منذ أن رفع الإنسان بصره إلى الغيب، والنص المقدس يرافقه في رحلته الطويلة نحو المعنى. كان يمثّل له وعدًا بالخلاص من الخوف، ورمزًا يُضيء دربه حين تشتدّ الظلمات. لكنه، كما كلّ نورٍ نزل إلى الأرض، لم يسلم من يد التشويه؛ فغدا في أزمانٍ كثيرة سيفًا بيد الملوك، ورايةً في مواكب الطغاة، يُساق باسم الله لتبرير الغزو، ويُرفع لتغطية شهوة الأرض والسلطان. هكذا انقلبت الكلمة التي أُنزلت لتحرير الإنسان إلى وسيلةٍ لاستعباده، وتحوّل الوحي من نداءٍ للحرية إلى وثيقةٍ يوقّع بها المستبدّون صكوك الفتوحات. فكيف اختُطف النور من أصله، واستُبيحت الكلمة التي نزلت رحمةً لتُرفع رايةً على أسوار الطغيان؟
قدّم القرآن الكريم في آيةٍ بالغة المعنى من سورة الحجّ مفتاح هذا اللغز، إذ قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
لم يكن حديث الآية عن خطأ نبيٍّ أو ضعفٍ في الوحي، بل عن سُنّةٍ كونيةٍ في الصراع بين النور والظلمة، بين الحقيقة والتأويل. فحين يتمنّى النبي – أي يتشوّق من أعماقه لصلاح قومه وخلاصهم – لا يقف عند حدود الرغبة، بل يسعى لهدايتهم بكل ما أوتي من صبرٍ وبصيرة، غير أنّ القوى الملتوية في مجتمعه – أي أولئك المغرضين الذين يخشون نور الحقّ لأنه يفضح مصالحهم – ما إن تلمح ذلك التوجّه النبويّ حتى تبدأ بالتسلّل إلى خطّ سير الرسالة، تسعى لحرفها عن مسارها الربّاني، يلوون وجهة معانيها لغير مقاصدها، ويحرّفون الكلم عن مواضعه، لينعطف الوعد الإلهي في أذهان الناس عن وجهته الأصيلة، فيغدو الدين أداةً في يد الهوى بدل أن يكون هاديًا له.
لكنّ الله، بحكمته ورحمته، لا يترك كلمته رهينة أهواء البشر، بل ينسخ ما يُلقي الشيطان – أي يُبطل ما يُضيفه شيطان الإنس من زخرفٍ ومكرٍ وتزييف – فيُرسل من نوره ما يُوقظ الضمائر، ويُثير في القلوب ثورة الوعي من جديد، لتستعيد الحقائق صفاءها الأول كلما غشّاها غبار المصلحة والتأويل. وهكذا تبقى الرسالة، على مرّ العصور، تُصفّى من شوائبها كلما حاولت الأهواء أن تغمرها، لأن الله لا يترك نوره يُطفأ، ولو كره المطفئون.
كم من البشر كانوا صالحين ومسالمين في بداية حياتهم، ولكنهم انحرفوا بسبب إلقاءات شياطين الإنس التي حملت لهم فيروساتٍ نتنة أبعدتهم عن مسارهم الطبيعي! فها هو نيرون الروماني، الذي بدأ شاعرًا محبًّا للفنون، أغوته وساوس المديح الزائف حين تعالت الأصوات تمجّده “عبقريًّا سماويًّا”، فصدق الوهم، وظنّ أنه فوق البشر، فابتلعته نارُ مجده المزيّف قبل أن يبتلع هو مدينة روما. والإسكندر المقدوني – بحسب بعض الروايات القديمة – الذي بدأ قائدًا حالِمًا بوحدة قبائل الشعوب الإغريقية، أغوته وساوس الفلاسفة والكهنة حين لقبوه “ابن الإله زيوس”، فغزا العالم ظنًّا أنه يصنع قدرًا سماويًا. والأمر سيّان مع أبي موسى الأشعري، إذ كان صالحًا في زمن الإمام عليّ، زاهدًا نقيّ السريرة، لكن وسوسة الناس وثقته بنفسه جعلته يخطئ التقدير في التحكيم، فخُدع بدهاء عمرو بن العاص، فمالت الكفة على حساب الحقّ وهو لا يدري. فالعبرة ليست في بداية الإنسان، بل في قدرته على الثبات حين يتعرّض للفتن والوساوس والنكبات.
فالنصوص المقدسة التي جاءت أساسًا لتذكّر الإنسان أنه حرّ، تحوّلت في أيدي المنتفعين إلى نظامٍ يُملي عليه ما يفعل وما يعتقد، ثم يقنعه أن هذا القيد “قدرٌ مقدّس”. هكذا يتحوّل الدين إلى ساحةٍ للصراع بين نورٍ يحرّر ونورٍ يُوظَّف لتثبيت الظلام.
وحين نطالع التاريخ نجد آثار هذا الصراع واضحة؛ فقد أرادت رسالاتُ السماء أن تبذر في الأرض عدلًا ورحمةً وتسامحًا، غير أنَّ السلاطين جعلوا منها ذريعةً للتوسّع ووسيلةً لبناء مجدهم الخاص. رُفع شعار “الله معنا”، لكنّ المعنى الباطن كان “الأرض لنا”. ومع كلّ تكرارٍ لهذا الخطاب، كانت اللغة تتبدّل شيئًا فشيئًا، فتصبح النصوص وعدًا بالنصر العسكري، وتتحوّل مفردات الخلاص إلى شعاراتٍ للتعبئة. ومن هنا يتسلّل الشيطان إلى الأمنية، من باب النية الصالحة التي تُستعمل لتبرير الغاية الفاسدة. نقتل تحت شعار تمكين المؤمنين من حكم الأوطان، نغزو تحت حجة تعليم الجهلاء كلمات الله، نقمع الحريات باسم الدفاع عن المقدّسات، نستبدّ باسم حماية الأقليات، ونوصم المفكرين بالهرطقة بذريعة الدفاع عن الأديان. كلّها تبريراتٌ دينية لغاياتٍ دنيوية، تُخفي خلف قناع الإيمان ظمأ المجد وجشع السلطان.
ولعل أصدق مثالٍ على ذلك ما حدث حين غزت أوروبا المشرقَ إبان الحروب الصليبية تحت شعار “هكذا يريدها الله”، وحين استباح الإسبان والبرتغاليون قاراتٍ بأكملها باسم “تبشير الوثنيين”، وحين رفع الاستعمار الحديث راية “تمدين الشعوب” ليُخفي نهبه واستعباده. لتعود الفكرة هي هي بثوبٍ جديد مع جماعاتٍ تقتل باسم الإسلام الحنيف، ومع المشروع الصهيوني الذي جعل من “وعد الله” مبرّرًا لاحتلال أرض فلسطين. هكذا ظلّ الدين في أيدي الطغاة جسرًا إلى السلطة، لا طريقًا إلى الخلاص.
لا شكّ أن السلطة تدرك جيّدًا أن الإيمان طاقةٌ لا تُقهر، لذلك سعت دائمًا إلى امتلاكها. فأعادت تفسير النصوص المقدسة لتُطابق مشروعها، وحوّلت الوعد الإلهي من رجاءٍ في القلب إلى برنامجٍ سياسي على الأرض. فشيّدت على النصوص مشاريع قومية أو طائفية، وقيل للناس إن المنتصر “المتغلّب” واجب الطاعة، فهو مختارٌ من الله، أو أن الحاكم هو ظلّ الله أو ممثل أهل البيت في الأرض، وإن الآخرين خارجون عن الخطة السماوية. وهكذا تمّت تصفية المعنى الأخلاقي للنص، لتستبدل مكانه كلماتٌ شيطانيةٌ خدّرت وعي الناس.
أخطر ما في استغلال النصوص المقدسة سياسيًا هو حين يُلبس الطمعُ ثوبَ الإيمان، ويُفهَم العدوانُ على أنه عبادة، ويُصوَّر الاحتلالُ كتحقّقٍ لوعدٍ إلهيٍّ مقدّس، وتتحوّل كلماتُ السماء التي نزلت لتهدي القلوب إلى شعاراتٍ تُقاد بها الجيوش. حينها تلتبس الأصوات، وترتبك النفوس، فيفقد الناس قدرتهم على التمييز بين من يدعوهم إلى الحرية ومن يسوقهم إلى العبودية.
لكنّ الآية القرآنية تعود لتذكّرنا بالميزان: “ثم يُحكم الله آياته”، فمهما غلبت الأصوات الزائفة، يظلّ في عمق التاريخ لحظةُ تصحيحٍ إلهي تعيد للنور بوصلته. فيخرج من بين الناس من يقرأ النص بضميرٍ حيٍّ، ويعيد إليه معناه الإنساني الأول، ويذكّر بأنّ الله لم يُرسل أنبياءه ليبنوا إمبراطورياتٍ مستبدّة، بل ليصنعوا هويةً إنسانيةً كريمة. هذا هو النسخ في بُعده الوجودي: أن يُمحى ما أضافه الشيطان من ظلام، ليبقى من الكلمة ما يوازي نور الله في القلب.
بهذا المعنى، لا يكون النص المقدس وعدًا بزمنٍ أو ملكٍ أو نهاية، بل نداءً متجددًا في أعماق الإنسان كي يستيقظ من غفلته ويتذكر أنه مسؤول عن حريته، وأن الخلاص يبدأ أولًا من الداخل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد).
فالمعركة الحقيقية ليست بين الأمم، بل بين وعيٍ يُنير وظلمةٍ تُعمي داخل كل نفسٍ بشرية. وحين يستعمل السياسي أو رجل الدين هذا النداء ليخيف الناس أو ليقنعهم بالاستسلام، فإنه يُلقي بظله على نور النص المقدس، يُلقي في مقاصد النص وأمنيات الأنبياء بهداية الناس ليختطف أقدارهم. لكنّ الحقيقة والتاريخ يشهدان أن الظل لا يدوم، وأن النور مهما حُجب يفضح كل استعارةٍ زائفةٍ لوجه الله.
ليس الحل في إقصاء الدين، بل في ردّه إلى غايته ومقاصده. فكل تأويلٍ يعيد للنص معناه الإنساني هو فعل مقاومةٍ ضد الجهل، وضد تسليع المقدّس، وضد تحويل الله إلى راعٍ لمصالح فئةٍ دون أخرى. إنها مقاومةٌ فكريةٌ وروحيةٌ في آنٍ واحد، تذكّر الإنسان بأنّ الله لم يكلّمه ليُخضعه، بل ليجعله خليفةً على الأرض. ولهذا يحتاج العالم اليوم إلى نوعٍ جديدٍ من القراءة؛ قراءةٍ لا تبحث في النصوص عمّا نملك، بل عمّا ينبغي أن نكون؛ أن ننتقل من سؤال: “ماذا وعدنا الله أن نملك؟” إلى سؤال: “ماذا دعانا الله أن نصنع في ذواتنا؟”. فالرسالات لم تنزل لتقسيم الأراضي أو لاستعمار الأوطان، بل لتفتح في الروح مساحاتٍ جديدة من الوعي. والمستقبل لا ولن يكون لمن يشرّعون باسم الغيب، بل لمن يفهمون أن الغيب نداءٌ مفتوح نحو مزيدٍ من العدل والعقل والمحبة.
خلاصة القول: إن النصوص المقدسة ليست ملك أحد، بل هي نورٌ مشاعٌ بين البشر، يأخذ منه كلٌّ بقدر صفاء قلبه. ومن يجعلها جدارًا يفصل الناس يفقد معناها، ومن يُصغِ إليها في عمق روحه يجدها طريقًا إلى الله والإنسان معًا. إنّ أخطر لحظةٍ في التاريخ هي تلك التي يُستعمل فيها المقدّس لتخدير ضمائرنا، وأجملها تلك التي يعود فيها المقدّس إلى دوره الحقيقي: أن يوقظ الضمير من سباته.
فكلمة الله وُجدت لتُحرِّر، وكل محاولةٍ لتحويلها إلى سلاحٍ ستسقط أمام حقيقتها الأولى.
لا ولن يحمي الوحي من الاختطاف إلا الوعي، ولن يستعيد الخطاب الديني صفاءه إلا إذا أُدرك أن الله لا يحتاج إلى جنودٍ يرفعون اسمه فوق الرايات، بل إلى قلوبٍ تقيم العدل باسمه. فالله لا يدعو الإنسان إلى أن يقتل المختلف الآخر باسمه، بل إلى أن يُنصفه باسمه، ولا أن يبني عرشًا، بل أن يبني نفوسًا شريفة.
استجابات