القِوامة وعيٌ وليست قهرا

حين يتحوّل التكليف إلى سلطة

اشتُهرت في الوجدان العام آيةُ القِوامة، حتى غدت وكأنها تعني تفويضًا إلهيًا لسلطة الرجل على المرأة. غير أنّ القراءة الهادئة تُظهر أن ما يُتداول اليوم باسم “قِوامة الرجل” لا يصدر عن روح القرآن بقدر ما هو امتدادٌ للتاريخ وموروثه الأبوي، الذي حوّل المسؤولية إلى رخصةِ حكم، والرعاية إلى لغةِ تفوّق.

إن العودة إلى النصّ بروح التجديد ليست خروجًا عليه، وإنما وفاءٌ لمعناه الأصلي: أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة ميزانًا للعدل والرعاية المتبادلة، لا ساحةَ غلبةٍ أو تنازع.

فالقرآن حين يصف: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ (النساء: 34) فهو لا يتحدّث عن امتيازٍ نوعي، وإنما عن مسؤوليةٍ سلوكية مرتبطة بالقدرة والعطاء، تارة للرجل وأحيانًا للمرأة.

فالآية جاءت في سياقٍ كان فيه الإنفاق والرعاية من مسؤوليات الرجل بحكم البنية الاجتماعية في زمن التنزيل، فجاء الخطاب لتقويم هذا الواقع لا لتخليده، ومن رحم ذلك الظرف نشأ مبدأٌ متحركٌ مع تبدّل الزمان، فكلّ من قام بالإنفاق والرعاية والعدل استحقّ القِوامة بوصفها مسؤولية أداءٍ لا رتبة امتياز، وهكذا يبقى الثابت هو القيمة (القيام بالعدل)، ويتغيّر الحاملُ لتلك القيمة بحسب القدرة والظرف، وعليه فالقِوامة وظيفةٌ تتغيّر بتغيّر من “يقوم”، وليست وِسَامًا فطريًّا يُورّث للأبد.

أولاً: القِوامة تكليفٌ بالقيام وليست وسيلة تسلّط

جذر الكلمة “قَوْم” في العربية يفيد النهوض ولا يفيد القهر. القِوامة في ضوء هذا الفهم هي التزامٌ بالقيام بشؤون العلاقة: رعايةً، وعدلاً، وإنفاقًا، وتحمّلاً للمسؤولية. فهي توجّه القوة نحو العدل، ولا تُحوّلها إلى أداة هيمنة. ومن ثمّ، فحيث وُجد الإنفاق والرعاية وُجدت القِوامة، سواء مارسها الرجل أو المرأة، لأن معيارها لا يقوم على الجنس وإنما على القدرة على النهوض بالآخر.

ثانيًا: من النصّ إلى التراث… أين وقع الالتباس؟

حين غلبت النظرة الذكورية على العقول في الأجيال التي تلت عصر التنزيل، قرأ بعض الفقهاء النصّ الحكيم من داخل مجتمعٍ يَعدّ الإنفاق وظيفةً ذكوريةً خالصة، فحُوّلت القِوامة إلى تفاضلٍ بنيويٍّ دائم، وفي الحقيقة هو تجميدٌ للمتغيّر في صورة المطلق، فما كان تنظيماً لعلاقةٍ اجتماعية محدّدة، تحوّل مع الزمن إلى مبدأ تفوّق، واستُخدم لتبرير ما لا يقرّه النصّ ولا مقاصده العليا.

التجديد هنا لا ينقض التراث، وإنما يعيد غربلته وتمييزه، ويفصل الزمانيّ الذي مضى عن الإنسانيّ المقاصدي الساكن في روح النص الرباني.

ثالثًا: القِوامة في الرؤية التجديدية – من التراتبية إلى التبادلية

في ضوء التجديد، يُعاد للمعنى جذره الأخلاقي: فالقِوامة أن أكون مسؤولًا عن قيام العلاقة بحدود قدرتي، من غير أن أجعل منها سلطانًا على الآخر.

بهذا المنطق، تصبح القِوامة صفةً مشتركة بين الرجل والمرأة في نطاق التكليف، دون أن تكون رتبةً ثابتة لأحدهما. فكلّ موضعٍ تتحقّق فيه الرعاية تتحقّق فيه القِوامة، وكلّ مجال يُبذل فيه الجهد والمشاعر والوقت يتحقق فيه معنى المسؤولية.

رابعًا: القِوامة كوعيٍ معاصر – مسؤولية الرجل والمرأة اليوم

كيف يفهم الرجل الواعي قِوامته اليوم؟

الرجل الواعي لا ينظر إلى القِوامة كمنصبٍ يُخوّله السيطرة، وإنما كفرصةٍ لإثبات نُضجه وتحقيق مسؤوليته. قِوامته الحقّة أن يكون سندًا لا متسلّطًا، وأن يدير الفعل بحكمةٍ لا بأمر. هو الذي يدرك أن النفقة ليست مجرّد مال، بل عطاءٌ نفسيّ وعقليّ وعاطفيّ، وأن القيام بالمرأة يعني أن يتيح لها المساحة لتنهض بذاتها، لا أن يقيد طاقتها في ظِله.

وحين يصبح الرجل حاميًا لكرامتها قبل جسدها، ومدافعًا عن حريتها قبل ماله، يكون قد بلغ أرقى درجات القِوامة: قِوامة الوعي.

كيف تفهم المرأة الواعية القِوامة اليوم؟

المرأة الواعية لا تتخذ موقع الدفاع عن “الندية”، فهي تعي أن القِوامة ليست خصمًا لمساواتها، إنما شراكة في تبعات المسؤولية. تدرك أن قيام الرجل بها لا ينتقص من استقلالها، كما أن قيامها ببعض وجوهها لا يضعف رجولته. تتعامل مع القِوامة بوصفها تنظيمًا للأدوار بحسب القدرة والظرف، لا إعلانًا لحربٍ بين الجنسين. كما تعلم أنها حين تمارس رحمتها وعدلها وشجاعتها الفكرية، فهي تحقق إنسانيتها، وهي في تلك اللحظة قوّامة بالمعنى الأسمى.

خامسًا: نحو وعيٍ اجتماعيّ جديد

لقد آن الأوان للأمة أن تستفيق إلى أن القِوامة ليست حقّ امتلاكٍ أو تفوّقٍ ذاتي، بل ميثاقُ تكليفٍ وعدل. فبعض الممارسات الاجتماعية القديمة أساءت فهمها فجعلتها أشبه بعلاقة تَملّك، بينما القرآن جعلها عهدًا للرعاية والمسؤولية. ومتى أدرك كلٌّ منّا موقعه في هذا الميثاق، تحولت القِوامة من عنوان تفاضلٍ إلى جسر تكاملٍ، ومن شعارٍ فقهيّ إلى قيمة حضارية تؤسس لبيتٍ عادلٍ ومجتمعٍ متوازن.

إنها لا تُعطى للذكر ضدّ الأنثى، وإنما تُمنح للإنسان بمقدار وعيه ومسؤوليته في وجه الفوضى والأنانية، ومتى أدرك كلٌّ منّا موقعه في هذا الميثاق.

القِوامة عودة إلى جوهر الإنسان

القِوامة في جوهرها أن ينهض أحدُنا بالآخر حفاظًا على كرامته وتمام إنسانيته. هي ليست سلطةَ أحدٍ على أحد، وإنما عبورٌ متبادلٌ نحو مستوى أعمق من الوعي.

فعندما يقوم الرجل بالرعاية حبًّا، وتنهض المرأة بالمساندة ثقةً، يتشكّلان معًا كصورةٍ واحدة لإنسانٍ مكتملٍ ينهض بالعالم من داخله. القرآن لم يجعل القِوامة مقامًا للفصل بين الجنسين، وإنما عهدًا للجمع بينهما. فأن تقوم بالآخر بحقّ، هو في حقيقته قيامُك لله في خلقه.

ملاحظة ختامية:

هذا المقال يركّز على البعد المفاهيمي لعبارة “الرجال قوامون على النساء” كما وردت في الآية الكريمة، لا على جميع تفاصيلها التشريعية والواقعية. والقراءة هنا جزء من مشروع أوسع يُعيد تأمل الآية كاملةً بوصفها خطابًا ينهض بالإنسان إلى العدل والرعاية والمسؤولية المتبادلة، لا تفضيلًا مستندا على الجنس. فالمقصود تحليل المفهوم الأساس للقِوامة بوصفه تكليفًا بالقيام، على أن يستمر الجهد وتتكامل سائر الأبعاد في مقالات لاحقة مستقبلا.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *