بهاءٌ يعود من العمق: تأمّلٌ في التحوّل بعد الأمومة 

الأمومة

كيف أعادت تجربةُ الأمومةِ تعريفَ الذاتِ والجمالِ والقدرةِ على العطاء.

أثناء تصفّحي في “إنستغرام”، توقّفتُ عند مقطعٍ قصيرٍ لأمٍّ تتحدث عن السنوات الأولى من أمومتها، عن التعب والارتباك والشعور بأنها لم تعد تعرف نفسها كما كانت. قالت في بدايته عبارةً لافتة:  

“When a flamingo becomes a parent, they lose their pink.”

تحدثت عن مثالٍ في عالم الحيوان المذهل: كيف أنّ طيورَ النحام، المعروفةَ بلونها الورديِّ المشرِق، تفقد تدريجيًّا بريقَ لونها بعد أن تفقس بيوضُها؛ فالعنايةُ بالصغار تستهلك من مخزونِها الحيوي ومن غذائها الذي يحافظ على الصبغة الوردية في ريشها. لكن ما يُبهِج حقًّا أنّ اللونَ يعود لاحقًا شيئًا فشيئًا حين تنضج الفراخُ وتبدأ الأمُّ في استعادة طاقتها والاهتمام بنفسها.  

توقّفتُ عند هذه الفكرة طويلًا، لأنّها تُشبه ما شعرتُ به في أوّل عامٍ من الأمومة.  

فبعد الولادة، كلُّ الطاقة تتركّز نحو الطفل الجديد.  

كنتُ أستحضر دائمًا عبارةً: “هذا المخلوق خرج من رحمةِ الله إلى رحمتِنا”، فأُحسّ بثقلِ المسؤولية والرغبةِ الصادقة في العناية، لكن مع مرور الوقت بدأتُ ألاحظ الإرهاقَ يتسلّل إلى ملامحي وداخلي، وبدأ سؤالٌ يطغى بصوته الناعم والمربك: “مَن أنا الآن؟”

ذلك الشعور لا يخصُّ الأمهات وحدهنّ؛ فكلُّ إنسانٍ يمرّ في حياته بلحظةٍ كهذه، يتساءل فيها مَن يكون وقد تغيّر كلّ شيءٍ من حوله، لكن في مخاضِ تجربةِ الأمومة، يصبح السؤالُ أكثرَ عمقًا؛ لأنّها لحظةٌ تتقاطع فيها الهويّةُ مع المسؤولية، والجسدُ مع العاطفة، والحنانُ مع الحاجة إلى أن تبقى المرأةُ قادرةً على أن تكون ذاتَها.  

التغيير من الداخل

بعد الولادة لا يتغيّر شكلُ الحياةِ فقط، إنّما يتغيّر الجسدُ من الداخل أيضًا؛ فالمرأةُ تمرّ بعد الولادة بسلسلةٍ من التغيّرات الهرمونية والفسيولوجية العميقة. ينخفض مستوى هرمونَي الإستروجين والبروجسترون فجأةً بعد الولادة، وهما الهرمونان اللذان كانا في أعلى مستوياتهما أثناء الحمل. وهذا الانخفاضُ السريع يؤثر في الجهازِ العصبي والمزاج في آنٍ معًا. في الوقت ذاته يرتفع هرمونُ البرولاكتين المسؤولُ عن إنتاج الحليب، والذي يرتبط أيضًا بزيادة التعلّق العاطفي بالطفل، لكنه في المقابل قد يُسبّب شعورًا بالخمول والانعزال. كما يعمل الجسمُ على إعادةِ توازنِ السوائل، وتقلّصِ الرحم، وتعديلِ نمط النوم الذي يفقد انتظامَه بفعل العنايةِ المستمرة بالمواليد الجدد.  

أمّا على المستوى النفسي، فقد تشعر الأمّ بلحظاتٍ من البكاء دون سبب، أو بالخوف من فقدِ السيطرة، أو بالوحدة رغم وجود من تُحبّ. وهذه الحالةُ شائعةٌ جدًا وتُعرَف باسم “Baby Blues”، وهي مرحلةٌ مؤقتةٌ تعكس محاولاتِ الجسدِ والعقلِ للتكيّف مع الدور الجديد.  

وفي عمق هذه التحوّلات يُعادُ صياغةُ نظامِ الأم الداخليِّ بالكامل — جسدًا، وعصبًا، ومشاعرَ — لتتكيّف مع حياةٍ جديدةٍ يحمل فيها القلبُ مسؤوليةً أخرى غير ذاتِه.

بطءٌ جميل وبهاءٌ يعود

كثيرٌ من النساء يشعرن أن الزمن تغيّر شكلَه في تلك الفترة. ليست هناك بدايةٌ أو نهايةٌ لليوم، فاللّيلُ والنهارُ يتناوبان بلا حدودٍ واضحة؛ كأنّ الساعةَ تدور حول احتياجات المولودِ فقط. ويشعرن أحيانًا بمسافةٍ بينهنّ وبين العالم القديم: أصدقاءُ يمضون في حياتهم، بينما هُنّ في دوّامةِ الرضاعةِ والتهدئةِ والبكاء، ممزوجةٍ بمشاعرَ الحبِّ والقلقِ وبعضِ الارتباك.  

المجتمعُ يرى الأمومةَ وكأنّها حالةٌ دائمةٌ من السعادة، لكنّ الحقيقة مختلفة: فالسعادةُ ممتزجةٌ بتعبٍ كبيرٍ لا يُعبّر عنه بالحديث، وقد يُرافقها فقدٌ مؤقتٌ للذاتِ القديمة، ولعلّ هذا ما يجعل التجربةَ أكثرَ عمقًا. فالأمُّ في واقعها تدخل مرحلةَ إعادةِ تعريفٍ لنفسها من جديدٍ بعيدًا عن التوقّعات التي يحملها الجميعُ لها.  

فكيف تستعيد المرأةُ بهاءَها؟

العودةُ إلى “اللون الوردي” لا تعني استرجاعَ المظهرِ القديم، بل بناءَ لونٍ جديدٍ يولد من الداخل، أكثرَ نضجًا وصدقًا. تبدأ الرحلةُ بإعادةِ التواصل مع الجسدِ ومصالحته؛ دقائقُ قليلةٌ من الهدوء تكفي لتذكّره بالامتنان: تنفّسٌ عميق، أو مشيٌ قصير، أو تمدّدٌ خفيفٌ يُوقظ الإحساسَ بالحياة؛ فالجسدُ الذي منح الحياةَ يستحقّ لحظةً من الشكرِ والسلام.  

ثم تأتي عنايةُ الروح الصغيرة التي تُعيدُ التوازن بين الواجبِ والرغبة: لحظاتُ صمتٍ في صباحٍ دافئ، كوبُ شاي، قراءةٌ خاطفة، أو موسيقى تُعيد ترتيبَ الفوضى في الداخل. عندها يبدأ التحوّلُ الحقيقيّ حين يتبدّل الحوارُ الداخليّ؛ فلا تقول إنّها فقدت ما كانت عليه، بل إنّها تتشكّل من جديدٍ نحو نسختِها الأعمق. فالحبُّ في داخلها يغيّر ملامحَه ليتّسع لحياةٍ مختلفة.  

البهاءُ يظهر أيضًا في القدرة على الاعتراف بالحاجة إلى الدعم؛ فالعطاءُ للآخرين لا يكتمل إلّا حين تمنح ذاتَها نصيبًا من الراحةِ والاهتمام، فإنّ فاقدَ الشيء لا يُعطيه.  

وأخيرًا إنَّ إحياءَ الشغف — أيًّا كان شكلُه — يُرمّم خيوطَ المعنى بين الأمِّ والحياة، حين تُخصّص لحظتَها الصغيرةَ لفعلٍ يُعيدُ الضوءَ إلى داخلها؛ لا لتستعيدَ ما كان، بل لتكشفَ عمّا صار أجمل.  

كلّما سمحتِ لنفسِكِ أن تكوني “غير مثالية”، اقتربتِ من حقيقتك؛ وكلّما اعترفتِ بأنّك أنهِكتِ، منحتِ الجمالَ فرصةً ليعود بشكلٍ أصدق. فبهاءُ المرأةِ لا يسكن في بريق وجهِها، بل في صدقِ حضورِها في حياتِها. ومثل طائرِ النحام، اللونُ لا يضيع… إنّه فقط ينتظر أن تعودي إلى نفسك.  

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *