تحت التراب

تُدفَن البذرة تحت التراب، في ظلمةٍ رطبةٍ وسكونٍ عميق، كي تنبت وتورق وتزهر.

وتُدفَن أجسادنا نحن البشر أيضًا تحت التراب، بعد أن نؤدّي دورنا في الحياة.

ما بين البذرة التي تُخفى لتنبت، والإنسان الذي يُوارى ليطوي صفحة حياته على الأرض، سرٌّ واحدٌ عجيب بأنّ كلّ حياةٍ حقيقية تبدأ من تحت الأرض “مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (طه 55) “.

إذ المخلوقات غير العاقلة خاضعة لغرائزها، ماضية في مسارها الذي رسمه الله لها، لا تملك حياله رفضًا أو تمردًا؛ بينما الإنسان يملك الفطرة التي تتجاوز الغريزة، فهو المخلوق الوحيد الذي أُعطي الروح والعقل والحرية في آنٍ واحد، ليكون مسؤولًا عن اختياره في هذه الأرض، فهل سيعيش على نهج “صراع البقاء” كما تفعل الحيوانات، أم سيختار أن يكون معمّرًا للأرض، يبذر فيها الخير والكرامة والجمال؟

بعد الحرب العالمية الثانية، تحولت مدينتا هيروشيما وناغازاكي إلى رماد، لكن اليابان نهضت من تحت التراب خلال عقدين فقط من الزمان، فأعادت بناء نفسها لتصبح من أقوى اقتصادات العالم، لتكون صورة إنسانية لنفس قوانين الخلق؛ من الطين والرماد يولد الخير وينمو إذا بقيت الروح صالحة، فالتراب لا يميز بين من يُدفَن فيه؛ لكنه يشهد على ما استُخرج منه أو مرّ عليه نافعًا أو مدمّراً أو عابرًا بلا أثر.

كذلك حين نرى شجرةً خضراء نبتت على قبرٍ أحدهم، نتوقف قليلًا، وينتابنا شعوٌ خفيٌ، في الظنّ أن صاحب القبر كان صالحًا، ففي قرية صغيرة بالمغرب زرع الأهالي شجرة تين فوق قبر معلمهم، وبعد سنوات صارت الشجرة رمزاً لقريتهم، يأكل الناس من ثمرها وهم يقولون: “مازال الشيخ يطعمنا من علمه”، وكأنّ الشجرة أزهرت من بقايا خيره، وارتوت من ذكره الطيبٍ فصارت تكافئ الخلق بإنبات جميل، فهي تُبقي الأثر ولو تبدلت الأجساد.

 ما أعجب أن يظلّ التراب حيًّا بعد موتنا، يلد حياةً من موت، ويُخفي في جوفه بذورًا لم تنتهِ رحلتها بعد.

ربما لا تختلف قبورنا كثيرًا عن تربة البذور، فكلّ موتٍ تليه ولادة جديدة بطور مختلف. 

هكذا خلق الله الأرض تُخفي لتُظهر، وتبتلع لتُنبت، وتدفن لتُعيد المعنى إلى الوجود.

فلنكن نحن أيضًا مثل تلك البذور، نُحتضن في قلوب الناس لا بالأجساد، وإنما بالأثر الطيب، بالكلمة النافعة، بالفعل الكريم، وبالظلّ الذي يَسكن تحته غيرنا ليرتاح.

لم يكن لكثير من الأنبياء والمصلحين قصور ولا قبور فخمة ولا حتى بقايا قبور بسيطة، ولكن نبتت من دعوتهم أمم وأجيال وكأن الأرض نفسها ارتوت من رسالتهم فأخرجت حضارات وثقافات وسلوك وأخلاق.

ليس المهم كيف تُدفن تحت الأرض، إنما المهم أن تترك فوقها ما يجعل الأرض تشهد أنك كنتَ غرسًا نافعًا لا جثةً مدفونة.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *