بين جاهليّتين: غياب المعنى وخيانة الأمانة

في عالمٍ تمتلئ شاشاته بالأخبار، وتفيض فضائياته بالقصص والسرديات، لم يعد الموت صادمًا، ولا الظلم مفاجئًا، ولا مشاهد الدمار توقظ ضمير الإنسان. إنما الدهشة، وكل الدهشة، تكمن في هذا الصمت الذي يزداد اتساعًا يومًا بعد يوم. مدنٌ تُمحى، وأطفالٌ يُقتلون، وشعوبٌ تُحاصر، ثم نمضي إلى أعمالنا وكأن شيئًا لم يكن. نسمع كلمات كبيرة مثل الواقعية، والمصالح، والتوازن، والاستقرار، حتى نذعن لفكرة أن ما يجري أعقد من أن يُواجه، وأن الصمت ضربٌ من العقلانية، وأن التكيف مع الواقع هو عين الحكمة. ومع ذلك، يبقى سؤال يطارد الضمير قبل الفكر: متى أصبح تعليق الأخلاق فضيلة؟

حين نسمع كلمة الجاهلية، يتجه الذهن تلقائيًا إلى الماضي؛ إلى زمن السيوف، والعصبيات، وغياب القانون. غير أن الجاهلية لم تكن يومًا نقصًا في الوسائل، ولا قصورًا في الخبرة، وإنما كانت اضطرابًا في البوصلة، وانحرافًا في الغايات. فالإنسان القديم عرف التنظيم، وأقام شبكات المصالح والتحالفات، وكانت جاهليته ثمرة غياب الوعي بالغاية التي خُلق من أجلها، لا نتيجة قلة الوسائل. عاش يتحرك في الأرض كثيرًا، لكنه لم يعرف لماذا يتحرك، وبنى حضارته، لكنه لم يبنِ ضميره، فغاب عنه الالتزام الأخلاقي الذي يسمو على المصلحة، ويتجاوز حدود الذات .

الجاهلية تظهر حين يرى الإنسان نفسه محور العالم، وحين تتحول القوة عنده إلى حق، وحين يصبح السؤال الوحيد هو – ما الذي يناسبني الآن؟ عندها يغدو الحق مؤجلًا، والواجب فاقدًا لمعناه، وتتحول القيم إلى عبء قابل للتجاوز عند أول اختبار.

 وقد عبّر القرآن عن هذا المنطق بكشف هادئ حين قال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ) (سورة يس – 47) … المشكلة هنا لم تكن في إنكار الحق، بل في الهروب من المسؤولية، وفي نقل العبء الأخلاقي إلى خارج الذات.

هذا المنطق نفسه يحكم عالم اليوم، وإن تغيّرت لغته. فالجاهلية الحديثة لا تعيش في الهامش، وإنما تستقر في قلب النظام العالمي. ترتدي ثوب القانون والمدنية، وتتحدث باسم الحقوق والعدالة الإنسانية، وتستخدم لغة أنيقة تخفي جوهرًا قاسيًا ذا مآلات خبيثة. إنها جاهلية تعرف الحقيقة جيدًا، ولكنها تشيح بوجهها عنها، وتصمت عن الظلم عن سابق وعي.

تتجلى الجاهلية الحديثة بثلاث صور واضحة لا يمكن تجاهلها ” تعليق الأخلاق عند تعارضها مع المصلحة، وتطبيع الظلم بحجة الواقعية السياسية، وتحويل الخوف إلى سياسة عامة تُدار بها الدول والمجتمعات”. وعندها يغدو الصمت اختيارًا أخلاقيًا مكتمل الأركان، لا مجرد موقف محايد .

 ما جرى ويجري في غزّة لم يكن حدثًا غامضًا. الصور واضحة، والأرقام معروفة، والقتل موثّق، والعقاب الجماعي معلن، وانتهاك القانون الدولي جارٍ على مرأى العالم. ومع ذلك، اختار كثيرون الصمت. لم يكن ذلك بسبب الجهل، وإنما لأن المعرفة تحولت إلى عبء أخلاقي. قيل إننا لسنا طرفًا، وقيل إن الأمور معقدة، وقيل إن الخشية من التصعيد تفرض التريث. وما هي إلا لحظات حتى عُلقت الأخلاق، وطُبع الظلم، وغدا الخوف سيد الموقف.

 هذا المشهد تجاوز حدود الفشل السياسي إلى سقوط أخلاقي عميق. فحين يعرف الإنسان ما يحدث ثم يبرر الصمت، يكون قد دخل قلب الجاهلية، حيث بات التعايش مع الجريمة أمرًا مألوفًا بعد أن كانت تُستنكر .

 فى مثل هذه الاحوال تتجلى الجاهلية المعاصرة في أخطر صورها، إذ يُقدَّم الاستقرار الوهمي على الكرامة، ويُدفع الإنسان إلى التكيف مع الظلم بدل مقاومته، ثم يُسوَّق الصمت على أنه ذروة العقل والحكمة. وهكذا لا يُهزم الضمير بضربة واحدة، بل يُدرَّب على التنازل حتى يألفه ويعتاده.

قد يقول البعض إن هذه قضايا دول وسياسات كبرى لا شأن للأفراد بها، لكن الجاهلية لا تبدأ من القصور، وإنما من اللحظة التي يقبل فيها الإنسان أن يعيش بلا موقف. فكلما أقنع نفسه بأن ما يجري لا يعنيه، أو أن الصمت هو الوجه الآخر للواقعية، كان شريكًا – ولو لم ينطق بكلمة – في تعطيل الأخلاق وإفراغها من معناها.

 ولهذا لم يقدّم القرآن الإنسان بوصفه متلقيًا للأحداث، وإنما بوصفه خليفة مسؤولًا عن عمارة الأرض وإقامة العدل، فقال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(سورة البقرة – 30). فالخلافة ليست سلطة تُمارس، بل مسؤولية تُحمل لبناء الحضارات؛ إذ لم يُخلق الإنسان ليكون متفرجًا على الحق والباطل، ولا تابعًا للخوف، بل أمينًا على القيم كلما غابت، وشاهدًا للحق كلما حاول الناس إخفاءه.

 لم يكتف القرآن بتكليف الإنسان بالخلافة، بل بيّن أن أساسها هو حمل الأمانة، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا… وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ (سورة الأحزاب – 72). وحمل الأمانة، وهي مشروع بناء الانسان، يعني أن تبقى الأخلاق حاضرة حين تبرز المصالح، وأن يكون الموقف الإنساني ثابتًا حين تضيق الخيارات.

ومن هنا، حين يتخلى الإنسان عن موقعه خليفةً وأمينًا، يغدو أخطر ما نعيشه اليوم اعتياد الصمت، لا كثرة الحروب ولا شراسة القوى. فحين يصبح الظلم خبرًا عابرًا، وحين يُختزل الإنسان في رقم، وحين تُدار السياسة بلا ضمير، تطل الجاهلية من جديد، ولكن بوسائل أكثر حداثة.

لم يُطلب من الإنسان أن يكون بطلًا، ولا أن يحمل العالم على كتفيه، ولا أن يغيّر مجرى التاريخ وحده. ما طُلِب منه فقط أن لا يتخلّى عن موقعه حين يأتي الاختبار، وأن لا يُسلِّم ضميره للخوف أو للمصلحة. فهناك سؤال واحد يفصل بين الإنسان والجاهلية، سؤال لا يحتمل المراوغة وهو:

حين يتعارض الحق مع المصلحة، وحين يُطلب منك الصمت باسم الواقعية أو الخوف، أين تقف؟

 حسنا … ماذا نستخلص؟

إذا كانت الجاهلية القديمة قد نشأت من اضطراب البوصلة، فإن الجاهلية الحديثة تنشأ من تعطيل الضمير. ومن هنا، فإن الخروج منها يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الواقع، من خلال  ترتيب بعض المبادئ العامة في المجتمع منها:

  • ترسيخ مبدأ أصيل فى جميع مناهج التعليم، أن الأخلاق هي الحاكمة والمنظمة لسلوك الإنسان، وليست تابعة للمصالح أو خاضعة لها. فلا حق يُبنى على ظلم، ولا مصلحة تستحق أن تُنال على حساب كرامة الإنسان.
  • إعادة الاعتبار لمعنى المسؤولية الفردية حين تبرز الاصطفافات، فلا يبرر الإنسان صمته وتخاذله بحجة أن القضايا أكبر منه، لأن كل موقف أخلاقي يبدأ من ضمير الفرد قبل الجماعة.
  • تربية الأجيال الأسرية على التفكير القيمي، لا على الحسابات النفعية وحدها، ليبقى السؤال الأول – ما الحق؟ قبل أن يكون – ما المصلحة؟
  • مقاومة تطبيع الظلم في الإعلام، بعدم تحويل المشاهد المؤلمة إلى مادة اعتيادية متكررة، حتى لا يفقد الإعلام قدرته على تحريك الضمير؛ فالاعتياد على المأساة هو أول أبواب الجاهلية .
  • استحضار معنى الخلافة والأمانة في مؤسسات الدولة، فالمؤمن ليس متفرجًا على التاريخ، وانما شاهدًا عليه وصانعًا له، ومسؤول أمام الله عن موقعه منه.
  • إدراك أن أخطر الهزائم ليست هزيمة الجيوش، بل هزيمة الضمير؛ فإذا بقي الضمير حيًا أمكن إصلاح كل شيء، وإذا مات فلن تنفع كثرة الشعارات ولا وفرة الإمكانات.

والنهضة تولد من يقظة الضمير قبل وفرة القوة، وتنتهي الجاهلية يوم يستعيد الإنسان المعنى الذي خُلق من أجله، ويحفظ الأمانة التي حمّلها الله له. فظلم الأقوياء ليس أول فصولها، وإنما تبدأ حين يعتاد الآخرون الصمت .

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *