يتحدث الناس اليوم عن الحبّ أكثر مما يعيشونه. في الخطاب الديني، كما في لغات الفنّ، تتكرر الكلمة نفسها، حتى صارت أشبه بالديكور الجمالي للقيم، لا روحها. ولكن، هل ما نسميه حبًّا اليوم هو ما أراده الله في كتابه؟ أم أنَّ الفضيلة تحوّلت إلى شعار يجمّل القبح بدل أن يغيّره؟
هكذا ظهرت في حياتنا محبّات مُزيفة، جميلة في ظاهرها، لكنَّها تُبرّر الخطأ وتُسكِت الضمير.
فمن أكثر التحريفات شيوعًا أن تُفهم المحبةُ على أنّها دعوةٌ إلى التنازل عن الحقّ، يُظَنّ أنَّ الصمت عن الظلم نوعٌ من التسامح، وأنَّ السكوت عن الخطأ احترامٌ للآخرين. فالمحبّ الصادق لا يرضى بأن يُظلم غيرُه، ولا يرى في الكلام بالحقّ تهديدًا للسلام، فالمحبة التي لا تدافع عن المظلوم ليست حبًّا، والمحبة بلا عدل نوع آخر من القسوة.
صورةٌ أخرى من الزيف أن تتحوّلَ المحبّةُ إلى انفعالٍ شكليٍّ بلا بصيرة؛ كم من مشاعرَ جياشةٍ تدّعي الإخلاص، ثم تتركُ الواقعَ كما هو! تُختزَلُ إلى حماسٍ جماعيٍّ أو طقوسٍ مكرَّسةٍ بلا وعيٍ ولا عمل. فالحبّ في حقيقته فعلٌ يوميٌّ تتعدّد مجالاتُه: إخلاصٌ، ونيّةٌ، وموقف. فالمحبّةُ الصادقةُ لا تحتاجُ إلى ضجيج؛ يكفيها أن تُثمِرَ عدلًا، وتردَّ باطلًا، وتُنبِتَ إحسانا.
وإذا كان هذا وجهًا من الزيف، فإنَّ وجهًا آخر يتجلّى في أنَّ كثيرا من الناس يخلطون بين الرحمة والمداهنة. يقولون: “المحبة تعني تقبّل كلّ شيء” فيقبلون الباطل ولا يسمّونه باسمه، ويسكتون عن الخطأ خشية أن يُتَّهموا بالحدّة. لقد حذّر القرآن من هذا النوع من اللين المفرط ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾(القلم: 9) فالمحبّة الحقيقية تُربّي القلب على اللطف دون أن تُخرسه، تجمع بين الرحمة والموقف، وتقول للخطأ: هذا خطأ، ولكنّني أراك بعيون الرحمة لا الكراهية.
وأخطر أنواع الزيف أن تتحوّل المحبّة إلى مرآةٍ للأنانية، فقد يظنّ المرء أنَّه أحبَّ الله، وهو في الحقيقة لا يرى إلا نفسه. وتتجلّى أحيانًا في المتديّن الذي يطيل الدعاء ليؤكّد طُهره الداخلي، فيرى كلّ تقصيرٍ حوله دليلاً على تفوّقه، كأنَّ القرب من الله امتيازٌ شخصيّ، لا تواضع ومسؤولية.
وتظهر فيمن يتبرّع بماله أو وقته في سبيل الخير، لكنّه لا يهدأ حتى يراه الناس ويشكرونه، فهو لا يهوى العطاء بقدر ما يهوى صورة نفسه وهو يعطي.
وهناك من ينسحب من العالم مُدّعيًا أنّه يحافظ على نقاء قلبه، وهو في الحقيقة يخاف المواجهة، فيُقنع نفسه بأنَّ العزلة صفاء، بينما هو يخفي في داخله شعورًا بالتفوق.
في جميع هذه الأمثلة هناك حبٌّ يدور حول ذاته ولا يصل إلى الآخر، حبٌّ لا ينقّي النفس بل يُغذيها بشعور التميّز، أما المحبّة الأصيلة، ففيها يتلاشى المرء أمام الله، فيجد الله في كلّ وجهٍ سواه.
ومن ممارسات الزيف أن ينحرف الحبّ عن شموله الرحمة للناس جميعًا، فيُختصر في دائرة الحزب أو المذهب أو الانتماء. فيُبرَّر البغض، وتُشرعن القسوة باسم “حبّ أهل الحقّ”. لكنَّ القرآن يردّ الفرد إلى إنسانيته الكاملة ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾(الأنبياء: 107) ليس المُحبّ من يحبّ القريب وينسى البعيد، ولا من يحصر الرحمة في المؤمنين ثم يُعادي خلق الله، بل من يرى في كلّ إنسانٍ موضع كرامته الأولى.
وعلى الجانب النفسي هناك نوع من المحبة أصبح شائعًا وهو تبرير الأنانية باسم الحدود الصحية حيث تُقدَّم نصائح متكررة في الخطاب النفسي المعاصر: “احذف من حياتك كل من يسبّب لك طاقة سلبية.” هذه النصيحة قد تكون مفيدة في حال الأذى الحقيقي، لكن الإشكال حين تتحوّل إلى عادةٍ لقطع كل علاقةٍ تستدعي الصبر أو الحوار وتصبح “الراحة النفسية” بديلاً عن النضج العاطفي.
أو يقول أحدهم: “أريد أن أعيش بسلام مع نفسي، لذلك لا أتدخل في قضايا الناس” فيبدو متوازنًا ظاهريًا، لكنَّه في العمق يُقصي نفسه من الواجب الإنساني، فالسلام لا يتحقق بالعزلة، وإنَّما بالعمل في سبيل الخير حتى يصفو الضمير، فمن أحبّ نفسه بحقٍّ سعى لأن يسمو بها، لا أن يُدلّل ضعفها، ومن أحبّ الله أحبّ الحياة التي أقامها ميدانًا للخير والعدل.
كلّ هذه الأمثلة تشير إلى حقيقة واحدة: أنّ الفساد الأكبر في مفهوم الحبّ هو فصله عن المعرفة والحقّ والمسؤولية.
حين نستعيد معاني الحب الحقيقي، تتحرّر الأخلاق من الزينة اللفظية وتعود إلى جوهرها العملي. فالله لا يُحبّ الحبَّ الضعيف الذي يصمت أمام الخطأ، وإنَّما يحبّ القلوب التي تتّقد بالرحمة وتُضيء بالعدل، لأنّ المحبّة في حقيقتها ليست نهاية الطريق، إنَّها بدايته.
استجابات