قراءة نفسية إيمانية في ضوء القرآن والواقع المعاش
تخيّل ميزانًا دقيقًا، لا يُرى بالعين، لكنه حاضر في كل موقف نعيشه. يظهر فجأة في مكان العمل حين يُشاد بزميلٍ، فيسري في الداخل شعورٌ غامض لا يُسمّى، ويعود للظهور في العائلة عندما يُقارن أخٌ بأخيه، أو حين يُذكر قريبٌ بوصفه أنجح أو أكثر استقرارًا. حتى في دوائر الصداقة، وفي ساحات التعلّم، وفي المجالس التي يُفترض أنها آمنة، يعمل هذا الميزان بصمت، مرجّحًا كفّةً، ومُربكًا أخرى. على إحدى كفّتيه همسةٌ خفيّة تقول: أنا أقل… أو أنا أفضل، وعلى الكفّة الأخرى يقف سؤالٌ غالبًا ما يُهمَل: بأيّ معيارٍ أقيس نفسي؟
المقارنة في أصلها ليست خطأً أخلاقيًا، بل آليةٌ نفسية فطرية. يعرّفها علم النفس الاجتماعي، من خلال نظرية المقارنة الاجتماعية لليون فستنغر (Festinger)، بأنها محاولة الإنسان تقييم ذاته وقدراته وأفكاره من خلال مقارنة نفسه بالآخرين، خاصةً حين تغيب المعايير الموضوعية الواضحة. فالإنسان لا يعيش في فراغ، وهو في حاجة إلى مرآةٍ يرى فيها موقعه، وكانت المقارنة دائمًا إحدى هذه المرايا.
لكن لماذا نقارن أصلًا؟ لأن الإنسان كائنٌ باحث عن المعنى، فالمقارنة تساعده على فهم موقعه في العالم، وتثبيت هويته، والإجابة عن سؤالٍ داخلي لا يهدأ: من أنا بين الآخرين؟ وهي كذلك وسيلةٌ لقياس القيمة الذاتية من أجل الشعور بالاطمئنان، لا من باب التفوق بالضرورة. فالطالب مثلًا يقارن نفسه بزملائه ليعرف إن كان يسير في الاتجاه الصحيح، والموظف قد ينظر حوله ليلتمس مكانه في المنظومة، وحتى الطفل يفعل ذلك قبل أن يمتلك لغةً تشرح ما يشعر به.
غير أن الإشكال يبدأ من العلاقة غير المحسومة مع الاختلاف، وليس من المقارنة نفسها. فالاختلاف حقيقةٌ نفسية واجتماعية لا مفرّ منها: اختلافٌ في القدرات، وفي الطباع، وفي الإيقاع، وفي التجارب، وفي الفرص. وحين لا يتعلّم الإنسان تقبّل هذا الاختلاف، تتحوّل المقارنة من أداة فهمٍ إلى أداة صراع داخلي. فبدل أن يقول: نحن مختلفون، يبدأ لا شعوريًا بالقول: أنا أدنى… أو أنا أفضل. وهنا تحديدًا يبدأ الميزان بالاختلال.
نفسيًا، تتخذ المقارنة أشكالًا متعددة. فقد تكون المقارنة تصاعدية، حين يقارن الإنسان نفسه بمن يراهم أفضل أو أنجح، وهذا النوع قد يكون محفّزًا إذا صاحبه وعيٌ وواقعية، لكنه يصبح مُنهكًا حين يتحول إلى جلدٍ دائمٍ للذات وشعورٍ بالنقص. وقد تكون المقارنة تنازلية، حين يقارن الإنسان نفسه بمن يراهم أقلّ، طلبًا للراحة أو الطمأنينة، لكنها قد تنزلق بسهولةٍ إلى استعلاءٍ خفيٍّ أو شعورٍ زائفٍ بالأمان. وهناك أيضًا المقارنة الداخلية، وهي الأكثر نضجًا، حين يقيس الإنسان نفسه بنفسه عبر الزمن، فيسأل: هل تقدّمت؟ هل نضجت؟ هل تغيّرت؟
ولا يتساوى الناس في علاقتهم بالمقارنة؛ فبعض الشخصيات أكثر عرضةً للانجراف فيها من غيرهم. فمثلًا، الشخصيات الساعية إلى الكمال (Perfectionist) تميل إلى ربط قيمتها بالصورة المثالية، فتتحول المقارنة عندها إلى مصدر ضغطٍ بدل أن تكون مصدر نمو. كما أن من نشأوا في بيئاتٍ اعتادت المقارنة وسيلةً للتربية، يحملون هذه العادة معهم فتصبح لغةً داخلية مستمرة لحديث النفس. وهناك من يعانون هشاشةً في تقدير الذات، فيستخدمون المقارنة إما لتأكيد النقص، أو لتعويضه بشعورٍ استعلائيٍّ خفي. أما الناجحون فقد يقعون في فخ المقارنة أيضًا، وذلك حين تتحول الإنجازات إلى هويةٍ يُخشى فقدانها.
من المفيد إدراك أن المقارنة لا تُنتج شعورًا واحدًا، بل تفتح طيفًا وجدانيًا متدرجًا. تبدأ بملاحظة الآخر، ثم مقارنة، ثم تقييمٍ للذات، يعقبه انفعال. فإذا كان الوعي حاضرًا، تحوّلت المقارنة إلى إعجابٍ أو إلهام، وإذا اختلّ الاتزان الداخلي، ظهرت الغيرة خوفًا من فقدان قيمةٍ أو مكانة، ومع تراكم الشعور بالنقص قد تنقلب إلى حسد، حيث يُختزل معنى القيمة فيما لدى الآخر. وفي المقابل، حين يُعاد توجيه هذا التوتر نحو العمل الواعي، يمكن أن يتحول إلى منافسةٍ صحية لا تقوم على إزاحة الآخر، بل على تطوير الذات. إن فهم هذا الطيف يساعد الإنسان على قراءة مشاعره دون إنكارٍ أو إدانة.
الخطر النفسي يكمن في فقدان الرضا، فالرضا لا يعني الاستسلام أو قتل الطموح، بل القبول الهادئ بالواقع كنقطة انطلاق، لا كنقطة حكمٍ نهائي. وحين يغيب الرضا، تتحول المقارنة إلى أرضٍ خصبةٍ للضيق المستمر، والقلق الصامت، والشعور المزمن بعدم الكفاية. وقد تتطور هذه الحالة إلى الحسد والغيرة، وهما في جوهرهما تعبيرٌ عن صراعٍ داخلي بين ما يراه الإنسان عند غيره، وما لم يقبله بعد في نفسه. ولهذا، لا يُعالج الحسد والغيرة بكبح المشاعر، بل بإعادة ضبط الميزان الخفي الذي ولّدهما.
تشير تحليلاتٌ ودراساتٌ منشورة في Harvard Business Review إلى أن المقارنة المستمرة في بيئات العمل ترتبط بانخفاض الرضا الوظيفي وارتفاع مستويات التوتر والإرهاق النفسي، خصوصًا حين تُربط القيمة الذاتية بالدرجة أو الأداء النسبي، لا بالمعنى والاتساق الداخلي. واللافت أن هذا الأثر يصيب المتفوقين بالإضافة إلى من يشعرون بالنقص، لأن المقارنة حين تصبح نمطًا، لا تعرف نهاية. ومن هنا، لا تبقى المقارنة مفهومًا نظريًا، بل تتحول إلى تجربةٍ يومية نعيشها دون أن ننتبه إلى أثرها العميق في دواخلنا.
في أحد فرق العمل، أُعلن عن ترقية موظفٍ بهدوء، فلم يقل زميلُه شيئًا، لكنه عاد إلى مكتبه ذلك اليوم مثقلًا بسؤالٍ لم يُفصح عنه لأحد: هل قصّرتُ… أم أنني قست نفسي بميزانٍ لا أعرفه؟ هذا السؤال المكتوم يختصر كيف تنتقل المقارنة من مجرد ملاحظةٍ عابرة إلى مراجعةٍ داخلية قد تكون بنّاءة أو مُنهِكة، تبعًا للميزان الذي يحكمها.
في هذا السياق النفسي، ينتقل القرآن بالمقارنة من مستوى السلوك إلى مستوى الميزان القيمي، فأول مقارنةٍ في التاريخ لم تكن بين عملين، بل بين ذاتين، حين قال إبليس: “أنا خيرٌ منه”. لم يكن اعتراضه على التكليف، بل على المعيار، فجاء التصحيح الإلهي ليعيد معيار التفاضل إلى موضعه الصحيح: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، ثم جاء التحذير الحاسم: “فلا تزكوا أنفسكم”. فالتفاضل واقع، لكن الخطأ يبدأ حين يتحول إلى حكمٍ يتداوله البشر، لا ميزانٍ إلهي.
وفي مقابل المقارنة المرضية، يفتح القرآن بابًا مختلفًا للسعي: “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”. فالتنافس هنا ليس صراعًا على المواقع ولا سباقًا على الظهور، بل حركةٌ داخلية نحو القيم. فالتنافس الإيجابي يدفع الإنسان لأن يسأل: ماذا يمكن أن أكون؟ بينما الاشتغال بالمقارنة يدفعه لسؤال: أين أنا منهم؟ والفرق شاسع؛ الأول ينمّي، والثاني يستنزف.
ويظهر هذا الميزان بوضوحٍ في السيرة النبوية. فحين فُتح لعبد الرحمن بن عوف في الرزق، لم يكن غناه موضعَ تفاضلٍ ولا ملامة، بل موضعَ سؤالٍ أخلاقي: كيف يُستخدم هذا الفضل ويوظَّف؟ وحين قال النبي ﷺ: “بحسب امرئٍ من الشر أن يحقّر أخاه المسلم”، وضع حدًا صارمًا لكل مقارنةٍ تحيك في القلب وتنتهي باحتقار الآخر، مهما تلونت بلغة الغيرة أو الحرص. ولهذا كان القرآن والرسول ﷺ يحفزان النظر الداخلي بسؤال العشق والمخافة: هل قُبل منا؟ عوض التلهي بسؤال من الأفضل؟ فكانوا يقيسون أنفسهم بأعمالهم لا بغيرهم: (من تساوى يوماه فهو مغبون)، ويتفقدون حالات قلوبهم لا مواقعهم الاجتماعية.
إن المجتمعات الإيمانية ليست بمأمنٍ من المقارنة؛ فهي تتسلل إلى التدين في صورٍ خفية: مقارنةٍ في الالتزام، أو في العلم، أو في القرب من الله، أو في الأثر والدعوة. فيتحول العمل من طريق تزكيةٍ إلى ساحة وزن، فيُقاس القرب بما يُرى في الظاهر ويتناسى المؤمن تفقد قلبه بحثًا عن حقيقة الإخلاص الذي يسكنه. هنا لا تكون المشكلة في التدين نفسه، بل في استخدامه لطمأنة الذات بأنها زكية، أما حين يُعاد الميزان إلى النية والتقوى، ويُفهم العمل الصالح بوصفه عبادةً لا علامةَ تفوق، تستعيد القيم دورها في تهذيب الإنسان بدل تصنيفه.
أما الانتقال من المقارنة المرهِقة إلى المقارنة الناضجة، فيبدأ بإعادة تعريف وظيفتها لا بإلغائها. فحين تُنزع منها مهمةُ قياس القيمة، وتُمنح دورًا معرفيًا، تتحول إلى أداة وعي. فيسأل الإنسان: ما الذي يلهمني فيما أراه؟ بدل “لماذا لستُ مثله؟”، ويترافق ذلك مع تثبيت مرجعيةٍ داخليةٍ للرضا، وممارسة الامتنان التي توسّع إدراك الوفرة وتُضعف منطق الندرة. كما يساعد الوعي بالمشاعر دون اندماجٍ فيها على تحويل مشاعر الغيرة أو الحسد إلى إشاراتٍ للنمو، لا صفاتٍ أخلاقيةٍ ملازمةٍ للفرد ومُدانة. ويبقى للبيئة أثرها؛ إذ إن تقليل التعرّض للمصادر التي تغذي المقارنات السطحية، والبحث عن دوائر تشجع النمو لا التنافس، شكلٌ من أشكال الحكمة النفسية.
حين تُفهم المقارنة بهذا الميزان، يتغير أثرها في الحياة اليومية. ففي العمل، تصبح معيارَ تحسينٍ لا حكمًا نهائيًا، وفي الأسرة، تتحول من أداة ضغطٍ إلى مساحة فهمٍ للاختلاف، أما في العبادة، فتنتقل من استعراضٍ إلى إخلاص. وحتى في عالم التواصل الاجتماعي، يستعيد الإنسان وعيه بأن ما يراه ليس إلا مشهدًا ناقصًا لا معيارًا يُحتكم إليه. عندها يبدأ بسؤال نفسه ليزكيها لا ليجلدها: هل قرّبتني هذه المقارنة من الله؟ هل أنبتت شكرًا أم ضيقًا؟ هل دفعتني للنمو أم للاحتقار؟
في النهاية، بين «أنا خيرٌ منه» و «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» يتجلّى سؤال المقارنة: متى تختلّ، ومتى تهتدي؟ فالمقارنة امتحانٌ لا مفرّ منه، والنجاة فيه لا تكون بإنكاره، بل بضبط الميزان. فالإنسان يولد بكفايةٍ وجوديةٍ أصيلة، وكل شعورٍ بالنقص ليس إلا نسيانًا مؤقتًا لها. وإعادة التذكّر، في هذا المعنى، هي أول أشكال التحرر النفسي، وبداية النضج الروحي.
حين تُقاس النفس بالطريق لا بالناس، تزكو في صمتٍ، وتنمو دون ضجيج. وفي الطريق يبقى السؤال الأصدق هو الزاد الذي يستحق أن يُحمل معنا دائمًا: هل نريد أن نبدو أفضل… أم أن نكون أصدق؟
استجابات