تحية الإسلام

تتجاوز تحية «السلام عليكم» كونها افتتاحًا عابرًا للمجالس، وتعمل كإطار منظم للعلاقات الإنسانية، ولكن أغلبنا يغفل المعنى العميق الكامن خلف تلك الكلمات الخفيفة التي اعتدناها. فحين تقول «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، أنت تعاهد من تخاطبه بأنه في سِلم منك، وتُشهد الله ومن حضر لقائكما على ذلك، ويأتي الرد «وعليكم السلام» بوصفه التزامًا متبادلًا بردّ العهد وصيانته، فتتحول تلك الكلمات التي نقولها دون وعي إلى مسؤولية أخلاقية ملزمة، لتصبح كلماتك سِلمًا، ويغدو حضورك سِلمًا.

تمثل عبارة «السلام عليكم» بوابةً لفهمٍ أعمق للوجود الإنساني، فالإدراك فيها وعيٌ بأن الحياة المشتركة تقوم على الأمان والثقة وهما نقيضي الشكّ والعداء، والوجدان فيها إحساس دافئ يُرسّخ المحبّة ويزيل التباعد ويتمخض ذلك عن العزم الواعي على تحويل هذا الإدراك والشعور إلى فعلٍ متكرّر في واقع الحياة.

تكشف هذه العبارة عن نية الإنسان قبل أن يكشف عنه فعله، وتضعه أمام مرآة داخلية في كل لقاء، فتدعوه إلى مراجعة ما في قلبه، وتمنحه فرصة واعية لضبط المسار قبل المضي في العلاقة، ومؤسف أن نرى من يتعامل مع تحية الإسلام وكأنها علامة حصرية تُتداول داخل دائرة ضيقة، ويُغفل حقيقتها الأوسع، فالمعنى الذي تحمله يدعو إلى البناء والإعمار والتآخي مع كل إنسان، ويجعل السلم هو الوضع الطبيعي في العلاقات.

فحين يبدأ الموظف يومه بتحية “السلام عليكم” وهو مستحضر معناها العميق، فإنه يغرس بيئة من الاحترام والتعاون، ويضمن أن التواصل المهني قائم على الطمأنينة لا على التنافس العدائي. بينما يبعث المدير الذي يفتتح اجتماعه بهذه التحية الصادقة رسالة غير لفظية بأنه لا يسعى إلى السيطرة بل إلى الشراكة، وأن القرارات التي تُتَّخذ تنطلق من روح العدالة والصفاء. 

وتتجلى في الأمومة أيضا حين تصبح الكلمة فعل حنانٍ واحتضانٍ رمزي، فالأم التي تقول لطفلها “السلام عليك يا بني” لا تهدهده فقط بحروف، بل تُغرس في نفسه رسالة أمانٍ تجعله يواجه العالم بثقة. سلام الأمّ ليس لفظًا، بل هو البيئة التي تحتضن نمو الطفل النفسي، فيتعلم من خلالها أن الطمأنينة تبدأ من البيت قبل أن تُطلب من المجتمع. 

نعم، هذه التحية تؤسس فنّ بناء الجسور في المجتمع، فحين يُقابل الإنسان جاره أو زميله بتحيةٍ حقيقية، يُحيي معه عقدًا من السكينة، ويعيد الثقة إلى فضاء العلاقات الإنسانية التي أرهقها سوء الظن والعزلة الحديثة. 

أما في المجال الاقتصادي، فإن أدرك التاجر مفهوم السلام إدراكًا حقيقيا، صار تعامله مع الزبائن شفافًا قائمًا على الوضوح، وأصبح السلام قيمة اقتصادية تعني «الصفقة الآمنة» التي تُبنى على الثقة المتبادلة وعدالة الربح. 

وهكذا، يتحول “السلام عليكم” من تحية إلى ميثاق سلوك. أن تقولها يعني أن تُعلن نيتك في أن تكون جزءًا من تصحيح عالم يزداد توترًا؛ أن يكون بيتك وبيئة عملك واقتصادك دوائر متكاملة للسلام، كلٌّ منها يعكس اتساق العقل والوجدان والإرادة في انسجامٍ قيميٍّ واحد.

أيستحق هذا المعنى أن تستحضره كلما خرجت تلك الكلمات من بين شفتيك؟ 

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *