النظارات السوداء: حين يسرق التشاؤم أجملَ ما فينا

التشاؤم

في عالمٍ يميل إلى تسليط الضوء على الخطأ أكثر من الصواب، تصبح نظرتُنا نحن هي مرآتنا للعالم.

هذا المقالُ محاولةٌ لاستعادةِ التوازن بين الضوء والظل داخل عيوننا قبل واقعنا.

في مساءٍ عادي، جلست عائلةٌ حول مائدة الطعام. كان الابنُ الأصغرُ يروي بحماسٍ كيف حصل على تقديرٍ جيدٍ في مادةٍ صعبة. ابتسمت الأم، وربت الأبُ على كتفه، لكن أحدَ الحاضرين علّق قائلًا: “جيد… لكنك ما زلتَ متأخرًا عن زملائك”. خفتَ بريقُ الفرح في عيني الصغير، وانسحب صوتُه إلى داخله، فلم يكن التعليقُ قاسيًا في ظاهره، لكنه اختار أن يرى النقصَ قبل الجهد، والعثرةَ قبل التقدّم.  

هذا المشهدُ يتكرّر في بيوتٍ كثيرة، وفي مكاتبِ العمل، وعلى وسائلِ التواصل، وحتى بين الأصدقاء. هناك من يركّز على الخطأ ولو كان صغيرًا، ويتغافل عن الصواب ولو كان كبيرًا، كأنّه يرى العالمَ من خلال زجاجٍ داكنٍ لا يسمح إلّا بمرور العتمة.  

هذا المقالُ محاولةٌ لفهم تلك النظرةِ السوداء التي تجعل أصحابَها أسرى للعيوب، ولإدراك أثرها على العلاقاتِ والصحةِ النفسية والمجتمع، في عصرٍ رقميٍّ يضخّم الأخطاءَ ويكافئ الإثارة؛ لنرى كيف يمكننا أن نعيد تدريبَ أعيننا على رؤية النور مع الظل، والخير مع النقص.  

الفكرةُ بسيطةٌ لكنها عميقة: العالمُ ليس مثاليًا، لكن زاويةَ النظر تصنع فرقًا هائلًا في حياتنا وحياةِ من حولنا. وهناك أبحاثٌ حديثة تشير إلى أن المحتوى السلبيَّ على الشبكات الاجتماعية يجذب تفاعلًا أعلى، لأنّ الدماغ البشريَّ ميّالٌ بطبيعته إلى الانتباه لما يُهدِّده أو يُزعجه، وهو ما يسمّيه علماءُ النفس “التحيّز السلبي” (1). هذا التحيّز كان مفيدًا قديمًا لحماية الإنسان، لكنه اليوم قد يتحول إلى عدسةٍ تُشوِّه الواقع.  

حين يقرأ أحدُهم عشرين تعليقًا إيجابيًا وتعليقًا واحدًا ناقدًا، قد يعلق ذهنُه بذلك التعليق وحده. دراسةٌ لجامعة ستانفورد (2023) أظهرت أنّ التعرّضَ المستمرَّ للأخبار السلبية يرفع مستويات القلق ويُضعِف الرضا عن الحياة (2)، بينما يُظهر بحثٌ آخر أنّ تدريبَ العقل على ملاحظة الإيجابيات يعزّز المرونةَ النفسيةَ والشعورَ بالمعنى (3). المسألة ليست إنكارًا للواقع، بل استعادةً للتوازن.  

في اليابان القديمة، هناك فنٌّ يُسمّى “الكينتسوغي”، يقوم على إصلاح الفُخار المكسور بمادةٍ ذهبيةٍ تُبرز الكسرَ بدلَ إخفائه، فتتحوّل العيوبُ إلى جزءٍ من الجمال. على عكس ذلك، حين نركّز فقط على الشروخ في الناس، نفقد القدرةَ على رؤية الذهب الذي بداخلهم.  

في مجتمعاتنا العربية، يميل بعضُ الآباء إلى مقارنة أبنائهم بغيرهم ظنًّا أن ذلك يدفعهم للنجاح. لكن تقاريرَ حديثةً لليونسف (2024) أوضحت أنّ النقدَ المستمرَّ دون دعمٍ عاطفيٍّ مرتبطٌ بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب لدى المراهقين (4). كلمةُ تقديرٍ واحدةٌ قد تفتح بابًا لم يكن الطفلُ يراه، بينما نظرةُ ازدراءٍ قد تُطفئ ضوءَه.  

ومثلما يتأثر البيتُ بالنظرة المتشائمة، تمتدّ العدسةُ السوداء إلى مجالاتٍ أوسع، كالزواجِ والعمل. دراسةٌ لجامعة هارفارد (2022) بيّنت أنّ الأزواجَ الذين يحافظون على توازنٍ بين التعليقات الإيجابية والسلبية يعيشون في رضا واستقرارٍ أكبر (5). ليس المطلوبُ تجاهلَ المشكلات، بل تجنّبُ اختزالِ الشريك في عيبٍ واحدٍ. وهناك في ثقافات أميركا اللاتينية مثلًا يحتفون بالإنجازات الصغيرة داخل الأسرة، بينما تشجّع الأسرُ في الدول الإسكندنافية على تقليدٍ يُسمّى “الاعتراف اليومي”، أي أن يذكر كلُّ طرفٍ صفةً جميلةً في الآخر. هذه خطواتٌ بسيطة، لكنها تعيد للبوصلةِ اتجاهَها الصحيح.  

وسائلُ التواصل الاجتماعيّ تضخّم النظرةَ السوداء بطريقةٍ خفية، فخوارزميّاتها تميل إلى إبراز المحتوى المثير للغضب لأنّه يجذب التفاعل (6)، فيجد المستخدم نفسَه في دوّامةٍ من النقدِ والمقارنة. وقد أشار تقريرُ معهد رويترز لدراسة الصحافة (2023) إلى أنّ 40 في المئة من المستخدمين يشعرون بالإرهاق من سَيْل الأخبار السلبية (7)، ومع ذلك، أظهر “تقرير السعادة العالميّ” (2024) أن دعمَ الناس بعضِهم بعضًا ارتفع في مناطقَ عدّة رغم الأزمات (8)، ما يعني أنّ الخير موجود، لكنه يحتاج إلى عينٍ تبحث عنه.  

القرآنُ الكريم يقدّم قاعدةً دقيقة حين يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾(الحجرات: 12)، وهذه دعوةٌ حكيمةٌ إلى التمهّل والحذر من بناء الأحكام على الظنون، لأنّ النظرةَ السوداء تُولَد من تعميمٍ سريعٍ: أخطأ مرةً، إذن هو دائمًا مخطئ، بينما الحقيقة أنّ الإنسانَ أكبرُ من زلّاته.  

وفي حكمةٍ إفريقيةٍ يُقال: “الإنسانُ يصبح إنسانًا بالآخرين”، أي أننا أكبرُ من أخطائنا، لأننا نكبر بالوعاءِ الإنسانيّ الذي يجمعنا.  

ولم يكن التراثُ العربيّ والإسلاميّ بعيدًا عن إدراك هذه الحقيقة، فقد أشار الجاحظ في _البيان والتبيين_ إلى أنَّ “كثرةَ العيبِ تُفسِد الذوقَ كما يُفسِده الجهلُ” (13)، في تلميحٍ مبكرٍ إلى خطورةِ العدسةِ السوداء ودورِ الكلمة في بناءِ الذائقة أو هدمها. فتلك النظرةُ النقديّةُ المفرطة لا تضرُّ مَن ننتقدهم فحسب، بل تُفسد قدرتَنا على تمييز الجمال في أنفسنا والعالم من حولنا.  

علمُ النفس الإيجابيّ، وهو اتجاهٌ بحثيٌّ حديث، يهتمّ بتنمية مكامنِ القوّة بدلًا من علاج الضعف فقط. وفي دراسةٍ لجامعة بنسلفانيا (2022) أظهرت أنّ ممارسةَ الامتنانِ اليوميّ لمدّة ثمانيةِ أسابيع تُخفّف من أعراضِ الاكتئاب بنسبةٍ كبيرةٍ (9). الامتنانُ ليس شعورًا فحسب، بل تدريبٌ على توجيهِ الانتباه إلى ما هو موجودٌ لا إلى ما هو ناقص. وعندما يسأل الأبُ نفسه كلَّ مساء: ما الجميلُ الذي فعله ابني اليوم؟ يبدأ عقلُه فعلًا في البحث عنه. وكذلك الزوجُ أو الزوجةُ حين يلاحظان المواقفَ الإيجابيةَ، يكتشفان جمالًا كان غائبًا عن الانتباه.  

في بيئةِ العمل، تتحوّل النظرةُ السوداء أحيانًا إلى ثقافةٍ مؤسسيةٍ، وقد أظهر تقريرُ منظمةِ العمل الدولية (2023) أن أماكنَ العمل التي يسود فيها النقدُ المستمرّ تُسجّل معدلاتِ احتراقٍ وظيفيٍّ مرتفعةً (10)، بينما تُحقّق الشركاتُ التي تتبنّى “التغذيةَ الراجعة المتوازنةَ” إنتاجيةً ورضا وظيفيًّا أعلى.  

التوازن كلمةُ السر: الاعترافُ بالجهد لا يُلغي النقدَ، لكنه يجعلُه أكثرَ فاعليةً وإنسانية.  

وغالبًا ما تمتدّ النظرةُ السوداء إلى الداخل؛ فمَن اعتاد رؤيةَ العيوب في الآخرين يقسو على نفسه أيضًا. وفي دراسةٍ من جامعةِ أكسفورد (2024) أوضحت أنّ النقدَ الذاتيَّ المفرط يرتبط بارتفاع التوتّرِ وانخفاض الثقةِ بالنفس (11). حين يعيش الإنسانُ في بيئةٍ ترى الأخطاءَ أكثر من الجمال، يلتقط الصوتَ نفسه في داخله. ولهذا، فالتغييرُ يبدأ بإعادةِ ضبطِ هذا الصوت، ويتمّ بأن تمنح نفسَك حقَّ الخطأ، وأن تحتفي بخطوةٍ صغيرةٍ في الاتجاه الصحيح.  

في الثقافة الهنديّة، هناك حكايةٌ عن رجلٍ يسير في ظلامِ الليل وهو يحمل مصباحًا صغيرًا. سألوه: كيف يكفيك هذا الضوءُ الضعيف؟ فقال: “يكفيني أن أرى الخطوةَ التالية.” الحكمةُ هنا بسيطةٌ: التركيزُ على الإيجابيات لا يعني تجاهلَ الظلام، بل إضاءةَ ما يمكن إضاءته الآن.  

ورغم الأزماتِ العالمية المعقّدة، أظهر تقريرٌ للأممِ المتحدة الإنمائية (2023) أن مبادراتٍ صغيرةً في دولٍ عدّة نجحت في تحسين حياةِ آلافِ الأسر (12). الخيرُ موجود، فقط يحتاج إلى عيونٍ منفتحةِ القلب.  

كيف نتحرر من النظارات السوداء؟

البدايةُ بالوعي، وأن نُلاحظ ميلَنا إلى تسليطِ الضوء على الخطأ، وأن نسأل أنفسَنا لحظةَ الانزعاج: ماذا أغفلتُ؟ يمكن تطبيقُ تمرينٍ بسيط: عند كلِّ موقفٍ يُضايقك، اكتب ثلاثةَ جوانبَ إيجابيةٍ فيه. أو اتفقْ مع أسرتك أو فريقِ عملك على قاعدةِ “واحدٍ مقابلَ واحدٍ”: كلُّ ملاحظةٍ نقديّةٍ تُقابَل بملاحظةِ تقديرٍ.  

وفي عالم الإنترنت، قلِّل متابعةَ الحسابات التي تبثّ سلبيةً مستمرة، واستبدلْها بأخرى أكثرَ توازنًا. خطواتٌ صغيرة، لكنها تترك أثرًا كبيرًا مع الوقت.  

في النهاية، الإنسانُ ليس كائنًا كاملًا، بل لوحةً من ضعفٍ وقوّةٍ، من ظلٍّ وضوءٍ. حين نحبّ أحدًا، لا نطالبه بأن يخلو من النقص، بل نرافقه في رحلةِ تَعلّمٍ طويلةٍ ليتطوّر. فالنظرةُ السوداء تختزلُه في سقطةٍ واحدةٍ، بينما النظرةُ المتوازنةُ تراه كما هو: مزيجًا من السعيِ والرّجاء.  

وقد لا نستطيع نزعَ كلِّ ظلالِ الحياة، لكنّنا نستطيع أن نختارَ لونَ عدستِنا. فحين نرى الضعفَ بعيونِ الامتنان، يصبح حتى الكسرُ ذهبيًا كما في فنّ “الكينتسوغي”. فالقضيةُ ليست أن نصبح متفائلين ساذجين، بل في قدرتِنا على أن نرى الصورةَ كاملةً، وأن نمنح أبناءَنا وزملاءَنا وأحبّاءَنا فرصةً لأن يكونوا أكثرَ من أخطائهم، وأن نمنحَ أنفسَنا الرحمةَ نفسها. عندها فقط نكتشف أنّ الحياة، رغم ما فيها من تعبٍ ونقصٍ، تمتلئ بفرصِ الامتنانِ والنموّ.  

فهل نختار أن نرتدي النظاراتِ السوداء، أم نفتح النوافذَ ليدخل الضوء؟  

الهوامش والمراجع:

(1) باومستر، روي وآخرون. الخير أقوى من الشر: لماذا يتفوق الإيجابي على السلبي. مجلة مراجعة علم النفس العام، المجلد 26، الولايات المتحدة، 2022، ص. 323–370.

(2) جامعة ستانفورد. تأثير الأخبار السلبية على الصحة النفسية. كاليفورنيا، 2023، ص. 12–28.

(3) سيلغمان، مارتن. الازدهار: فهم جديد للسعادة والرفاه. نيويورك: دار فري برس، 2022، ص. 45–67.

(4) منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). حالة أطفال العالم 2024. نيويورك، 2024، ص. 88–105.

(5) جامعة هارفارد. دراسة العلاقات طويلة المدى. ماساتشوستس، 2022، ص. 54–79.

(6) مركز بيو للأبحاث. وسائل التواصل والتفاعل مع المحتوى السلبي. واشنطن العاصمة، 2023، ص. 14–33.

(7) معهد رويترز لدراسة الصحافة. تقرير الأخبار الرقمية لعام 2023. أكسفورد، المملكة المتحدة، ص. 21–40.

(8) شبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN). تقرير السعادة العالمي 2024. نيويورك: الأمم المتحدة، 2024، ص. 10–25.

(9) جامعة بنسلفانيا. تأثير الامتنان على الاكتئاب: دراسة في الصحة النفسية الإيجابية. فيلادلفيا، 2022، ص. 101–118.

(10) منظمة العمل الدولية. بيئة العمل والصحة النفسية. جنيف: مطبعة الأمم المتحدة، 2023، ص. 60–82.

(11) جامعة أكسفورد. النقد الذاتي والصحة النفسية. أكسفورد، المملكة المتحدة، 2024، ص. 33–59.

(12) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية البشرية 2023. نيويورك: الأمم المتحدة، 2023، ص. 120–147.

(13) الجاحظ، عمرو بن بحر. البيان والتبيين. تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة: مكتبة الخانجي، الطبعة الرابعة، 1985، الجزء الأول، ص. 78. 

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *