المرشــح ذو العـين الواحدة

لو سئل أحد المرشحين للمجلس النيابي عن برنامجه الانتخابي وأهدافه التي يسعى لتحقيقها فيما لو فاز بأحد المقاعد، لأجابك (إن كان لديه برنامج) بإجابة عصماء لا شية فيها تسر السامعين، ولو سألته هل أن هدفك من الترشح هو تحقيق ذلك البرنامج خدمة للوطن والمواطن؟ لأجابك قائلا: بكل تأكيد، وليس لدي أية مطامع وأهداف شخصية أخرى أسعى لتحقيقها سوى هذا الأمر، ولو سألته هل توافق على أن يقوم شخص آخر بتحقيق هذه الأهداف عوضا عنك في المجلس النيابي؟ بالطبع لن ننتظر الإجابة بـ (نعم) من هذا المرشح لأنه غير موجود أصلا على أرض الواقع، بدليل هذه الحرب الطاحنة على الدوائر الانتخابية بين أفراد الحزب الواحد والطائفة الواحدة، فما بالك بالمخالف الذي تمترس خلف مجموعة من الحواجز المصطنعة والتاريخية التي تزيد وتتشابك يوما بعد آخر، وكأننا لسنا أبناء أمة واحدة ووطن واحد. ويذكرنا هذا الحوار الافتراضي بقصة الحكيم بهلول الذي سأل الوالي الإسلامي الذي كان يدشن مسجدا جديدا أطلق عليه اسمه المعظم، حيث سأله بهلول هل بنيت هذا المسجد لله سبحانه ولنيل رضوانه؟ فقال الوالي نعم، قال له بهلول إذا سمه باسمي، وهنا ثارت حفيظة الوالي على هذا التعدي على ساحته المقدسة.

إن إحدى مشكلاتنا الأساسية أننا ننظر للأشياء بعين واحدة فحسب، سمي هذه العين ما شئت (مذهب أو طائفة أو قبيلة أو حزب وجمعية أو ذات) بينما الرؤية الصحيحة والكاملة للأمور ينبغي أن تتم بعينين مفتوحتين دائما، ففي ذلك مصلحة الوطن والمواطن، وهي عملية تحكمها قواعد وضوابط إنسانية ودينية قبل كل شيء، ولكن ينساها الكثيرون أو يتجاهلونها في غمار اندفاعهم للسيطرة على مقاعد المجلس النيابي الذي لن يحقق أي طرف فيه أي شيء إلا مصلحته الشخصية فقط، مادام ينظر للأمور بعين واحدة فحسب، وهذا ما لمسناه في التجربة السابقة للمجلس ونحن نرى أمام وسائل الإعلام جولات المصارعة الطائفية الرخيصة والضرب والشتم واللكمات والدسائس وشراء الأصوات ووالخ، بحيث ملأ الضجيج والجدل صفحات الجرائد والمجالس الأهلية والمنتديات وأجج نار الفتنة من قبل مجموعة كان من المفترض أن تكون نخبة المجتمع وقدوته. وهانحن نرى تبعات هذه الحرب المتخلفة التي تدور رحاها على حساب الوطن والمواطن من كلا الطائفتين الكريمتين، من تحشيد وتجنيس وتوظيف سيئ للقانون وللدين بسابقة لا مثيل لها في أي بلد آخر خاض تجربة الإصلاح ومارس الحياة الديمقراطية.

إن كل مواطن غيور يعتريه الشعور بالخوف على هذا الوطن العزيز وعلى مستقبل الأجيال القادمة من أبنائه، وهو يراقب عن كثب التطورات والتداعيات السياسية والاجتماعية التي تتفاعل على الساحة المحلية، حيث كان يجب ان تتحول وتسود فيه المفاهيم الديمقراطية كثقافة وتربية خصوصا وان هذا الوطن يمتلك تاريخا ومكونات وطاقات إبداعية خلاقة يمكن أن تجعل منه رائدا للديمقراطية في منطقتنا.

ولكن الذي نراه على أرض الواقع هو أن أقطاب اللعبة الانتخابية يسعون لتوجيه حركة الجماهير لصالحهم بشتى الطرق الأخلاقية وغير الأخلاقية ولغير صالح الوطن، كما أن خطابهم ينطوي على الكثير من النفاق السياسي والأخلاقي الذي أصبح سمة لا تثير في متوليها أي شعور بالخجل أو الحياء. وهنا فقط يقف إنسان هذا البلد حائرا إزاء هذه الازدواجية وحالة النفاق السياسي والأخلاقي، ناهيك عن التشدق بالوطنية والحرص على وحدة البحرين والخوف من تمزيقه أو انزلاقه إلى فتنة طائفية، ولا يخفى على المواطن ما يراد لهذه المزايدات من تحقيق أهداف وغايات لا تمت إلى الوطنية أو الوحدة الوطنية ومصلحة العباد والبلاد بأي صلة تذكر سوى المصالح الشخصية والحزبية الضيقة والمنافع الشخصية ليس إلا، وتكريس لحالة الموت الفكري والخواء السياسي والتراجع والعودة إلى ما قبل الإصلاح وكأن عملية الإصلاح قد أضرت بمصالحهم أيما ضرر.

إنهم يسعون إلى تكريس الصراع المذهبي والسياسي وتعميق الهوة بين أفراد الشعب.. أقول الذي لا يختلف عليه عاقلان هو أن المجتمع البحريني تشكل من طائفتين كريمتين. إلا أن الحالة لم تكن يوما من الأيام مدعاة للتنافس السياسي وإذكاء نار الفتنة لتحقيق مآرب سياسية كما يحصل اليوم إلا أيام الاحتلال البريطاني.

نحن بحاجة إلى خطاب سياسي أخلاقي بالدرجة الأولى قبل أن يكون خطاب (الاستحقاقين الانتخابي أو المذهبي) لنتمكن من أن نؤسس للعلاقة بين فئات المجتمع وألوانه المختلفة أصلا وان هذه المهمة إنما هي من صلب مهمات النخب الفائزة.

نحن من يصنع الحياة على الأرض، ولا بد أن نكون في مستوى صناعة هذه الحياة، التي تتطلب جهدا وعناء أكثر من اللهث وراء المواقع والمغانم على حساب معاناة الناس وشقائهم، وعلى حساب الأوطان وسبل تقدمها.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *