بلاؤنا موكولٌ بمنطقنا

كيف نصنع محنتنا بعقولنا وننجو بمعرفتنا؟

رجلان فقدا عملهما في التوقيت نفسه.
الأوّل قرأ الحدث بوصفه إهانةً شخصية ونهايةً لكلّ ما بناه، فانغلق على نفسه، وراح يرى في كلّ تأخيرٍ ازدراءً، وفي كلّ صمتٍ تآمرًا، فتحوّل الفقد إلى عبءٍ دائم، وصار البلاء أوسع من الحدث نفسه.
أمّا الثاني فقرأ الحدث بوصفه إنذارًا قاسيًا لإعادة ترتيب مساره، فسمح لنفسه بالحزن دون أن يستسلم له، وسأل: ماذا يمكن أن أتعلم؟ لم يكن أقلّ ألمًا، لكنه لم يسمح للبلاء أن يتحوّل إلى هوية تحكم حياته.
الحدث واحد، لكن المنطق اختلف، فافترقت النتائج.
من هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل البلاء فيما يقع علينا، أم في الطريقة التي نفهم بها ما يقع؟

فنحن غالبًا نعتقد أن محنتنا تأتي من الخارج، بينما كثيرٌ منها يُصنع في الداخل، في طرائق تفكيرنا، وفي المنطق الذي نفسّر به ما يجري لنا وحولنا. فالعقل المغلق لا يحتاج إلى حادثٍ كبير ليعاني، لأنه يحمل أزمته في داخله أصلًا.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾‎ (الرعد: 11).
هذه الآية في ظاهرها يمكن أن تكون شعارًا جماعيًا، ولكنها من وجهٍ آخر قانونًا نفسيًا عميقًا يوجّهنا إلى أن التغيير الحقيقي يبدأ من زاوية النظر للحدث، وبغضّ النظر عن تعقيد الظروف وصعوبتها.

تشير دراسات أجرتها جامعة ستانفورد إلى أن نحو سبعين في المئة من المعاناة النفسية لا تنشأ من الأحداث ذاتها، بل من التفكير السلبي المتكرّر الذي يعيد تدوير الألم داخل الذهن بصورةٍ مأساوية(¹). فالحدث الخارجي لا يقرّر مصيرنا بقدر ما يحدّده تفسيرنا له: أهو نهاية أم بداية؟ مأساة أم درس؟ فبحسب ما نختار من معنى تتشكّل حياتنا.

وتؤكّد أبحاث علم الأعصاب الحديث، كما في كتاب نورمان دويتش العقل الذي يغيّر نفسه (²)، أن الدماغ يعيد بناء نفسه تبعًا لنوع الأفكار التي نغذّيه بها. فالتفكير القَلِق أو الغاضب يخلق مساراتٍ عصبيةً تجعل الإنسان أسير ردّات أفعاله السابقة، وكأنه يعيد كتابة معاناته يومًا بعد يوم. بهذا المنظور يصبح التفكير بلاءً خفيًا نصنعه بأنفسنا قبل أن يصنعه ما تحمله الأقدار.

علينا أن نعي أن لكلّ منطقٍ بلاءه الخاص: منطق الكراهية يورّث العزلة، ومنطق التعصّب يخنق الحقيقة، ومنطق الأنانية يُثمر خذلانًا، ومنطق التبرير يُكرّس العجز. أمّا منطق الحكمة والانفتاح فلا يُلغي البلاء، لكنه يحوّله إلى درسٍ يصقل الوعي كما تصقل النار الذهب.

ولعلّ جائحة كورونا كانت أوضح مثال على هذا القانون الإنساني؛ فالفارق بين الشعوب لم يكن في حجم الكارثة، بل في طريقة التفكير في مواجهتها. فالمجتمعات التي تبنّت منطق التعلّم والتكيّف تجاوزت المحنة سريعًا، بينما غرق غيرها في فوضى المؤامرات والانتظارات العقيمة. لقد كان البلاء واحدًا، لكن العقول اختلفت في زاوية النظر، فاختُبر الوعي قبل أن تُختبر الموارد.

وفي القصص القرآني يُقدَّم البلاء على أنه فرصة لاختبار وتنمية الوعي لا عقوبةً أو انتقامًا.
فقد اختُبر يوسف عليه السلام، ولم يكن السجن في جوهره مأساةً، بل طريقه نحو الحكمة والسيطرة على ذاته، كما ابتُلي يونس بقومٍ ضالّين فتركهم مُغاضِبًا قبل أن يستدرك ويعود مُسبِّحًا مرة أخرى، وفي الحالتين كان الإدراك والوعي هو صانع التميّز.

لذلك تتكرّر الابتلاءات في حياة الإنسان لأن الحياة تعيد الدرس حتى نتعلّمه؛ فمن لم يتّعظ من بلاء الغرور يذق بلاء الانكسار، ومن لم ينجُ من أنانيته يُبتلى بوحدته. وكأنّ الحياة كلّها تقول لنا بلغتها الخفية: غيّروا ما بأنفسكم يتغيّر ما حولكم.

في زمن الشاشات، صار البلاء فكريًّا أكثر من كونه جسديًّا. وسائل التواصل مرآةٌ لما فينا: فمن يعيش الكراهية يملأ فضاءه بالجدل، ومن يشعر بالمظلومية يجد من يضاعف شعوره بالعجز.
وقد أوضح تقرير مايكروسوفت لعام 2023 أن 64٪ من المستخدمين حول العالم يعانون من توتّرٍ متزايد بسبب المقارنة المستمرة والجدالات الرقمية التي لا تنتهي(³). يجدر القول إن التكنولوجيا ليست شرًا في ذاتها، لكنها كشفت هشاشتنا الفكرية والعاطفية؛ نمسك الشاشة، لكنها هي التي تمسك بنا.

من يريد معرفة بداية الإنقاذ، فهي في إعادة ترتيب المنطق الشخصي. لذلك راقِب أفكارك اليومية واسأل نفسك: هل ما أكرّره حقيقة أم عادة ذهنية؟ غيّر السؤال من “لماذا يحدث لي هذا؟” إلى “ماذا يمكن أن أتعلم من هذا؟”. كما يمكن أن تمارس عزلةً واعية تنقّي فيها تغذيتك الفكرية وتعيد صلتك بذاتك بعيدًا عن ضجيج العالم.

وهذا ما تثبته أبحاث مارتن سليجمان في كتابه الازدهار: رؤية علمية للسعادة والمعنى، إذ يُبيّن أن ممارسة الامتنان اليومي تخفّف التوتّر وتزيد الرضا عن الحياة(⁴). فكلمة شكرٍ صادقة يمكن أن تغيّر كيمياء الدماغ وتعيده إلى توازنه الطبيعي.

قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾‎ (البقرة: 155).
والبشارة في هذه الآية ليست لمن يصبر صبرًا سلبيًا، ولكنها بشارةٌ خاصة لمن يتعلّم من ألمه فيحوّله إلى بصيرة، فالصبر الواعي فهمٌ لمنطق التفكير في المشكلة، وهو أول خطوات الخروج منها قبل أن يكون احتمالًا واقعيًا.

ومعادلة التغيير في الأفراد عاملةٌ كذلك في المجتمعات والأمم؛ فالمجتمعات التي تحصر نفسها في منطق الضحية تبقى أسيرة الماضي، بينما تنهض تلك التي تراجع فكرها وتتحمّل مسؤوليتها. وكمثالٍ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾‎ (الشمس: 9–10)، فالتزكيةُ التي تصدق على مستوى الفرد هي تطهيرٌ للعقل من منطق التبرير والتطيّر ومن عادة تكرار الأخطاء، وهي ذاتها تنطبق على الأمم التي تريد تطهير عقلها وسلوكها لتحقيق التطوّر والنماء.

حين نتأمّل البلاء بهذا الوعي نكتشف أنه نوعٌ من العبادة الفكرية، عبادة الصدق مع الذات، فالألم يحرّرنا من الغفلة ويعيدنا إلى جوهر إنسانيتنا، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾‎ (ق: 37).
القلب هنا هو الوعي الذي يسمع ويفهم ويراجع ويصحّح ليكون شاهدًا على التغيير.

في عدالة الوجود أن ﴿..الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾‎ وأن ﴿..يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾‎، ويمكن أن نستفيد من هذه الآية أن كلّ تفكيرٍ سطحيٍّ زائلٌ كالرغوة تختفي وتتلاشى، وأن كلّ وعيٍ وفهمٍ نافعٍ باقٍ كالماء الذي يروي الأرض ويحييها على مستوى الفرد والمجتمع.

الأمثلة من حولنا كثيرة: صديقٌ تعلّم من خيبته أن يكون رحيمًا، ومجتمعاتٌ خرجت من محنتها أكثر وعيًا بالعيش المشترك والتعاون على البرّ، وأرواحٌ نضجت بالصبر حتى تجاوزت ذاتها القديمة وتألّقت في واقعها كقدوات في حمل قيمٍ أو مبادئ سامية.

نخلص إلى أن البلاء ليس نقيض الحياة، بل هو وقودها، ولكن حين نفهم أن جوهرها تربيةٌ وتزكيةٌ للارتقاء بنا لا لمعاقبتنا. لذلك لا يجب أن نسأل “لماذا أنا؟” فهذا سؤال قد يغلق باب العقل، لكن لنتساءل “لأيّ غايةٍ حدث هذا؟” لأنه سؤالٌ تنفتح به نوافذ الفهم على مصراعيها. وهذا بدوره يُحدث زلزالًا داخليًا حين نستخدم العقل للتأمّل والتفكير لنفهم ونجتني الحكمة، فالتغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من داخل المنطق حين يتحوّل من قيدٍ إلى نافذة.

لا أحد يستطيع أن يمنع البلاء، لكن كلّ إنسانٍ يستطيع أن يختار طريقته في التفكير فيه. وأخطر ما يُبتلى به المرء أفكاره التي لا يشكّ فيها، لأن العقل الذي لا يراجع نفسه يتحوّل إلى سجنٍ يغلّف صاحبه باليقين الزائف، والمعرفة وحدها هي المفتاح الذي يحرّره.

نحن نحيا في زمنٍ يزداد اضطرابًا وتسارعًا، وحاجتنا فيه إلى التفكير الرشيد ضرورةٌ نفسية لا ترفًا فكريًا. فالإصغاء إلى الذات، وتأمّل الانفعالات قبل إصدار الأحكام، وإعادة ترتيب المنطق الداخلي، هي أدوات النجاة الحقيقية. فالحياة، مهما بدت قاسية، ليست عقابًا بل تدريبٌ على الفهم، والبلاء في سره هديةٌ قاسية لا يدرك قيمتها إلا من يبحث عن النضج.
لذلك لا يجب أن نسأل “متى ينتهي الابتلاء؟“، فهو لن ينتهي لأنه حقيقةٌ متغلغلةٌ في كُنه الوجود، ولكن علينا أن نسأل “متى نبدأ في فهمه؟“.


المراجع

  1. جامعة ستانفورد، الأنماط الذهنية والتوتر النفسي، 2022، ص45–47.
  2. نورمان دويتش، العقل الذي يغيّر نفسه، دار بنغوين، 2018، ص112.
  3. شركة مايكروسوفت، مؤشر السلامة الرقمية العالمي، 2023، ص18.
  4. مارتن سليجمان، الازدهار: رؤية علمية للسعادة والمعنى، فري برس، 2011، ص92.
  5. فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار الحديث، 2001، ص214–215.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *