالمين، إنها سبيلك للارتقاء والوصول، وهي طريقك إلى الأبدية، فلا تزهد فيها، بل ازهد في جوانب اللهو منها. إذ أن النظرة الدونية للحياة الدنيا برمتها قاصرة، فقيمتها تتجلى فيما تختار صنعه بها. 

إذا استوعبت أن حياتك هدية ثمينة وأن أيامها محدودة وسريعة العبور، يصبح من الطبيعي أن تسعى لتطويرها والبحث عن أحسن ما فيها بالأخذ بجميع الأسباب المتاحة، وطبيعتك البشرية تعني أنك تراكم المعرفة بالتجربة والتعلم والتفكير والتأمل، والإقرار بهذه الطبيعة يَحتم عليك قبول النقد والتصويب.

كمثال، تخيّل أنك في عملك وتلقيت ملاحظة نقد من مشرفك أو مديرك حول طريقة أدائك، فتشعر أولاً بانزعاجٍ خفي. لكنك تتذكر أن الحياة هدية أُوكلت إليك لتتطور عبرها، لا لتتراجع عند أول مواجهة. حينها، تختار أن تنظر إلى النقد بصفته بابًا فتحه الله لتُتقن ما تقوم به أكثر، فتستقبل الملاحظة بشكر، وتعيد النظر في أدائك بهدوء، وتضع خطة صغيرة للتحسين. ومع كل تقدّم ولو بسيط، تشعر بأنك تستمتع بالأداء نفسه، لأنك تحوّل الموقف من مساحة للانكسار إلى مساحة للنمو، فتعيش معنى الامتنان للحياة بالفعل في الواقع قبل الكلام. 

ثم تصور أمًّا أو أبًا يلاحظان أن ابنهما يرتكب أخطاء متكرّرة في دراسته أو سلوكه، فيشعران أحيانًا بالإحباط وأحيانًا أخرى بالغضب. لكن لحظة الوعي تأتي حين يدركان أن الحياة هدية من الله، وأن التربية بدورها جزء من هذه الهبة؛ بابٌ لتكميل الذات قبل أن يكون لتقويم الآخر. فيتغيّر المنظور: بدلاً من التوبيخ الآني، يختاران الحوار والفهم، يسألان الطفل عمّا دفعه للتصرّف هكذا، ويشاركانه وضع خطة للتصحيح. بذلك يتحول الموقف من عقوبة على الخطأ إلى تعلّم من التجربة، ويصبحان نموذجًا حيًّا أمام الابن في التوازن بين الحزم والرحمة. ومع مرور الوقت، لا يربّيان طفلًا فقط، بل يربّيان نفسيهما على الصبر والعطاء، فيتذوّقان لذّة الأداء في التربية بوصفها فعل حب واعٍ وشكر مستمر لله على نعمة الأمانة.

ثانيًا: إن جزءًا من تقديرك لذاتك وثقتك بنفسك هو إدراك جوانب قوتك لتعزيزها وجوانب ضعفك لتطويرها. كُن مؤمنًا بنفسك إلى الدرجة التي تعمل معها على تحسينها ذاتيًا، فتكتسب الخبرات والتجارب من خلال تعاملك البنَّاء مع الآخرين دون الاتكال عليهم أو التعلّق بهم أو اتبّاعهم. لست بحاجة إلى التماهي مع آراء من حولك، أو الحصول على موافقتهم، أو لفت انتباههم، أو اختبار قيمتك الشخصية من خلالهم، فأنت قادر على الانفتاح على الآخرين والبناء معهم وبهم دون التخلي عن قيمك، فتنتقي الطيب الصالح ممن حولك، وترى الجمال والحسن في عباد الله، ولو اختلفوا عنك أو خالفوك.

بالطبع، لا يعني أي من ذلك أن تُحجم عن الأخذ والعطاء المتزن في المعاملات الإنسانية بحجة الاكتفاء الذاتي، فتمسي كما الجزيرة المعزولة. إذ تشبه توليفة الحب والخير النهر الذي يجري، يخرج من نقطة ويصب في أخرى، وقدَرُه أن يكون في دفق دائم وإلا تحوّل إلى بركة ماء آسن.

لنأخذ مثالا على ذلك، شاب يعيش صداقة قوية لكنه يلاحظ أن صديقه يميل للهيمنة في الرأي. بدلاً من الصدام أو الذوبان، يختار طريق التوازن: ينصت ويفهم، ثم يعبر عن وجهة نظره بهدوء وثقة. لا يهاجم ولا ينسحب، لأنه يدرك أن قوته في الوعي بذاته لا في فرضها أو محوها. بهذه الطريقة، يُعلّم نفسه احترام الآخر دون تبعية، ويُعلّم الآخر أن الاختلاف لا يفسد الودّ بل ينضجه. إنه يعيش مفهوم الانفتاح دون فقدان الهوية.

وخذ مثالا على امرأة تعيش مرحلة بحث داخلي عن معنى حياتها، فتقرأ كتبًا وتتابع محاضرات وتستمع لنصائح كثيرة، لكنها لا تتبنى ما تسمعه حرفيًا. تأخذ وتفكّر، تُجرّب وتعيد النظر، لأنها تعلم أن كل معلومة من الخارج إن لم تمرّ عبر غربال التجربة ستظل غريبة عنها. بذلك، تبني ذاتها لا كنسخة من فكر غيرها، بل كصوت أصيل يتشكل من الحوار مع العالم. ولأنها صادقة في الإصغاء إلى الحياة، تنفتح على الآخرين ولكن من عمقها، لا من فراغ التبعية.

ثالثًا، كُن منضبطًا، ولينبع هذا الانضباط من داخلك. إنه هدية منك إليك؛ لا يمكن لأحد أن يعطيك إياه، كما أنك لا تستطيع أن تشتريه من دكان أو تتفاوض بشأنه مع أحد. إنه إجراء فردي تقوم من خلاله بضبط وتعديل سلوكك عن طريق إحداث تغييرات داخلية (ذاتية) أو خارجية (بيئية). 

تصور، شابّا يقرر أن يستيقظ يوميًا قبل شروق الشمس ليبدأ صباحه بالتأمل أو الرياضة، لكنه لا يفعل ذلك بدافع خارجي أو خوف من الفشل، بل إحساسًا داخليًا بأن هذه الدقائق تمنحه اتجاهًا متوازنًا لليوم.  يربط بين الانضباط والكرامة الداخلية؛ إذ يرى في كل التزام صغير تجسيدًا لاحترامه لذاته. هنا يصبح الانضباط فعل حبّ، لا قيدًا. وتصور طالبة تجد أن جوّ منزلها مزدحم ومشتت، فتخلق لنفسها بيئة مساعدة: تنظّم مكتبها، تحدّد أوقاتًا محددة للمذاكرة، تغلق الهاتف في الساعات المخصصة للتركيز. ما تفعله ليس قهرًا للنفس بل هندسة للبيئة كي تدعم الهدف. إنها تستخدم الانضباط البيئي كأداة لتذكير الداخل بأن له رسالة.

أنت تقود نفسك، ويمكنك أن تقود نفسك ولأشاركك ما أوردته رائعة الإمام علي بن أبي طالب في تعامل المتقين مع أنفسهم: “إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ“.  نعم، إنه أخذ وعطاء مع النفس. عاقبها إن أساءت، وأجِّل متعتها حتى تلتزم بواجباتها ولا تتردد في ذلك لحظة. فإن تركتها، جرتك وراءها إلى طرق تشبهها ولا تشبهك.

ثم عزز سيطرتك على انفعالاتك. فمن بين كل الأمور التي يجب عليك التحكم بها، تبقى العاطفة هي الأهم وهي الأصعب في الوقت نفسه، وقد أسهبت خطبة المتقين في ربط التقوى بالتحكم بالعواطف، فجاء التالي في وصف المتقين:

“تراه…. مَكْظُومًا غَيْظُهُ، الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ، يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيدًا فُحْشُهُ، لَيِّنًا قَوْلُهُ، غَائِبًا مُنْكَرُهُ، حَاضِرًا مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلًا خَيْرُهُ، مُدْبِرًا شَرُّهُ، فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ، لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ، يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ، وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ“.

نحن مطالبون بالسيطرة على أفعالنا وانفعالاتنا على صعوبة ذلك، فتبعية الأعمال لأصحابها أصل من أصول تجربتنا الإنسانية، إذ إن (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (سورة المدثر – 38) ولكن بالرغم من وضوح هذه الحقيقة، إلا أن الكثيرين يفشلون في البناء عليها لحظة اتخاذ القرار، فينتهي بهم الأمر بالقيام بردود أفعال تجاه المؤثرات الخارجية عوضًا عن تقديم استجابة لها، وغالبًا ما تصب ردود الأفعال تلك في صالح كيان النفس لا الروح. ولنستمتع في رحلتنا هذه، فالاستمتاع بالأداء دافع للبناء. 

قد يبدو الأمر بسيطًا ونحن نسرده في سطور قصيرة، وقد نعبر عنه على عجالة ونحن نطارد الحياة أو تطاردنا، وقد نعبر عنه على مهل ونحن نحتسي كوبًا من القهوة. ولكننا، انتهاءً نعبر، وأنا أدعوك لتبقى حاضرًا وواعيًا، وأن تستمتع بتجربة الحياة. 

حين تتأمل قصتك الصغرى؛ تفاصيل يومك، تعب علاقاتك، محاولاتك في العمل، تربية أبنائك، صراعاتك مع نفسك… تذكّر أن كل هذا ينساب في القصة الكبرى التي تعيشها روحك أمام الله. كل نقد تتلقاه في عملك، وكل حوار هادئ مع طفل، وكل موقف تختار فيه الانفتاح الواعي على من حولك، وكل انضباط صغير تمارسه في عزّ التعب؛ خيط دقيق يحيك ثوب حكايتك الأبدية.

في كل مرة تراجع فيها سلوكك، وتعدّل نيتك، وتضبط انفعالك، وتحوّل موقفًا عابرًا إلى مساحة نموّ، تمنح قصتك الكبرى صفحة جديدة أرقى من التي قبلها. حياتك الدنيوية لا تنفصل عن مسارك الروحي؛ أنت في كل قرار، في كل استجابة، في كل لحظة وعي، تكتب سطرًا في الحكايتين معًا: حكاية الجسد الذي يعمل ويتعلم ويتعثّر، وحكاية الروح التي تتدرّب على التقوى وتقترب خطوة خطوة من مليكها.

حين تنهي هذه الصفحات، خذ دقيقة واحدة واسأل نفسك: 

كيف تحيك اختياراتي الصغيرة اليوم شكل قصتي الكبرى غدًا؟

هذا السؤال يردّك إلى مركزك الحقيقي، ويذكّرك أن أجمل ما تفعله بحياتك القصيرة أن تحوّلها إلى جسرٍ مضيء بين الدنيا التي تعيشها الآن، والدار التي تمضي إليها روحك في نهاية الرحلة.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *